الثلاثاء، 31 مارس، 2009

حيرة دنيوية فقط



بسم الله الرحمن الرحيم



ذهبت أمس بعد خروجي من العمل إلى مجمع المطاعم في برج الفيصلية. أكلت وجبتي التي أتيت من أجلها من المطعم الياباني، استمتعت بها، كانت لذيذة، ولكن، ماذا بعد؟ لقد ذهبت وحدي، وليس للأكل متعة هكذا، خصوصاً إذا ما كان الطعام مميزاً. لم يكن يفترض بهذه التجربة أن تكون فردية، ولا يعني هذا أني أرغب بالذهاب وحدي في تجارب أخرى إلى المطعم، مثل وجباتي المعتادة في برجر كنج مع قراءة الجرائد، دون أن يزعجني أحد، حيث لا أفضل اصطحاب أحد إلى هناك. ولكن، يبدو أن هذا النوع هو المتاح حاليا، الذهاب منفرداً، لاستطعام الطعام، دون ذكريات حقيقية لاحقاً.



وجدت مدونة تكتب فيها فتاة، وهي تابعة لمدونات جامعة الملك سعود (ارتباطي بهذه الجامعة لن يموت قبلي على ما يبدو) المهم أنها ربما أمتع مدونة اطلعت عليها. ليس لأني أتفق مع الكاتبه في آراءها، أجد أني أختلف في كثير من الأمور، ولكن أمور أخرى يغفل عنها الناس أجد الكاتبة قد تنبهت لها، وهو أمر جدير بالتقدير. الغريب بالأمر هو، وأنا أتصفح المدونات القديمة، وجدت أن هذه الفتاة على الأغلب كانت زميلة في الكلية في القسم النسائي بالطبع، وربما، جمعتنا مدونات جامعة الملك سعود. وعلى الأغلب، أننا اختلفنا هناك بشدة، إن كانت هي من أعتقد، اكتشفت كل هذا بعدما رددت في آخر تدويناتها مشجعاً ومعبراً عن تقديري لما تكتب. لكن هي تلك الفتاة؟ أم لا؟ وإن كانت هي، ما الفرق؟ على أني حقاً أخذت انطباع شديد السوء عن تلك الفتاة، من حيث نذالتها. عرفت مدونتها قبل فترة دون أن أعير الأمر انتباها، حينما كنت أناقش دكتور متحذلق على مدونته، فأرادت هي تخفيف حدة النقاش واقترحت زيارة مدونتها.



الدكتور الذي أعمل معه لم يعد يأتي مبكراً أو يبقى كثيراً في المكتب، هكذا أريح. الله يذكرك بالخير يا أبو عمر... هل سأعود يوماً للعمل في الجامعة؟...



اكتشفت الاسبوع الفائت أن الوزارة لم تعطني حقي من حيث الدرجة الوظيفية (الدرجة تأتي بعد المرتبة، أي أن أهل المرتبة الواحدة يتفاوتون بالدرجات، أي الدرجة شيء فرعي) ناقشت مدير الرواتب في الأمر، ولكنه تمسك برأيه بأنه يعتقد بأن المترجمين لا يتعينون أصلاً على الدرجة التي ذكرت، وبالتالي لا يرتفعون مع بداية السنة إلى الدرجة التي أستحقها. حاولت إفهامه ولكنه طلب ورقة من الديوان، فهو لا يهتم بالكلام. لم يكن يعلم بأن المترجمين لهم وضع مختلف على السلم الوظيفي في بدايته. أتيت هذا الأسبوع بأوراقي التي تعينت على أساسها وباشرت. بدا خجلاً من تصلب رأيه، رغم أنه لم يكن قاسياً أو تعامل بسوء صدقاً، وهذه حالة استثنائية في هذه الوزارة الاستفزازية. تعاون معي جيداً، كما فعل حينما تعينت، ووعدني بأنهم سيصلحون الأمور إن شاء الله في الأسبوع القادم. لن يكون تصحيح الوضع ذا بال كبير بالنسبة لي، وحتى ما سيعطونني إيها من مستحقات بضعة الأشهر الفائتة لن يكون كبيراً، ولكن اهتمامي كان بسبب أملي بالعودة إلى العمل في الجامعة، حيث لا أريد أن أتعطل بسبب تصحيح قبل الذهاب أو بعده.



الانترنت سيئة جداً في الوزارة... بشكل عام، تجهيزات الوزارة تحتاج إلى إعادة نظر. رغم أن الوزارة تتفوق على الجامعة من ناحية نظافة المرافق والمكاتب، والاستعداد للصيانة.


أشعر بحيرة شديدة حينما أكون مقبلاً على اتخاذ قرار يختص بالحياة المهنية. السبب هو أني لا يمكن أن أستشير أحدهم ويتفهم حاجاتي الخاصة، وطموحي الخاص الذي يختلف عن طموحه فيما لو كان مكاني. أنا محاط بالعديد من الناصحين الصادقين، ولكني فقط غير قادر على إفهامهم خصوصية وضعي. لدي أخ موظف، وله صولات وجولات في وظيفته من ناحية نيل مستحقاته ورؤيته لما ينفع المرء وما لا ينفعه في العمل الحكومي. مشكلتي أني لا أستطيع أن لا أخبره بما أنوي القيام به لأني أعتقد بأنه لديه دائماً شيء ذكي ليقوله (بعكس أخي الكبير، الذي يقرر عني حينما أستشيره ويضع الخطط ويرمم نقص شخصيتي لتتلائم مع خططه الجهنمية، غريب؟ هو دكتور على فكرة.. اها). أخي هذا عاجز عن رؤية أن العمل البطيء التقدم ولكني أشعر براحة نفسية تجاهه أرحم بالنسبة لي من العمل سريع التقدم الذي أعيش فيه ببؤس وهم، كذلك، لا يدرك بأن رؤيتي للتقدم مختلفة عن رؤيته للتقدم. مثله مثل أخي الكبير، يعتقد بأني لدي فرصة لأتقدم وظيفياً، أن أصبح مديراً بشكل سريع، أن انال دورات خارجية كثيرة، وأكون علاقات قوية مع... دكاترة إجمالاً، مهما اختلفت مسمياتهم وألقابهم. أنا لا أريد أن أكون مديراً في قطاع حكومي، هذا غير جذاب إطلاقاً، أريد أن أكون مديراً وفق شروطي الخاصة، أي ربما في عملي الخاص، هكذا فقط. لو كنت ممن يستطيعون البقاء في الخارج لفترات طويلة، لربما وجدت فرص جيدة في هذا العمل، ولكني لست كذلك، لذلك مميزاته لا تعنيني بشيء. هم لا يريدونني أن أعود إلى الجامعة التي تعتبر مدفن مهني، لا يتقدم المرء فيه ولا يترقى. ولكن من يعلم، الله وحده يعلم. أنا لا أشعر بأني سأعمر كثيراً كموظف. أخي أضاف أمر جعلني أتفكر، المركز الاجتماعي... لا يزال الناس يقدرون مدراء الحكومة. أقدر مدرائي، ولكني أريد أمر مختلف من حياتي.






ماذا يجب أن أسمي المدونة؟ ماذا يجب أن أسمي الرواية؟ بالنسبة للمدونة، وددت لو كان لدي أسم أفتخر به ويكون فريداً غير سعداوي، الذي أستخدمه مؤقتاً الآن، لأسميها فيه. ولكن الرواية لا أشعر بأني مقتنع باسمها، وهذا يؤخرني كثيراً رغم اكتمال الرواية. مشكلة الأسماء المهمة..








معروف أنا في العائلة بحبي للطعام الطيب، أني ذواق، ولست أكولاً. وقد رزقني الله بأختين مبدعتين بالمطبخ، وأم أسطورية فيه، وأخت ثالثة... ذواقة مثلي للأسف. كذلك، أنا محاط بزوجات إخوة جيدات بالطبخ في مجمل الأحوال، ويأخذن بخاطري في الأمر في بعض الحالات. المهم أن الدائرة تتسع كذلك لتشمل تقديمات بعض القريبات. واتسعت أكثر حينما شملت زميلة أختي في العمل (اللهم زد وبارك، واللهم لا حسد) كان الأمر حينما أقاموا سوقاً خيرياً في المدرسة حيث تعمل أختي، ونصحتها زميلتها الحجازية بشراء ما طبخت في المنزل، وهو كشري. اشترت أختي علبة واحدة لي، كانت أطيب كشري تذوقته في حياتي. المهم أن أختي أخبرتها بردة فعلي القوية والعنيفة، وطلبت طريقة التحضير، التي يبدو أنها مختلفة عن طريقة تحضيرنا الجيدة، ولكن التي لا ترقى بصراحة. علمت اليوم أن المرأة طبخت حافظة كبيرة من أجلي وأرسلتها مع أختي لي، مع عرض بتزويجي إبنتها (عرض مازح طبعاً). ليست أول مرة يصنع طعام من أجلي من مكان بعيد، ولكنهن كن من الأقارب دائما. فلا زلت لا أنسى حافظات خالتي، زوجة خالي الطيبة، وهي ترسل إلي ما أشتهي من أكلاتها المميزة(الهريس خصوصاً) قبل أن ننتقل من الحي. إن المطبخ أمر شديد الحساسية بالنسبة للمرأة، أو لنقل لمجمل النساء، حيث لا تعبأ إحدى أخواتي كثيراً بأمره. فحينما تعجب بأكل أمرأة فهذا أمر يمس شخصيتها مباشرة حسب رأيها، وحينما لا تعجب بأكلها، فالأمر مماثل كذلك، ولكني رغم كل شيء أمين في الأمر ولو كان ضد مصلحتي، حيث أني أنتقد بصدق وبحيادية، وهذا أمر يكسبني مصداقية ورأيي أهمية. وتداخل المطبخ بشخصية المرأة أمر عالمي على فكرة، بنفس المبادئ في كل مكان. جرب مثلاً أن تنتقد ترتيب مطبخ امرأة، أو نظافته وهذه أدهى وأمر. قرأت خبر عن امرأة من البيرو أو تشيلي اطعمت أبناءها وجبات من مكدانلدز، وتسمم الأطفال وأخذتهم للمستشفى. ذهبت إلى المطعم بطبيعة الحال، وبتصرف أي والد في مثل الموقف، ووبختهم، ولكن أحد العاملين في المطعم كان وقحاً حقاً، إذ قال للمرأة: مطعمنا أنظف من مطبخك!!. بالمنطق، أي مطعم أنظف من مطبخ امرأة تطعم أولادها وزوجها منه؟ كانت هذه إهانة لا تغتفر لقدرها كأمرأة. جن جنونها، ورفعت قضية ضد شركة مكدانلدز. طبعاً المقال كان يتحدث عن الأمور القانونية ولا يهتم بما أتكلم عنه هنا، ولكن لمن لديه فضول، فالمرأة خسرت القضية، وطولبت بتعويض!! وهكذا كان المقال يمثل على خطر الشركات الضخمة وطواقمها من المحامين البارعين، الذي يطحنون كل ما يعترض طريقهم ولو بالظلم.







في الحج، لا مجال للاحتجاج على الظروف التي يعيشها جميع الحجاج خارج المخيم. لا تستطيع أن تشتكي الزحام، أو الانفاس التي تلفح وجهك ورقبتك، أو الدفع، أو الأنانية. في صحن الحرم، وبغرابة، تجد أكثر الناس وقد صارت أمزجتهم أسوأ مما هي عليه في الجمرات مثلاً. رأيت أناس يطوفون وهم يطوقون نسائهم، ويصيحون بأعلى صوتهم لكل من يرميه حظه السيء قريباً منهم، وكأنما جاء الجميع لينالوا لمسة من نسائهم، وليس من أجل العبادة. كانوا على الأغلب الأعم سعوديين ومصريين، كانوا يسيئون لروحانية المكان بأقصى ما يستطيعون. والبعض تجده يتصرف وكأنه هو الوحيد الذي يعيش وضعاً صعباً في الزحام. أحياناً يدفعونك الناس رغماً عنك على بعضهم، والبعض لا يفهم بأنه لا يجب أن يلوم أي شخص يصطدم فيه. دفعني الزحام وضغطي على جانب رجل مصري ضخم الجثة، وحينما ترى ملامحه تحسبه سورياً بالواقع. المهم أنه صاح بي ودفعني بأقوى ما يستطيع وهو يصيح بأعلى صوته: اييييييييييييييييييييييه!! ذعرت أنا، وذعر مصري آخر يطوف إلى جانبنا، أخبرته بأن الناس دفعوني عليه ولم أقصد، بقي يتذمر ويوبخ، قال المصري الآخر شارحاً له بأن الناس يدفعونه هو أيضاً(يقصدني)، مثلما اندفع عليه، رغماً عني. ثم انبريت أنا أخبره بأني لم أقصد، وليس هناك ما يوجب هذا الزعيق، وهل جاء ليحج أم ليوبخ الناس؟ كنت قد انفعلت لأن زعيقه لسبب ما جرحني. استغفر الرجل بصوت مسموع واغمض عينيه، ثم التفت إلي وقال: معليش يا حبيبي أنا آسف، أنا آسف، تعال هنا. حاولت التهرب ولكنه سحبني تجاهه واحتضنني بقوة!. ولما تركني تركت للزحام تفرقتنا. بعد وقت ليس بقليل وجدته إلى جانبي، حالما رأيته صددت وهممت بالابتعاد، ولكنه اكتشفني ولاحظ نيتي، وناداني بلطف وضغطي إلى جانبه، ثم سحبني أمامه، وأحاط كتفي بكفيه وأمسكني بقوة ليساعدني على الطواف. ساعدني بالواقع حتى أفلت منه في وقت لاحق. إن قلبه رقيق. وبالمقابل، كان هناك من يتعمد ضربك، ليخيفك ويبعدك. إن المسلمين صاروا بالحضيض من حيث التحضر والوعي. قالت أختي قبل أمس بأنها تود أن أحج معها كمحرم في الموسم المقبل... يا الله! أعتقد أني أحتاج إلى سنوات لأرتاح من الحجة الأولى، لا زلت أتذكر الحمى، والإهمال من حملة الجميعة الفاشلة التي ذهبت معها، لا وفقهم الله.



يوجد محل مثير للاهتمام، وهو محل قديم في الرياض. هو محل ساعات، يأتي بماركات غير موجودة لدى الآخرين، وأسعاره عموماً مقبولة. صاحبه والعامل فيه رجل سعودي كبير، اسم عائلته العبيد، وهو اسم المحل كذلك. يوجد المحل في أسواق العويس شمال الرياض قرب المسجد، من جهة ألعاب الحسين. أعرف المحل منذ فترة طويلة، ربما غابرة، ولكني لم أكن من زبائنه حتى سنوات قريبة، ومع ذلك، لم أشتري لنفسي منه سوا لمرة واحدة. أذهب إليه مع اخواتي أحياناً ليأخذن من الأشياء المميزة لديه، وتعجبني الكثير من الساعات الحيوية الشبابية من ماركات غير معروفة، ولكنها تشمل ضمان. آخر ماركة لديه هي ماركة ايفر لاست. ولديهم أشياء حقاً جميلة، ولكن ماركته الرئيسية هي بوي لندن، ولديهم بعض الأشياء الجيدة. زرته مؤخراً بصحبة أختى بطلب منها، ورأى ساعتي، الموجودة صورتها في الأسفل في مقال آخر. شدت انتباهه، وطلب أن يراها، وسأل عن كافة المعلومات حولها. ثم قال بأنه يعرف الشركة من الأساس، لم أقتنع بصراحة. المهم أنه تكلم وخطط لأخذ وكالة الشركة، رغم أني أخبرته بأنها ترفض الوكالات. أتيت في اليوم التالي، لأن الأخت كالعادة ندمت لأنها لم تأخذ الموديل الفلاني، والآن لا تستطيع العيش بدونه. حينما دخلت وجدت العديد من الزبونات والزبائن، وعرفني على أقدم زبائنه، صبي مراهق، وأخته الأكبر منه. وأخبرهم عن ساعتي وأمرني أن أعطيها إياهم ليطلعوا عليها فهم يحبون الغرائب. وضعتها على الطاولة للفتاة حيث أن أخيها خرج من المحل قبل قليل. وانبهرت بطريقتها، وسألت إن كان يبيع مثلها، ولكنه قال بأنها غير موجودة بالسوق، فوالده (يقصدني) سفير في اليابان وهو من أحضرها له!! ضحكت من هذه الكذبة، ولكن كان يتكلم بجدية!!. جاء أخ الفتاة، وشرحت لهم طريقة قراءتها،، فقالت الفتاة بأنها شغله طويلة، وعلقت امرأة سورية كبيرة تجلس في المحل تنتظر الخدمة بأن قراءتها وجع قلب! ضحكت، وقلت بأنها تحتاج فقط إلى تشغيل للمخ، ويتعود المرء عليها ويقرأها بسرعة. الآن أفكر بشراء ساعة من نفس الشركة، ولكني أنتظر ردهم بخصوص بعض التفاصيل، كمصدر مواد السير ونوعية المعدن. عدت إليه بوقت لاحق من اليوم لأسدد المبلغ، حيث لم أستطع في أول مرة لتعطل شبكة بنكي، وقد أصر أن آخذ الساعة وأدفع لاحقاً. سألته إن كان يملك موقع على الانترنت؟ فبدا أنه يحمل همه. شرحت له بساطة الأمر. وطلب مني مساعدته بشراء عنوان للموقع. اكتشفت في المنزل أني لا أستطيع، لأن بطاقة الماستركارد مسبقة الدفع مرتبطة بحسابي مع جوجل، وهذا سيخلف تعقيدات. سأعيد له ماله اليوم أو غداً إن شاء الله وأرى كيف يمكنني مساعدته، فهو حقاً بائع لطيف وناصح.

متى سأبدأ تجارتي أنا؟





أطالع بين الحين والآخر أرشيف مدونتي السابقة على جهازي، لقد استمرت حوالي سنتين ونصف. أود لو أنشر بعض الاقتباسات، مع تواريخ، ليقرأها من يرغب:




01/24/2006




"لقد كنت أتخيل دائما، أن قلبي هو ثمرة يانعة. تنتظر أحدا ليقطفها. و لكن عندما أنظر الآن إلى الأمر، فهي ثمرة تحتاج إلى السقيا، إن كان هناك رجاء لتعود إلى الحياة. يبدو أن البعض استنزفها بلا قطف. و حرصي على أن لا يأخذها غير هذا البعض القاسي، زاد في ذبولها."




01/27/2006




"هذه قصة قصيرة كتبتها قبل فترة. تحكي واقع لحظات أعلم بأن الجميع قد عاش ما يشبهها، لو كان عاش حياة حقيقية. هنا، حيث يتداعى الواقع كبناء ضخم خارت قواه فجئة، واقع كنا نعتمد عليه إلى حد بعيد، ينهار و لكننا نبقى شاهدين عليه، بينما كنا نختبىء داخله بضعف و اتكالية..."




02/ 2/2006




"أخبرني يا صاحبي... في أي حكاية تجرعت غصتي... في أي درب لحقتك... و لم أحتضن سوا حسرتي... هل كنت إلا عنقود عنبٍ... تدلى في قلب نخلة... لعلك قبرة تأكل من ثمري... أو تمس عروق يدي... هل كنت إلا قلب تمرد على جسدٍ... لتدلكه يد طبيب... علها تكون يدك... هل كنت إلا فراشة تقصف جناحيها... أجاهد لأقع عليك وردة... فتسعفني قبلتي... و لما وقعت على روحك أخيرا طعنتني... و لم تأبه لكونك في يوم استدرجتني... و قد قتل العسيب أعنابي... فذبلت مهجتي... و أعادتني يد غريب إلى قفصي... أنتحب وسط الأضلع... و عبثت بي الريح مع أوراقها... حين أماتتني أيام رحلتي... و هل كنت إلا جواد خلق لكبوةٍ... و كنت أنت كبوتي..."




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




انتهت الاقتباسات لهذه المرة...




لم يعد هناك كبوات، فأنا أعرج الآن...




عايش مع ذلك.




سعد الحوشان

الأربعاء، 25 مارس، 2009

جريمة في بوفيه



بسم الله الرحمن الرحيم


لا يكون لدى المرء أحياناً الكثير ليقوله، وفي أحيان أخرى، يتساءل إذا كان سيصمت لو وجد الأذن الصاغية. هذا التباين لا يخضع دائما للمزاج حسبما يتخيل المرء في رأيي. إنه يخضع كذلك للحالة العقلية، وللظروف الحياتيه بغض النظر عن المزاج المتغير. حيث أن الظروف الحياتية تبدي لك أحياناً أنه لا فائدة من التحدث، حتى لو كنت في مزاج متكدر، وأحياناً، تنسى فقط ما يجب أن تقوله، رغم علمك بأنه لديك الكثير. لا أحد في الحياة، حتى من يضحكون ويسمون أنفسهم سعداء، لا يجد لحظات يعتقد فيها أنه مخلوق بائس، ولو نسي في لحظات أخرى.

اليوم هو الأربعاء، لقد مر الأسبوع سريعاً حقاً، وإن يكن مملاً رغم ذلك. إن العمل مع الدكاترة حقاً سقيم.

أمس، ذهبت مع أمي إلى الطبيب في أحد مواعيدها المعتادة، وهو طبيب طيب ومتمكن، وقد تحسنت صحة أمي كثيراً بفضل الله ثم بفضل أدويته. كنت قد تحدثت عنه في مدونتي الأولى على ما أعتقد. حيث يتذكرني أكثر من غيره. العديد من الأطباء يتذكرونني بالشكل بسبب سنوات من المراجعة، وبعضهم يتذكرني رغم قرب عهد معرفتي بهم كذلك، لكن هذا يتذكر اسمي حتى، وإن يكن في كل مرة ينسى بأني تخرجت من الجامعة. لم أتوقع بصراحة أنه يتذكر اسمي، ولكن، ناداني به عدة مرات أمس، وكأنما يؤكد على هذا. كان المؤسف أنه أخبرنا أمس بأنه سيتقاعد. كانت صدمة. جاملته أمي وأخبرته بأن يبقى ليأخذ أجر المسلمين، فهي عرفت التحسن في صحتها حينما بدأت تراجع لديه. شعرت بالخسارة حقاً بذهابه، وبالواقع، أشعر بأنه أصغر من أن يتقاعد، رغم أنه كبير بلا شك، ولكني أعتقد بأنه ليس كبيراً إلى هذا الحد. سألته إن كان سيعمل في القطاع الخاص؟ أخبرني بأن أتتبع أخباره من خلال العاملين بالقسم، فهو غير متأكد ماذا سيفعل. خسارة حقاً. لقد كان مخلصاً في عمله إلى درجة أنه حينما وجدني ذات مرة أقف في المستشفى سلم علي وسألني عن أمي، ولما علم أنها تخضع لعملية وتقيم منذ فترة في المستشفى نسق الأمر ليراها بسرعة، غضب لأنه لم يطلعه أحد على العملية التي أجراها قسم آخر.

أجد بعض الناس هنا لا يعملون تقريباً على الإطلاق، ويتهربون من العمل، وفضلاً عن كونه أمر غير عادل بالنسبة لمن يعملون حتى الإرهاق، يتساءل المرء، كيف يعيش هؤلاء بمثل هذه الطريقة؟ كيف لا يستحي من التهرب من العمل والمراوغة طوال الوقت؟ كيف لا يستحي من نفسه؟ كيف يرى نفسه أصلاً؟ ورغم ذلك، لا ألقي باللوم عليهم وحدهم، إنما ألقيه على المدراء الذين ييأسون منهم، وحينما يجدون من يتحلى بالذمة للعمل، يتركون كل العمل على عاتقه دون أن يتفكروا بما قد يشعر به وهو يعاني من عدم العدل، ولا أن يتفكروا بأن أحد ما يدفع رواتب لهؤلاء المهملين مقابل لا شيء، وأنهم شركاء بالإثم على ذلك، فذممهم تسع أيضاً ذمم موظفيهم. يوجد موظفون كثرة لدينا من هذه الشاكلة، وهو أمر صدمني بصدق، فلم يكن الأمر بمثل هذه الصراحة بالجامعة. صحيح أنه يوجد مهملين بالجامعة، ولا يؤدون عملهم على أكمل وجه، ولكن لا تستطيع أن تقول بأنهم لا يعملون إطلاقاً، أو يرفضون العمل ويتهربون منه بنفس درجة الوقاحة هنا. يوجد موظف منذ أن جئت وأنا لم أره يكلف بأي عمل على الإطلاق، فكل ما يقوم به هو التنزه بين المكاتب، وشرب الشاي، واستخدام الانترنت بالبحث عن أمور سيئة(أستغفر الله، لقد رأيت هذا عدة مرات بعد أن أستخدم الجهاز من بعده وأرى مصادفة ماذا بحث عنه) وقد رأيت زملائي الذين يعملون بجهد يتذمرون من وجوده الثقيل، وبقاءه في قسمنا رغم أنه غير تابع لنا!! وقد كان يوحي لي بالبداية بأنه شخصية عملية. الدكتور الذي أتو لي به مؤخراً حاول الاستفادة من هذا الموظف، وقد حاول الأخير كبت تذمره قدر الإمكان أمامي، ورغم أنه أتي به بوضوح ليحمل بعض المهام عني، إلا أني لم أرى له فائدة حقيقية حتى الآن، ويبدو أن سيتدبر طريقة للهروب من المكان، فحينما جاؤوا بالدكاترة وعلم بأن استخدامه للشبكة سيكون مقيداً بوجودي قريباً، تذمر وقال بأنه سيخرج من هنا ولن يعود، وتساءل لماذا أتو بهم!! لقد أتوا بهم ليعملون، هذا مكان عمل، ولكن لا يبدو أن أمثاله يستوعبون الفكرة، إن قيم العمل لدينا ليست راسخة، بل إن الأمر يتعدى هذا بالسوء، إن الكثير منا يعيش وكأنما على صدقة الحكومة، لا على عمله.


كان زملائي في القسم السابق قبل أن أنتقل منه، وهم شباب متخرجين حديثاً ويطمحون للعمل كمعلمين، يتعاملون أحياناً مع المراجعين بفضاضة غير عادية، تجعلني أتساءل أين تقع حدود صبر هؤلاء المراجعين، ويتعاملون مع مراجعين آخرين برقة وعذوبة تجعلني أتساءل عن المقياس؟! اتصل ذات مرة شخص يبدو من لهجته أنه شيعي وطلب تحويله إلى رقم آخر ووعده زميلي بذلك، ولكنه أغلق السماعة بوجه وضحك، هو وصديقه، لمعاملتهم لهذا الرجل هكذا. صدمت بالفعلة غير المبررة، فهو أجير بالنهاية لخدمة الناس لا لتقييم معتقداتهم. أخبرته بأن هذه ليست قيم مهنية، ولكن لا حياة لمن تنادي. إن ما يشعرني بالأسف، رغم أنهم لم يكونوا زملاء سيئون كلياً معي، إن ما يشعرني بالأسف أنهم قد يصبحون معلمين، وقد يعلمون الصغار أشياء خاطئة، أو لا يعلمونهم جيداً في أفضل الأحوال. إن الأجيال الجديدة من المعلمين أسوأ من القديمة، وإن كانت القديمة سيئة جداً بشكل عام، ولكن هؤلاء الجدد لا يتورعون عن تصوير الأطفال بكاميرات جوالاتهم ونشر المقاطع لإضحاك الناس عليهم. ولا يعلمونهم أو يهتمون بذلك جيداً كما أرى في تعليم أبناء إخواني.


ينقصنا معلمين يقومون بالأمر بوعي وباهتمام وشغف بالأمر، وخوف من الله قبل كل شيء. قد يكون سوء المعلمين عائد لعوامل كثيرة مثل الوسائل وظروف التعليم وعدد التلاميذ وعدم التحفيز والرجعية، ولكني متأكد بأن هناك خطأ في المجتمع الذي أفرزهم كذلك يحتاج إلى نظر وتوعية قبل أي شيء آخر. نرى المعلمين يضربون الطلاب أحياناً بقسوة ويتسببون بمشاكل صحية لهم، كما نرى تلاميذ يضربون معلميهم لدوافع مختلفة، وهذه مشكلة يجب أن ينظر إلى دوافعها قبل النظر باتخاذ مواقف ضد مرتكبيها. ويختلف الأمر جذرياً في الجامعات، فلا تسمع عن دكتور يضرب طالب، ولكن لأنه لن يضرب كي لا يضر برستيجه على الأقل، يستبدل الأمر بطرق أكثر وضاعة، تدمر نفسيات ذخيرة الوطن وتحبط معنوياتهم، وتخرجهم معلمين معقدين لهؤلاء الصغار المساكين، الذين ينتظرون دورهم بالمستقبل ليذيقوا ما ذاقوا، وتكتمل الحلقة المفرغة.


قبل سنوات، ذم الناس طالب طعن دكتور في الجامعة في كتفه بسكين، ولكن لم يتساءل أحد عن الدافع. فداحة التصور للحادثة يجب أن لا تمنعنا عن التفكير في الفعل الذي ولد ردة الفعل بطبيعة الحال، فلن يطعنه الصبي بلا دافع، ولو كان الطعن حدث لدافع مختلف عن المتوقع، أي عن الظلم، لسمعنا بأنه طعنه ليسرق منه شيء، أو لأنه مريض نفسياً مثلاً. لم أتعاطف مع ذلك الدكتور، فأنا أعرف إلى أين يمكن للقهر أن يودي. إن الإنسان مهان الكرامة قد يقوم بأي شيء مجنون ما لم يتمالك نفسه. أتذكر أن أمي بكت وذعرت لأنها خافت أن هذا الدكتور قد يكون أخي، حيث أن الحادثة وقعت في القصيم حيث كان يعمل أخي، أتصلنا بأخي طبعاً من اجلها. أنا ضد الضرب، وضد الإهانة، مثلاً أنا ضد أن يضرب الطلاب مدرسهم، أو دكتورهم، لأن في هذا إهانة لإنسانيته، ولكني صرت أتفهم لماذا قد يصل بالمرء الأمر إلى هذا الحد من الإنحدار في الإحساس وتقييم الأمور. أتذكر أني اعترضت بشدة على ضحك طلاب وتفرحهم على دكتور حينما أتوا على ذكر ضربه من قبل طلاب آخرين وإهانته وترويعه. كان هذا الدكتور يتصرف كيفما أراد وهو يشعر بالحماية والقوة، يتوجه إلى الناس بالظلم والقهر دون أن يرف له جفن، رغم أنه كان انتقائي بالأمر، ولكنه اختار أن يظلم الأشخاص الخطأ، الذين ضربوه بالنهاية وحشروه تحت سيارته في مكان عام حسبما سمعت. كان الدكتور قد تغير جذرياً بعد الضرب وصار أكثر قبولاً، ولكني أنا لم أتجاوز بسهولة شعور الشفقة والتعاطف، والتفكير بالجرح والشعور بالإهانة الذي يأكل نفسه. دافعت عنه في ذلك الحين، وقلت بأن من ضربوه ليسوا رجال أصلاً، فكيف يتكومون على رجل واحد، ويهددونه أيضاً بمسدس، هذه ليست رجولة، لو كان أحدهم رجلاً لواجهه وحده، هذا ما قلت، ولكني أفهم الآن بأني فهمتهم وفهمت غرضهم بشكل خاطئ، على أني لا زلت أعتقد بأنهم ارتكبوا خطأ سيندمون عليه. رد علي زملائي بأخذ الموضوع من آخره، إذ سألوني: هل أتى الأمر بفائدة أم لا؟. عدت إلى نقطتي الأولى ولم أجب سؤالهم، ولكن الواقع هو أن الفعلة أتت بفائدة تجاه الطلاب، إذ صار هذا الدكتور أكثر احتراماً، ولكن هذا الإحترام المغصوب يحطم القلب حقاً. ولكن، حينما أقول بأنهم أخطأوا، لست أحاول أن أعطي الانطباع بأنه لم يجن على نفسه كذلك. صرت أتكلم بخصوص التعامل مع الناس وحدوده كثيراً مع زملائي، وكانوا يرون بأني مثالي فوق الحد حينما أتكلم عن إهانة الإنسانية، و جدوى الرد بالمثل على الأكثر. لا زلت أعتقد بأن هذا هو الصواب، ولكني صرت أكثر خوفاً من أني قد أسلك مسلك اولائك الطلاب المعتدين مع أحد ما. إني أعتقد بأني بالكاد أتمالك نفسي حينما أرى طبيب حجازي وجه إلي إهانة في مقابلة شخصية، على أني لا أريد أن أضربه، ولكن تصرفي الجامد حينما أراه يجعلني آكل نفسي من الداخل، وأنا أفكر بالصواب والخطأ. وغيره الكثيرون...
قد أمزق أحدهم،،، قد أمزق نفسي.


بالأمس، ناداني أحدهم وأنا بالدكان قبل أذان العشاء بقليل. كان زميلي في المتوسطة والثانوية، ولم أره منذ ربما سنتين أو ثلاث. آخر مرة رأيته علمت بأنه صار مدرساً متخصص بالتربية الخاصة، أي في تعليم الأطفال الذين يعانون من إعاقات ومصاعب، كان لتوه تزوج في ذلك الحين. حينما رأيته أمس كان قد تغير كثيراً، وبدا أكبر من عمره الحقيقي بكثير. قال لي هو كذلك: تغيرت!!. عرفت بأنه صار لديه طفلين. ولأن الوقت ضيق طلبت رقم جواله، وكان من الذوق أن أصر على أن أزوره في بيته أو حتى أن نلتقي بالخارج، فهو يريد أن يتكلم معي بالكثير من الأمور. لم أكن شديد التفاعل لأني كنت ناعساً إلى أقصى حد، ولكني كنت سعيد من كل قلبي برؤيته. ما شاء الله، إذا لديه طفلين؟ نحن بنفس العمر، كان الممكن أن يكون لدي طفلين كذلك، لو كنت أريد أصلاً، هل أنا لا أريد؟ لا، لا أريد الآن. ولكن البعض يشعرني بأني تأخرت، ولا أستطيع أن أنظر للمتأخرين وكأنهم يقولون بأني لا زلت مبكراً. ولكن بغض النظر عن الشعور، يوجد خطط قبل الزواج.


لقد سافر مديري مع العديد من الناس في الوزارة إلى الخارج في مهمة، ولا أحد يستغرب، فهو كثير السفر من أجل مهام الوزارة. حينما أخبرت أحدهم بأنه يسافر كثيراً، قال اسأله هل يريد أحد ليحمل حقائبه؟.. إن الناس مجانين بالسفر.


أعرف الآن بأن أيام الخميس والجمعة مشغولة لدي أكثر من وسط الأسبوع. لدى أخواتي مهمة مستحيلة دائما في نهاية الاسبوع. وهذا أمر أدركته مؤخراً؛ إني أفضل إلتقاء الناس شخصياً في وسط الأسبوع، لا في نهايته، رغم ضيق الوقت. لم أعد أفضل الخروج مع أحدهم والبقاء طويلاً نتجول طوال الوقت ونقفز من مكان إلى مكان كما كنت أفعل مع بعض الأصدقاء، أريد أن ألتقي أحدهم في كوفيشوب أو في المنزل لوقت محدد. كذلك، لم يعد من أحد لأقضي معه الأمور كما كنت أقضيها.


اشتريت هاتف جوال من ماركة جديدة، لدي شك بأنها إماراتية، أو تايوانية. المهم أن جوالها الأول صغير الحجم، ولم أشتره بصراحة لأستبدل ما لدي حالياً، ولكن لمجرد التغيير والتجريب حيث شد نظري بشدة، ولأن سعره رخيص. اسم الماركة: نيو. حجمه صغير جدا أصغر من الكف، ولكن ليس هذا المميز بالنسبة لي، حيث يوجد من حجمه في السوق منذ مدة طويلة، ولكن المميز هو طريقة ترتيب واجهته، حيث تمسك بالجوال حينما تريد طلب رقم أو كتابة رسالة أو مشاهدة فيديو أو صورة بالعرض، لأن أزراره تأتي إلى جانب الشاشة وليس تحتها، كما أن تصميمه مميز، ليس فائق النعومة أو الإبهار(ربما كانت لتكون هذه المزايا نقيصة)، ولكنه لطيف وشبابي، شبابي ليس بالحس العربي أو السعودي، ولكن بالحس السليم. وهو إلى صغره يحوي بشكل مذهل الكثير من المزايا، كاميرا، بلوتوث، راديو، مشغل فيديو وموسيقى، انترنت وام ام اس، شحن بالوصل بالكمبيوتر، وغيره. ولكن ما يهمني حقاً هو طريقة مسك الجهاز بالعرض، أما غيره فلم يكن ليلفت انتباهي إطلاقاً، فلم تهمني يوماً الجوالات الأخرى من حجمه. وكان مفيداً جداً في فترة الحج لصغر حجمه، حيث يمكنني أن أضعه ولا يضايقني في الحزام المربوط على خصري في أصغر جيب فيه، هذه فائدة يستحق من أجلها الشراء. استريته بـ600، الآن ربما انخفض سعره 50 ريالا.



يوجد مدونة رائعة لأخ مصري. وهي تتحدث عن التسويق وقصص النجاح عموماً ونصائح في جوانب الحياة العملية التجارية، وهي مدونة محفزة جداً، خصوصاً إذا كنت تملك خطط حقيقية مسبقاً، وإذا لم تكن تملك يمكنك أن تتخذ المدونة كمصدر إلهام، بشرط ان تتحرك فعلاً. وهي تحتوي كتب قيمة من تأليف المدون نفسه. هاهي المدونة:




لقد اكتشفت أن مجموعة كروت أعطاني إياها الدكتور الذي أعمل معه حالياً ضاعت. كنت قد حفظتها بملف شفاف، وتركتها مع عملي على المكتب، وأنا بالواقع ليس لدي مكتب خاص، ولا دولاب لأحفظ فيه عملي، ولم أتمكن من تدبر الأمر كذلك لأنهم لم يكونوا متأكدين أين سأجلس. يبدو أن أحدهم أخذ الملف الشفاف بكروته. بحثت عنها جيداً ولم أجدها، ولكم أن تتخيلوا القلق الذي عشته. بطبيعة الحال، لن أسكت عن الأمر. ذهبت إلى الدكتور وأخبرته بأن الكروت التي أعطاني إياها ضاعت، حيث تركتها مع عملي وفقدت. كان سيعطيني وقتها كروت أخرى كما قال، رأيت بأنه ذهل مما جرى، وكان يريد أن يوبخني، إذ قال بأنه يعتقد بأن الأمر يدخل فيه الإهمال. إن أبذل قصارى جهدي، ولكن العمل كثير ولا يوجد مكان أضع فيه الأغراض، مع ذلك، صمت ولم أجب، إنها مسئوليتي رغم كل شيء. ولكن لحسن الحظ، لا أدري لماذا تجاوز الأمر وألقى باللوم على عدم وجود مكتب، وكأنه يريد أن يخفف وطأة الموضوع، هل بان الخجل والخوف من التوبيخ على وجهي؟. وقف وذهب معي إلى مكتب وطلب من الموظف الآخر أن لا يجلس على مكتبي ويجلس على الآخر، اعترض الآخر، الذي يتطفل أصلاً على قسمنا، حيث لا يعمل فيه أصلاً، بأن المكتب الآخر مجرد مخزن، وقال بأنه يملك مكتب في قسم آخر. كان كل هذا بلا داع، ولكن رضخ حتى لا يلتفت إلى وضعه الغريب والمشبوه مهنياً. كان حينما يكلمني الدكتور أجيبه وأنا انظر إلى مكان آخر، كيف ضاعت الكروت الضرورية؟. إن هذا ليس عملي، ليست مهنتي وليس ما أجيد القيام به عمل السكرتارية والمساعدة هذا، ولكن، صبر جميل. سأنتقل إن شاء الله. على أني أدرك حظي حينما لم يوبخني أو يقل شيئا مستفزاً، فهو يفعل هذا على ما يبدو مع الموظف المشبوه. إن التعامل مع الدكاترة السعوديين في الوضع العادي لا يهمني، يمكنني حتى أن أرفع ضغطهم، ولكن حينما أكون تحت إدارتهم وتصرفهم، فهذا أمر يوترني كثيراً ويجعلني أعيش وضعاً نفسياً وعقلياً صعباً، لأني أشعر بأني معرض للإهانة في أية لحظة، وهذا هو شعوري الدائم منذ أن عملت بالوزارة، لا أستطيع أن أعمل، ليس كموظف فقط، ولكن حتى كإنسان، ككائن حي له وظائف حيوية ووعي، لا أستطيع أن أعمل وأنا معرض للإهانة أو أتوقعها في أية لحظة. إني مفتقد لحماية مديري السابق، ومفتقد للشعور بالأمان النفسي، والأمان على كرامتي، وهذا يتعبني كثيراً.



جربت أمس عرض لمطعم سزلر هاوس في طريق التحلية. حيث أنه أعلن عن عرض بوفيه مفتوح لوجبة الغداء بـ35 ريال. وأنا كنت أعلم مسبقاً بأني سأدفع أكثر من هذا كعادة المطاعم، لكن لا بأس. كان البوفيه ممتاز بصراحة. ليس شيء لم تجرب مثله من قبل، ولكنه بالتأكيد جيد ومتنوع بما يكفي، رغم أني لم أرى حلويات وهذا أمر سيء. كنت لم آكل منذ غداء اليوم السابق سوا ربما قطعة شوكولاته أو بسكوت أو اثنين، وعليه، ارتكبت جريمة حرب في حق البوفيه. كان أفضل ما لديهم هو فيليه السمك، ولحم السيشوان البقري. الشوربة التي تذوقت كانت عادية أو أقل، شوربة الدجاج بالذرة. الأرز ليس أفضل الأنواع لدي، ولكنه النوع الذي تتوقع رؤيته في أي مطعم هنا نظراً لأنه الأكثر شعبية، وهو الأرز الهندي طويل الحبة، وقد أعد بطريقة البرياني، ومن الجيد أنهم لم يعدوه بالطريقة الصينية لأن هذا الأرز لا يصلح لها ولكن المطاعم تصر عليه. السلطة كانت متنوعة إلى حد جيد، ولكن الحمص سيء، كما أن الخبز لم يعبأ مكانه. ولكن لحم السيشوان كان مميزاً حقاً، أفضل لحم سيشوان تذوقته، رغم أنهم لم يعد بالطريقة الصحيحة، إذ كان يجب أن يكون جافاً قليلاً ومقرمشاً بعض الشيء. دفعت في النهاية 41، الزيادة من أجل المشروب ورسوم الخدمة، أي حتى لو لم آطلب مشروباً، لزادوا من أجل رسوم الخدمة، أي خدمة؟ إنه بوفيه أنا من يأتي بالطعام بنفسي، ولكن ربما من أجل حجز الطاولة، ورفعهم للصحون. عموما توقعت زيادة أسوأ. كان ذهابي إلى المطعم ملحاً، فلم أعد أستطيع احتمال أكل الوجبات السريعة طوال الوقت، بينما الطعام بالمنزل ليست أمي من يعده، ولا أخواتي، فلهذا لا أجده جيداً مطلقاً. اليوم هو اليوم التالي، لم آكل وجبة منذ تلك الوجبة، ولكن لا أعتقد بأني سأذهب إلى مطعم مماثل.
على أني فطنت أني لو استخدمت طريق عودة مختلف عن العادة، فسأمر بالعديد من المطاعم التي أحب.






قال لي الدكتور اليوم أني سأصبح إن شاء الله مديراً وسأرتقي السلم خصوصاً لحاجة مديري الدكتور الآخر لموظفين، قالها وهو مبتسم تلك الإبتسامة المعدة سلفاً، بلفتة يراد بها رفع معنوياتي، طبعاً، أقدر هذا. ولكني لا أطمح لذلك. أعلم بأن مستقبلي مهنياً أفضل هنا في هذه الوزارة من الجامعة، ولكن أهم مميزات الوزارة لا أستطيع الاستفادة منها لظروف حياتي، ولهذا، لا يستحق الأمر عناء البقاء، بالإضافة لملايين الأسباب التي تقف في وجه أطماعي في هذه الوزارة، من دورات وفيرة وانتدابات للخارج وفرص مادية كثيرة، كل هذا يوجد أسباب لتجاهله والرجوع للجامعة. وهي ليست كلها تتعلق بأسباب مهنية، ولا نفسيه، ولكن ظروف حياتية لا أحب أن أتكلم عنها حتى لا أفسدها. ربما كان يريد تشجيعي كتغطية على غلطتي أمس حينما أضعت الكروت؟. قال كذلك بأن أهتم بأمر الملفات كلياً، لأن الموظف الآخر لا يبدو أنه يريد أن يفعل شيئا، قالها بضيق، يعني الموظف المشبوه مهنياً. إذاً، لا أمل بالمساعدة. أحياناً أنسى رغبتي بالانتقال للجامعة أتخيل ما يمكنني أن أفعله هنا بالمستقبل، من دورات خارجية أو الانضمام لوفد، واو. ولكن، الله يعين. حينما خرجت من عند الدكتور رأيت جاء الموظف الآخر، ووجد ورقة ملاحظات لم تنل إعجاب الدكتور كتبها هو، في مكتبي، قلت له كاذباً بأن الدكتور طلب مني الاطلاع عليه، ولم أقل بأنه قال بأنها غير مجدية وغير جادة، أو شي من هذا القبيل. جلس زميلي هذا وأعطاني العديد من النصائح بخصوص بناء النفس والمستقبل، فهو يردد الكثير من الشعارات دائما. ولكن ما فاجئني هو أنه حائز على شهادة ماجستير، وقال بأن هذه شهادته وهذا منصبه والدكتور يريد منه إحضار قهوة!! لم ألمه على غضبه من المعاملة الفوقية بعدما عرفت مؤهله، ولكني مع ذلك ألومه وأعتقد بأنه يتسبب على نفسه بهذا النوع من المعاملة حينما يتسكع ولا يعمل شيئا، كيف يقبل أصلاً على نفسه؟، وما فائدة المؤهل والمرتبة إذا كان المرء لا يعمل ولا يقدم شيئا؟ علمت كذلك بأنه يعمل على إكمال دراسته والخروج من هذا المبنى إلى مكان آخر للعمل. أتخيل بأنه يمؤهله لو كان جاداً، ولا يقضي وقته بالتسكع لربما فرض نفسه بشكل ما، رغم أني أشك بأن هذه الوزارة تفرق بين المؤهلات أكثر من قول: هذا دكتور، والآخر لا شيء. ليس وكأن الحكومة كلها باتت هكذا.



سعد الحوشان

الأحد، 15 مارس، 2009

رحلات الحياة الفرعية



بسم الله الرحمن الرحيم




لقد اكتشفت اكتشاف جديد. أو لنقل، أني فلسفت ما يجري بالفعل منذ الأمد، بطريقتي الركيكة المعهودة. كان الاكتشاف تحت ضغط المواجع التي اختارت ليلة أمس لتفغر فاها، وتئن بيأس في قلبي المفطور الغافل. كان هذا حينما رأيت رسالة وصلتني في العاشرة ليلاً، ولم أطلع عليها سوا قبل النوم، حوالي الثانية. كانت من شخص كان صديق عزيز، ومُتعب. كان يبدي عدم رضاه عن حالنا، وهو حالنا منذ 6 أشهر، ويقترح أن نلتقي لنصلح الأمور. لقد علمت ما سوف أرد عليه، سأقول: إنك عزيز، ولكني أتمنى لك التوفيق في صداقاتك الأخرى. وهي الصداقات التي كان يحسبها تشكل علي، ولكنها لم تكن تعنيني، ولم يستطع أن يفهم هذا، وتفادى باحتراف مس العقدة ولب الموضوع، ليكون هو الضحية كالعادة، قبل أن نفترق. لم يحزنني افتراقنا في ذلك الوقت بصدق. ولم أحزن من رسالته التي تلت اصطدامنا غير المتوقع، ولكن الهادئ سوا من إعلان وصول رسالة جديدة على الجوال، لم أحزن من رسالته التي تلت هذا، التي يشرح فيها رأيه بي، ورؤيته للأمر، وكأنما يقول أعتقني، وأنا والله الأسير، أسير الاستنزاف. لم أرد على تلك الرسالة، كما لم أغضب، لقد كانت رغم جديدها جديرة بطريقته بالتفكير، جديرة بتملصه من المسئولية، جديرة بتبرير ضميره المعذب تجاهي، الذي لطالما أطل بوجه في علاقتنا، في ظل تقصيره واستنزافه الأناني. لم أغضب، ولم أرد على الرسالة كما يريد، فقط اعتبرت الأمر اتنهى وقررت أن أرتاح، فقد نلت ما يكفيني، ومنذ أمد بعيد لم يعد بي جهد لمواصلة الشد والجذب، لمواصلة النقاش. أرسل يعايدني في العيدين التاليين، ولم أجب. ليس غضباً، ولكني لست أجيب في العادة، ناهيك عن أني أريد أن لا يعاملني بأي خصوصية، أريد أن يواصل ويعاملني وكأنه المجروح وليس أنا، وكأنه الضحية وليس أنا، فقط لأفتَك. بيد أنه كعهدي به أذكى من هذا، ومع ذلك، لم يقوى ضميره إرادته كما عهدته أيضاً. تجاهلت كل الجروح وكأنها سيارة مرت من جانبي، في شارع مزدحم بالجروح الأخرى. ولكن رسالته أمس، مع أني كنت أعرف ما أريد منذ أن اطلعت عليها، إلا أنها سلبت النوم من عيني، بشعوري بالوحدة، باختياري للوحدة، بذكرياتي عن أراءه الجارحة، وتلميحه بأن هناك من يوافقه الرأي بخصوصي، رأي سلبي أعلم يقيناً بأنه غير صحيح، كما يعلم هو. كان إقحام الآخرين لإثبات رأيه هو القشة التي قصمت ضهر البعير، هو أقسى انتهاك لخصوصية صداقتنا، و بيان لما تحمله سريرته وما يخفيه عني، وهو عني. لم أنم طوال الليل البارحة، وها أنا في العمل بلا دقيقة نوم أمس. فقط بقيت أفكر بحياتي، وليس بهذا الرجل فقط. يا للرحلات التي قمت بها، يا للرحلات، التي لم يصل أي منها. كم من رحلة فرعية نسيِّر يومياً، في خضم رحلتنا الكبرى في الحياة. لا يقدر لكل الرحلات أن تصل وتستقر بهدوء، فقد يتعدى الأمر الكلاب النابحة، فيُغدر بالقافلة ويقتل الحب، وقد تغرق سفينة الصداقة قبل أن ترسو في شاطئ ما. هذا هو الاكتشاف، الرحلات. رحلات تنجو من الأخطار وتصل، ورحلات تضل الطريق، أو تتوقف فقط. البعض تنجو كل رحلاته، البعض بعضها، البعض لا شيء منها ينجو. قارنت نفسي أمس وأنا أفكر، بشخص تقاطعت رحلتينا في ذات وقت، ولكن، لم نشترك في رحلة. كل رحلاته على ما يبدو وصلت، وتصل، ليس هذا هو الحال معي.
بعدما أرسلت ردي أتمنى له التوفيق في صداقاته، رد بأني أنا صداقاته. لا، لم أكن بهذه الأولوية.. لم أرد، ولا أعتقد بأني سأرد. يجب أن ينتهي الأمر عند حد ما، ولا مجال لمراجعة الموقف، الذي ظل يختمر منذ أمد بعيد. لقد أُهملت حتى شبع مني الإهمال، وعوملت بما لا أستحق حتى بدأت أتساءل، هل يستحق الأمر كل هذا؟ وهل كل ما لا نتخيل أنفسنا بدونه، لن يكون حالنا أفضل لو كنا بدونه بالفعل؟ إن مثل هذا التفكير الذي يتساءل في أساسات الأشياء، وعمق الثوابت في حياتي من علاقات وكل شيء، هو ما جعلني أغير الكثير من الأشياء، وأتغير كثيراً وباضطراد.
كما لم يعد بي رغبة ولا جهد للصداقات.
إن الأمر يشبه البحث الملتاع عن أحد لا تدري أهو حي أم ميت، حتى يتعب قلبك لكثرة ما اعترضك من أمور، وليس بسبب اليأس وحده، قد تفقد الرغبة بالمواصلة قبل أن تيأس حتى، لتعب قلبك وعدم تحمله أكثر. أو هكذا صنعت بي تجاربي. إذ لا أقول بحزن بأني لم أعد قادر على نوع الصداقات التي أقيمها ، ولكن أقولها بإجهاد ونوع طفيف من الرغبة الجازمة والمتعجلة بالتخلص من الرواسب في نفسي.
عموماً ما باليد حيلة، ها أنا أواصل العيش.








كما قلت في تدوينتي السابقة، أحد أهم "ملحقاتي" الضرورية، التي لا آتي ولا أتوفر إلا بها، قد فسد أخيراً بعد خدمة متفانية مدتها خمسة سنوات. ذلك هو ذاكرة الفلاش المتنقلة، من نوع مايكروفولت من ماركة سوني. من المعروف أن هذا النوع من الذاكرة غير مأمون تماماً في الاحتفاظ بالمعلومات رغم تطوره المستمر وازدياد نسبة أمانه، وبالأخذ بالاعتبار جودة تصنيعه وهندسته من ماركة إلى أخرى. حينما أخذت ذلك الفلاش لم أكن متأكداً بأني سأستفيد منه تماماً، أخذته بعدما تحمست لعرض الشركة عليه، رغبة بالتخلص من الكميات على ما يبدو، إذ كان العرض يساوي 100 ريال (مع أنه السعة كانت 128 ميجا! الآن تجد أضعاف مضاعفة من هذه السعة بـ25 إلى 30 ريال.) كان حماسي لشكله المدمج إلى حد ما ( أحب وأشتهر بالأغراض المدمجة) ولبرنامج الضغط المباشر الذي يحويه، فيجعله يحمل أكثر بكثير من سعته الحقيقية بحركة ذكية من الشركة. انتهيت بعد شراءه بأني لم أعد أستطيع الاستغناء عنه أبداً. ورغم أني لفترات تمنيت أن يبدي بوادر القصور لأشتري شيء أحدث بمبرر لا يعذب ضميري، إلا أنه خيب ظني وظل يعمل بكفائة عالية. في آخر الأيام أحببت وفائه لي، حتى بدأ يعاني من مرض نفسي تجعله يرفض بعض الأمور مثل العمل على بعض الأجهزة أو التعديل على بعض الملفات أو استقبالها، فعلمت بأنه يكاد أن يتقاعد من تلقاء ذاته، فعملت النسخة الأخيرة من الاحتياطي الذي أحتفظ به وأحدثه بشكل دوري ( وهذا ما يجب أن يفعله كل مستخدم للفلاش للأسباب الآنف ذكرها)، رغم أن ملف واحد خرج تالفاً، إلا أني سعيد بفلاشي، وسأحتفظ به للذكرى، بلونه الزائل لكثرة ما لامسته يدي. ومنذ ان اشتريته، لم يعد يقنعني شراء فلاش من ماركة أخرى أياً كانت غير سوني، التي لا أحبها، بل أعاديها في مجالات ألكترونية أخرى (التلفاز، البلايستيشن،، إلخ). كنت منذ فترة جيدة الآن أود شراء الجيل الجديد من فلاشات شوني، تحديداً اصدار تايني من مايكروفولت سوني، وهو صغير حتى أشبهه بالظفر لنحافته وصغر حجمه. يتوفر بعدة سعات، وكل سعة لها لون محدد، كنت أريد السعة الأقل لعدة أسباب، أولها هو اعتقاد لدي غير أكيد أن السعة كلما كبرت كلما قل عمر الفلاش، والثاني أن 128 ظلت كافية لسنوات لصغر ملفاتي، فأنا لا أحمل أفلام أو أغاني مثلاً في الذاكرة، ولهذا لا أحب أن أسرف في مساحة لن أستخدمها، فجل ملفاتي تقريباً نصية. السعة الأصغر من هذا الإصدار هي 1 جيجا. وهي ذات لون أزق بعلبة سماوية جذابة، وهذا سبب آخر لأحب السعة الأصغر، فاللون الجذاب الآخر هو أعلى سعة، 8 جيجاً، أحمر برتقالي، وليس جمل من اللون لأصغر سعة مع ذلك. المشكلة هي، أن السعة الأصغر انقرضت من السوق. بحثت في أربعة أسواق وكل ما أجده السعات الأعلى، وأقل ما وجدت هي 2 جيجا الخضراء. شعرت بتعاسة بصدق، وهذا قد يكون عيب بي، حيث أثابر بشكل زائد عن الحد وبدقة بالبحث عن فروقات يمكن الاستغناء عنها. ورغم أني أقنع الناس بالعادة بأنه لا فرق في مثل هذه الحالات، إلا أني أعجز عن إقناع نفسي مما يشعرني بأني نصاب إلى حد ما. هوست لدرجة أني بحثت في الانترنت لأشتريه من الخارج ولو كلف ضعفي السعر، ولم أجد سوا حبة واحدة متوفرة في موقع مشهور، رفض الإيصال إلى السعودية. كانت آخر محاولاتي اليوم، في ثاني محل لعالم سوني أزورة وهو في العقارية. لم أجد السعة المطلوبة وأخبرني كما أخبرني محلهم السابق أنها لم تعد تأتي، وشرح لي معلومات بعضها مغلوط وبعضها صحيح عن الذاكرة في محاولة لإقناعي، ولم يفهم، كسائر الناس، سبب هوسي بالسعة الأصغر والشكل الأصغر. حزنت بصدق وفكرت أن أعود لاحقاً بعدما أقرر السعة الأكبر التي سآخذ إن رضيت نفسي، ولكنه ذكرني بمحلهم الآخر، في العقارية الثالثة في القبو،،، وهذا المحل الذي ذكرني به، الذي نسيته، هو المحل الذي اشتريت منه الفلاش الأول قبل خمسة سنوات!!! كيف نسيته؟؟؟ ذهبت إلى هناك، وصدقاً، لم أتوقع أن أجد ما أريد، ولكن كي لا ألوم نفسي، وفي الطريق مررت بكل المحلات التي قد تبيعه حتى وصلت، ووجدت آخر حبة من السعة التي أريد تتدلى بالعرض. الحمد لله، هذا حظ حسن بالتأكيد. أن أحصل على آخر حبة موجودة بالمعرض. اشتريتها بـ 29 ريال، كل هذا العناء انتهى بهذا الثمن البخس، وأتمنى أن يكون الفلاش الذي دخل الخدمة قبل قليل مثل سابقه إن شاء الله. هذه صورة للفلاش:









من المنصوح به عموماً، أن لا تعدل الملفات المتواجدة في الفلاش بشكل مباشر، إنما تأخذ الملفات به عن طريق القص، وتضعها على السطح المكتب مثلاً، تجري التعديلات التي تريد، كإضافة نص مثلاً، ثم تحفظها من جديد على الفلاش. هذا قد يطيل من عمر الفلاش.









كنت أقرأ عن آخر سلالات الصين الحاكمة، آخر فتراتها بالتحديد. يا له من تاريخ مثير للاهتمام، بكل تلك الدسائس والدوافع الخفية للمواقف. لست أرى فرق كبير بين تاريخنا وتاريخهم، سوا أن النساء لعبن دور أكبر وإن كان لنسائنا دور كبير، ولكن، لعل هذا هو الحال مع كل الأمم.







أتمنى أن لا يأتي الدكتور اليوم... أحيانا قبل النوم أفكر، هل أكل شيء سيء؟ قد يمغصه بطنه ولا يأتي...


جاء قبل قليل زميلي في القسم، وهو رجل طيب يبدو أصغر من عمره. حتى الآن لا علاقات حقيقية لي، وكالعادة، آخذ وقت طويل جداً بالنسبة للعرف السائد قبل أن أبدأ بالاندماج، كما حدث في عملي بالجامعة سابقاً، حيث طالت المدة إلى حوالي 4 أو 5 أشهر على ما أعتقد. زملائي هنا يحتجون على الأمر ويلمحون لي بأن أخالطهم أكثر. ولكن عموماً، عملي كثير مؤخراً ولا يسمح لي بحك رأسي. زميلي هذا لاحظت أنه يود أن يحادثني منذ فترة. جاء قبل قليل، وكان الأمر هو أنه يود فقط أن يتعرف أكثر علي. كان قد فوجئ بأني من القصيم قبل فترة، وقال بأنه لم يخمن من لهجتي، ولكن الحقيقة التي لا يدركها غالبية الناس في بدايات عملي معهم هي أني بالكاد أتكلم، فيصعب الحكم على أصلي. كوني من القصيم أعطاني دفعه على ما يبدو لديه. أحدهم، وهو رجل كبير من مفرزات البيروقراطية مما يبدو على شكله، احتج حينما علم أني من القصيم، وقال بأنه سيترك القسم لامتلاءه بالقصمان، بالواقع، لسنا إلا ثلاثة بالقسم من القصيم، رئيس القسم، وزميلي السكرتير، وأنا، ولكن ربما مواقع الاثنين الآخرين تشعر البعض بالحساسية بعض الشيء وإن تكلموا مازحين. تكلمنا بوجه العموم عن القصيم، وعرف بأن انتمائي للمكان شديد، ولكن رغبتي بالزيارة ضئيلة.



اليوم هو الأربعاء، سيأتي بعض الأطفال اليوم، كم أشتاق إليهم. يوجد طفل صغير عمره سنتين، ابن اختي، ذو شعر ملفلف جميل، حينما زرتهم بالبيت قبل يومين لأجل عمل معين استقبلني بالأحضان وظل يتمسح بي وبيديّ ويدور حولي وأنا واقف أخاطب والدته وكأنه قط صغير. تمسحه بي بانسيابيه ودورانه حولي ومسح وجهه بيدي جعلني أتفكر. ليست أول مرة بالطبع يفعل طفل هكذا معي، فلدي العديد من أطفال إخواني وأخواتي، بعضهم يحبني في مراحل معينة إلى هذه الدرجة، ولكني تفكرت بأمر المحبة ذاتها في مثل هذا العمر الصغير. لست أقوم بشيء خاص حتى يحبني هكذا، أكثر من كوني أظهر له محبتي الحقيقية، مما يجعلني أعتقد بأن الأطفال الصغار لديهم قدرة أكبر على تمييز الحب الحقيقي وقراءته أكثر من كل الكبار، مع استثناءات طفيفة أحب أن أفكر بأني منها، ليس لأني بريء، ولكن لأني مثير للتساؤلات داخل نفسي ودقيق التفحص لما أراه وأسمعه حينما يصبح الأمر جدياً. ورغم أني أحب كل أبناء إخواني، إلا أني بطبيعة الحال أميل لبعضهم أكثر من الآخرين، ومن لا أميل لهم كثيراً بالعادة، أشعر بأنهم يدركون هذا بالفطرة، ولا يهتمون لأمري كثيراً، وبالأغلب الأعم، يكونون هؤلاء من أبناء إخواني، بينما أبناء أخواتي غالباً ما يشغفون حباً بي، أو تقديراً على الأقل حينما يكبرون، فأنا مثلاً لا أجزم أن أكبر أبناء أخواتي يحبني جداً رغم أني أحبه، ومحبته تزداد في قلبي كما تزداد شفقتي عليه، ولكني أعلم بأنه يحترمني كثيراً، ويقيم تعامله معي جيداً ويحرض على رضاي عليه بدافع الاحترام، ولكن قد لا يضيره مثلاً أن أكون حزيناً كما يضير أبن اختي الآخر ذو العشر سنوات، الذي ما يفتأ يسألني ماذا يحزنني وبماذا أفكر وإن كنت غاضب عليه؟. ومهما بعدوا أو اقتربوا أبناء إخواني، إلا أنهم دائما ما يلهمونني بأشياء، وأشعر بفكرة مجردة دائما لا معنى لها، الفكرة هي أنهم جيشي.



حينما أرى من يعملون ويطورون في عملهم رغبة بأمور أخرى مختلفة عن التطوير بحد ذاته والنجاح، أشعر تجاههم بمشاعر مختلفة، تتراوح بين الشفقة، والاحتقار لما يقومون به، ليس المقصد من الاحتقار إحتقار الخُلق بقدر ما هو استصغار الانجاز، الذي يظل غير مكتمل بشكل ما. ألاحظ الكثير من الناس، يبحثون عن لفت الإنتباه إلى درجة أنهم يضعون أنفسهم في موضع المتزلفين قليلي القدر طمعاً بخطوات قصيرة إلى الأمام. حيث تجد أن إنجازاتهم غير مكتملة، وتشبه التزلف أكثر من كونها إنجازات قائمة بذاتها، حتى تريد أن تتوصل إلى معرفة الإنجاز النهائي الذي صنعت من أجله كل هذه الإنجازات/التزلفات. ولكن مع ذلك، يحدوني شعور بائس بأنهم هم من سينجح بالنهاية، في هذا العالم المنافق. أشعر بالأسف حينما أرى شخص كنت أحسبه يحترم ذاته أكثر من أي شيء آخر يتحول كالمسعور في مطاردة الإنتباه، وإضحاك الناس المراقبين عليه، هكذا فجئة، ولسانه حاله يقول: العمر سريع، وأنا بطيء. ربما عجلت به خطواته إلى الأمام فعلاً، ولكن الثمن لا يستعاد، حيث أنه إن كان يوماً قد قدر نفسه حق قدرها، فسيستعيد هذا التقدير يوماً، ويندم على ما فعل، وإن لم يكن قد قدر نفسه من قبل، وكان هذا طبعه طوال عمره، فالمرء يحصد ما يزرع، وإن سمده بخراء نفسه. أحياناً تكون هذه المنجزات مجرد أشياء صغيرة، كاستحداث لجنة حقوقية صداها الإنساني أكبر من عملها الحقيقي في الجامعة مثلاً، أو حتى نشر مجلة كان يمكن أن تكون مفيدة لو كانت صادقة ومن نوايا صادقة.



سأقابل مديري السابق إن شاء الله غداً الخميس في الجامعة، إن استطعت. أريد أن أستشيره بما يجب أن أفعل لأتحرك بالانتقال إلى الجامعة.




قبل قليل، قرأت رد صاحبة مدونة أجنبية على تعليقي في مدونتها. مدونتها تختص بالكتب، تراجع الكتب وتبدي رأيها فيها. أحد هذه الكتب هو كتاب عن السعوديين لكاتبته الباكستانية التي عملت قليلاً هنا. وجدت بعض الأمور المغلوطة في الكتاب من خلال المراجعة، وعلقت على هذا الأساس. الكاتبة إنسانة ذكية، وعميقة التفكير. قالت في معرض ردها أنها اطلعت على مدونتي، ولكنها تحتاج إلى برنامج يترجم اللغة العربية بطبيعة الحال، وعليه ستطلع لاحقاً. لا أعتقد أنها ستفعل مع ذلك، حيث يبدو أن أنشطتها كثيرة، وكلامي كثير. ولكن لو اطلعت، فلن تجد شيئا مميزاً مثلما تكتب، فالأمر هنا فوضوي، يميل إلى العشوائية في الطرح والمضمون، رغم أن مدونتي محصورة إلى حد ما، أو محضورة على الأصح عن بعض المواضيع بدافع ذاتي. ولكن لو لم ترى غير اعتيادية مدونتي، لو لم ترى إلا أنها شأنها شأن آلاف المدونات في كل العالم، قد يكون هذا شيء جيد بالنهاية. مدونتها من أشهر المدونات على بلوجر، ومن المدونات التي ينصح الموقع بزيارتها. لا يوجد تصنيف مماثل للمدونات العربية على بلوجر.





ذهبت إلى مديري السابق يوم الخميس بالجامعة، واتفقنا على تفاصيل إجراء طلب نقلي لأعود إليهم. ليس الأمر مضموناً بأي شكل، على أني أدعو الله أن يساعدني فيه ويحقق رغبتي، ولكن لا يتعلق الأمر بالجامعة فقط، فقد ترفض الوزارة التي أعمل فيها حالياً انتقالي عنها.






إن الأيام كالنسيم تمر سريعة ويسهل نسيانها، سوا أنها غير منعشة.





القلة يعلمون بأمر روايتي التي كتبتها الآن منذ مدة طويلة، ولا زالت غير منشورة، وكلما ظننت أنها اكتملت عدت لأنقحها. أمس، انتهيت من تنقيحها كلياً والحمد لله، ولكن بقي العنوان، وهو ما يسبب لي الصداع. لم أجد العنوان الملائم أبداً، وأخاف أني لن أجده... كنت قد أعطيتها في وقت سابق لوزارة الإعلام للفسح، ولكني استعدتها منهم لأغير العنوان، ويا الله، كم كان أمرهم عجيب. هناك موظفين يقرآن الروايات ويبحثان عن ملاحظات لعدم منحها الموافقة. ورغم أن روايتي لا مثلي غير مهتمة بإثارة الناس سلبياً وإزعاجهم، إلا أنهم وجدوا ما يقولونه من الجزء الصغير الذي قرأوه، حيث أنهم لاحظوا أسماء للمدن، وهذا لا يريدون رؤيته!! واقترحوا اقتراحات فنية سخيفة، ووقحة على المستوى الأدبي، إذ كيف تملي على الكاتب ما يجب أن يكتب؟! أخبرتهم بأن هذه الملاحظات الفنية هي ضمن خيارات المؤلف، مما جعلهم يتضايقون قليلاً ويقولون بأنهم لم يحاولوا التدخل. ولكن مستوى الموظف الذي تولى روايتي، من خلال نقاشه، لم يبشرني بخير بصراحة، فهو لا يبدو واسع الأفق، ولا يبدو ذكياً جداً، أو حائز على تعليم جيد، ووجدت أنه يفهم الأمور برمتها بشكل خاطئ على نحو كان أن يسبب لي الجنون، أشياء جداً بديهية. في النهاية خفف من موقفه، وقال بأن ما أخبرني به واقترحه لم يكن ملاحظات، ولا أدري لماذا خاف، ربما كان قد تم تحذيرهم مسبقاً؟. وقال بأن الأمر سيعود لمديرهم. الآن، لدي شعور قوي بأن روايتي لن تفسح لأن الأبطال من القصيم... ولكن لو لم تفسح، سأنشرها إن شاء الله على شكل كتاب في الانترنت ليحمله من يود القراءة، وسأعمل على تسويقه جيداً بعون الله، هذه هي فكرتي حالياً. بالنسبة للربح، كنت أتخيل بأني سأخسر أصلاً لو نشرته على شكل كتاب ورقي، خصوصاً أني لا أود التعاون مع ناشر مبدأياً. وعليه، قد تكون الانترنت بالنهاية أقل تكلفة، وإن لم تربح فهي لن تخسرني، ربما بضعة دولارات فقط للاستضافة ومن هذا القبيل.


جزعت من دكتور، فأتوا لي بإثنين... هذا ما جرى، سخرية تقليدية إلى حد غريب بالأحداث. ماذا عساي أن أقول؟ الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه... ما جرى هو أن مديري دخل علي لأول مرة، ودكتورين يتبعانه، وقال بأني من اليوم سأعمل مع هؤلاء في المشروع الفلاني، ولا أعمل بالمشروع فعلياً بقدر ما أعمل مساعداً، أو سكرتيراً بالمفهوم الحكومي بالواقع. أحدهما رجل كبير بالعمر، ومزعج، والآخر شاب فرح بنفسه، ومغرور على ما يبدو، والأدهى والأمر، أن دكتوري السابق لا يريد أن يتركني دون أن يستفيد هو الآخر من وقتي ومجهودي. لست أحب وليس عملي أن أرتب ملفات وأبحث عن معلومات عربية، ولكن هذه أول مرة يطلب مني مديري الدكتور شيء حقيقي، كما أن الوضع يبدو مؤقتاً وإن طال قليلاً، ولكني أتمنى أن أتمكن من العودة إلى الجامعة قبل أن ينتهي، دون أن أثيرهم برفضي فيتعنتون حين خروجي. وجدت أن الدكاترة حينما يجتمعون فهم يفقدون البقية الباقية لديهم من الإحساس بالغير، إن وجد إحساس أصلاً. يعتقد البعض أن هذه فرصتي بالتميز والصعود، وربما مديري يعتقد بأنه يصنع معروفاً بشكل ما، فقد بدا متحمساً وفخوراً وهو يطلب مني إحضار سيرتي الذاتية ليروها هؤلاء الدكاترة الجدد، رغم أنها فقيرة حقاً. كان اليوم متعباً ومتناقضاً إلى حد أنني أجهدت حتى خفت أن أقع مغشياً علي، حيث لم آكل منذ الصباح سوا قطعتي بسكويت. كان الدكتور الأول الذي أعمل معه أصلاً قد طلب مني بالبريد أن أنجز عمل معين، ولحسن الحظ، استدعاني مديري ليطلب عمل، وهي المرة الأولى، فوجدت أن ما يطلبه مماثل لما طلبه الأول، فاختصرت وقتاً، وبدا هو سعيداًَ لأني كنت انتهيت بالفعل من التنفيذ. ولكن تعديلاته كانت كثيرة على لب الموضوع، والدكتور الجديد متطلب جداً ومزعج ونزق، والآخر يتكلم ويطلب أشياء بنفس الوقت الذي يطلب فيه زميله. مما جعلني أفقد صوابي. وكان يلح علي بالاتصالات يريد مني القدوم لمناقشة عملنا القديم، ورغم أني أفهمته طبيعة تعليمات الدكتور الجديدة إلا أنه اعتاد على ما يبدو أن يعتمد علي في بعض الأمور. كان الوضع مقلقاً حقاً، أضف إلى هذا عدم رغبتي بالقيام بمهام السكرتارية التي أتيت هارباً منها إلى هذا القسم، ورغم علم الدكتور بحقيقة رغبتي، إلا أنه الآن يضعني حيث يعلم أني لا أريد، وبحماس أيضاً. قرب نهاية الدوام، عملت مع الدكتور الأول، و ساعدته بأمور كثيرة. وعلمت بحقيقة شعوره تجاه عملي كموظف، فهو يرى بأني أجيد ما أعمل، مع ذلك، يتمنى أن أعمل كالمكينة بلا توقف وأن لا أعود للمنزل، وهو مطلب مبالغ فيه. حدث بالمكتب ما كاد أن يسبب لي إنهياراً عصبياً، حيث أن عملي السابق، الذي أعجبه طوال المدة الفائتة، وجد أنه سيستغني عنه لأن الوقت ضيق، ولم يكمل هو ما عليه من عمل، ولهذا، سيستغني عن كل شيء من هذا الجانب حتى لا يكون ناقصاً. تخيل أنك اشتريت كيكة من حلويات الدبلوماسي، رائعة لا تشوبها شائبة، فيلقي بها أحدهم أمام ناظريك بالقمامة، دون أن تذوقها، أو يذوقها أحد، أو يوجد بها علة. ترجمتي كلها ضاعت هباء، رغم كل ما نالها من مديح. وقفت في مكان ما بالمكتب أنتظر خروج الأوراق من الطابعة في جو من الصمت، قطعه الدكتور قائلاً: سعد أنت درست برى؟ قلت: لا. قال: لغتك حلوة مرة. فكرت: هذاه ما نفع بك... قال بأنه يريدني أن أنتقل إلى جوار مكتبه، ولكني أخبرته بما استجد بصراحة أكبر. وبدا أن الأمر ضايقه بالفعل، وسأل إن كان الدكتور هو من أمر بهذا بنفسه؟ أكدت له ذلك. فاجئني بعد ذلك بأن العمل انتهى وأنه لا يريد أن يؤخرني أكثر من ذلك، قال هذا بلطف شديد فاجئني حقاً، فهو لا يقدر حاجة الناس لمغادرة العمل ليأكلوا ويناموا. سألته قبل أن أخرج إن كان يريد شيء آخر؟ نفى مبتسماً. ثم قال: أحياناً أكون دايركت أنا بالعمل يا سعد، لكن أنا مقدر تفانيك وإتقانك للعمل ومثابرت وانضباطك، أنا مقدر التزامك، وأنت مكسب للمكان اللي أنت فيه. شكرته، وخجل هو!! بصراحة، شعرت بنوع من تأنيب الضمير لنفوري منه، حيث بدا هذه المرة، عكس كل مرة، يريد أن يرفع من معنوياتي بصدق وليس لحاجة، ولكن لنفوري أسباب مع ذلك. ظننت أني حينما خرجت أن اليوم انتهى. ولكني فوجئت بأن مديري غاضب ويريد جدول صنعته منذ ما يبدو الأمد، يعني بداية اليوم. طبعته للسكرتير المذعور، رغم أننا أوصلناه للدكتور مسبقاً، ولكن يبدو أنه أضاعه أو نسيه. سمعته يوبخ بغض في الممر، فخرجت ووجدت أنه لم يقتنع بأن هذا هو الجدول. لا بد أنه نسي أو لم يستوعب. جاء السكرتير الآخر. ولم نفهم ماذا يريد بالضبط. ولكن السكرتير الآخر اقترح أن آتي بالجدول الذي عدل عليه المدير، ولما رآه هدأ غضبه، ونزعه وأعاده إلي، واحتفظ بالجدول الذي أعطيناه إياه أول مرة!! ذهلنا، وقلت حينما ابتعد: غريب، ليش معصب؟! بعدين وش كان يبي بالضبط؟ لم يعلم أحد بالحقيقة.


أتمنى أن يكلل الله ماسعيي بالتوفيق، لأعود إلى الجامعة، إلى مديري العزيز وزملائي الإخوة.





سعد الحوشان

السبت، 7 مارس، 2009

هم وعاصفة



بسم الله الرحمن الرحيم


كانت الأمور دائما تبدو وكأنها ستكون على خير ما يرام حينما كنت أصغر. وحينما أفكر بالأمر، يبدو أن ما تخيلته قريب من الصحة، مقارنة بالممكن، أو الأسوأ، على الأقل، لست أتمنى أن أعود إلى زمن سابق، حيث يبدو دائما أن الأسوأ قد مر، حتى يمر ما هو أسوأ منه، ثم يكون قد مر بالفعل، ورغم هذا، أجد أني آمل دائما بأن الأمور إلى استقرار، مع علمي بأنه استقرار ممل، هل أريد الاستقرار حقاً؟. كانت حياتي قبل سنتين أو ثلاث مليئة بالأحداث، ومليئة كذلك بالجبهات، الآن ليست إلا جبهة واحدة، ولا أحداث حقيقية. قد يكون الوضع مريحاً، ولكنه يدعو لتبلد الإحساس كذلك، وهذا أمر لا أتمناه لنفسي، كما أني مللت الوضع كثيراً، ولكن ما باليد حيلة. الحياة بلا أصدقاء أريح على سبيل المثال، ولكنها لا طعم لها نوعاً ما. ولكني لا أشعر بالفقد فعلاً، الأمر شبيه بالتفكير برحلة ممتعة، ولكنها متعبة بطبيعة الحال، فالرحلة ضد الاستقرار، ربما وصلت إلى مستقري أخيراً. وليس الأمر يتعلق بجانب الأصدقاء فقط، ولكن في جوانب كثيرة، مثل الطموحات، حب الناس، حب النفس حتى.



راودني حلم غريب، على أنه من أضغاث الأحلام. ولكن فيه رأيت شخصين أعرفهم، يمثلهم شخص واحد. أليس هذا غريب؟ أعني اختلاط الشكل حتى تبدأ بالشك حقاً من هذا الذي تراه، وحتى الطباع اختلطت. كان الوجه مستطيلاً ولكن الأعين ملونة، الجسد رشيق ولكنه قوي. حينما صحوت فكرت بأنها ربما رسالة من عقلي الباطن، بأن هذين الشخصين المؤثرين في وقت سالف في حياتي، لا يختلفان كثيراً. أو ربما، أحدهما نقيض للآخر رغم تشابه الطبيعة، فهذا جذبني، وذاك نفرني، وكلاهما مميز بشكل متشابه، وكلاهما يشتركان بالطريقة، وربما، ربما، أو آمل، أنهما يختلفان بالقلب. ولكن لماذا آمل؟ لم يعد للأمر معنى، لم يعد لكليهما معنى، أو تأثير. ولكن لماذا يأتيان الآن؟.


كم أشتاق لعملي في الجامعة...


لا زلت لا أدري ماذا أسمي مدونتي. لا أرغب بالاسم القديم، الذي على سخافته وجدته دارج الاستخدام نوعا ما مؤخراً. كان الأسم: دفتري الأزرق، في إشارة إلى دفتر أزرق قديم لا زلت أستخدمه منذ سنوات. أتذكر دكتور في الجامعة، كان عميد لكلية الآداب. كان يكتب مقالات في جريدة الجامعة في زاوية ثابتة، وقد غير اسمها عدة مرات. أسخف الأسماء الذي يبدو أنه وضع بلا تفكير هو: عين العقل. وكأنما يثق بشكل زائد عن الحد فيما يقول، بالإضافة إلى الرنة السخيفة. غيره إلى اسم أكثر قبول رغم أني لا أتذكره. الآن أعتقد أن اهتمامه توسع بعدما صار دكتور عادي وترك العمادة، صار يكتب بكثرة بالجرائد المحلية، وصرت أشعر بأنه يبحث عن الظهور، ومثل بقية الدكاترة، يموت ليجد منصباً. الدكاترة السعوديين عموماً ليسوا من الناس الذين تصنع فيهم معروفاً وتتوقع أن يتذكروك ولو بسلام واحترام، فهم لا يرون غير أنفسهم وقد يتذكرون معروفهم على بعضهم، أما الشخص العادي فليس أكثر من شخص يجاملونه ويتحايلون عليه حتى يعطيهم حاجتهم. تعلمت هذا خلال عملي في الجامعة، صدمت بالبداية، ولكني تعلمت بسرعة لخلفيتي عن طبيعة الدكاترة السعوديين بشكل عام، السيئة المركبة. والمشكلة هي أن بعض الموظفين يسعون لإرضائهم بعيداً عن المنطق، وقد يخسر زملائه ليرضي دكتور في أمر غير منطقي. حدث هذا حينما جائني موظف ذات مرة، قال بأن زميلي المدير فلان، وهو مدير لقسم آخر، رجل طيب، قد أرسله إلي لأقوم بترجمة شيء ضروري معه. حينما نظرت وجدت الأمر لا يتعلق بالعمل، إنما هو مقال شخصي للدكتور الذي تحدثت عنه بالبداية، صاحب الآداب!! طالما أنه شخصي، لماذا لا يأخذه إلى مكتب ترجمة؟ فلا يعاني من عوز على حد علمي، ولا يعاني من غباء إلى هذا الحد كما أتصور، إنما هو استغلال درج عليه هو وزملائه، وهذا الموظف الصغير أمامي، الذd كان في العادة يتبسم إلي ويسلم عندما أعمل له شيء يتحايل علي، ولا يخبرني الحقيقة كاملة. أخبرته بأني لا أستطيع أن أقوم بهذا، أراد إحراجي وكأن الأمر يعنيه بالدرجة الأولى، وكأن هذا خطاب لترقيته مثلا ويتوقف علي توقيعه، قائلاً بأن المدير فلان طلب منه الذهاب إلي وأنه توقع أني سأوافق ومن هذا القبيل. أساساً، ذاك المدير المحترم كان يجب أن يستحي على نفسه بصراحة، ألا تكفيه الخدمات التي أؤديها لقسمه دون أن يضطر أحد منهم أن يتحرك من مكتبه؟. شعرت بصراحة بنوع سخيف من الاستغلال، ليس من قبل الدكتور الذي لا يعرفني، ولكن من ذلك المدير الذي أحبه، ولا زلت. رفضت أن أقوم بالعمل بأدب وهدوء، وهو شيء لم يتوقعه هذا الموظف، وحاول إحراجي أكثر ولكن لم يستفد، وأحرج نفسه هكذا. كان شيء سخيف أن يجعل نفسه أداة بهذا الشكل، أن يحرج الناس فقط ليرضي مديره أو مديره السابق كما أحسب، فالأمر لم يكن منطقياً، فحتى الأوراق الرسمية يرفض مديري أن أترجمها حينما لا تكون من جهتنا. صار هذا الموظف لا يرد سلامي لفترة بشكل غريب، أمر يجعلك تستصغر عقليته بصدق، ويبدو أنه تدارك الأمر وعاد ليتبسم بتوجس ويسلم، ولكني لم أعد أكترث له كثيراً، ليس على نحو متعمد، ولكن بدا لي أنه شخص سخيف حقاً. لست بالحقيقة مفتقد للمرونة بالعمل، على العكس. كانت الجهة التي أعمل فيها لا علاقة لها بالطلاب، مع ذلك يأتيني أحياناً طلاب لا أدري من يخبرهم عني، يطلبون ترجمتي لبعض الأوراق لديهم. إنهم طلاب، وأموال الترجمة تشكل ميزانية بالنسبة لهم، كما أنهم مساكين، في هذه الحالة أستأذن مديري، الذي يتغاضى ويتسامح في هذه الحالات، ولكنه يوضح لهم بأننا لا نستطيع أن نصادق على الترجمة بالختم، غالباً يوافقون مع ذلك على هذا الشرط. كما أؤدي ترجمات لبعض الأجانب من غير العرب العاملين في الجامعة، فبصدق، هؤلاء أفضل من العرب في أسوأ الأحوال.




اليوم استلمت عمل جديد، وقد كنت متوتراً في البداية، لأني لم أكن متأكداً إذا ما كنت أستغل أم لا، حيث لم يكن العمل من مديري، ولا زلت غير متأكد. ولكني سأنتظر وأرى. لقد صارت عندي حساسية من تكليفي بعمل، ثم نسبه لغيري. قمة القهر، ولدي شعور بأن هذا ما سيحدث هذه المرة أيضاً، والله أعلم.






أديت الجزء المطلوب قبل قليل. بدأت به حالما وصلت إلى العمل، لم يكن الأمر صعباً رغم أنه جديد، إلا أني قلق من ناحية الأسغلال. حيث توجد عدة مؤشرات لم تشعرني بالاطمئنان.






حياتي تحتاج إلى عملية إعادة ضبط هائلة. يجب أن أبدأ بالتأقلم على وجودي في العمل الجديد، حيث لا يبدو أن هذا الواقع سيتغير مع الأسف. الناس في المكتب الذي أعمل فيه ودودين بشكل عام، ولكن كم أفتقد زملائي في عملي السابق في الجامعة، وكم أفتقد الحياة هناك. صحيح أنه يوجد بعض الأمور الغريبة التي تجري، ولكنها كانت ملح الوجود هناك، حيث هناك دائماً ما يدعوك للتفكر. يعمل هنا دكتور يبدو أنه نزق النفس، وبما أنه ليس مدير، تشكل المعاملة العفوية له من قبل الموظفين العاديين ضغط نفسي على ما أتصور، رغم أنها بالتأكيد بعيدة عن المعاملة الندّية. من الجيد أن مكتبه بعيد قليلاً. لقد انتشر الدكاترة في كل مكان الآن، حتى في أماكن لا تتوقع أنه يعملون فيها، هذا يعني أن أعدادهم زادت عن الحد، ويوجد طفرة منهم. لم يعد الأمر مميز.






كلفت بعمل لأول مرة أكلف بمثله، حيث أعطيت أوراق باللغة الانجليزية عن مؤسسة معينة لألخص فيها بعض المعلومات باللغة العربية. أديت جيداً كما فهمت، على أني لم أكن متأكداً من الطريقة التي يريدون فيها عرض المعلومات. ورغم أن الدكتور الذي يعمل معنا وكلفني بهذا لطيف، ويميل إلى التشجيع والامتداح، إلا أني لسبب أجهله لا أرتاح إليه، ربما لأني أشعر بأنه غير صادق، ليس من ناحية أنه يكذب حينما يمتدح عمل ما، ولكن لأنه لا يمتدحه لأنه معجب بالأداء مقدر له بقدر ما أنه يحايل لإنجاز المزيد بلا سؤال. قد لا يكون هذا صحيحاً، ولكن سبحان الله، الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، لا أرتاح إليه ولا إلى ابتسامته ولطفه. ولكن من يعلم، قد أتعرف عليه أكثر وأغير رأيي، أو أتمسك به. اديت عملين بالأمس، أحدها ما ذكرت والآخر طلب فيه المزيد من التفاصيل، حينما اتصلت فيه بعدما وجدت اتصاله، وجدته قد غادر العمل إلى اجتماع مهم، أخبرته بأني أرسلت إليه العمل وسألته ماذا يردني أن أنجز الآن، ولكنه تحدث ولم أفهم من يقصد، أنا أم غيري حينما قال ونعم الرجل ومن هذا الكلام، حيث بدا أنه يتحدث عن شخص آخر لأني لم ألتقط كل ما قال. كان أمر مشوش. على العكس منه كان الدكتور الذي عملت لديه قبل أقل من 3 سنوات، حيث كان طبيباً مجنوناً على شهرته. كان حينما يمتدح الانجاز يمتدح بإعجاب وبصدق، رغم أنه فاشل إدارياً وغير محفز لصعوبة إرضائه في ذلك الوقت، ولافتعاله العديد من المواقف السيئة بيني وبين زملائي بزعم حمايتي، بعض الناس ليتهم لا يحبوك، بعضهم، تقول: لن أسامحه على حبه. ولكنك لا تدري حقاً ماذا يجب تقول.






أشعر فجئة بشوق شديد إلى أمي. لا أدري لماذا داهمني هذا الشعور... ولكن الوقت مبكر على الاتصال الآن.





قبل فترة، اشتريت ساعة غريبة من شركة يابانية عن طريق الانترنت. وهي لا تقرأ بالعقارب أو بالأرقام الالكترونية، ولكن بأضواء الأل إي دي. شكلها جميل وغريب، والغريب أنها تشعرني بأنها على جانب من الكلاسيكية بتموجات غطائها. كثيراً ما يفتح الناس الذين لا أعرفهم في الأماكن العامة محادثات بشأنها لغرابة شكلها، ناهيك عن من أعرف. وأجد شرح طريقة قرائتها المختلفة بحساب الدقائق حسب الأنوار أمر ممتع، فهي ممتعة حقاً، رغم أن أخي يتهمها بأنها غطاء زجاجة كولا مشوه، ولكنه يتهم الكثير من الأشياء بالكثير من الأوصاف، وآخر تقليعاته أني أشبه الفتاة على شعار مطعم وينديز مع فارق أن لديها ظفائر. ضحكت طبعاً، ماذا بوسعي أن أفعل، على الأقل، كنت أحب المطعم قبل أن يغلق أبوابه في الرياض. كان هذا بعدما اتهمته بأنه يشبه زوزإمب، zoozimp ابحثوا عنه. عموماً، هذه هي صورة الساعة:




يوجد شباب يعرفون كيف يتأنقون بالملبس حقاً ما شاء الله. حينما أراهم أتمنى لو أستطيع أن آخذ نصائحهم بالأمر. أنا ألبس ثياب نظيفة ومكوية، ولكن يظل منظر الغترة على رأسي غير جيد. يوجد الكثير من الشباب من يضع الشماغ بشكل سليم ويلبس ثياب جيدة وساعة جيدة، ولكن، ليس الكل يبدو بالنهاية مميزاً بالأمر. إن الأمر يدخل به ذوق دقيق. أحد الموظفين وهو من عمري على ما يبدو، رأيته بضع مرات في الممر، يبدو شديد الأناقة ما شاء الله، ولو أني أجد اهتمامه مبالغ فيه، ولكن حينما ينظر إلي، لا أكف أتخيل أنه يقول في نفسه: وش ذا الهردويل.


اتصلت أختي قبل قليل بي، لتخبرني بأنهم أخرجوا الموظفين والطلاب والمدرسين في المدينة القريبة من الرياض حيث تقيم. بسبب عاصفة رملية شديدة لا يرون شيء بسببها، وقد مرت ببريدة كذلك في القصيم، ويقال أنها قادمة للرياض. هل سيخرجوننا من هنا باكراً؟ لا أتصور. مع أني أتمنى. لدي الكثير من العمل لأقوم به، والآن أستريح بعد ساعتين ونصف من العمل المتواصل. ولكن لا يبدو الأمر بهذا السوء كلما تعمقت فيه، إلا عندما يخرج الدكتور بتقليعة جديدة مختلفة عن ما قرره أمس... يا الله. على الأقل، تعامله جيد. رغم أني أعرف بأنه يكاد أن ينفجر مني بسبب عنادي في بعض الأمور، التي هي من حقي طبعاً. حيث ألمح أمس لبقائي في العمل بعد نهاية الدوام لأكمل العمل، ولكن أخبرته بأني يجب أن أعود فابتسم ابتسامة مغتصبة عريضة، ثم تكلم، وفي سياق كلامه ألمح لأخذي للعمل معي للمنزل، فأخبرته بأني سأنهيه غداً صباحاً، فابتسم ابتسامة مثل الأولى. وحينما صرفني استدعاني مرة أخرى، وأخبرني بأنه سيطلب لي خارج دوام لأبقى، فأخبرته بأني لا أريد هذا، فأنا لدي أنشطة أخرى بعد الدوام، ثم عرض ابتسامة مثل أختيها. بعد ذلك امتدح ترجمتي في معرض حديثه، وسألني إن كنت أعمل بالترجمة خارج وقت الدوام؟ أخبرته بأني أعمل تطوعياً، ولكنه سأل عن الربح المادي، ولما لم يوجد، عرض أن يعطيني أوراق لأترجمها بمبلغ كذا، ولكني رفضت، قائلاً بأني أكتفي بالعمل التطوعي والدوام الرسمي، ولكنه أصر وأصر وأصر، فقلت كاذباً بأني سأفكر بالأمر، يعلم بأني أكذب بالطبع.


متى ستأتي العاصفة؟...




غادرت أمس، يوم العاصفة، حالما وقعت الخروج. وهو أمر غير معتاد منذ فترة، إذ يستدعيني دكتور أعمل معه على أمر لنتكلم عن العمل ونناقشه، أو كما يفترض، ولكن الوقت يضيع لأنه دائما غير مستعد، بحيث يبحث عن الأوراق اللازمة وأنا معه، ويبقيني أنتظر لفترة طويلة وهو يبحث على الحاسب أو على مكتبه. هو شخص غير مرتب إطلاقاً، ولست أحب العمل بصراحة مع مثل هؤلاء. يؤخرني هكذا لفترة طويلة، قد تصل إلى ساعة بعد نهاية الدوام. وما يجعل الأمر ثقيلاً حقاً هو أني لا أتقبله. لا يقوم بشيء مزعج على نحو واضح باستثناء نهمه بإلقاء الأعمال علي، مغلف بطريقة مؤدبه، وأنا لا أشعر بأن أدبه مع الناس أكثر من تحايل، شأن أكثر الدكاترة السعوديين، ولكن الأمر معه يتعدى حدود تحملي، فأنا هكذا لا أشعر تجاهه بالراحة، سبحان الله، الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. حينما أجلس أمامه أجلس وكأني أقبض على جمر. ومثلما توقعت، اعتاد على وجودي في نهاية الدوام، ولما لم يستدعيني خرجت من العمل دون أن يراني، مع إرسالي للأعمال المطلوبة كاملة قبل أكثر من نصف ساعة من نهاية الدوام، حيث بقي له وقت لمناقشتي بها. اليوم حينما جئت في الصباح بدأت العمل مباشرة على أمر آخر كلفني به عن طريق البريد. وجاء زميلي يخبرني بأنه بحث عني أمس بعدما غادرت، وقلد لهجته الغاضبه وهو يقول لزملائي بأنه كلفني بعمل، احتجاجاً على خروجي في نهاية دوامي!. اخبرت زميلي بأني أرسلت العمل باكراً من الأساس، وليس ذنبي أن لم يطالع البريد. وأعربت عن استغرابي لرغبته ببقائي حتى بعد نهاية الدوام هنا. لا أدري كيف يفكر بعض الناس. عموما من الواضح أنه رأى العمل الكامل مرسل إليه بعدما أدى الفاصل المسرحي أمام زملائي وأحرجني في غيابي بلا داعي. حيث أنه مر اليوم علي في المكتب الذي أعمل عليه، مبتسماً ولكن ليس ببشاشته المعتادة، إذ كان من الواضح أنه غاضب، ولكنه لا يستطيع أن يقول شيئاً، وليس لديه حجة بما أن العمل انتهى قبل نهاية الدوام وهو من لم يعلم. هل يجب أن ألاحق كل رسالة أرسلها لأتأكد بأنها وصلت؟. أعترف بأن حنقي وعدم تسامحي معه راجع إلى حد بعيد إلى عدم ارتياحي له ولأسلوبه بشكل عام وفي كل شيء. أرجو أن اعمل مع مديري المباشر في المرة المقبلة بعدما أنتهي من العمل مع هذا، ربما كان مديري المباشر أفضل.



يبدو أن ذاكرة الفلاش لدي انتهى عمرها، ويا له من عمر طويل من الاستهلاك المضني. لقد عاشت حوالي4 أو 5 سنوات، حينما اشتريتها من تخفيض من وكالة سوني. اشتريتها بمئة ريال في ذلك الوقت، وكنت معجب بمميزاتها، مثل برنامج الضغط الذي يجعلها تحمل من المعلومات أكثر مما تتيح ذاكرتها. ذاكرتها المضحكة، 128 ميجا، التي كانت دائماً كافية، ولا تمتلئ أبداً، لحفظي لنصوص عموماً وقليل من الصور. عموماً منذ فترة طويلة وأنا أبحث عن عذر لأشتري ذاكرة جديدة من سوني، النوع الصغير النحيف، ولكني كنت دائماً أتراجع لأن الذاكرة لدي تعمل، ولا أريد أن أسرف، أو أكون استهلاكياً فوق الحد. فأنا أحب أن أستهلك ما أملك إلى أقصى حد غالباً.






لقد قررت التحرك ومحاولة العودة إلى العمل في الجامعة مجدداً، محتفظاً بمرتبتي الجديدة، وإن لم أستطع، فسأفكر أن أعود إلى مرتبتي القديمة إن كان هذا ممكناً... لم أحب هذه الوزارة منذ أن عملت فيها. لماذا خرجت من الجامعة في المقام الأول؟... يا الله. إن الدكتور الذي أعمل معه حالياً هو القشة التي قصمت ظهر البعير. إن المكان هنا في القسم الذي انتقلت إليه منذ أقل من شهر جيد، أو بدا جيداً، ولكن إن استمريت أعمل مع هذا الدكتور فلا فائدة من أي ميزة أخرى، فأنا والله لا أستطيع أن أتحمل مجرد رؤيته، وهذا وهو لم يفعل أمراً جللاً حتى الآن. ولكني أبغضه وأبغض أسلوبه وكل شيء فيه، أبغض العمل غير المرتب معه، أبغض فوضويته واعتباطيته، أبغض تصنعه، أبغض شكله وصوته وكتابته وابتسامته غير الصادقة، أبغض استعجاله في تصرفاته وكلامه وقراراته، ابغض استبقاءه لي في مكتبه بلا فائدة لمدة طويلة وهو يكرر ويكرر ما يقول، أو يبحث عن شيء لم يكن مستعد له حينما ناداني، أبغض حتى مديحه الذي يبدو أنه يراه ذريعة لطلب أكثر مما أطيق، أبغض إلحاحه غير الضروري بالعمل، اكره اتصالاته بالجوال ورسائله بالبريد، وهي أمور لم أكرهها يوماً من مديري السابق، على الأقل من ناحية الاتصالات، وكنت دائما من دعاة تفعيل التواصل الالكتروني بالعمل، أما هذا فأريد أن يحرم منه، أبغض تصنعه الزائد بالعمليه وأنا أعرف بأنه يبالغ، لا أستطيع أن أعمل مع شخص كهذا. أود لو جربت العمل مع مديري الدكتور الآخر، ربما ظل العمل بيني وبينه فقط وربما كان أفضل، ولكن لا أتصور أن الحال سيكون هكذا. إن الراحة النفسية أهم من أي ميزة أخرى، فهي لا تشترى، ولا تمنح بقرار.


اليوم، أول يوم بالاسبوع، أجد نفسيتي سيئة للغاية. نوع من السأم، أو نوع من الهم. حيث أجد نفسي أسترجع الوضع منذ أن جئت إلى هذه الوزارة، بداية بذلك الوكيل والمدير القساة، انتهاء بدكتور لا أستطيع وصف قدر عدم إعجابي به. لقد جاء قبل قليل، وكنت قد أديت عمل أرسل لي أمس الجمعة بالبريد الالكتروني يطلبه، أرسلته قبل أكثر من نصف ساعة. رغم أني أنهيته مبكراً، إلا أني أردت التريث وأخذ المهلة المحددة حتى لا أشجعه على مناداتي. ولكن لم يأتي إلا متأخراً، لا يمكنني أن أقول للأسف مع ذلك. كم كان لهذا العمل أن يصبح ممتعاً مع غيره... لقد أحببت بالبداية ما أقوم به حتى بدأ يستدعيني أكثر فأكثر، ولا يكتفي بما أقوم به، ولا يهتم بحقي ووقتي. لو فقط أغلق عيني وأفتحها فأجد دفتر التوقيع قبل أن يناديني...






حسناً،، لم تتحقق الأمنية. ولكن أشعر بأنه يبادلني عدم الارتياح، أن كلينا وإن اختلفت أسبابنا، لا يطيق أحدنا الآخر. هو لا يطيقني لأني لا أبقى بعد الدوام أطيع كل ما يريده مني كما أفترض، ومع ذلك معجب بعملي كما يقول، وأنا لا أطيقه،، للكلام الكثير الذي قلته سابقاً. يبدو أنه يعتقد بأني لست شغوفاً بالعمل، ولكنه لا يجد عيب في اتقاني للعمل فلا يستطيع أن يقول شيئا، أكثر من تكليفي بالمزيد والمزيد بشكل غريب. مؤخراً صار يقتضب في ملاحظاته، الجيدة عموماً عن عملي، وهذا لا يضايقني، فإني أود لو لم يتكلم أصلاً. طلب مني معلومات باللغة الانجليزية أو العربية، وقال أنه لا فرق. وبما أن المعلومات بطبيعة الحال تتوفر بالانجليزية أكثر، جمعتها وعملت عليها هكذا. غير رأيه قبل قليل، الآن يريدني أن أترجم ما جمعت، ألم يكن من الأوفر للوقت أن أترجم المعلومات في وقتها؟ لكان حصل عليها اليوم على الأغلب. عموماً، ماذا بوسع المرء أن يفعل...






كذلك، أشعر بأنه يشعر بأني لا أطيقه رغم تهذيبي معه ومجاملته بالابتسام، ولكنه ليس غبي إلى هذا الحد كي لا يلاحظ نفوري. ربما شعوره هذا في الأيام الأخيره، بدأ عدم ارتياحه لي، أقول ربما.






على أني أستغرب بأنه لم يحاول، لأول مرة، أن يجعلني أعمل في العشر دقائق الأخيرة من الدوام، كي أبقى أكثر. إذ قال بكرم بأن لا أعمل اليوم، وأترك العمل للغد، بعدما كلفني بالترجمة المذكورة، التي كان من الممكن أن تكون ممتعة، و كلفني بعمل آخر لا أدري جدواه، أو أهميته في هذا الوقت، مع علمي بأننا ينغير ما نعمل عليه الآن لاحقاً...



يا الله، كم أكره ثرثرتي في هذه المواضيع...





كراهية وغضب حتى الانطفاء...





سعد الحوشان

الأربعاء، 4 مارس، 2009

غريب، الآية مبتسم.

بسم الله الرحمن الرحيم



يظل المرء متردداً أحياناً بخصوص شيء ما، ولكن لكي لا يضيع الوقت، يتعامل مع الأمر بجدية، حتى يكون قد حقق شيئاً فيما لو قرر الاستمرار، أو قام بخطوات تضمن جودة الأمر ليستأهل العناء لو لم يترك الأمر ويتراجع عنه. لقد اتخذت اجراء لطالما فكرت فيه منذ وقت طويل الآن. كان أمر أرفض القيام فيه حينما كنت أكتب في مدونتي التي يستضيفها موقع سعودي للتدوين. حيث كنت متحمس لدعمه. ما قمت به هو شراء عنوان موقع لمدونتي. ما شجعني أكثر هو أن اسم مدونتي القديمة، وهو فريد من نوعه، قد تم أخذه هنا في بلوجر، رغم أن الأمر غريب، حيث أنه كان متاح حتى اقترحت في مدونتي القديمة بعد سوء تعامل إدارة الموقع المستضيف أني قد أتوجه إلى بلوجر. شعرت بأن هناك أحد أخذ الاسم حتى يفسد علي، ولكن، الأمر كله عشر دولارات في السنة، مع أني كنت أظن أن شراء عنوان غير مهم إذا ما توفر عنوان مناسب ولو كان طويلاً، إلا أني لا زلت أجد عنواني القديم Saaddiary مناسباً لي أكثر من غيره. لست واثقاً من استمراري في التدوين، أو على الأقل أخذ الأمر بجدية، فلدي خطط لمدونة لغرض خاص.

جاء مديري الدكتور اليوم أخيراً، إنه أطول مني وكنت أحسبه قزماً!! يخطئ المرء في تقييم الطول حينما يكون من أمامه جالس خلف مكتب. لا زلت أتذكر أحد أصدقائي سابقاً حينما ذهبنا أنا وهو لمقابلة شخص من أجل عمل له، وكان قد وصفه بالقصر والضآله، فإذا به فارع الطول ضخم الجسد، وكأنك أمام يوسف الجراح!.

لا شك أن وقت قصير في ظروف قوية قد يغير في سمات المرء. كنت معروفاً في الجامعة بتبسمي الدائم وسلامي على المارين والجلوس. فوجئت بعد شهر أو أكثر بقليل بأحد زملائي في العمل الجديد، في القسم السابق قبل أن أنتقل يعلق على ابتسامتي قائلاً: غريبة مبتسم سعد. كنت أقراء رسالة. صار الغريب أن أبتسم بعدما كانت عادة، لقد أحبطوني كثيراً حتى صرت بائساً. كان هناك مدير ملتزم يحب ممازحتي والتحدث معي منذ أن أتيت، وكان ينصحني بأن أبتهج، فقد كان يلاحظ بؤسي، ويقول ابتسم للدنيا تبتسم لك، يقول هذا دائماً. حينما صادفني في ممر وأخبرني بأن قرار انتقالي الذي لم يكن يعلم عنه قد وصل إليه، أخبرته بأني أعلم بأمره، فدعى لي بالتوفيق، ولم يفته أن ينصحني بالابتسام والابتهاج، فأخبرته بأني كنت مشهوراً بكثرة الابتسام في عملي السابق، ولم أصبح بائساً إلا حينما جئت هنا. لا أدري هل استوعب الأمر؟ إنهم لا يعملون في جو صحي، معرضون للإهانة طوال الوقت، يبدو أن البعض يستمرؤون الأمر للأسف. هذا الملتزم كان لطيفاً جداً، ومضحك جداً، ولكني لم أكن أفهم الكثير من تعليقاته، ولا أفهم اهتمامه. ذات مرة كان في مكتبنا يتحادث مع الآخرين، ولم أكن أشترك في هذا النوع من المحادثات ذات الأطراف الكثيرة، كنت أعمل فقط. وبينما أنا اعمل على الحاسب نظرت فوجدته يتأملني صامتاً، عدت لأكمل عملي، ولكنه قال في تلك اللحظة بطريقة غريبة: سعد آية... توقفت في تلك اللحظة مع أني لم أغير نظرتي عن شاشتي، أنتظره أن يكمل، ولكن لم يكمل. آية ماذا؟ لم أعرف، ولم أسأل، عدت لاكمال عملي. بدا الأمر مضحكاً لأختي حينما أخبرتها به ، ولكن يبدو لي أنه يعتقد أن آية كلمة تعبر عن أمر أياً كان بشكل مستقل، ولا تحتاج إلى لاحقة، مع أن هذا غير صحيح، ولكن ماذا بوسع المرء أن يفعل، الكثير من التعابير الخاطئة والاستخدامات غير الكاملة للغة. ربما آية الله خامنئي أو شيء من هذا القبيل؟.

بالأمس، تذوقت أطيب شوكولاته تذوقتها حتى الآن. كان مديري الدكتور قد جاء أمس من سويسرا، وأحضر معه علبة شوكولاته فاخرة من هناك. حينما جربت واحدة، كدت أصيح لشدة اللذة (أفعل هذا حينما أتذوق شيء إستثنائي جداً وليس أي شيء لذيذ، وعليه، لا يحصل إلا نادراً جداً) عاد زميلي ليوزع علينا من العلبة، رجل كبير بالسن يعمل معنا رفض، ورفضت أنا حينما حان دوري، ولكنه أصر، ورفضت، وأصر مرة أخرى، ورفضت، وأصر بحزم أكبر، والحمد لله الحمد لله الحمد لله أنه فعل. لا أدري لماذا أصر، هل تغير شيء في وجهي بعد أول قطعة؟ رغم أني لا زلت رسمياً فلا أعرف أحد إلى حد مقبول حتى. ولحسن الحظ، أخذت ثالثة أيضاً حينما تركت العلبة مفتوحة ليتناولوا منها مع القهوة. أتمنى أن يذهب مرة أخرى بسرعة إلى الخارج ويعود بعلبة أخرى، ولكن أود هذه المرة أن يحضر شيء مميز من بلجيكا، رغم أن هذا مستبعد. فكرت بعدما تذوقت الشوكولاته، كيف كانت الأشياء هنا تعجبني؟ كيف سيعجبني سنيكرز بعد اليوم؟ ولكن مجبر أخاك لا بطل.

لا زلت لم أعمل شيء حقيقي هنا، لم أكلف سوا مرة واحدة بالترجمة واستشرت بأمر ثقافي بنفس الوقت. أرجو أن لا يطول الأمر هكذا، فهذا شيء غير صحي. كما أنه ممل. كذلك، لا زلت حتى لا أملك مكتب ثابت، وهذا ما أخشى أنه سيطول. ولكن، أكثر ما يقلقني، كيف هي طباع مديري؟ وكيف سيكون حظي معه؟. لم أحب مديري الأول في الوزارة. أرجو أن يكون مديري الحالي أكثر صدق ووضوح.

ذهبت وحيداً للحج في الموسم الفائت، والحمد لله أن منّ علي بأداءه أخيراً. كانت تجربة كما يجدر بها أن تكون، شاقة حقاً. ولكن، كان للحملة التي اشتركت معها دور كبير في زيادة المشقة، وهي حملة الجميعة، أنصح بتجنبها، وإن لم يتوفر غيرها، فلتؤجل حجك. لقد رأيت من تخلف المسلمين هناك ما يندى له الجبين للأسف. من يصدق أن تلك الأمة التي صنعت المجعزات قد انحدرت إلى هذا الحد؟ كان الناس لا يشعرون ببعضهم، ولا يرحمون بعضهم، ولا يهتمون بحياة إخوانهم، ولا يبدو أنهم واعون للغرض الكامل من وجودهم هناك في حالات كثيرة. بصراحة، كانت صدمتي الأكبر بالمصريين، لأني توقعت أنهم أفضل، ولا يخفف هذا من صدمتي في أي شعب آخر مع ذلك. يا للجهل المطبق. كذلك، رغم أن الحكومة تبذل أقصى جهد للتنظيم على نحو واضح وذكي، إلا أن بعض العسكريين، قليل منهم بالواقع، كانوا قساة وتعاملهم يعطي صورة سيئة حقاً، يستحقون استبعادهم أو تأديبهم. مرضت هناك، وكنت قد أحضرت معي أدوية ومضادات من الرياض، كنت أنتفض في بعض المرات وأشعر بضعف شديد، وأدعو الله فقط أن يعينني على أداء الحج، ولأتعب حينما أعود إلى الديار. كنت أخاف أن لا أستطيع أن أؤدي المناسك في بعض اللحظات من المرض، ولكن الحمد لله على كل حال. كان هناك حمقى بالمخيم، يأخذون أي شبشب يرونه أمامهم فعانيت معاناة وأنا أبحث عن أحذيتي أو أشتري جديدة. كان الطعام قمة بالسوء، ولم أكن أستطيع أن آكل أبداً، فكنت أموت جوعاً لولا تعاطف بعض زملائي بالخيمة وإعطائي فطائر مغلفة يحضرونها معهم من مطعم البيك، وأكل بعض الفواكه حينما تتوفر. كنت أؤدي أغلب المناسك تقريباً برفقة شاب صغير في أول سنة بالجامعة، تصادقنا في تلك الرحلة. كان شاب طيب ولكن ليست لديه خبرة بالناس، إنه يريد أن يكون في قمة الود مع كل العالم. ولكني اكتسبت صداقات مع آخرين بالحملة، وتجنبت آخرين، وأضاع قلمي آخرين (واحد بالواقع). لا أدري لماذا كسبت تعاطف البعض حتى قبل أن أمرض، فكان البعض يعرض علي مرافقته حينما أريد الخروج، لرمي الجمرات مثلاً، لأنهم يتخيلون بأني سأضيع (شكلي سبهه الظاهر)، وحينما أخرج لوحدي يجب أن أقف لفترة ليتم توصيف المكان لي والطريق الصحيح وطريق العودة والعلامات! بالواقع، ربما شعروا بحسي المنعدم بالأماكن والاتجاهات في أغلب الأحيان. صادفت مواقف كثيرة هناك كما يصادف أي حاج رغماً عنه. رأيت هناك العجائز والأمهات بمشاهد مؤثرة، وهي ما يشد نظري بالعادة، أحب التطلع إلى الأمومة، في قوتها وفي ضعفها. رأيت أمهات محمولة، وأمهات يسرن في رفق، كما وجدت أمهات تفيض وجوههن بالأمومة، وأمهات أقل رقة. كن العجائز المغوليات الأكثر تأثير في نفسي، لا أدري لماذا، ولكن بدَون ضعيفات حقاً، وأموميات. كذلك، بينما كنا عائدين أنا وصاحبي من رمي الجمرات، في الطابق الأعلى، سمعنا رجل ينادي بأعلى صوته، ثم رأينها يذهب بفزع إلى كل مكان ويصيح، ثم اتجه بضعف إلى السور وصاح ينادي بلغته، كان باكستانياً، شيخ كبير بالسن، أقدر عمره في الثمانينات. كان بعض قساة القلوب، الحاجين، ينظرون إليه ويضحكون. توجه إلينا مسرعاً لسبب ما وتعلق بيد صاحبي، ورطن بلغته وبكى، فهمنا بأنه ضائع، حاولنا طمئنته بذكر الله والربت على كتفه، ولكنه كان مذعوراً. أخذناه معنا لنسلمه إلى مكتب الضائعين. في طريقنا على السلالم المتحركة، كان يقفز عند نهايتها، مما أشعرني بأنه ربما لم يغادر قريته من قبل. كان يبكي طوال الوقت وكأنه صبي صغير مما حطم قلبي حقاً. والمشكلة أن الباكستانيين الآخرين لا يفهمون لغته لأنه من أقليم مختلف، ولم نجد من يفهمه، ولم نجد أي إشارة معه تشير إلى مخيمه أو رقم هاتف. وجدنا أخيراً من يتحدثون لغته ونحن ننزل برج الجمرات، حادثوه وكانوا مجموعة رجال، وحاولوا أخذه معهم لمساعدته، ولكنه تشبث بيدي ورفض الذهاب معهم، وحاولوا معه بإصرار ولكنه رفض لسبب ما. كان كلما هدأ عاد ليبكي، ويمسح ذقني باستجداء، ويغطي عينيه بيده ويبكي، كنت اشده إلى جانبي واحتضنه ونحن نمشي وأكلمه لمواساته، شعرت في تلك اللحظة بعودة الإنسان إلى الصغر حينما يكبر من ضعف وهشاشة وحاجة، من حيث تقبل الرجل لطمئنتي وحاجته لها. مشينا طويلاً دون أن نجد مكتب الضائعين، وحتى العسكريين لم يعرفوا أين يكون، وهذه سلبية. وجدنا من يتحدث لغته وتعاون معنا، ولكن مع ذلك لم يكن بمستطاع الرجل أكثر مما نستطيع، حتى أرسل الله إلينا رجل من جنسيته، شاب ملتحٍ، نحيل طويل، بهي الطلعة أنيق الملبس، واكتشفنا بأنه يرعى حملة معينة أو أنه شيخها، وعرفنا أنه يعرف أين حملة الشيخ، تأملته، وجدته مميز حقاً بحضوره الواثق ولكن اللطيف، وبشكله الغريب الذي يذكر بالإوزة. حينما أراد الرجل المسن أن يغادر معه، فاجئني بأن سحب يدي وقبلها، وحاول أن يفعل المثل مع صاحبي، ثم وقف أمام كل منا وخبط بيديه بقوة على كتفينا، بقوة لم اتصور أنه يملكها بالواقع فقد كاد أن يوقعني، ثم احتضنته مودعاً، وقام بالمثل صاحبي. يخيل إلي بأنه جاء مع زوجته العجوز، وددت لو أرى كيف استقبله ذووه، وكيف استقبلهم.

يوجد بائع سوداني شاب في دكان الجمعية النسائية الخيرية في مستشفى الملك خالد الجامعي، وهو جديد نسبياً هنا. هذا الرجل يمكنكم اعتباره غريب اطوار هنا، من حيث رغبته الطبيعية بالتواصل، في مجتمع طبيعته التحفظ. حادثته عدة مرات، وفي كل مرة يكون هو المبادر لقول شيء يمتد إلى محادثة طويلة نسبياً. فقد أخبرني في أول مرة من أين تخرج وعن تخصصه وما كان يرغب أن يكون. هو ودود جداً ومهذب، وصاحب ذوق في انتقاء كلماته. ولكن يبدو أنه لا يتمتع بذاكرة جيدة، ففي كل مرة يبدو أنه يحسب أنه لأول مرة يراني. وهو يحب مجاملة الناس، بشكل غريب بصراحة، ولكن لطيف. لا أتذكر أول مجاملة ماذا كانت، لكن الأخيرة كانت قبل أيام. كنت هناك لأحصل أدوية أمي، ومررت لآخذ علبة ماء من دكانه. سلمت مبتسماً وسألته عن حاله، ولم يتذكرني بشكل واضح، طلب الماء. كنت أتوقع أن يتذكرني لأني رددت إليه 600 ريال جائت بالخطأ مع جريدة اشتراها أخي منه لأختي وهي ترافق أمي. ولكن لم يتذكر، وجدت الأمر غريباً. حينما أخذت الماء وشكرته لأبتعد قال بغته: هدوئك هو ما يصنع هالة روعتك!. قلت: عفواً؟ قال: الهدوء، إنه يصنع حولك هالة غير عادية من الروعة، هدوءك وطريقتك تصنع هذا، إن هذا يجعل الإنسان محبوب جداً من الناس. شكرته على المجاملة المفاجئة، وأنا أفكر بأني غير مريح لكثير من الناس بالمقابل. أعتقد بأنه يميل إلى رفع معنويات الأفراد الذين يعجبونه بطريقة أو بأخرى. ولكن هذا الهدوء الذي أصطبغ به في بعض الأحيان، يجد تفسيرات مختلفة لدى الناس. فهناك مثلاً دكتور فلسطيني درسني بضع مواد في الجامعة، كان كثير النظر إلي، وكان يبدو لي حقاً أني أثير اضطرابه لسبب ما، يبدو أنه أفصح عنه ذات مرة وهو يشرح درساً، إذ قال وهو يعطي مثال ويشير إلي باسماً باصطناع:" مثلا هذا الشخص، دائما صامت، ولا تدري بماذا يفكر" ابتسمت بالمقابل، رغم أنها ملاحظة لست أدري حتى الآن ماذا يتوجب أن أصنع بها؟. وجدت أن وضع هذا الدكتور مع الوقت يظهر عدم راحته تجاهي، فلا يرد السلام بعد الصلاة رغم أنه معروف بوديته تجاه الطلاب بصراحة، وأجده أحيانا مصادفة يتابعني ويبحلق فيني على نحو غريب، مقطب، حتى حينما أكون مع أقراني. وفي آخر يوم له بالجامعة، كان يوم إجازة، وكنت آتي للجامعة بحثاً عن الهدوء لأقرأ وأكتب، ولأني قبل كل شيء أعشق الجامعة، وعليه، لم يكن هناك أحد غيري بالمكان. المهم أنه ودع الإدارة بالأعلى، ولما نزل للممر الرئيسي ليخرج من الجامعة للمرة الأخيرة شاهدني، فنظر إلي من بعيد، ثم مشى مبتعداً، إلى أنه ما لبث أن عاد والتف يشاهدني وهو يمشي للخلف، ثم يعود يمشي ثم يعود يلتفت للخلف، وهكذا دواليك حتى قطع المسافة كلها وخرج، ولم أره بعدها. يا ترى، هل فكر إن لم يكن يرتاح إلي، سلوك أي منا هو الغريب؟. عموماً، أنصح كل محبط، يبحث عن رفع المعنويات، زيارة مستشفى الملك خالد، والمرور على صاحبنا السوداني والتبسم له وطلب شيء من دكانه. ولا أنصح بالذهاب إلى دكتور كيف المجاور، فمعظم موظفيه وقحون حسب تجربتي في هذا الفرع، وقد يزيدون الحالة سوءاً.

وجدت نفسي في جدل يزنطي مع دكتور من الجامعة يكتب في مدونة. وهو شأنه شأن كل الدكاترة السعوديين معتد برأيه إلى حد ضار. المهم أنه يظهر في مخالفة لأخلاق النقاش عدم نيته للأخذ والتفكير، فكل ما يهمه هو الدفاع عن فكرته، ومع ذلك يتصور بأنه حر التفكير. إن أرى هذا شيء مناف للتفكير أصلاً. وكأن المرء اسطوانة مقفلة لن تتغير. ومع أني أردت تركه في حاله بعدما أشرت إلى مناقضته لنفسه، دون أن أشير إلى محاولاته المبطنة للاستفزاز، التي يبدو أنه لا يقاوم كتابتها رغم أنه لا يريد، عاد ليرى بماذا يناقض نفسه؟ رغم أنه كان متلهف لانهاء النقاش. كان يعلم بأنه يناقض نفسه، كان الأمر بوضوح الشمس ولا يحتاج إلى تأويل، ومع ذلك أراد سماع شرحي كي يؤول، ولكني أخبرته فقط بأن شرح الواضح ضرب من الجدال، كما أن هناك من سيلاحظ التناقض وهناك من قد يوافقه الرأي، فلا يهم. ليست النهاية التي يريدها للنقاش على ما يبدو، ولكنه وجع راس الله يعين طلابه، كم أكره الجدل. كان يحكم على عشاق الرواية بالسلبية وقلة الفهم وضيق الأفق. وأن الرواية أردأ أنواع الأدب، رغم خلاف العالم كله لهذا النقطة. إن العرب قد يقولون هذا لأنهم فاشلون في الرواية، لا أكثر.

سعد الحوشان