الثلاثاء، 31 يناير، 2012

في مسرح جمهوره الغرب:الحياة الحقيقية (أحداث،ألماني،أفكار،رحلة علاج)

بسم الله الرحمن الرحيم









تتكون الأفكار الجديدة عن أنواع الناس وعقلياتهم بمساعدتهم المباشرة في أحيان كثيرة، بمواقفهم الواضحة والواثقة فيما يقولون ويفعلون. لطالما لاحظت اختلاف الناس من الدول المتحدثة للغة الانقليزية عن سواهم من الغرب، وقد بدأت بتكوين فكرة واضحة عن هذا الاختلاف؛ الكثير منهم أسوأ، مع الأسف، أو في الحالات التي يرسلونها إلينا على الأقل؛ حيث أسمع بأن الأمريكان العاديين في بلادهم فائقو اللطف والطيبة، لكني لا أدري ما علتهم هنا، ربما الاصطدام الحضاري، والفهم المقولب، ونظرتهم المسرحية لحياة شعوب الأرض المختلفة عنهم. لم أعرف الكثيرين خلاف الأمريكان والانقليز، عرفت ايرلندي طيب، وهم عموماً يحظون بتعاطفي لمعاناتهم المزمنة من سوء الحظ في السابق، ولأن قضيتهم تشبه قضيتنا في فلسطين نوعاً ما. وقد كان هناك استاذ لطيف منهم في الكلية حينما كنت أدرس، لم يدرسني ولم أعرفه على نحو شخصي، لكن لسبب ما كان يحب السلام علي. ولكن حدث منه موقف في وقت لاحق جعلني أنفر منه، ورغم أنه حاول تصحيح صورته من جديد إلا أني لم أتقبله. حينما عملت كان يأتي إلى قسمنا، ويحاول أن يكون لطيفاً جداً معي، لكني أبقيت على مسافة.

الأمريكان لم أرهم كثيراً قبل عملي، وفي عملي أيضاً ليسوا كثرة. يبدو لي أنهم، كشأن معظم الغربيين ومن لف لفهم، قوم مدللون، ويصعب إفهامهم أن سير الأمور مختلف هنا عنه في بلدانهم، لكنهم يفوقون الآخرين غباء إلى حد ما.

لكن مَن هم ليسوا بأغبياء، لكنهم يظهرون خبث عجيب في التعامل، هم الإنقليز. إني بطبيعتي لا أرفض صداقة أحد، ولا أستطيع بأن أقول بأني أكره أقوام كاملة بسبب تجربة أو تجارب، وهذا يشمل الإنقليز، لكن أساليبهم، الأصليين منهم، تثير دهشتي من حيث الوقاحة المستترة واللؤم، على الانترنت، وفي الواقع. مؤخراً، جاء بريطاني مغرور جداً للعمل في الجامعة، ويبدو التذمر في صوته دائماً عند التعامل معنا كسعوديين، فقد جاء حازماً كراهيته في حقائبه، ولا أدري حقاً ماذا جاء به هنا وهو مليء بالازدراء، يمكن قول أن المال سبب وجيه، لكن يصعب علي تخيل أن المال سيحضرني إلى مكان أكرهه وأزدري أهله، إن وجد مثل هذا المكان. لاحظت بأنه مهما ساعده الموظفين السعوديين لا يبدي شكراً، قد يبديه حينما يتعاون معه عربي، لكن ليس تجاه السعوديين. ولكن هذا لا يهم، فلا حاجة لشكره بالواقع. لكن أثار امتعاضي أسلوبه المتعالي في التعامل، وقدومه مستعداً للانتقاد في الأسبوع الفائت. استدعاني زميلي لأرى ماذا يحتاج هذا البريطاني الثقيل؛ ظلاً وأبعاداً، إذ أن زميلي لا يعرف التحدث بغير العربية. حينما بدأت أنقل أسئلة زميلي له، سألني وهو يحاول إظهار ضيقه إن كنت لا أعرف هذه الأمور فيما يخص العمل وأنا أعمل هنا؟ أخبرته بأني لا أعرف بالواقع، فأنا مترجم فقط. عرفت بأنه كان ينوي استفزازي، وإن حاول إظهار تفهمه. حاول الانقليزي نقل انتقاده لزميلي حينما تركنا، أنا والانقليزي، ليقوم بالعمل الخاص به. تسائل لماذا يأخذ الأمر كل هذا الوقت ولماذا زميلي لا يعرف ما يجب القيام به (إن قلت بأن وجوده تعدى دقيقتين فقد زدت على الواقع)  لكني أوضحت بأن زميلي يعرف ما يجب أن يقوم به، لكنه لا يفهم ما يقول، لهذا استدعاني، وأن الأمر بالواقع لم يأخذ وقتاً طويلاً. ابتسم أخيراً، او اغتصب ابتسامة بوضوح، وشكرني. ربما لاحظ ضيقي بتعمده التقليل من مهنيتنا، وسوء نواياه. لم أرد الابتسامة، لكني نظرت إليه بتعجب كرد على ابتسامته، رافعاً حاجباي،  ثم مضيت هازاً رأسي بازدراء لا أخفيه، دون أن أجيب. ربما هي المرة الثالثة، وإن كانت الأسواء، التي يحاول فيها إيصال رسالة متعالية في حضوري. بدا لي بأن عقله صغير، والحقد عموماً يصغر العقول.

أما الآخر، فهو دكتور أمريكي، لا أنكر بأنه الأطيب بصراحة من بين هذه النماذج الأنقلوسكسونية، فرغم أنه إنسان لحوح ودائماً مذعور تجاه أي مشكلة، إلا أنه يقدر المساعدة كثيراً، وهو لطيف ومحب لتبديد سوء الفهم. وأنا أتعاطف معه، لأن وضعه في الجامعة بصراحة غير سليم، حيث تكثر المشاكل الفنية دائما حوله، ويتوقف راتبه أو ينقص دائماً دون سبب وجيه، مما يتطلب مراجعات غير منطقية لتصحيح الوضع.

إلا أنه صدمني اليوم بوجهة نظره حول شأن لزوجته، حيث يريد إصدار تأشيرة لها من خلالنا. ورغم أننا لم نعد نقوم بهذه الخدمة، إلا أننا تعاوناً معه، ولصعوبة عملها بنفسه كالآخرين بسبب حاجز اللغة والوقت كنا سنساعده. إلا أنه لم يحضر جوازها، إنما صور عنه فقط، وهذا أمر غير سليم كما قال الشخص المسؤول، حيث وقفت لأترجم بينهما. أخبرته بأنه يمكنه أن يقوم بهذا بنفسه، وأننا ترجمنا مؤخراً خطوات الإجراء، فقال بأن الموقع الذي يتم من خلاله الأمر معروض باللغة العربية، وهذا أمر لا أدري عنه، فهو تابع لوزارة. رفض إحضار جواز زوجته، ولا أدري ما السبب، قائلاً بأن جوازها خاص بها ويبقى معها، قالها بطريقة حاسمة وكأنه يفصل في أمر يهمنا كثيراً، أو وكأنه يعلمنا بواقع يجب أن نتعايش معه. مع ذلك، هذا أمر غريب، حيث أن إصدار التأشيرة يتم بنفس اللحظة، كما حدث معه وكما يعرف جيداً، فلم نكن سنحتفظ بالجواز كما يعلم. أخبرته بأنه يوجد قسم نسوي، ويمكن لزوجته القدوم بجوازها إليه، فقال بصرامة بأنه لن يسمح لزوجته بالقدوم إلى هنا، ويجب أن أنسى الأمر. أذهلني، سألته لماذا؟ قال بأنه لن يدعها تأتي وتبحث عن طريقها هنا، وأن هذا خطير(ما صارت جامعة الملك سعود، صارت حارة هارلم الظاهر). تساءلت؛ لماذا خطير؟ قال بأنها ستتعرض للمضايقة!!. أذهلني هذا، وسألت: لماذا؟. قال: لأنها امرأة غربية!!!. كان هذا أوقح ما سمعته منه. لا أدري، هل يتخيل بأننا ننتظر النساء الغربيات (بسم الله عليهن) لنضايقهن؟. قلت مباشرة وبوضوح بأن هذا غير صحيح وغير واقعي، وأني لا أدري من أين أتى بهذه الفكرة السخيفة. احمر وجهه بتوتر، ونظر في اتجاه آخر. بينما مضيت أنا بعدما تأكدت بأن سير أمور تأشيرته هو على الأقل على ما يرام. جالت في راسي مختلف الأفكار، هذه الجرأة الغربية بالاتهام وعرض الأفكار العامة غير المألوفة هنا، فاجئني ضيق أفقه، وقلة حكمته بالتحدث هكذا، ولكني ذكرت نفسي بأنه أمريكي بالنهاية، وهذه طبيعة عامة فيهم في ظل تهيؤاتهم المسرحية عن العالم.

لكنه استدعاني بعد قليل، واعتذر عما قال، وقال بأنه يتخذ موقف دفاعي أكثر من اللازم عن زوجته، وأضاف بسرعة بأنه سيحاول القيام بالأمر بنفسه. كان يتحدث بسرعة وقال كل شيء دفعة واحدة حتى لا يعطيني فرصة للرد، ولعل هذا كان حكمة منه في هذا الموقف. مضى بسرعة وهو مبتسم بارتباك، كان من الواضح أنه خجل مما قام به. وهذا أمر قدرته كثيراً، فإحساس الغربيين بالخطأ في هذا البلد أمر مستحيل عموماً، وفي كل البلدان على ما أتصور. أرجو أن يكون قد تعلم شيئاً.
ما أريد ان أوضحه هو أني لا أكره هؤلاء القوم، إني أقول ما لاحظته من مراقبتي لهم وتعاملي معهم. ولا أقول بأن كلهم هكذا، لكنها ظروف عامة لديهم ينجو بعضهم فقط منها، أو من تأثيرها.
قبل قليل، استلمت رسالة جوال من الأمريكي، يعتذر مرة أخرى عما حدث. أجبت بأن لا يقلق، وأني كنت أترجم فقط. وأوضحت بأني ذهبت إلى مديري بعدما غادر القسم لأجد له حلاً، لكن المدير أصر على وجود الجواز الأصلي. أرسل رسالة أخرى يشكرني، ويقول بأنه سيحضر الجواز إن لم يتمكن من إتمام العمل بنفسه. بالواقع، هي خدمة زائدة عن المطلوب القيام بالعمل لأجل زوجته، حيث أن النظام هو أن يقوم بالأمر بنفسه. أشعرني الأمر بالشفقة. كلمت المدير، وسمح بالاستثناء على أن يحضر الدكتور صورة للجواز والتأشيرة والإقامة، وعلى أن يحضر الجواز نفسه في المرة المقبلة. أخبرته بهذا، ولم أستلم رداً. حينما اقترب موعد مغادرتي العمل، اتصلت به لأسأله إن كان سيأتي؟. كنت أسأل لأوصي لأجله وأخبرهم بقرار المدير فيما لو جاء وأنا غير موجود، لأن البقية يبقون لساعات العمل الإضافية. بدا مرتبكاً جداً. سألته إن كان قد استلم رسالتي، وزاده هذا ارتباكاً، وشكرني عليها، وسألته إن كان سيأتي؟ فأوضح بأنه كان يأمل إنجاز الأمر حينما جائنا في البداية، لأنه الآن في المستشفى ولا يستطيع المغادرة (هو صيدلي التخصص). وقال بأنه سيحضر جوازها غداً لو لم يتم الأمر. وكان يتلعثم بشدة، ويبدو وكأنه يعاني وهو يتكلم، بدا خجلاً جداً. اختصرت معاناته سريعاً وقلت بأني آمل أن أراه غداً إذا. شكرني كثيراً وانهينا المكالمة.
وصلتني منه رسالة لاحقاً يقول فيها بأنه أنجز الأمر وأنه سعيد، ويشكرني على تعاوني وأشياء من هذا القبيل.
كان يحاول التلطف دائماً، وكثيراً ما أظهر امتنانه لمساعدتي أمام الآخرين، وعرض خدماته علي حينما نكون لوحدنا. حتى أنه حينما علم أن أخي يدرس في ذات الولاية التي يقيم فيها والداه قبل فترة، أراد أن يعطيني رقم هاتفهم وعنوانهم ليلجأ إليهم أخي حينما يحتاج إلى مساعدة.
لكن فكرته عن المضايقة عجبة الأعاجيب. هذا من تشويه السمعة الذي نحظى به من إخواننا المسلمين على ما أعتقد، خصوصاً العرب الأجانب.
أما اليوم، فقد جاء اثنين، أحدهم شاب ذو وجود ثقيل، والآخر شيخ دائم الضحك والسخرية من الإجراءات. لم يعجبهم بالطبع أن أوراقهم غير مكتملة، وهذا شيء يستفزهم بشدة. وبالواقع، أنا لا تعجبني كمية الأوراق والإجراءات المطلوبة، لأنها مقرفة وتنم عن بلادة، لكنها مطلوبة في النهاية وضمن النظام وقانون الجامعة والبلد. لكن، لا يعجبني الطبع المتذمر لدى الغربيين، فهم متعالين ويتوقعون معاملة خاصة، في زعمهم أنهم ملوك حينما يكونون أجانب. أتصور بأننا أفسدناهم كثيراً، ليس بقدر الدول العربية السياحية، لكننا أفسدناهم أكثر من اللازم.
مشكلة تلك الشعوب الغربية أنها ترى العالم من منظار مسرحي كما أسلفت، ويزداد الأمر سوءاً لدى الأمريكان ذوي الطبيعة الساذجة والمستهلكة للإنتاج الذاتي حصراً. إن الأمر بالنسبة للغربيين عموماً هو أن العالم، بخلافهم، هو مسرح كبير بالفعل، والناس يعيشون حياتهم لمتعة الغربيين وفرجتهم، دون أسباب واضحة أو ضرورية لاختلاف الشعوب عنهم؛ إنهم مختلفون لأنهم مجرد عرض، من زاوية رؤيتهم. ما يختلف به الأوروبيون ذوي النظرة الأعمق من الأمريكان عموماً؛ هو أنهم يرون هذه المسرحية على أنها دراما، وقد تكون تراجيديا تستدر دموعهم قبل أن يشيحوا النظر عنها، أما للأمريكان، فهي كوميديا فقط، أو ميلودراما مفتعلة وسطحية في أحسن الأحوال. وهذا الفارق يأتي بحكم التقاليد والتمازج والإرث. فالأوروبيون لهم تقاليد أعرق وإرث إنساني أكبر، وهذا مؤثر. بالنسبة لاؤلائك الناس؛ هم العالم فقط، وهذا ما يخاطبون به أنفسهم والناس، فهم حينما يجمعون على الإعتراض أو الإتفاق على شيء، فسيقولون: اعترض العالم أو أجمع، أما سواهم فهم تحت حكم العالم، الذي يمثل الغرب. ويزداد الأفق ضيقاً لدى الأمريكان؛ حيث قد يقولون ببساطة: تحدث كما يتحدث العالم! حينما يريدونك أن تتحدث بالانقليزية.
وفي الكل تؤثر النظرة الاستعمارية أو الامبريالية بطبيعة الحال. فهم حينما يجتاحون شعباً آخر يصبحون أسياداً عليه، وليس جزء منه؛ عكس الفتوحات الإسلامية على سبيل المثال.

كما أني لي وجهة نظر طورتها حول نوعية الثقافات وتمازجها. كنت قد قرأت قبل فترة لقائل يقول بأن نوعية الشعوب الجديدة تتأثر بنقائها العرقي وبالتالي الثقافي؛ حيث نجحت أمريكا مثلاً لأن أهلها الأوائل، بعد ذبح الهنود الحمر وسرقة أرضهم، هم من الأوروبيين ذوي الثقافات المتقاربة، بينما في أمريكا اللاتينية فقط اختلط القوم بشعوب كثيرة مختلفة، فأصبح هناك ارتباك في الهوية، مما أخر هذه البلدان وأعاق تقدمها.
لا أشعر بثقة كبيرة بهذه الرؤية، لكنها قد تكون على جانب من الصواب رغم أنها عرقية الارتكاز أكثر من كونها ثقافية. لكن إن صحت، ففي رأيي يأتي بعد الارتباك الثقة، والثقة الأولى قد يخلفها ارتباك. فالشعوب التي أضاعت هويتها في أمريكا اللاتينية قد تكون تكّون عبر الوقت هوية جديدة شاملة، مع الاختلاط واستحكام التمازج حتى يغدو صفاء وتوحد، بينما الشعب في أمريكا باستقطابه لكل الناس من حول العالم قد يضيع هويته بشكل ما، أو يرتبك على الأقل.
أما نظريتي الخاصة، فهي تقوم على أن الرابط المهم هو أكثر ما يهم الناس. فإن كانت الشعوب تهتم بصفاء العرق، فسترتبك حقاً حينما تخالط غيرها، وإن كانت تتصور تفوق الثقافة، فالثقافات الدخيلة قد تصيب ثقتها في نفسها بالضعف، وإن كانت تهتم بالعقيدة والدين، فلا تهم الاعتبارات الأخرى إن كان دينا يمثل اسلوب حياة؛ وأعتقد أن هذا كان سبب نجاح المسلمين، كان الرابط هو الدين، وكانت الاعتبارات الأخرى تزول عموماً.
والله أعلم.




الكثير من الأحداث العادية، على خلاف عادة الأحداث في حياتي حينما تأتي، قد حدثت، وأعتبر هذه نعمة، رغم كل ما يشوب الأمر من معاناة.





لن تتخيلوا، لكن دعاني همام، الصديق الصيني العزيز، إلى العشاء على الوجبة التي يعشقها؛ المندي!!. استغربت بصراحة أنه يذهب دائماً لأكل المندي. يبدو أنه أول مرة تذوقه كانت في القصيم.
كان المطعم غالياً، ورغم ديكوره وطيب طعامه إلى حد ما، كانت الخدمة فيه رديئة، والمحاسبة غير واضحة المعالم، مطعم الناضج. إني لا أحب بصراحة المندي وخلافه من مفاطيح. لكني لا أقول بأني أعاف أكلها ولا أميز بين الجيد والسيء منها، لكن ما أحبه من الأرز واللحم مختلف عما اعتاد الناس أكله عموماً. كانت وجبة ممتعة، تخللها الكثير من القصص والضحك. رغم تهذيب الشاب السعودي الذي أخذ طلباتنا من خلف طاولة المحاسبة، إلا أنه كان بالكاد يتمالك نفسه عن الضحك. كانت فكرة أن شخص صيني يطلب باللغة العربية، ويحاسب، في ذلك المكان أمر جديد عليه على ما يبدو، وكان زميله يختلس النظر بذهول.
يقول بأنه سيشتاق إلي حينما يعود إلى الصين، ثم إلى المندي. مثل معظم الأجانب، هو لا يفرق بين المندي والمفطح المعتاد أو حتى الكبسة. كان مهتماً بسماع الشرح أيضاً. رغم أنه أكل الكبسة مرتين في منزلنا وأعجبته، إلا انه احتاج تذكيرا حول أي صنف كانت.
هو سيرحل قريباً، مستقيلاً من الجامعة، ويقول بأنه سيعود إن شاء الله لاحقاً، وغالباً بعدما يتزوج.






اشتريت قبل فترة قلماً من موقع تخفيض، حصلت عليه بأقل من نصف السعر، وهو من ماركة سويسرية وصناعة ألمانية. قصير وصغير، وبلا مشبك للتعليق في الجيب، مما يعرضه للضياع. يتم إخراج رأسه للكتابة بهزه، ويدخل بعد الانتهاء من الكتابة بالهز أيضاً، هذا جذبني بالإضافة إلى شكله:









أتساءل أحياناً لماذا تستمر التفاصيل الصغيرة لكل ما أريد القيام به بالتعقد والتكاثر، بحيث يصبح لزاماً علي بذل المزيد من الوقت والجهد والمال دون مساعدة غالباً. تمر أوقات أتمنى فيها ترك كل شيء خلفي ومحاولة البدء من جديد، لكن أجد أني لا أستطيع، وأقول؛ في المرة القادمة سأقوم بالأمور بطريقة مختلفة، لكني أجد في المرة التالية بأني كذلك لا أستطيع، لا أستطيع القيام بالأمور بطريقة مختلفة، ولا أستطيع ترك القيام بها.
وما يزيد الطين بله، هو أن بعض من يكون القيام بهذه المجهودات لأجلهم ولصالحهم لا يتعاونون، ولا يحاولون تخفيف العبئ، أو تسهيل العملية بأي شكل.
ماذا بوسع المرء أن يفعل؟ قال لي شخص عزيز بأن أترك كل شيء خلفي، وأرحل، ولو على سبيل التجربة؛ لأرى هل ستسير الأمور بدون وجودي أم لا، فهو يعتقد بأني أتخيل بأني فرد لا غنى عنه، لكن لو حدث لي شيء، مُت على سبيل المثال، فستسير الأمور بدوني على ما يرام. شخص آخر قال أمر مقارب، وإن كان أقل تطرفاً في طرحه، قال بأن علي ترك بعض الأمور فقط.
لو أموت، لن أفكر بسير الأمور، ولن أحمل همها.
وستسير على ما يرام على الأغلب، أيضاً، وسينسى الفرق إن وجد في اليوم التالي.
أعتقد أن هذا هو حال كل الناس.






سجلت في دورة خط قبل شهر تقريباً، في معهد الكاتب. المعلم رائع، على كل المستويات، وأعتقد أني تعلمت أمور مهمة، لكن التطبيق في الحياة اليومية لم أختبره بعد على المستوى المطلوب. لكني استمتعت بالدروس، اطلعت على فن المعلم واستمتعت بمراقبته وهو يكتب، وتناقشنا على نحو مثرٍ فيما يخص الخط. لم يتفهم البعض تسجيلي في الدورة، مقللين من أهمية تحسين الخط وتجويده. لكن، ألا يكتب المقرآن بخط اليد؟ يجب أن يعرف الجميع أهمية حسن الخط، فهو من مفاتيح الرزق، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

لن أقول بأن خطي أصبح جيداً، لكني تحسنت في الدروس على الأقل، وفي الحياة العملية حينما أنتبه جيداً، غالباً ما أخرج بنتائج أفضل من المعتاد. فاجئت نفسي حينما كتبت اسم الألماني الأصغر ليراه، فظهرت كتابتي جميلة إلى حد ما، مما فاجئني، وتمنيت لو كان من المقبول أ آخذ القصاصة لأريها معلمي، ولو كانت مجرد أربعة أحرف، لكن سيبدو الأمر سخيفاً.
المعلم مصري، وهو جديد هنا، يظهر هذا واضحاً. إنه إنسان حساس ورقيق، وشديد الطيبة والرفق؛ وهذا ما يتوقعه المرء من فنان مثالي. ولا يمنعه هذا من أن يكون صريحاً وواضحاً، وهذا ما يزيد من إعجابي به. استهان البعض بالأمر حينما علموا عن كون المعلم مصري، لكن لو عرفوا فقط مقدار تفانيه ورغبته الصادقة بتعليمي وتدريبي، وبقية الطلاب حينما يتواجدون بنفس الوقت.
ظروفي وقفت في وجهي في أحيان كثيرة، ولم أستفد من الدورة كما يجب، لكني استفدت على الأقل، وهذا أمر جيد؛ بالنسبة لي، لم يعد بإمكاني توقع تمام الأمور أو أن تحدث كما يجب، خصوصاً حينما تكون لصالحي.
وهذا أيضاً ينطبق على روايتي، إني أعمل عليها بجد حينما أستطيع، وقد كانت البداية جيدة جداً في التنقيح والتصحيح، لكن في الأسبوعين الأخيرين، تعدى الإنشغال وتلف الأعصاب مداه المعتاد. لكني سأحاول إن شاء الله أن لا يتأخر النشر كثيراً.
أحياناً، أكتب على نحو عفوي، ثم أفاجأ بأن خطي لا يبدو كالمعتاد، يبدو أجمل، لكن لا يمهلني الحظ كثيراً، فأعود إلى خطي القديم.









مؤخراً، كنت أرتب بجد لرحلة علاجية لوالدتي، في باريس... نجد. باريس نجد هي مدينة عنيزة في القصيم، كما يحب يحب أهلها أن يسموها. وهم شديدو الإعتزاز بها. سنذهب إن شاء الله قريباً إلى مركز الألمان الموجود في مستشفى هناك، وسنقيم خارج المستشفى معاً لأسابيع، أنا وامي فقط.
تذكرت قبل يومين قولي في تدوينة قديمة كتبتها في الهند؛ متسائلاً في حسرة لماذا لم يكن العلاج في القصيم أو أماكن أخرى في البلاد.
سأقود السيارة إلى هناك، وستكون أطول مسافة قدتها في حياتي، حيث أني بالعادة لا أقود في السفر. وسيأتي معنا الطبيب الألماني، المشرف على حالة أمي، حيث أنه سيأتي إلى الرياض لشأن له، وسيعود معنا على السيارة. لقد اهتم كثيراً في شأن أمي، إلى مدى سؤاله لنا عن فندق قريب، وتقييم الأسعار لأجلنا، ومحاولة الحصول على سعر جيد للإقامة في المستشفى. أشعر بأني مدين له بالكثير، بالإضافة إلى أن دقتي في المتابعة لا تلائم طبيعته بوضوح، مع ذلك، تحملني على نحو جيد.

ستكون أيام مختلفة هناك، سأعتبرها إجازة بكل تأكيد، إن شاء الله.







قبل ساعة، جاء الرجل الانقليزي، البريطاني، الذي تحدثت عنه سابقاً في هذه التدوينة، في الأعلى، وهو الرجل الذي يأتي محملاً بالكراهية ومحاولة الاستفزاز، وأحسب أني أوضحت موقفي له في تلك المرة جيداً. حينما ناداني زميلي للمساعدة، نظرت إلى الأوراق التي يحملها زميلي قبل أن أنظر إلى صاحبها، وحينما رأيته، فوجئت، وتضايقت من رؤيته صدقاً، فعدت أبحث بالأوراق لأساعده وأنا أتمنى أن يغادر المكان بسرعة، قبل افتعال مسلسل خليجي آخر. لكني فوجئت به وقد صار أكثر صبراً، وأكثر وداً وتهذيباً، وتبسطاً. استغربت من صبره، واستغربت من تبسمه، ثم من شكره الذي كرره ليضمن ردي عليه، وهو يغادر بتهذيب عكس حركاته القديمة، بحيث تلكأ وهو يمشي إلى الخلف ويكرر الشكر ويعطيني فرصة بين كل مرة وأخرى لأرد، قبل أن يعيد الشكر، حتى تقبلت شكره.
ماذا تغير؟ لا أدري، لكن لا يهم. لا أشعر بحسن الظن ينضح من داخلي عموماً، ولا أدري لماذا. ربما كان الإنطباع الذي تركه بإصرار في السابق لا يزول دون توجس.








خرجنا في نهاية الاسبوع الفائت أنا وصديقي الدكتور الألماني إلى الممشى، ثم ذهبنا إلى مقهى تونينو لامبورقيني الجديد على طريق التخصصي. كان المكان مزحوماً، وممتلئً بالشباب السخيف. اخترنا الجلوس في الخارج تجنبا للمدخنين المقرفين (نعم، المدخنين مقرفين بهذه الفعلة)، ولكننا لم نفتك من بعض الأغبياء، الذين يعانون من مرض الاستملاح والرغبة بلفت الانتباه. لكون الدكتور هو الغربي الوحيد، وربما لكونه لا يجلس مع غربي مثله، بدأ البعض بمحاولة السخرية وإضحاك أصدقائهم وهم يمرون في سياراتهم ببطئ في المواقف التي أمامنا. أحدهم تظاهر بأنه يحدث أصدقاؤه بالسيارة باللغة الانقليزية، وكان كل ما في قاموسه هو الكلمات القذيعة التي يسمعها في الأفلام، فبدا هابطاً إلى حد أعلم بأنه لن يمكنه تصوره أبداً، ولم يكن شاباً صغيراً، إني أقدر عمره بالخامسة والعشرين، وكان ذو شكل مهمل على نحو بالغ، ووجه يفيض بالغباء. وآخر أخرج رأسه من السيارة وبدأ يصيح، وهو يحاول أن يضحك الناس، ولا سيما النساء المارات، وهو ينظر تجاهنا ويقول كلمات لا أدري كنهها، وقد كان شديد الدمامة، وتبدو على وجهه كل علامات الغفلة والبلاهة، وقد لف الشماغ حول وجهه ورأسه بإحكام حتى نهاية الرقبة، فبدا كأفعى مشوهة خرجت للحياة في تشرنوبل يوم حدث ما حدث.
إن وجوده هذه الأشكال، أياً كانت طبيعتها ومراجعها، هي من علامات الرجعية والغباء، وهي دلالة مؤسفة أن الحضارة ليست بأمر متأصل لدى الجميع هنا، وأعني بالحضارة حضارة المسلك التي لطالما كان الناس فخورين بوجودها. يؤخذ على الشبان الملتزمين ما يؤخذ، فمهما كان، ومهما كانت لديهم عيوب لا تعجبني، إلا أني لم أرى ملتزماً يتصرف كالقرد، عكس هؤلاء الشباب، الذين يجدون تعاطفاً غريباً من بعض الناس. الدكتور حتى يتعاطف معهم؛ وكنا قد تناقشنا أكثر من مرة حولهم، فليست أول مرة نرى هذه المشاهد البسيطة والغريزية على نحو حيواني أمامنا. كان الدكتور يقول بأنهم ليس لديهم شيء آخر لفعله، وأنهم مساكين ولا يوجد لهم متنفس. لكني كنت أخالفه؛ يوجد الكثير لفعله، الكثير جداً، وحتى لو كان كل ما يمكنهم القيام به هو التمشي في الشوارع، ألا يمكنهم القيام بهذا بهدوء ودون التدخل في الآخرين؟. كف الدكتور هذه المرة عن تلك الحجة، وقال بأن العالم يتغير من حولهم ويكبر، وهم يكبرون. قلت بأن ما حولهم يكبر بالفعل، لكنهم لا يكبرون معه، إن الأمر أشبه بإدخال قرد إلى معمل علمي، ويمكنه تخيل ما سيحدث.
رأيت ونحن جلوس أطفال بعمر 8 أو 9 سنوات، يخرجون رؤوسهم من نافذة السيارة ويصيحون بسائقي الدبابات الاستعراضيين، ثم يشيرون بأيديهم الصغيرة بأقذر إشارة مهينة تجاه الناس. صدمني المنظر، وتمنيت لو استطعت الوصول إلى أهلهم، لكن، لماذا يخرجون هكذا دون أهلهم؟.
أعتقد أن حب لفت الانتباه بعنف وإصرار هو من أكبر مشاكل الكثير من الشباب، فهم لا يعرفون حد يتوقفون عنده لو لم يردعهم احد، أوضحت للدكتور قائلاً بأنهم لو تركوا يفعلون ما يحلو لهم لقاموا بأسوأ الأفعال، ولو أخيفوا بشيء جعلوا الآخرين يدوسون على رؤوسهم، وهذه مشكلة، لا يوجد حل وسط لديهم، لا يوجد رادع ذاتي.









أكتب الآن في عنيزة، في المستشفى تحديداً، حيث ذهبت أمي إلى أول موعد للعلاج، ولم يمكنني الدخول فالمكان للنساء فقط. انزعجت أمي، كانت تحتاجني، لكن امرأة يبدو أنها تعمل في المستشفى قالت بأنها ستوصل أمي، كانت لطيفة جداً وعفوية. الناس هنا عموماً أكثر عفوية مما هم عليه في الرياض والمدن الكبيرة الأخرى؛ مثل جدة ومكة.
وصلنا البارحة، وكان الطبيب الألماني مسافراً معنا في السيارة. كانت رحلة جيدة، وتكلم بها كثيراً عن حياته وأراؤه، لكني وجدت بأن القراءة أنقذت موقفه كثيراً من الناحية الفكرية، لكنها لم تجعل منه مفكر حقيقي من حيث الانفتاح على الأفكار الأخرى والاهتمام بها واستيعابها، عكس ما يتخيل هو. إنه رجل بالغ الكرم، مهتم برعاية طيبة قلبه التي يعيها جيداً، ولديه مبادئ. لكنه لديه تصورات لا يتوقع سواها عن الناس وحياتهم، ولا يعيد النظر فيما يعتقد بسهولة.
لا أدري لماذا؛ لكني أجد أني أحب أن أجرب عليه، ربما لأني أعلم بأنه قد يغضب ويرد بطريقة لاذعة، لكن لا أعبأ لأني سأرضيه، لا أدري لماذا أثق بهذا حينما يكون أمامي، لكني لا أثق كثيراً برضاه عبر البريد فلا أقوم بتجارب. من تجارب بسيطة والكثير من التعامل مؤخراً، اكتشفت بأنه، عكس ما يوحي به اسلوبه وطبيعته الإنفعالية على نحو بالغ، إنسان على جانب كبير من هشاشة الشعور ورقته، بحيث أنه لا يبرأ من أصغر الجروح بسهولة. لهذا، أجد أني أخاف جرحه حين التعامل أكثر من خوفي من إنفعاله وغضبه الذي قد يحدث بسهولة دون أن أحمل همه كثيراً، حيث يسهل إغضابه واستفزازه بقصد أو بدونه، إنما أحمل هم ردة فعلي وأن لا أجرحه، فأنا أقدر طيبة قلبه، لكن لطبيعته الإنفعالية وصعوبة تبنيه منظور آخر تجاه الأمور، أن يراها بعين مختلفة، فأنا أرى أن غضبه أو انفعاله السلبي لا مفر منه، وهذا يجعل الحذر من جرحه أكبر وأهم من الحذر من إغضابه. وهو حذر ثقيل أحياناً ويتطلب انتباهاً.




يوم السفر إلى القصيم، كان الطبيب قد جاء إلى الدكتور الألماني، صديقنا المشترك، وكان الاتفاق أن آتي إليهم في بيت الدكتور وقت السفر لآخذه من هناك، فيعود معنا إلى القصيم حيث يقيم. هناك، خرج مع الدكتور من المنزل، ونزلت للسلام عليهما. ثم عدت إلى السيارة. الدكتور أطول بكثير من الطبيب، وفي وداعهما احتضن بعضهما بعضاً، وكانت أمي تنظر إليهما من نافذتها، فقالت بتأثر أمام هذا المشهد: يا حيل الله!. ثم سألت إن كانوا إخوة، قلت بأنهم أصدقاء. إني كذلك أستغرب من حميمية صداقتهما رغم أن المعرفة لم تكن طويلة.
هذه أول مرة أقود السيارة لهذه المسافة الطويلة، كنت في السابق أحمل هماً، لكني لم أقلق هذه المرة، وكانت الرحلة سلسة جداً ولله الحمد. وقد قطعناها بالنقاشات والقصص. الطبيب رجل ناجح وثري، يخطط كثيراً لمستقبل أبناءه. لديه مزرعة في مايوركا، جزيرة اسبانية، فيها حيوانات، منها مئة خروف.


سافر الطبيب كثيراً، وفي الإجازة الأخير جمع عائلته في عمان، التي يحبها كثيراً مثلي، لكنه زارها، عكسي. ذهب إلى هناك كثيراً من قبل.


نحن الآن في فندق هناك. كانت أول ليلة نبيتها هناك غير مريحة، رغم أن الفندق بصراحة مريح وجيد، لكن حدث إزعاج أمام باب الغرفة، رجال لا ذوق لديهم كانوا يتكلمون بصوت مرتفع جداً ويتصايحون في الممر الضيق والرخامي، ونساء يزغردن في غرفة قريبة. عرفت لاحقاً بأن هناك عريس وربما عروس.
مكان الفندق جيد، على شارع حيوي وقريب من كل شيء. ويعمل في الاستقبال شباب صغار، أحدهم غالباً يتواجد بمفرده، واثنين معاً. الذي يتواجد بمفردة هو صبي مريح، مليح الوجه ما شاء الله، لطيف وشديد التهذيب والذوق. حينما رأته أمي قالت: يا حبي له كله مليحه هو وكشيرته! ما شاء الله، الله يصلحه ويخليه لأميمته!.
خاطبته متسائلاً في بداية الأسبوع عن تعديل سعر إقامتنا. قال بأن اسبوع الإجازة هو موسم خاص، لا يستطيع التخفيض خلاله كثيراً، لكن بعد انقضاء الاسبوع  سيبحث أمر تخفيض جيد لنا إن شاء الله. اليوم، وهو أول يوم بعد إتمامنا أسبوعاً هنا، سألته بعد صلاة الجمعة إن كان الموسم قد انقضى ويمكنه النظر في أمر التخفيض؟ فسأل مبتسماً عن رأيي بسعر مئة ريال في اليوم؟ هذا سعر مذهل، فأنا يفترض أن أدفع ٢٥٠ حالياً، شكرته، ثم قال بأنه سيطبق السعر حتى على الأيام الفائتة. أذهلني هذا، فلم يكن متوقعاً، شكرته كثيراً. أرجو أن لا يغير مسئول آخر من هذا العرض.


قبل أن نذهب إلى موعدنا اليوم، اتصلت أختي، التي تتواجد الآن في القصيم، وكانت في فندقنا، مع ابنة خالتي، صديقتها الحميمة، وابن ابنة خالتي. حينما فتحت الباب دخلن كالإعصار إلى أمي. لم يكن هناك وقت طويل للبقاء، لكن وجودهم تمخض عن فائدة كبيرة؛ تأكدت من طريق المستشفى، إذ أن ابن ابنة خالتي الطيب اقترح أن ألحقهم حتى يريني الطريق إليه.

كان الطبيب قد اقترح أن أساعده في المستشفى، لأترجم بينه وبين المرضى، وكان اقتراحاً رائعاً. لكن، الإشكال هو أنه سيمكنني فقط البقاء حتى تنهي أمي جلسات العلاج الطبيعي، بعد ذلك، سيصعب علي أن أعود، لأن أمي ستكون وحيدة. الطبيب لا يستوعب جيداً طبيعة الأمهات هنا.


يحاول الطبيب أن يكون طيباً معنا إلى أقصى حد، على أني أعتقد بأن هذا يتعب أعصابه أحياناً، لكنه يشعر بالمكافأة حينما يرى امتناني وعرضي للخدمات. أتصور بأنه حائر بين الإعجاب بي والضيق مني. يفرح إذا رآني أحياناً، لكني آتي غالباً للترتيب للعلاج أو للسؤال عن علاج للحالات الأخرى في العائلة، ويشعره هذه بنوع من الضغط، رغم أني أعوض دائماً بمساعدته في الترجمة بينه وبين المرضى. كما كان يخطط لأخذي معه وبقية الأطباء إلى النادي معهم، ومع أني أود لو ذهبت بصدق، إلا أن أمي لا تستطيع البقاء لوحدها لفترة طويلة في الفندق، حيث تقلق. لكن ربما سأخرج للغداء معهم في يوم، وسيكون هذا جيداً إن شاء الله، حيث يمكنني ضمان المغادرة بنفسي حينما ينتهي الوقت المحدد.
عملت معه في الترجمة ومع زميله، وقد قضيت الكثير من الوقت الآن هكذا في التعاون. الأمر ممتع، ومجزي من الناحية المعنوية والحياتية. ليست لدي خبرة تذكر في المطلحات الطبية، لكن لا يوجد خيار أفضل مني بالنسبة للأطباء وللمرضى.

في السيارة، كان يحاول إقناعي بالسفر إلى الخارج، ورؤية العالم. قال بأنه يشعر بأني أقرأ الكثير عن العالم، لكن يجب أن أحس به بنفسي. عرض بقائي في منزله في ألمانيا، وطالبني بأن أستغل معرفته ومعرفة صديقي الدكتور وأستفيد منهم، وهذا كرم، لكن، لن يتاح لي السفر على ما أعتقد في أي وقت قريب.








زرنا أنا ووالدتي أقارب لنا يسكنون في عنيزة. كانوا لطفاء، استقبلني ابنهم، وتكلمنا، أو تكلمت، كثيراً، ولم يمكنكم تخيل مقدار لطفه واهتمامه، وبطبيعة الحال؛ تحمله. كنا قد أتينا متأخرون، بسبب سوء تخطيط من طرفنا. كنت محرجاً جداً من هذا التأخير، وفوق هذا غاضب.  كنت متحمساً للزيارة حتى ترى والدتي امهم المريضة. تقول أمي بأن المرأة الطيبة بكت حينما استقبلتها، مما أثر في نفسي كثيراً، وفي والدتي كذلك. سعدت بأن أمي وجدت حفاوة كبيرة منهم، وكنت أعلم بأنهم سيسعدون برؤيتها، لكن أمي بطبيعتها تحسب ألف حساب لراحة الناس واستعدادهم للاستقبال، فهي تخاف من الإثقال على الآخرين، على أني أتصور بأنها تخاف أكثر من اللازم، فأنا أعلم بأنها محبوبة من الأقارب، ولا أدل على ذلك من دموع تلك المرأة العزيزة شفاها الله. كانت رغبتي هي أن تجد أمي على الأقل من  تجالسهم خلال سفرنا الذي سيستمر قرابة شهر، وربما سيزيد حسب ما أخبرني الطبيب البارحة، فلن يكون من المعقول أن لا ترى إلا وجهي، وهي متعبة وتحتاج إلى من يروح عنها. لكن، لا يبدو أن أمي ستبادر بزيارة أخرى، رغم سعادتها برؤيتهم ومحاولتهم إستبقائها أكثر، فأنا أعرف أمي وخجلها.
كان ابنهم شاب لطيف، ربما الألطف بين إخوته الذين رأيت. وقد كنت أنا مزعجاً بالتحدث ولا أدري ماذا جرى لي، لكن أتصور بأنه حسن الاستقبال الذي أشعرني بالاريحية. وربما كان الجوع، حيث التهمت كيك بالتمر لا مثيل له، وأشياء أخرى (لم أتغدى جيداً في ذلك اليوم، حيث كنا في مكان آخر وقُدم لنا لحم البعير، فأفسد شهيتي).
في السيارة، امتدحتهم والدتي كثيراً، امتدحت تواضعهم واحتفائهم الشديد بها. كنت أتوقع هذا، فوالدتهم هي شقيقة لزوجة خالي، وتلك امرأة عزيزة استثنائية.
كنت قد قلت لأصغر أولادهم بأنه مليح لأنه يشبه أخواله، لم أفطن أن هذا قد يعني بأني أعتقد أن أهله قد لا يكونون بنفس المستوى إلا لاحقاً. كانت مجاملة للصبي، أردته أن يفرح وربما يُفرح والدته. هو بالفعل مختلف الشكل عنهم، فهذا البيت، دوناً عن أبناء عمومتهم، لهم أشكال مميزة، وجميلة، وهي تذكرني منذ أن كنت صغيراً بأشكال الهنود الحمر.
تقول أمي بأن والدهم، وهو ابن عمها وابن اخيها بالرضاعة، يشبه عمها رحمه الله، الذي رباها وتحبه حد التقديس، وتنظم به الأشعار. لكني رأيت عمها رحمه الله، كان إنسان جميل الشكل على نحو استثنائي، ولا أحد من أبناءه يشبهه للأسف، مهما حاولت والدتي أن توحي.








نزلت في صيدلية أبحث عن دواء، قيل لي بأنه لا يوجد هنا، ويحتاج إلى وصفة، نصحني الصيدلي المصري بأن أذهب إلى الطبيب الذي كتبه، قلت بأن المشكلة أني لست من هنا، أنا من الرياض، فقال: ما يحتاق، واضح، هأ أوأو. بصراحة، كانت ضحكته عادية، لكني لا أدري لماذا الصيادلة هنا وفي الرياض أكثرهم مصريون، والكثير منهم مطاوعة. لا أدري لماذا بدا هذا واضح له، لكن يبدو أن الحال مثيلاً في المستشفى، يخمن الناس بالعادة بأني قادم من مكان آخر، وهذا أمر مثير للاهتمام لكوني أصلاً من القصيم، الانتماء الذي لا أتخلى عنه.











هذه منارة مسجد قرب فندقنا. للمساجد هنا أشكال جميلة عموماً، ويمكن رؤية أن الناس هنا في عنيزة يهتمون بالذوق في بنائها أكثر من سواهم، خصوصاً المنارات. بعض المساجد القديمة لها منارات بديعة الجمال.
هنا، كما يمكن للمرء أن يتوقع، نسبة المطاوعة أكبر من نسبتهم في الرياض، لكن يبدو لي أنهم ألطف في عنيزة على الأقل، والله أعلم.
يتهم الناس عموماً أهل عنيزة بالانفتاح الزائد عن الحد مقارنة بباقي القصيم. لكن ما رأيته هو أنهم قوم أكثر تمدناً من جيرانهم، وطبيعتهم أحسن ظناً وأنقى نوايا من سواهم، لهذا هم أكثر تبسط بالتعامل، وليس لأنهم أقل حرصاً على الفضيلة، إنهم أعقل من سواهم فقط وأكثر منطقية، أيا كانت عيوبهم الأخرى.
لكن وجهة نظري عموماً تأتي في ظروف خاصة ومحدودية تجربة في طبيعة الحال، فعلى من يريد تصديقها أن يكون ممن يثق بطريقتي بالتفكير، وهذا أمر آخر. فوجهة نظري في الواقع غير شاملة ولا محيطة.

وبشكل عام، أهل القصيم يشاع عنهم الفضول، والرغبة بمعرفة وضع الآخرين. لكني عرفت بأن هذا سوء فهم وظن، إن لم يكن سوء طوية ممن يكرهون أي شيء يُقبل من القصيم. إن السؤال هنا تعبير عن الاهتمام والحرص، نوع من المجاملة والتضامن، ولا ينفي هذا وجود حالات غير مريحة النوايا، لكني أتحدث بإطار العموم. ربما بعض نواحي القصيم لا تتميز بهذا القدر من الأريحية، لكن في عنيزة؛ في المستشفى على وجه الخصوص، أرى أناس من أماكن مختلفة، رأيت من بريدة، وعنيزة، والرس، والبدائع، وهم عموما ينطبق عليهم ما قلت أعلاه من فضول إيجابي، الهادف إلى التضامن وإظهار الإهتمام.
ولعل هيئتي مثيرة للفضول لسبب ما، بالإضافة إلى مسلكي في المساعدة عبر الترجمة.









هذا ممر بجانب الفندق، يفضي إلى حي قديم نوعاً ما، فطراز المباني يشبه الطراز الذي ابتدأ به الناس حينما هجروا بيوتهم الطينية الجميلة. البيوت بشعة في هذه الناحية من عنيزة إلى حد ما، وتدخلني في جو غريب من الأسى.







عدت إلى المستشفى بعدما أخذت أمي إلى الفندق، أخبرتها بأني سأعود لمدة ساعة لأساعد الدكتور. كانت مجاملة ضرورية، فلن يمكنني الخروج كل يوم، وقد شعرت بالإحراج منه، لأني عرفت بأنه كان ينتظر قدومي وقد خطط وتخيل الكثير. كان يريدني أن آتي معهم إلى النادي الرياضي كل يوم، أن أتغدى معهم، أن أساعده في المستشفى مع المرضى من خلال الترجمة، وأن يريني أصدقائه من أعيان المدينة (من تجربتي مع أصدقائي، غالباً ما أكون أنا الفرجة في مثل هذه الدعوات). فرح كثيراً، وطلب مني مباشرة ارتداء جاكيته المعلق، وهو أمر لم أحبذه، لكن بدا أنه ضروري بالنسبة إليه. اقترح مدير إداري هندي أن لا أرتدي الجاكيت لاحقاً حتى لا أتسبب بالإحراج لي وللدكتور، ولكن حينما أخبرت الدكتور بأني يمكنني العمل بدون الجاكيت معهم لم يعجبه الأمر، وتسائل حتى قلت بأن فلان أخبرني بأني قد أعرضه (الطبيب) للإحراج. رفض الطبيب الفكرة، وهو يريدني أن أرتديه كلما كنت هناك، حتى حينما تكون أمي في جلساتها العلاجية وأساعده والطبيب الآخر لبعض الوقت، سوا أني لم أعد ألبسه مؤخراً وصار هو يتغاضى، حيث أني آتي للترجمة مرتين في اليوم خلال جلسات أمي.
الناس، المرضى وذويهم، بشكل عام يرغبون بمساعدتي لهم، لكنهم لديهم فضول كبير تجاه كل شيء، وهذه طبيعة عامة هنا. حينما أقول بأني لا أعمل هنا إنما أرافق والدتي وأحاول المساعدة مثلاً، فإنه سيتم السؤال عن حالة أمي، ثم عن اسمي، ومن أين، وأين أعيش، وماذا أعمل، وأين درست، وهل الفلان أقاربي، ومن هذا القبيل. لم أتوقع أن الناس سيجدون الراحة بكل صراحة بوجود شخص غريب، أنا، وغير عامل بالمستشفى، للمساعدة، لكني لم ألاحظ ضيقاً، وقد وجدت تبسطاً ومزاحاً في أحيان كثيرة، وفي حالات يرغب ببقائي رغم تحدث أحد الموجودين للغة الانقليزية، وهذا أمر غريب، لكن لعلي أتوقع من الناس التحفظ والخصوصية أكثر من اللازم. البعض قد يقول بأن الممرضة كافية، أو أن لغته كافية، لكن هؤلاء قلة.

جائت امرأة وفي صوتها معاناة شديدة. فحصها الطبيب، وكانت تعمل أكثر من اللازم، وهي تريد تقريراً لتخفيض نصاب العمل. وعدها الطبيب بأنه سيكتب كل ما من شأنه مساعدته، اعتماداً على ما يراه في حالتها. لكن كان لديها سؤال آخر؛ كيف يمكن لها تصديق التقارير لتقبلها الوزارة؟ لم يكن لدى الدكتور فكرة، لكني تذكرت أن أختي قد صدقت تقاريراً وإن يكن لشأن آخر. فعرضت عليها الاتصال بأختي وسؤالها، ولما وافقت طلبت منها انتظاري، استأذنت الطبيب وأخبرته بما سأفعل، وخرجت لأتصل بأختي. للأسف، لم يكن الإرسال جيداً لديها، لذا أعطيت المرأة رقم أختي وأخبرتها بأن تقول بأني أنا من طلب منها الاتصال بها. كانت متوترة جداً بسبب حالتها، وقد سألها الدكتور عن توترها، وقال بأنه يشعر بأنها مضغوطة كثيراً. حاول معرفة أبعاد المشكلة.


أنا أساعد كذلك الطبيب الآخر، الذي يبدو أنه يعاني كثيراً في التواصل مع المرضى.
لكن مساعدتي محدودة، فحينما تنتهي جلسات والدتي العلاجية، أغادر لأعيدها إلى الفندق، وأشتري ما يؤكل.






عنيزة بلدة لطيفة بالمجمل، لكن يجب أن لا تستمع إلى أهلها حينما يصفونها، فهم سيوهمونك أنها البندقية أو ميونيخ، هي جيدة بقدر ما تسمح لها الظروف والثقافة.
لكني أشعر بأنها تشعر المرء بالانشراح. والهواء في القصيم عموماً أفضل بكثير من الرياض، حيث يشعر المرء بأنه يتنفس حقاً، ولا يختنق مع كل نفس. فالغبار هنا لا أراه. كما أن المرء يشعر هنا بأنه تذكر الإحساس بمرور الهواء حول جسده فجأة.

يجادل أهل عنيزة بأنهم الأكثر مدنية في القصيم كما أسمع، ولم أعرفهم كثيراً بالواقع، لكن من هذه الأيام القليلة يمكنني القول بأنهم أناس متمدنون بطبيعتهم ولا خلاف لدي على هذا. وهم يملكون قدر جماعي من الفطنة وحسن التدبير، حيث أنهم يعرفون ما يقال إجمالاً وما لا يقال، ولا يخلطون الأمور، ولا يتصرفون بلا تفكير، وربما طبيعة مجتمعهم الأكثر تعقيداً من الناحية المدنية والاجتماعية علمتهم هذا.
قبل هذه الرحلة، لم أتعامل مع أحد من أهل عنيزة على نحو يكفي للتفكر إلا مع شخص واحد، وقد كان دكتوراً، لكن على الأقل من عنيزة. كان مديري المباشر حينما انتقلت للعمل في وزارة، وكان يساء فهمه كثيراً من قبل الموظفين، لكنه في صميم قلبه كان إنسان طيب، وربما لا يحتاج إلا طيبة مقابلة وحسن نوايا لتظهر طيبته، وهذا أمر لم يتعود عليه الموظفين ولا ألومهم. حيث أن التعامل مع الدكاترة والمدراء يتطلب قدراً من الحذر، والمجتمع بطبيعته متصنع. كان قد حاول إقناعي للبقاء في الوزارة بعاطفة قلبية صادقة. ولا زال يتصل أحياناً حينما يحتاج شيئاً، حيث أعمل في الجامعة في قسم قريب من أقسام يتعامل معها.
ورغم عيشه في الرياض لفترة طويلة على ما أفترض، إلا أن لهجته كانت تظهر أحيانا عبارات تثير تعجبي، وربما تضحكني بالداخل، حيث تذكرني بلهجة والدتي. حيث أنه حينما كنت سأرحل من الوزارة، وكنت قد عودته على إحضار قارورة ماء له معي من مستودع القسم بعد صلاة الظهر، قال بحسرة: (الحين يا سعد من بيجيب لي "أمّيه"...) لا أنكر بأن العبارة كسرت قلبي، فلا يبدو بأنه كان يحظى بمثل هذا الاهتمام في العمل من قبل. لكن كلمة "أمّيه"، وهي كلمة تقولها أمي للصغار غالباً، تجعلني أبتسم، وإن يكن بحسرة، كلما تذكرت الموقف، مع شعوري بالحزن والندم.
كما كان يقول: أويلاه، وهي عبارة خاصة بأهل عنيزة على حد علمي، دوناً عن بقية القصيم.
كان قد طلب مكالمة والدتي، حينما طلبت الانتقال، وأصر على ذلك، وكان يريد أن يضغط علي من جهتها للبقاء، فمن الواضح أنه كان يريد أن يشرح لها المزايا، ويوضح بأني لن أواجه مشكلة في مواعيد المستشفى. عموماً، يمكن الرجوع لتلك القصص بالتدوينات الأولى في الأرشيف.
اتصل اليوم، ومن أول أسئلته كان سؤاله عن والدتي. وكان يريد أن يسأل عن أمر يتابعه منذ وقت طويل، وكنت أساعده في متابعته في القسم المجاور لقسمي في العمل. أخبرته بأني في عنيزة الآن مع أمي للعلاج. لم يجمع بسرعة، لكنه قال ببهجة: ما شا الله رايحين لدريتنا؟. وطلب مني أن أخبره حينما أحتاج شيئاً، حيث أن أخوته يقيمون هناك.
سأساعده إن شاء الله بإجراء بعض الإتصالات غداً.

حتى الأمريكي (ليس من عنيزاوية أمريكا)، الذي تحدثت عنه أعلى التدوينة، ارسل برسالة، وكان يحتاج إلى مساعدتي. بعدما رددت بأني خارج الرياض، وأني أتمنى لو كان بإمكاني مساعدته، رد بأنه شاكراً ردي. ثم في وقت لاحق ارسل يقول بأنه اكتشف تفاصيل أكبر لمشكلته، وأنه سينتظر عودتي لأنه لا يعرف التصرف في الأمر لوحده.





ربما يحب البعض مقارنة أهل عنيزة بغيرهم في القصيم، ويوجد الكثير مما يقال ويسمع، ويعيب أهل القصيم على بعضهم أكثر مما يمتدحون مع الأسف. لكني مدرك لنقص كل شيء عدى الله سبحانه، وفي قلبي؛ يقبع القصيم كله كأهلي والمكان الذي أنتمي إليه، بكل ما فيه، بريدة، عنيزة، الرس، كل مكان، من يكرهون بعضهم ويذمون بعضهم، كلهم واحد بنظري، ولا أرى بأنهم يختلفون، كلهم يحملون مزايا ونقائص، كسائر البشر. ولعل هذه الرؤية هي امتداد لرؤية أمي، قصص حياتها وخبراتها؛ إني ضميرها الممتد.











هذه صورة للجو اليوم من خلف جدار بهو الفندق الزجاجي. في الصباح كان الغبار قد فاجئنا، وكان كثيفاً لا ترى إلى مسافة بعيدة بسببه، والهواء قوي. كان جو مزعج. لكن بعدما هدأ قليلاً خرجت بهذه الصورة التي أعجبتني. ثم أنعم الله علينا بالمطر، فخرجت إلى السيارة أغطي رأسي بجريدة لأجلب المظلة، حتى لا تبتل أمي ونحن ذاهبين إلى الموعد المسائي. إلا أني لم أستفد إذ أن المطر توقف للأسف. خسارة. في المستشفى تسائل أحدهم عندما رأى المظلة الشفافة معي إن كان المطر قد عاد، نفيت، وقلت بأن المظلة احتياط. من يعلم؟ قد ينزل المطر، وقد تبتل عبائة أمي، وتمرض من البرد لا قدر الله.





في المستشفى، كنت أساعد عائلة طيبة، تأتي مثلنا من خارج القصيم، وإن كان أصلهم منه. هم يأتون من المنطقة الشرقية. في البداية، خجلت وبقيت في الخارج، لأن ابنهم يتحدث الانقليزية جيداً. لاحقاً، اصر الابن على بقائي، وكان في ذلك اليوم بصحبة والدته الطيبة فقط. سألوا إن كنت أعمل، فشرحت سبب وجودي، وتسائلوا بتهذيب بالغ عن حال والدتي، وإن كانت بخير. رأيتهم في الأيام اللاحقة، والكثير من أقاربهم، وتكلمت معهم، وكانت أمهم رقيقة الحاشية، لطيفة الإحساس، وذات ذوق ومعرفة بحسن التهذيب. كانت تسأل دائماً عن أمي وتدعو لها، كما يسألون عنها بقية أقاربهم. في اليوم الأخير الذي رأيتهم فيه، كان ابنهم الطيب لم يأتي، وهو شاب ذكي، وأخمن بأنه ناجح ما شاء الله، وهو يتمتع بعفوية وتبسط نادر. طلبت الوالدة مني البقاء لأترجم لهم. وجاملتني باقتراح أن تزوجني من عائلتهم، شكرتها، لكنها قالت إلا إن كنت غير راغب بهم، فرددت بأني لن أجد أفضل منهم. كانت مجاملة كبيرة وكريمة، لا أستحقها صدقاً. سألت عن ابنهم، فقيل بأنه لن يأتي اليوم، شعرت بالأسف مبدياً بأني كنت أرغب بالتحدث معه. لاحقاً اتصلت به والدته، ولكن بدا بأنه لا يستطيع الحضور. ولم أرهم بعدها للأسف، حيث يبدو أن المواعيد لم تتوافق، وقد كانوا سيرحلون كما أخبرتني والدتهم في الخميس، الذي انتهى الآن.
المفاجئة هي أني استلمت رسالة من الطبيب، يقول بأن فلان الرجل الطيب، ابنهم، طلب من الطبيب إرسال رقم هاتفه إلي. لم أفرح منذ زمن بعيد هكذا، بحسن الظن والاهتمام هذا.
في اليوم التالي اتصلت به، وقد أبدى فرحاً باتصالي، وقال بأنه كان ينتظره ويرد على كل الأرقام الغريبة، وأن والدته كان تسأل إن كنت قد اتصلت.
عرفت بأني لا يمكن أن أعتبر رحلتنا هذه سوا مكسب شخصي كبير، بمعرفة هؤلاء الناس. إني سعيد بأني أتيت، وصادفتهم.










لا خلاف لدي على الانتقال والعيش في عنيزة. إنها أفضل مما توقعت.




من ميزات جوالات اكسبيريا من سوني اريكسون بعد آخر تحديث هو التصوير الثلاثي الأبعاد. هذه تقنية جديدة من سوني، ورغم أن الأجهزة غير مجهزة لهذا النوع من التصوير من حيث التصنيع، حيث لا يوجد غير كاميرا واحدة في الخلف بينما يتطلب الأمر اثنتين، إلا أن التقنية فريدة من نوعها ورائعة. لا فائدة منها بالطبع دون شاشة ثلاثية الأبعاد، لكن الننتندو ثري دي اس يفي بالغرض على أفضل نحو، حيث نقلت الصور ثلاثية الأبعاد التي التقطتها بالجوال إليه، ووجدت أنها أنقى وأجمل من الصور التي ألتقطها في الثري دي اس بالكاميرا المجهزة بعدستين لأجل التصوير الثلاثي أساساً. هذه التقنية في الجوال هي إضافة أتمنى أن تطورها سوني وأن لا تتخلى عنها. تتم عبر تحريك الجوال من جهة إلى أخرى لتصوير مشهد بانورامي، وبسرعة معينة وفقاً لمؤشر في الشاشة، ثم يحللها الجهاز ويحولها إلى ثلاثية الأبعاد وكأنما في الأمر سحر. الصور تظهر بالفعل ثلاثية وجميلة جداً، بأبعاد واضحة، ولكن لأنها بانورامية بالأساس وتعتمد على تركيب صور متعددة في العملية فإنه قد يظهر في بعضها تكسر أو إلتواء بسيط غير ملحوظ، وفي رأيي أجد أنه نقص يعطي طابع فني للصور.






لست أرى الدكتور الألماني كما اعتدت، وأعني صديقي وليس الطبيب هنا. أشتاق لتبادل الحديث معه والنقاش حول اهتماماتنا المشتركة. أرسلت إليه أخبره كما طلب مني عن أيامي هنا، وأرفقت صورة للمكان كما طلب أيضاً. لم أعرف لماذا أراد رسائل بمواصفات محددة، طويلة وتتحدث عن يومياتي هنا، وصور، لكن حينما رد عرفت أنه يريد أن يقرأ شيء يشبه ما أكتبه بالمدونة. لم أتوقع أنه يهتم بالمدونة بعمومها ويريد قراءتها. أيامه مشغولة، فقد انشغل كعضو في لجنة تحكيم في مؤتمر كبير في الرياض مؤخراً، وكان عمله المعتاد قد أشغله كثيراً. لم أسأل عن صحته المتعبة مؤخراً، فقد عرفت بأن السؤال وتكراره يضايقه عموماً. كان ينوي زيارتنا هنا، لكني لا أدري إن كان سيأتي بالفعل، وأنا بالواقع رغم حماسي في البداية لمجيئه إلا أني قلق على صحته وتعب السفر الآن.







حدث ما كنت أتخيل بأنه يحدث للمهملين فقط، وسكبت القليل من السفن اب على لوحة مفاتيح حاسبي، وجعلتني أمي أندم على إهمالي، بتذكيري كل لحظة وأخرى به. على أن أزرار قليلة، ٣، هي التي أصبحت تتلاصق مع قاعدتها، إلا أنها أزرار مهمة. تمكنت من تنظيف اثنين، ولم أتوقع أن العملية خطيرة نوعاً ما، فأنا أخاف أن أكسر الأزرار حينما أنزعها، وتبقى زر متأثر قليلاً، قد أنزعه اليوم، على أنه مخيف ويبدو مختلفاً عن سابقيه.
يوجد مقال جيد طمأنني عموماً، وهو مفيد على أنه بالانقليزية:
http://www.compukiss.com/care-maintenance/clean-the-keyboard.html






مررت بموقف سيء مع الطبيب. المستشفى يرفع الأسعار فجأة، ولا يريد معاملتي حسب اتفاقي مع الطبيب. أوقعني هذا بموقف حرج مرتين. في المرة الأخيرة، فقد الطبيب أعصابه، وأدى هذا إلى جرحي بشكل ما، مع أنه كان في مسعاه لمساعدتي. ورغم أنه لا ذنب لي فيما حصل. رأيت الندم على وجهه مباشرة. وفي وقت لاحق حاول التلطف أكثر. رغم شعوري بالجرح والحزن، إلا أن وجهة نظري به لم تتغير؛ لا زلت أحترمه، وأقدر طيبته. لكنه، ربما بسبب نشأته الناجحة كلاعب ثري، يتطلب تمحور الناس حوله دون إزعاجه، بقصد أو بدونه، وأنا لا أحب أن يتمحور حولي الناس، ناهيك عن تمحوري حولهم.
دعاني بـ"صديقي" حينما رحب بي لاحقاً، لكن، لسنا بأصدقاء بالواقع، نحن فقط لدينا صديق مشترك، كنت أعرف بأننا مختلفين إلى هذا الحد منذ البداية، لكن يقيني بأننا لن نكون أصدقاء ازداد فقط. أقدر لطفه واهتمامه كثيراً، وسأكذب إن قلت بأني لست بمعجب به في بعض جوانب شخصيته، ولعلي محظوظ باهتمامه الذي يبدو أنه لم يتعود على منحه لأحد إلى هذا الحد، وأقدر هذا الحظ الكبير رغم كل الحظوظ السيئة المحيطة بي. لكن، التعامل الذي يتطلب الكثير من المداهنة والتمحور ليس لي رغبة بمنحه.

رآني في استراحة العيادة في يوم لاحق، إذ صرت أسأل عن وجود المرضى الذين قد يحتاجون مساعدة بالتواصل، وإن لم يوجدوا أذهب للاستراحة. سأل عن أحوالنا، وعرض علي شرب الشاي معه، وافقت في البداية مجاملاً، ثم انتبهت لوجود إبريق شاي في الاستراحة لأول مرة، فأشرت لوجوده، فمضى الدكتور، وعلى وجهه مسحة غريبة من الأسف. وكأنما وُجد هذا الابريق لإنقاذي، واختفى في الأيام التالية. كنت لا زلت تحت أشد تأثير لما جرى، ولا زلت متأثراً. لكن ما جرى كان درس وتعلمته.
أحزن هذا صديقنا المشترك الدكتور الألماني، وحاول إيضاح أن الطبيب يحاول مساعدتي كثيراً لأسباب كثيرة ليست مادية، وأنه يعتبرني صديقاً. لا شك لدي بحسن نوايا الطبيب، وأنا نواياي جيدة تجاهه، ولا زلت أقدره، لكنه إختلاف خطير ذلك الذي بيننا، ويتطلب شيء من المسافة الآمنة.

قصة مضحكة عنه؛ ولكنها مثيرة للإعجاب. حدثني عن شخص جاء إليه وأخبره عن فتاة لا تملك المال اللازم لرؤيته، لكنها تعاني من مشكلة خطيرة في قدمها. وافق الطبيب على رؤيتها، وذهب إلى منزلها. كانت قد أصيبت بحادث حينما كانت صغيرة، وأهمل علاجها حتى تلفت قدمها إلى حد بعيد، وتحتاج الآن إلى علاج طويل ومكلف. تكلم مع أصدقائه من وجهاء عنيزة، وأخبرهم بأنه يمكنه عدم أخذ أي مال عن العمليات التي سيجريها، لكن عليهم أن يتحملوا تكاليف بقائها بالمستشفى والأدوية وخلافه. أعتقد أنه تحمل التكلفة الأكبر في الأمر.
أثار هذا إعجابي. أخبرني بأن الفتاة من مدينة: بدو. فهمت أن الفتاة بدوية، لكن فكرة وجود مدينة بدو تنسف مبدأ البداوة الحقيقية، بمعنى اقتران البداوة بمدينة.

حينما يراني الآن، يحييني جيداً، ويسألني عن والدتي ويطمئنني، ولكني رأيت لأول مرة منذ أن عرفته الإرتباك على حضوره.

أراد أحدهم مساعدتي، وهو شاب ملتزم جاء مع والدته. دخلت لأترجم. طلب منه الطبيب عدم الدخول قبل والدته، لكنه لم يفهم ودخل. ثم طلب منه الطبيب أن يترك لوالدته المرور قبله في المرة المقبلة، لأنه لولاها (بعد الله، طبعاً) لما كان هنا. أحرج هذا الشاب الملتزم، الذي أعلم يقيناً بأنه غفل عن هذه النقطة لأنه كان مرتبكاً، وقد أحرجته ملاحظة الدكتور ومحاضرته ونقاشه. قال الشاب بأن هذا الإسلام بالواقع. بدا من الواضح أن الشاب قد ظل مرتبكاً. حينما خرجوا، سألني الطبيب إن كان الشاب قد غضب منه؟ قلت بأنه لم يغضب، لكنه كان محرج فقط، فقد أحرجته أمام والدته. سألني الدكتور إن كان عليه أن يعطي هذه الملاحظة مرة أخرى؟ قلت بأنه لا بأس بالملاحظة، لكن لا يجب أن يصر عليها. يبدو أن هذا أشعره بالسوء، وكأني أتهمه، قال بأنه لم يصر. لم أناقش، فهو يعلم ما قال. قال بأن الشاب يقول أنه من الإسلام ما قال هو، أليس إذا مسلماً؟ قلت بأنه مسلم، وأني أعلم بأنه لم يقصد، إنه فقط مرتبك منذ أن جاء. قال بأني محق، لقد كان مرتبكاً. أردت أن أمضي، وكان قد أخرج كتاباً على نحو غريب وظل يطالعه ونحن نتكلم. عرفت بأنه مرتبك. حاول استبقائي أكثر للتحدث، لكني خرجت بطريقة مهذبة حينما سنحت الفرضة.
لاحقاً، أصر علي لآخذ حلوى عربية، يبدو أن الصينية جائته كهدية. رفضت، قائلاً بأني أكلت بالمنزل، إلا أنه أصر على نحو غريب، فاضطررت لأخذ واحدة. ثم حاول التحدث عن حالة والدتي، وناقشها معي، وإن لم يكن هناك جديد؛ كان حديث لمجرد الحديث.









إني راضٍ في عنيزة، وقد اقترحت على والدتي أن ننتقل أنا وهي إلى هنا، ونكون من أهلها. لكن، هذا مستحيل.









بقي اسبوعين الآن، كيف سنقضيها؟ لا يهم، لنقضيها متماثلة كل يوم، فأنا سعيد هكذا. أشعر بأني للمرة الأولى أجد نفسي في هذا الموقف: القليل من المسئوليات، علي فقط الاهتمام بأهم ما لدي، وليس كل شيء حولي وليس حولي، أمي هي أولويتي، أولويتي الوحيدة، أو مهمتي الوحيدة، ولا شيء آخر، استمتع بوقتي بالترجمة ومساعدة الناس، والتعرف عليهم، والشعور بالإضافة وليس الإكمال. قد لا أجد وقت فراغ كبير، لكن أليس هذا أفضل؟. نصحوا يومياً في الصباح (وقد صرت أشرب القهوة مع أمي)، ونفطر، آكل اللبنة والجبن كما أريد، دون شعور بضيق الوقت أو المكان أو الظرف، ثم نذهب، ونعود لنرتاح وننام قليلاً، حيث أن هذا ضروري لأمي (وأنا من ضمن البيعة)، ثم في المساء، نذهب مرة أخرى للمستشفى، ونعود لأترك أمي في الغرفة وأذهب لشراء العشاء والحاجيات. نتكلم معظم الوقت، وأسمع قصص والدتي الجميلة، وأريها الصور والأشياء على الانترنت، وأقرأ لها، وأزعجها بصور الأثار وقصصها، والطبيعة والحيوانات التي أحب، دون أن تتذمر مني.
هذه إجازتي التي انتظرتها منذ سنوات، بعيداً عن كل شيء، متروكاً وشأني.









سعد الحوشان