الثلاثاء، 26 مايو، 2009

لا خيار للعائم(قصيدة،أحداث،حديث نفس)



بسم الله الرحمن الرحيم


"أنا ما أكلمك عشاني فاضي!"
هكذا احتجيت ذات مرة، حينما كنت حساساً جداً، لا أفهم سبب رفض أحدهم لصداقتي، رغم جهوده للحفاظ على شعوري، جهود أتخيل كم كانت ثقيلة، وصعبة.

قد لا يعذرني على تمسكي ومثابرتي، المدفوعة بشعور غير مبرر بالذنب والتعاطف، قد لا أعذر نفسي معظم الوقت، ولكن حينما أكون صادقاً مع نفسي، كنت مدفوعاً بالحاجة كذلك، بالحاجة إلى الأخوة. أفكر في هذا الآن وأنا أعيش أسوأ أوضاعي، وهو أمر دوري، يتكرر أكثر من تكرار الأوقات المستقرة، التي أصبحت أوقاتاً إستثنائية.

الآن، أنا بلا أصدقاء، ولم أكن يوماً ذو إخوة حقيقيون كالناس. فكرت أمس بالأوقات حينما كان لدي أصدقاء أحسبهم حقيقيون، لم يكن لهم فائدة في مثل هذه الأوقات أو غيرها، كنت انتقائياً، ولكن لم أكن محظوظاً. كنت أتسامح وأتخيل أني سأجدهم وقت الحاجة رغم الخذلان، ولكن لم يحدث، ومن كان منهم جيداً ويعطي مثلما يأخذ، انتهى بنا الأمر على نحو مفاجئ لسوء الحظ، وعلى نحو لا يستحق ولا يرقى إلى مستوى صداقتنا الطويلة، الجميلة. ليس أسوأ من دخول شخص ثالث مفسد، مهما كان قريباً من أحد الطرفين.




لمَ أبكي...
وأنا جالس...
وأنا أمشي...
وأنا ضاحك...
وأنا أحكي...
لمَ أبكي...
وكأني لا أدري...
أن هذا قدري...
أني وحيد...
وحبي للغير لا يجدي...
أنه قد أُقسم على نفسي...
أن لا تعود على عهدي...
لمَ أبكي...
ولا أحد يسأل...
لمَ أبكي...




اليوم هو السبت، وكان الخميس والجمعة الفائتين استثنائيين إلى حد ما. ليسا جيدين، ولكن استثنائيين. حافلين إلى حد ما، كنت أتسلق بئر الحزن محاولاً الخروج، بتصميم، وبأمانة، وهذا لم يكن يحدث في وقت سابق. حاولت أن أرفه عن نفسي، أخذت وقت لها، خرجت إلى كوفي شوب، جلست أكتب، واطلعت على روايتي لأتأكد من ملاحظة توهمتها. شربت ستروبيري آيستي، وهو لا يمت للشاي بصلة ولا يحتوي أي منه، إنه شراب فراولة شفاف. خرجت، تمشيت، ثم صليت العصر في مسجد العويضة، وهو معلم الآن من معالم المدينة. كان يفتقر إلى الذوق من الداخل، زخارفه ملونة كما تلون المخابز الرخيصة الحلويات. ثم ذهبت إلى مطعم غالي، وجربت هناك أن أشوي قطعة اللحم لنفسي، وكانت تجربة ممتعة أخرجتني من الكآبة إلى حد بعيد. أتوا إلى بقطعة اللحم الضخمة على حجر أسود يلتهب حرارة، وألبسوني مريول طباخ قصير(!!) وعلمني النادل بشكل بسيط ماذا علي أن أفعل، وأفضل طريقة لإنجاض اللحم، وكانت عملية ممتعة. أن تقطع شرائح وتقلبها وتشقها من المنتصف لترى مدى استوائها، وتأكلها مباشرة أو تجمعها على صحن. بشكل مفاجئ أنهيت قطعة اللحم بسرعة، وقد بدت خفيفة لأني عصرت الزيوت منها عصراً عند الشواء. أكلت حلوى لذيذة، ولكن غالية على نحو صادم. خرجت إلى المكتبة، اشتريت اشتراك للانترنت لمجموعة المتذمرين بالمنزل. عدت إلى المنزل ووجدت قابلية أخيراً في الجلوس مع أهلي، الذين لا أفارقهم بالعادة في نهايات الاسبوع. في اليوم التالي قبل صلاة الجمعة قررت أن أقوم بشيء فيما يخص لحيتي. كنت قد تركتها بلا اهتمام منذ وقت طويل، لأرى طبيب جلدية من أجل المشكلة التي تحدثت عنها في وقت سابق هنا. لم يعد الوضع يحتمل، فقررت أن أفعل ما أفعل بالعادة، تقصيرها بالمكينة مع الشنب (ديرتي لوك) ولكن بينما أشذب بمكينة مختلفة عن العادة، جربت أن أشكل سكسوكة على وجهي، وهذا شيء لم أفعله منذ سنوات طويلة، منذ أن كنت طالباً في الجامعة في المستويات الوسطى ربما. بالواقع أفعل هذا أحياناً على سبيل العبث، وأحلقها قبل أن أنتهي. ولكني قررت أن أجرب وأتركها اليوم. من المعروف أني من كارهي تصوير نفسي أو أخذ صور لي، ولكني أرسلت صورة لأخواتي لأرى إن من الأفضل الإبقاء عليها أو لا. كانت الإجابات إيجابية، ما عدا واحدة، يبدو أنها لم تفهم أن الشعر القصير في جوانب الخد، واللحية غير المرتبة جدا على الذقن هي جزء من الـستايل. سخر أخي وقال بأني أصبحت اشبه سعد الحريري، تخيل. رغم أن التغيير جيد وأنا أشجعه، إلا أني لا أشعر بأني على طبيعتي مع التغيير الجديد، أو أن وضعي صحيح، أو يعكسني حقاً. ذهبت لاحقاً وأختي إلى محل دايسو، محل من شركة يابانية للبضائع المخفضة. وهو جيد جداً ومثير للاهتمام ويتجدد باستمرار، رغم أن طريقة حساب السلع عند المحاسبة بدائية وسخيفة جداً. اشتريت بضعة أمور لي ولأمي. أحب عموماً علاقات الجوال والأجهزة من عندهم، يوجد لديهم خيارات تناسب الرجال، عكس الفكر السائد هنا بأن عّلاقات الأجهزة للنساء فقط، حيث لا تجلب المحلات إلينا إلا أشكال سخيفة لجذب انتباه النساء. أول من لفت انتباهي للأمر هو زميل لي في الجامعة، أقام في أوروبا لفترة من أجل العلاج. تجد لدى المحل كل الكماليات التي تتخيل، والأساسيات أيضاً. مكانه سيء، في أقصى شرق الرياض وفي داخل سوق لا يسمح سوا بدخول العوائل. لا أدري لماذا لا تفتح بعض المحلات خارج الأسواق، هل يكرهون الزبائن؟.







قررت منذ فترة أن أغير شيء مهم حالما أخرج من الوزارة إن شاء الله. لقد كنت دائماً أشكو من الازعاجات على جوالي، ولكني لم أكن أرغب بتغيير رقمي حتى لا أفقد بعض الاتصالات، أو هكذا أتخيل، ولكن، أي اتصالات؟ لا يوجد من أتواصل معه فعلياً. لذلك سأغير الرقم إن شاء الله وأجرب رقم جديد، لا أعتقد بأني سأحن لرقمي القديم، أو أي شيء يتعلق فيه. ولا أعتقد بأني سأفقد اتصالات مهمة. فكل من أتواصل معهم فعلياً أراهم، ويمكنني إعطائهم رقمي الجديد مباشرة. ولكني لا أدري هل سيكلفني التغيير رسوماً من الشركة؟ آمل أن لا يكونو طماعين.




الأمور غريبة في العمل. إنهم لا يريدونني أن أذهب. بالأمس لم يحضر الدكتور المشرف، عمل خارج الوزارة على ما يبدو، فلم يلتقي به الدكتور الذي أعمل معه. جاء اليوم، وأخبرت الدكتور الذي أعمل معه، الذي يعتبر مديري المباشر، أن لا ينسى موضوعي. طلب مني أنا أن لا أفكر بالأمر، أن أبقى لديهم. دخل لاحقاً على المشرف. أعتقد أن الرجلين طيبين، حتى مديري المباشر، إنه طيب (كليهما من القصيم). طال بقاء مديري مع المشرف، طال جداً. لما خرج لاحقاً، كلفني ببعض الأعمال، ولكن كان عليها أن تنتظر لأني كنت اعمل مع الدكتور الآخر. ما أصبره على الدكتور الآخر. سألني إن كان الدكتور الآخر في مكتبه؟ أجبته بأنه موجود. لا عمل بين الاثنين، كما لا علاقة حقيقية. حينما جهزت أوراق مطلوبة ذهبت إلى الدكتور الآخر. فوجئت بمديري الدكتور هناك. أنجزت بعض الأعمال وترددت كثيراً عليهما وهما جالسان، وشباب صيانة الحاسب يعملان على جهاز الدكتور الآخر المتعطل، أحدهم له شكل طفولي محبب، بشعره المجعد الجميل، يبدو أن عمره صغير أصلاً. خرج الدكتور بعد وقت طويل نسبياً. قبل صلاة الظهر سألته إن كان قد أبلغ الدكتور المشرف برغبتي؟ رد باهتمام وبقوة أنه أخبرني أن لا أفكر بالأمر، فهو والدكتور المشرف والدكتور الآخر لا يرغبون بذهابي أبداً، كما لا يشك بأن زملائي بالقسم لا يرغبون أن أذهب، وأضاف: كيف تروح وتترك كل الناس اللي يحبونك؟ كان يتكلم بصدق، أعني عن نفسه على الأقل. أعي هذا. أعتقد بأنه صار يحبني مع الوقت ويثق بي، وإن لم نتبادل الكثير من الكلام، خصوصاً على المستوى الشخصي، فهكذا هي طبيعته. تكلم عن أن المستقبل هنا أفضل بالنسبة لي، وأنه يريد لي الأفضل بصدق وكأني أخوه. سألني لماذا أعود للجامعة لأكون بين آلاف الموظفين، حيث لا انتدابات ولا مستقبل؟ سألني إن كان هنا شيء غير مريح بالنسبة لي؟ فإنه سيتدبر أمره مباشرة، وأنه يتقبل أي ملاحظة أو سؤال. سألني إن كنت أفضل العمل في المكتب الآخر قريب من الدكتور الآخر ( يبدو أن الدكتور الآخر أخبره بأني لا أريد العمل قريب منه بشكل ما) أخبرته بأني لو بقيت فسأبقى هنا، أعني قريب منه، ولكن الآمر لا يتعلق بي بالدرجة الأولى، وقد أدركت أن هذه تضحية منه من أجلي. قال أنه بالنسبة إلى ظروفي فهم سيقدمون لي تسهيلات كبيرة، حتى أني لو أردت فلا يجب أن أستأذن حينما أريد الخروج لأجل مواعيد أمي. قال بأنه يقدر ظروفي ويريدني أن أكون مرتاحاً، أخرج متى أردت، ولا يجب حتى أن أوقع مبكراً في الصباح، وأني لن أجد أفضل من هذا في الجامعة ولن يكونوا هكذا معي. أعتقد بأنه لو لم يكن متأكداً من شعوري بالمسئولية لما عرض علي كل هذه المميزات. أخبرته بأني مدفوع بمصلحة أمي، بالأفضل لها. قال بأن أمي تريد لي الأفضل. إنه لا يستطيع أن يتجاوز هذه النقطة، نقطة الأولويات. إنه يحسب الأمور بطريقة مختلفة عني، ولكن مع ذلك، يتنازل لنصل إلى حل وسط يقنع الجميع، بحيث أحصل على المستقبل الأفضل بإذن الله وأعمل معهم، ولا أتعطل عن أمور والدتي. كان صادقاً ومتحمساً، لقد تأثرت باهتمامه كثيراً، أعتقد بأن حظي من المدراء جيد عموماً، مررت بأربعة مدراء، اثنين جيدين، أبو عمر وهذا، واثنين سيئين. ولكن مع ذلك، لا زال لا يفهم تعقيد الأمر. لقد جعل الأمر مغرٍ بالنسبة لي للبقاء طالما أدرك أن لأمي الأولوية لدي وإن لم يقتنع كلياً بالحاجة، ولكن كنت قد اتخذت خياراً أنانياً حينما خرجت من الجامعة إلى هنا، لا أريد أن أكرر نفس الغلطة، لا أريد أن لا أفكر بغير نفسي. طلب بأن يكلم أمي بالهاتف، وقال بأنه يود السلام عليها، ومحادثتها بشأني. أسقط في يدي الآن. يجب أن أتدبر أموري جيداً. لعلي أجعل أمي تحادثه، ولكن، لا أريده أن يشعرها بالذنب إذا ما شرحت له الأفضل لها، وبالمقابل، أريد له أن يحادثها ليقتنع بصدق موقفي. أود لو نقلت الوزارة إلى جوار المستشفى طالما يودون التعاون معي إلى هذا الحد ويريدونني معهم كثيراً، أكثر مما تصورت بكثير، ولكن ما باليد حيلة. حينما انتهت محادثتنا اعاد اقتراح مهاتفة والدتي، ليقنعها، لم يفهمني بشكل صحيح. لست أدري سبب هذا الإصرار على بقائي، فالكل يريد أن يعمل بالوزارة، من السهل الحصول على موظفين، والجامعة المزحومة بالموظفين تمد الوزارة بهم باستمرار. هل هو شعور بالذنب لسؤالي عن استئذاناتي؟ لا أدري. لم أتوقع هذا الإصرار، فمن ناحية المنطق، لم أمكث لديهم طويلاً من الأساس، أنا في هذا القسم أكملت الثلاثة أشهر فقط.

كان الغريب هو اتصال مديري السابق في الجامعة لاحقاً من نفس اليوم. يسأل عني، وما جرى في أمري، ولماذا لم اتواصل معهم منذ فترة؟ أخبرته بالقصة بشكل مختصر، وعن الاغراءات هنا، ولكني أخبرته بأني أود العودة رغم كل شيء. بدى غير مقتنع بشكل ما. شعرت بالأسف لتأخيري عن التواصل معه، ولكن لم يستجد أمر حقيقي، وكنت أتخيل بأن الأمر قد يتم بسرعة منذ الاسبوع الفائت لأذهب إليه وأخبره بالأمر.


سأعود إن شاء الله يا أبو عمر، انتظر فقط.





كنت في السابق أبني قراراتي، التي كانت كلها صغيرة ومحدودة، بناء على محاور وأهداف محددة تخصني، إذ لم يكن من الممكن أن تؤثر قراراتي على أحد آخر، خصوصاً والدتي، كانت دائما محور لا خوف على مصلحته، ولكن الآن، لم يعد لدي محاور أخرى، يفترض أني أعوم، لا شيء أتطلع إليه فعلاً، ولا شيء يختلف معي فعلاً. باستثناء الثوابت، أمي، لا شيء لدي.



مديري الدكتور يقول أنه أرسل رفضه إلى شئون الموظفين، هل يمزح؟؟ يا رب استر.




إن حياتي الكسيحة إلى حد بعيد تعيش على الذكريات، تارة أستحضر الذكريات، خصوصاً العزيزة، وهذه الذكريات العزيزة حزينة مع ذلك، ولكنها كل ما يهم، وتارة تداهمني الذكريات من تلقاء نفسها. تستمد هذه الذكريات الحزينة معزتها من الأطراف الأخرى فيها، كل ما جمعني معهم أحزنني، ولكن انتصرت معزتهم ومحبتهم علي دائماً، وقلبت قوانيني بالنسبة لهم رغماً عني، فليست معاملتهم كالغير. إن بعض الأصدقاء الذين أفترق عنهم لسبب وجيه وغير قابل للحل لا يكسرون القانون، إنهم فقط يذهبون، يغادرون حياتي، ولكن يختلف الحال فيما أذكره أعلاه، حيث تحطم القوانين، وتعيش الذكريات الحزينة العزيزة الحياة، ويسهم النظر بعيداً، تارة تصحبه ابتسامة، تارة يصحبه اسوداد، تارة يصحبه ندم... بيد أني مؤخراً اختلف الحال معي، لم تخف مداهمة الذكريات، ولم يقل استدعائي لها، ولكن، إن لم يصحب الأمر ابتسامة، صحبه بعض الندم، ولكن بهدوء، فقد أدركت أخيراً أن لا حيلة، فلا لزوم للاسوداد. صار الأمر ذكريات بعيدة عزيزة، لم يعد طابعها الحزين هو كل ما في الأمر، إذ صار الأمر أهون، بدلاً من تجرع الحزن وقت اجترارها، أو مواجهتها، صرت أستدعيها بالغناء، والبسمات أحياناً، وبالصمت أحياناً وتقليب الأمر، "لقد اقتربت إلى هذا الحد على الأقل، كنت صادقاً ومثابراً ومخلصاً بالتأكيد، ولكني أخطأت"، قذفتني بعد الاقتراب موجة أودت بي إلى أقصى البعيد، حيث لا أمل بتصحيح الأمور، ولكن ماذا بوسع المرء أن يفعل. ماذا بوسعه أن يفعل. يتجرع الغصة بين الحين والآخر، غصة الاختزاء والمهانة، ولكنه يواصل العيش، ويدرك أن الأمر لم يكن قراره، وأن الأمر لم يكن مقدراً من الأساس، وكانت فرصة وولت.





لدي ابن أخت تكلمت عنه سابقاً، اسمه محمد، وشعره ملفلف جميل. عمره سنتين ونصف تقريباً، وهو يحبني إلى حد الخبل. غالباً ما يميل إلى احتضاني والتمسح بي وحولي كقط، كم أحبه. جاء الخميس الفائت في الصباح، وكنت لتوي نزلت من غرفتي، واحتضنني وجعلني أقبله، ثم جلس كعادته في حجري، وأمسك بيدي وأحاط بهما نفسه، وجعل يعبث بيدي ويقلبها كما اعتاد، وأنا ساهم أفكر، كنت محزوناً. شعرت فجئة بلعقة صغيرة على يدي، ولمحت لسانه الصغير قبل أن يدخل بسرعة إلى فمه، لقد لعق يدي!! لم يفعلها من قبل، ولا أدري ما الدافع، ولكني ضحكت من قلبي. ابن اختي الآخر من نفس عمره تقريباً، اسمه محمد أيضاً ولكن شعره مسترسل. استيقظت ذات مرة في غرفتي وأنا أشعر بشيء غريب ضاغط على فمي، كان قد وضع خده لأقبله وأنا نائم، هل يمكن للمرء أن يستيقظ على شيء أحلى؟.




قبل أن يخرج مديري أمس استوقفته، وسألته إن كان بالفعل قد أرسل أوراقي؟ قال بأننا سنتفاهم بالأمر يوم السبت... لقد تأخرت كثيراً. لم يرسلها على ما يبدو. كان يود التفاهم. ذهبت مع أمي اليوم إلى المستشفى الجامعي، وبما أن الأمر ليس موعد ولكن سحب دم، لم أدخلها معها، فهو مكان نسائي. استغليت الفرصة وزرت مكاني القديم في العمل، مديري وزملائي، الذين على ما يبدو بعضهم لأول مرة يروني بلا غترة، سمعت تعليقات مضحكة، ربما لا يدرون أني أتمنى أن أداوم هكذا.




الدكتور الآخر يأتي بالأفكار ولا يساهم في تنفيذها، ناهيك عن أني لا أجدها أفكار مجدية. أعتقد أنه بطبيعته مزعج للأسف.





سعد الحوشان

الثلاثاء، 19 مايو، 2009

حياة إجرائية (أحداث، أفكار)



بسم الله الرحمن الرحيم


كثيراً ما يصرح الناس بأنهم عند نقطة معينة أعادوا النظر في حياتهم، وهذه النقاط تختلف في تباعدها من شخص إلى آخر. البعض تكون لديهم متباعدة ومحدودة العدد، ولهذا يسمونها إذا ما تمخضت عن تغيير كبير في التفكير أو نمط الحياة بالنقاط الانقلابية، وغالباً ما يتسم أصحاب هذه النوعية من نقاط إعادة النظر بالحياة اللاهية واللا مبالاة المستمرة، أو الجمود، أو افتقاد الحس والتفكر، أو ربما فقط الرضا، رغم شكي. يوجد آخرين، إعادة النظر لديهم إما على نقاط متقاربة جداً أو لا تتنتظر نقطة محددة، أو موقف خاص واستثنائي، إن إعادة النظر أمر إجرائي يتخلل حياتهم بانتظام. قد يظن المرء للوهلة الأولى أن هؤلاء أذكياء أو حكماء بالضرورة، ورغم أن هذا محتمل، إلا أني أعتقد أنهم معرضون للخطر في حال وعيهم بإعادة النظر المستمرة هذه، خطر أن تصبح حياتهم كلها، مستمرة، إعادة نظر.

أنا لم أكن حكيماً أو ذكياً، كما لم أكن لاهياً وغافلاً، ولكني كنت ممن يعيدون التقييم باستمرار، وبالتدريج، اكتشفت مؤخراً أن حياتي عبارة عن إعادة تقييم مستمرة، عن مراقبة للحياة.


كنت أحادث أخي الذي تخرج من نفس كليتي أمس، كنا نتحدث عنها كالعادة، وعن تطوراتها وما يجب أن تكون عليه. تكلمنا كذلك عن الذين درسونها هناك، والذين أداروها. تذكر يوم تسجيلي في الكلية، وتحويلي من الاداب التي وضعت فيها قسراً رغم أن نسبتي ودرجاتي كانت أكثر من كافية للدراسة في اللغات. هو يعتبر لسبب ما أن دكتور معين هو من ساعدنا، رغم أني أعتقد بأنها واسطة أخي الذي يعمل دكتوراً في الجامعة في كلية أخرى. يقول أخي أمس بأن فلان، هذاك الدكتور، هو من قرر التوسط و "فزع" لنا، أما وساطة أخي فكانت ضعيفة. أعلم بأنه لولا الله ثم وساطة أخي لما تحرك الموضوع أساساً، ولكني ذهلت من وجهة نظر أخي هذا، كنت دائما أعتقد بأن ذلك اليوم الذي قابلت فيه الدكتور الذي يفترض أنه فزع لنا هو اليوم الذي كرهت فيه الكلية لعدة سنوات. كان نفس الموقف، ولكن بفهمين مختلفين.


انتقلت الكلية إلى مبنى جديد، كانوا يتحدثون عنه منذ أن كنت طالباً، منذ الأزل. كنت قد تساءلت في مدونتي القديمة، هل سأصلي في المبنى الجديدة باعتبار اللغات انتقلت إليه أم في القديم؟ الآن لا فرصة لدي في الصلاة لا هنا ولا هناك طالما انتقلت، ولكني أعلم بأني سأصلي في المبنى القديم لو عدت إن شاء الله، فماذا يعني الجديد بالنهاية، الذكريات لا تتعلق بي وحدي، إني أتذكر الناس هناك، والمواقف هناك، وهذه أمور لن تنتقل بطبيعة الحال، إنها تربطني معها وتبقيني هناك.





أشتاق للجامعة حقاً، لكل شيء فيها. ما لاحظته أن هناك يوجد أحداث تجري، وهنا لا شيء يحدث، وكأنما خرجت من الرياض إلى مدينة صغيرة. كل أنواع الأحداث كانت تجري هناك، احداث جيدة، أحداث غريبة، أحداث سخيفة، ولكنه أمر يبقيك حياً. هناك بإمكانك أن تتخذ مواقف حقيقية، يبدو لي هناك أني أكثر من مجرد مكينة عمل. يمكنك مثلاُ أن تساعد الناس بوضوح، أن تسير معهم بحاجاتهم، ويمكنك أن توعي الآخرين، أو تتعلم منهم. تعرفت هناك على العديد من الناس، وفي السنة الأخيرة زاد عدد الناس بشكل غير عادي، في خطة لتنمية الجامعة بشكل غير مدروس. استفاد العديد من الدكاترة من عملهم كمستشارين أو تفريغهم من محاضراتهم، وانفتح لهم منجم ذهب، بينما زادت الضغوط على الموظفين، وزاد تجاهلهم. عرفت هناك دكتور كما تتوقع من دكتور سعودي، غريب أطوار، وقد يكون مهزوزاً بشكل ما. كان ضخم البنية، فارع الطول، حينما رأيته لأول مرة حسبته شخص آخر أعرفه فأصبت بالذهول، ولكن نظرتي الذاهلة تلك، ربما حتى المرعوبة، جعلته يتعجب على ما أعتقد ذلك اليوم. في البداية كان ودوداً، وحينما عرف بأني مترجم وأطلع على لغتي، أبدا اهتمامه، حسب زملائي في تلك اللحظة بأنه سيأخذني إلى الأعلى، القسم الذي يعمل فيه، وفرحوا لي وترقبوا، حيث يتصورون بأن المحظوظين يعملون هناك، ولكني لم أحسب هذا، ولم أعتقد بأنه يود نفعي. بعد فترة كف عن السلام، وصار يتصدد بعدما كان يبحث عن مصافحتي، ويشكر جهودي بحماس وبخفة دم، جهودي التي تؤثر على اعمالهم في الأعلى. جعلني الأمر أتساءل، ما الخطأ الذي قمت به؟ فحتى أنه لم يكن يعطيني فرصة لأسأله عن حاله أو أتحدث حينما كان يسلم علي لأظن بأني أخطأت. صرت بعد ذلك أتجاهله بالمثل، واعتبرته مجرد غريب أطوار، متقلب. بعد فترة، عاد يريد أن يسلم، علماً بأن صدوده المتعمد كان مفاجئاً، ومحرجاً بصدق. كنت قد قررت أن أبتعد عن هذه النوعية المتقلبة من الناس، ولهذا، لم أعره اهتماماً حينما عاد للسلام، فقط أصافحه وأرد الكلمة بمثلها دون أن أبتسم. أعتقد بأنه ندم على موقفه الغريب، حيث عاد أكثر إصرار على التواصل رغم عدم المعرفة، ولكن حدث موقف فهم منه موقفي منه، ذلك أنه حينما جاء إلى مكتبنا أنا وزملائي، حيث له أعمال مع بعضهم، جلس في انتظار زميلي، واختار أن يجلس بقربي. كان الزميل الآخر يكلمه قبل قليل، وقد فرغا من الكلام، حينما جلس، أمال رأسه قليلاً تجاهي وسأل بهدوء: كيف الحال؟ ولكن زميلي البعيد، وهو رجل كبير، التقط السؤال وأجاب عليه بإجابة طويلة وصاخبة، بان الضيق على وجه الدكتور رغم أنه تفاعل بأدب مع زميلي، ولكني في تلك اللحظات كنت أجمع أغراضي وأغادر على عجل لانتهاء الدوام، دون أن أقول كلمة. كف بعد ذلك عن السلام والسؤال، ولكنه صار يرمقني بنظرات مريرة، طوال الوقت. أعتقد بأن الأمر بالنسبة له صار خليطاً من الندم والشعور بأنه فهم متأخراً. حيث أن الدكاترة السعوديون دائما ما ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم صفوة، أعلى من الآخرين على المستوى العقلي، فلا يخالطونهم بصدق، ولكن حينما يثير أحدهم ممن ليس من فئتهم الاهتمام، يتخيلون بأنهم يسدونه معروفاً حينما يعطونه الاهتمام والانتباه، رغم رغبتهم بهذا. لم أعامله بسوء، أو أكشر بوجهه كما قد أفعل مع آخرين، لأني كنت بشكل ما أعطف عليه، رغم أني أتصرف وكأنه غير موجود. آخر ما أتذكره هو نظرته المحرورة إلي وأنا أعمل في المكتب واقفاً، أترجم بين اثنين. وحينما أردت الخروج من المكتب تظاهر بأنه لم يرني وسد الطريق بجسده الضخم أمامي وانتظر، لأطلب منه الابتعاد على ما يبدو، ولكني نفذت من فرجة صغيرة دون أن أمسه، أو أطلب منه أن يعطيني الطريق وأنا ألاحظ جموده وصمته الغريب في المكان الأغرب، وألمح نظرته الجانبية إلي. تساءلت لاحقاً، ما الذي يضرني لو أعطيته الانتباه الذي يريده، أن أشعره بأني أعلم بأنه موجود؟ ولكن بالمقابل، كان هناك فرضية أنه قد يجيب بجلافة أو ينتقم لنفسه، فأنا لم أعرفه بالقدر الكافي. ولكن صدقاً، رغم غرابة أطواره إلا أنه كان يبدو خلوقاً ومستقيماً، عكس زميله شديد الودية مع الكل، ولكن غير المريح.




كم أنا جائع. لم أتناول وجبه حقيقية منذ الخميس، واليوم السبت.





أنا متعب نفسياً هذه الأيام. متعب جداً. لماذا؟ لأني لا اتعلم. يوجد شخص منذ أن عرفته وهو لا يقيم للمعروف وزناً. ومع ذلك، أظل أخدمه في أموره ولا أرد طلباته، ودائما يفاجئني بتنكره لكل شيء، ثم بعد فترة يعود وكأن شيء لم يكن وأتسامح معه، وأساعده واعاونه، ثم يعود إلى تنكره. تألمت كثيراً لتنكره الأخير، لشتائمه التي أرسلها لي عبر الجوال لأني رفضت أن أذهب بدلاً عنه لأحضر له غرض ما من مكان قريب، لأني كنت سأذهب لأفعل شيء أهم. تألمت لقلة حيلتي، وغبائي. لست أرغب الرد عليه بالمثل، لأن هذا لن يجدي، ولكن لا شيء يجدي معه أبداً.
أنا لا أتعلم أبداً.



جاءت اليوم ورقة طلب النقل، دون أن أدري. أدخلها مدير المكتب إلى الدكتور دون أن يبلغني، وكانت خطتي مع السكرتير هي أن ادخل على الدكتور قبل أن تدخل الورقة، ولكنه لم يحضر اليوم. لم يكن يعلم مدير المكتب، وهو رجل طيب وودود، متعاون جداً. جاء إلي يسألني عن سبب انتقالي، وقال بأنه متفاجئ. أنا فوجئت بما جرا بالواقع. كنت أفكر في بداية اليوم بأنه ربما علي أن أنتظر لفترة طويلة جداً، حتى تصل الورقة. ولكن يا عالِم، قد أنتظر لفترة أطول بعد وصول الورقة الآن. أحيلت الورقة إلى الدكتور الذي أعمل معه. يجب أن أكلمه غداً، الله يوفق.



تكلمت في وقت سابق عن زميلي الأبكم الأصم الطيب. الأسبوع قبل الفائت، جلس على كمبيوتري بينما خرجت أنا. حينما عدت قابلته يخرج من مكتبي، ورمقني بنظرة غريبة، ولم يمزح كالعادة. حينما جلست عند المكبيوتر، وجدته قد نسي أن يغلق ملفات الانترنت. كان يحاول أن يرى ما أفعل على الانترنت، ما أزور وما أشاهد. بدا لي هذا ضرب من التجسس. استغربت كثيراً، وشعرت بنوع من خيبة الظن. ماذا يتوقع أن يشاهد؟ أنا إنسان مستقيم بفضل الله. لم أره بعدها طوال الأسبوع الفائت، وهو شيء لم يحدث من قبل. ظننت بأنه ربما خجل مما جرى، يبدو أنه مدرك لنسيانه إغلاق الملف. اليوم جاء إلى المكتب، وكنت أنوي منذ الحادثة أن أسأله بهدوء لماذا فعل ما فعل؟ ولكني وجدت نفسي أتخاذل عن الأمر، ما الفائدة؟ إن كتب الله خيراً، فسأمضي قريباً من هنا. كان قد جاء ليسألني إن كنت سأنتقل؟ أخبرته بأني أحاول، وأني أنتظر الموافقة. هذا ما أحضره على ما يبدو. نصحني بأن الوزارة أفضل فشرحت له ظروفي، التي باتت واضحة للجميع مؤخراً لكثرة استئذاني من العمل. ثم سألني لماذا لم أحلق لحيتي منذ مدة؟ وبالفعل، لم احلقها منذ قبل موعد طبيب الجلدية بزمن طويل. أوضحت له بأني لا أشعر بأني على ما يرام.


لا أدري لماذا دخل على ملفات جهازي، وأشعر بأنه يعلم عن مدونتي إذا كان قد بحث جيداً، وربما يقرأ ما أكتب. إن كنت تقرأ، فلست بغاضب منك، لقد كنت طيباً معي، ولكن ما كان يجب أن تطلع على شئون الآخرين.


منذ فترة جيدة وأنا أشعر بأني على شفا تراجع وضيق، يبدو أن موقفي مع ناكر المعروف هو القشة.



اليوم هو الثلاثاء. ورقة الاذن بنقلي أحالها رئيس إدارتنا إلى الدكتور الذي أعمل معه ليبت بالأمر منذ يوم الأحد. بدا الأمر أسهل هكذا. فهذا لا أخجل منه كثيراً. أعطيته الورقة أمس الاثنين، بما أني أقوم مقام السكرتير له. وعكس ما توقعت، فوجئ بالأمر. كنت أظن الدكتور المشرف أخبره بالأمر. تساءل لماذا أريد أن أذهب؟ أخبرته عن ظروفي، لم يبدو عليه الإقتناع أبداً، بل على النقيض. وبدا لي أنه توتر. تحدث عن المستقبل الجيد هنا، وأن الجميع يحاولون الانتقال من الجامعة إلى هنا بينما أنا أريد العودة؟ وهو صادق في هذا، ولكن المسألة لا تتعلق بالمهنية والمستقبل المهني، إن الأمر أهم وأبعد من هذا، أبعد من دائرة الذات. قال إن كانت حاجتي للمستشفى بحيث أنه يهمني أن أكون موظفاً بالجامعة فإنهم يستطيعون من هنا تدبر أموري هناك، قاصداً بأنه عضو هيئة تدريس في الجامعة، بالإضافة إلى واقع أنه ذو مكانة كبيرة هناك. شرحت بأن الأمر لا يتعلق بهذا، القرب مهم أيضاَ جداً. رد بأن بعدنا عن المستشفى ربع ساعة. ليس حقيقة طبعاً، لسنا بعيدون جداً، أو بالواقع يوجد درب مختصر إلى الجامعة على نحو مؤثر جداً في موضوع الوقت، ولكن المسافة تظل بعيدة، كما أن القرب من أجل التردد على المستشفى يصبح أحياناً ملحاً وضرورياً جداً. شرحت له أن الأمر يتعلق بقرب المستشفى من المنزل أيضاً. لم يعر كلامي اهتماماً، ولكنه قال بأنهم هنا سيصبحون أكثر تقديراً لظروفي من الجامعة، وسيصبحون لي أفضل من الجامعة، وأنه يقدر بأن المرء إذا كانت لديه ظروف فالشكوى لله، فهذا لا يمنع أنهم يريدونه هنا في العمل. ثم أعقب بأنه حينما يسأل عن كثرة استئذاني مؤخراً فإنه لا يعني بأنه متضايق من هذا، كان مجرد سؤال فقط. وقد ذكرت أنا هذا السؤال في تدوينتي السابقة أو التي قبلها. فوجئت بربطه، وعزيت توتره إلى هذا على الأغلب. أخبرته بأن الأمر لا علاقة له بسؤاله إطلاقاً، الأمر يجري منذ مدة طويلة الآن. قال بأنهم سيعطونني مميزات ومرونة كبيرة في الحضور والانصراف، وأن أنسى هؤلاء في الجامعة فلن يكونوا أفضلهم منهم لي. وأضاف بأنه ينصحني نصيحة أخوية بأن أبقى من أجل مستقبلي. لم يبدو أنه يحمل ظروفي محمل الجد، إنه يعتقد بأن لها أولوية ثانية. طلب مني أن أفكر، وأن أخبره لاحقاً برأيي. خرجت، من عنده، وعملت كالعادة في جوار مكتبه، بدا لي أنه ليس ككل يوم، ومع أني عودته كل يوم أن آتي بعد الظهر لأسأله إن كان يريد ماء، حيث أذهب لجلب الماء لنفسي ومن يريد من زملاء المكتب في هذا الوقت من اليوم كل يوم، إلا أنه يبدو أني لم أذهب في اليومين الاخيرين فلم أسأل، ناداني، وقال بلهجة غير معتادة منه أبداً، بلهجة أراد بها على ما يبدو بعض القسوة: جب لي ماء... أحضرت له الماء، لست أغضب منه، إنه كبير بالسن، وكان طيباً معي جداً، ومتحملاً لأخطائي، واليوم كان يريد مصلحتي بوضوح، ربما تصرف هكذا لأنه حسب بأني صرت أتجاهله بعدما عودته؟ بأني لما فكرت بالانتقال لم أعد أهتم به؟ أو فقط لأنه توتر؟ لاحقاً في نفس اليوم، سألته عن الاسم الأول لدكتور نريد أن نتواصل معه، قلت: اسمه عبدالعزيز الفلان؟ قال: ايه. ثم أعقب: الدكتور! كأنه يؤكد على أهمية هذا. بالتأكيد سأسمي هذا العبدالعزيز بالدكتور كما يحب، ولكن هل كان التذكير ضروري؟ هذا التذكير اللاهي، اللامبالي، الطبيعي، هو ما أشعرني بأني لست في مكاني الطبيعي في كل الأحوال، هل تفهمونني؟ هذا التفريق البغيض، لا تنسى بأنه دكتور، إن إسمه الأول لا يكفي، إنه أكثر ممن ينادون بإسمهم الأول، نحن أكثر. الدكتور الآخر، الذي لا أشعر تجاهه بنفس الارتياح، اكتشف بنفسه موضوع خروجي، ورغم تفهمه لظروفي أكثر من الدكتور الأول، إلا أن أسباب رغبته في بقائي كانت أنانية، إنه يريدني لأني أعمل من أجله الكثير، لأنه سيتورط بأعماله حينما أخرج، كان صريحاً بما يكفي. ولكن من الجيد أنه تفهم ظروفي جيداً، وهذا شيء قدرته فيه جداً. بعد مشورة مدير المكتب الطيب، قررت أن آخذ برأيه وأخبر الدكتور الذي أعمله معه في اليوم التالي برأيي، بحيث أبدو وكأني قد فكرت، رغم أن المجال لا يحتمل التفكير. واليوم التالي هو اليوم. واليوم، استوقفته قبل أن يخرج ومعه ضيف أجنبي، وأخبرته بأني أود أن أحدثه ولكني لن أعطله عن ضيفه. حينما علم بما أريد أن أحدثه عنه قال بأنه أخبرني بأن أنسى الأمر وأن لا أفكر فيه، فقط لا أفكر فيه، قال هذا مبتسماً، بضحكة صغيرة، وخرج. كان يظهر الود، ولكن، يجب أن أخبره في وقت أوسع غداً إن شاء الله بما أريد.



لم تعمل سيارتي صباح اليوم، من الواضح أن بطاريتها انتهت. طلبت من والدي إيصالي إلى طريق الملك فهد في طرف حينا، واستقليت سيارة أجرة. كان يقودها شيخ باكستاني، طاعن بالسن. يلقي القصائد بلغته، ويلحن أحياناً ذكر الله. طلب بابتسامة زيادة 5 ريالات حينما وصلنا، قائلاً بأنه لم يعلم بأن الطريق مزدحماً. هذا موقف يتخذه العديد منهم، ولكن بما أنه كان إنسان مريح، وافقت. لو لم أوافق، لما اختلف شيء. في العودة، كان سائق سيارة الأجرة رجل كبير بالسن، ولكن هندي. حينما وصلنا إلى حينا، طلبت منه أن يتوقف في بداية الشارع الذي يقع عليه منزلنا. نهايته مسدودة حالياً، ويعملون على سفلتته، وكنت راغباً في المشي قليلاً. سأل باهتمام ين يقع بيتي؟ أخبرته بأنه في نهاية هذا الشارع، تحرك مباشرة داخلاً الشارع، وهو يخبرني بأن السيارة هي ما سيمشي، وهو لن يغضب إن أوصلني، فلا يجب أن أمشي تحت الشمس وبهذا الحر. أريته سيارتي وأخبرته بأنها معطلة اليوم، سأل لماذا؟ فهي جديدة. أخبرته بأنها البطارية. أعلمني بأن هذه يجب أن تغير. شكرته وأعطيته المال وذهبت. كان يوم مختلف بعمومه، سبقته نومة طويلة جداً. وفي العمل، واجهت موقف الدكتور من انتقالي، ورفض الدكتور الآخر إعطائي الفرصة لأعمل بعض الأمور للدكتور الذي أعمل تحت إدارته أساساً(!!) وقمت بإعادة تطويع ترجمة أنهيتها أمس وفقاً لما يريد المشرف، وغياب زميل ومكالمته لأن والده مريض.




كل هذا لا يهم، ولكن، هذا كل ما هنالك.


سعد الحوشان

الخميس، 14 مايو، 2009

حلقة مفرغة تترهل(أفكار،أحداث)

بسم الله الرحمن الرحيم




قد تحسب أمورك أحياناً على ما يرام لفترة طويلة، حتى تكتشف فجئة أن الأمور سيئة تحت ناظريك منذ الأزل.

"تعرف؟..."
"ماذا؟"
"لم تكن الأمور لتنتهي على ما انتهت عليه، لو لم تسيء الفهم دائماً."
"أعرف..."
"إنك محظوظ إذاً"
"لا. ليس من البداية"
"العبرة بالخواتيم."
"ربما"
"لا زلت غير مقتنعاً؟"
"لا أدري، هل كان الأمر يستحق العناء؟"

هل سيستحق الأمر العناء، كيفما انتهى؟...

أياً كان الأمر؟

ماذا لو كان الأمر، هو حياتك برمتها، أو، مجرد نزوة. سيان، العبرة بالمعنى، ماذا تعني حياتك برمتها، وماذا قد تعني مجرد نزوة.




ذهبت اليوم إلى موعدي لدى طبيب الجلدية، الذي لطالما انتظرته. هو في المستشفى الجامعي، وعليه، يمكنكم تخيل كم انتظرت. كنت أرغب في الحجز في البداية لدى معالج أمي، د.الغامدي. رجل طيب، ومتمكن، في كل الأوجه، سواء في مهنته وحرفيته، أو في تعامله. لا يمكنك سوا أن تحبه، خصوصاً حينما ترى تقديره لأمك، وصبره على توترها في المستشفى، في حين قد لا تجد من الأطباء الحقيرين الآخرين سوا البرود، وأحياناً الإهانة أو ما يشبهها. ولكن لم يسمح لي بالحجز لديه، لأنه أخصائي ليزر أو شيء من هذا القبيل، هكذا قالوا لي، وافقت مضطراً للحجز لدى غيره، فحجزوا لي لدى آخر، غير عادي، ولكن بطريقة أخرى. لم يكن الرجل سيء، ولكن، لدي حساسية خاصة تجاه الأطباء السعوديين ومفاجئاتهم السخيفة. بالبداية، كلمتني تلميذته، وهي شابة مجتهدة على ما يبدو، ليست باردة، وهذا شيء نادر وممتاز بالنسبة لطلاب وطالبات الطب السخفاء على وجه العموم. ولكن، يعيبها كما يعيب كل العرب التحدث معاً بالانجليزية بخصوص المريض، وكل العاملين في المجال الطبي خصوصاً هكذا، متكلمين أحياناً بما لا يرضى المريض، أو ما حتى ما لا يرضى أن يفوته وهو أحق به منهم، وهم لا يفكرون بأن العديد من الناس يتحدثون هذه اللغة، وكأنها حصر عليهم. المهم أن الدكتور دخل، وهو طبيب سعودي شاب، ملتزم بلحية طويلة، ونظرة مغرورة باردة. سأل باختصار عن حالتي، ولوى رقبتي لأعلى لينظر إلى وجهي إلى حد آلمني، مستمعاً إلى ملاحظات تلميذته، التي تحسبني لا أفهم ما تقول، من الجيد أن مهن الناس لا تكتب على جباههم، حيث لفتّ انتباهها إلى غلطة بخصوصي. ثم استأذن ليرى مرضى آخرين، وخرج، وأنا جالس مع الممرضة، التي يفزعها جوالي كل دقيقه حينما أضغط أزراره (سامسونج إزعاج، ولكن ممتع). دخل كثيراً وخرج وهو يعتذر عن تأخيري، وأنا أقول: خذ وقتك. كنت أتأمل النافذه، الهواء القوي وهو يعبث بشجرة طويلة، المنظر البعيد، البعيد جداً، لمنزل مقابل للجامعة الضخمة، وأنا أفكر بساكنيه، وأنسج قصة تدور بالغرفة التي أنا فيها، والخارج، وأخرج الورق وأكتب ملاحظات... أخيراً جاء، وجلس أمامي وتكلمنا عن حالتي، وأعطيته ماضيها الذي يعود إلى ثلاث سنوات، أو أكثر قليلاً، وثلاثة أطباء ممتازون اطلعوا عليها، وأعطوني أدوية واقترحوا حلولاً. نظر الرجل، وأخرج عدسة متطورة في قطعة بلاستيكية، وتطلع إلى شنبي، وقال بأنه لا يرى مشكلة. قلت بأن الأطباء الآخرين رأوا المشكلة واقترحوا حلولاً، قال مبتسماً، وهو متضايق بوضوح: "أنا المتخصص، وأنا الأعرف بمجالي..." يعني كل الأطباء اللي رحت لهم أطباء دجاج؟! نظرت إليه صامتاً، وربما فضح وجهي بعض ازدرائي، حيث بدا انه انتبه لما قال، خصوصاً بحضور تلميذتين، فسارع لتغيير الموضوع، حيث بدا مغروراً ولا مجال لمحي الانطباع. بعد تعليقه السخيف، أصبح أكثر اهتماماً بحالتي، وهذه طبيعة الناس حينما يشعرون بالإحراج، حينما يحسبون أنفسهم بصمت الأفضل بالعالم، فتنفضح هذه الفكرة غير المنطقية. تكلم معي كثيراً بخصوص حالتي، وقال بأني ربما أنا المتسبب!! يا لسخافته. طلب مني أن أترك شعر وجهي لأسبوعين وآتيه لأعطيه إنطباعاتي، موحياً بأنه يثق بما يقول تماماً، رغم من سبقه من أطباء. طلب من الممرضة إحضار كاميرته الخاصة، وأحضرت حقيبة كبيرة، أخرج منها كاميرا ثمينة، ليصور شنبي ويريني وجهة نظره. هذا الاهتمام جيد، ولكني لم أستطع التخلص من الشعور بأنه يحب أن يري الناس كاميرته الجيدة لأنه سعيد بها، ولكن هذا لا يعدو سوء ظن مبالغ فيه فيما أحسب. سألته عن جانب آخر من الحالة، وهو شيء لا يبدو أنه لديه وجهة نظر حقيقية بخصوصة، وعاد مرة أخرى إلى القول بأني قد أكون المتسبب. أخبرته بأني لا ألمس شواربي. تكلم طويلاً، أكثر مما توقعت أن تأخذ حالتي، وشعرت بأنه يمنحني اهتمام غير مخطط له، بدافع تحسين نظرته لنفسه ربما. وقفنا، ففطن من تلقاء ذاته إلى شكواي الأخرى، حواجبي، مع أنه حسبها رموشي بالبداية. أخرج كاميرته مرة أخرى، وصور حواجبي وأراني إياها، بدت عيناي الناظرتان إلى أسفل مضحكتان، وقال: شف، ما أشوف الا تماثل جميل. أعلم بأن حواجبي متماثلة، ولكن هناك مشكلة، حتى لو كانت صغيرة أو خفيفة، ليست بالتماثل أو الشكل، ولكن بسبب فطريات أخبرني عنها طبيب آخر، يبدو أنها قد زالت الآن، ولكني أشعر بأن هناك علة بمكان معين من الحاجب. أريته جرح لم يزل منذ فترة طويلة أسفل ساقي، وصدقاً، سمعت عن جروح تتسرطن. ولكنه قال بأنه ملتهب، ويوجد فيه اكزيما على الأغلب، وشد كمه عن ذراعه ليريني أثر جرح لديه لتوه بدأ يزول منذ سنوات. طال اللقاء أكثر مما توقعت، رغم أني لم أكن عنيداً أو مخالفاً. فكرت بالعودة إلى موضوع أنه أفضل طبيب، ولكن، لم أشأ إحراجه أمام تلاميذه، خصوصاً أنه أحرج نفسه مسبقاً، كنت سأقول بأن الأطباء الذين عاينوني ربما درسوه بمرحلة ما. لا يعني هذا بطبيعة الحال أنهم أفضل منه، ولكن حدة غرور الشباب يجب أن تكسر. خرجت وهو يريد أن يراني بعد اسبوعين، فمنحوني موعد في نهاية السنة، ولم أكن واثقاً على أي حال أني سأعود. أريد أن أرى الغامدي، سأصدقه لو تماثل كلامه مع زميله هذا، الذي يبدو أنه الوحيد في العيادة حالياً. الغامدي، ربما هو الأفضل بالعالم، لا يقول هذا، أنا أقوله. من تواضع لله رفعه، والتواضع فضيلة لا يجزئ عنها الالتزام. والغامدي ملتزم أيضاً من مظهره على فكرة. كنت أراه أحياناً حينما كنت أعمل في الجامعة حينما أركن سيارتي أو أخرجها، ورغم أني لا أحب السلام على الدكاترة السعوديين، أطباء أو دكاترة خرابيط، لأنهم دائما يفهمون السلام كمحاولة للاستفادة، إلا أني أحرص على السلام عليه، لا أعتقد أنه يفهم بأني أريد أن أستفيد منه. يرد بتواضع واهتمام، وبصوت مسموع، حتى لو كنت أنا بالسيارة. أتمنى لو كان واحد على الأقل من الدكاترة الذين أراهم مثله.




إني أحب هذا المستشفى رغم كل عيوبه وسخافاته، رغم منظر طلاب الطب الذين يبدو عليهم الغباء المطبق، وطالبات الطب بتبرجهن المثير للشفقة، أحبه رغم وجود الكثير من التلاعب، الكثير من التسيب، الكثير من الأكاذيب وعدم الكفائه، أحبه فهو مثل الجامعة في كل هذا، رغم ذلك، أحبها بلا شروط. هذا فضلاً عن تعالج أمي فيه، فأنا لست مثل الكثير من الذين سمعوا أحدهم يقول بابتذال في رواية، أو ما شابه: تفوح من المستشفى رائحة الموت. فرددوا جميعاً القول، متناسين الآلام التي زالت، والأطفال الذين ولدوا وبدأوا حياتهم. أنا لا أنسى أن أمي المتعبة قد شفيت بعد الله من الكثير من عللها هنا، وتحسنت أحوالها هنا. وكذلك والدي. لا، إني أعشق هذا المستشفى، وأحمد الله على وجوده مهما بلغت علله من مبلغ، ومهما غضبت من مساوئه حد الرغبة بالصياح. أحب حتى الأشجار التي حوله وآلفها. كنت أقول لأمي مازحاً بأنهم سيتدبرون لنا غرفة أو شقة دائمة وسط المستشفى لكثرة ما نداوم فيه، ولكن الذهاب إليه لا يسوءني، لأنه يجعل أمي أفضل بعد الله، وأنا واقعي في خصوصها.





مع ذلك، كم أكره بعض الأشكال فيه، كم لا أرتاح لأخصائي الجراحة الأحمق، غير الحساس، ذلك الدكتور البغيض المغرور، و أسنانه الأرنبية. لقد قال ذات مرة لأمي وأختي بأن يذهبوا لمستشفيات خاصة طالما لديهن المال. حقير. وكأنما يدفع من ماله. وما يدريه عن مقدرتنا؟ هل يتخيل بأننا نستطيع أن ندفع ثمن عملية واحدة بلا ديون؟ هو يعلم هذا، ولكنه لا يحس. ذهبت إليه مع أمي كثيراً، وفي آخر مرة أطال النظر إلي بقدر ما تجنبته، فأنا حتى لا أطيق النظر في وجهه وابتسامته غير المريحة. حاول مجاملتي لسبب ما، لا أدري لماذا سوء الحظ هذا. رأيته في الخارج في يوم آخر أمام مسجد المستشفى، نظر بتركيز وسلم كذلك على غير العادة، وعلى نحو انتقائي وغريب، رددت السلام، ليتني قلت: وعليكم السلام يا مكروه. أتذكر ضحكه الغبي حين دخولنا بتأثر على أمي وهي تحت التخدير، لتوها خضعت لعملية خطيرة. إنه لا يحس.




الآن، أشعر بالخوف مما قد اواجهه في مسيرة نقلي. لقد أخافني أحد الزملاء، واحد من اثنين يعلمون عن موضوعي، مما قد يحدث كسيناريو محتمل حسب خبرته. ومما جعلني أشعر بأمكانية الأمر القوية، هو أني لست على علاقة طيبة مع شئون الموظفين لدينا، حتى مديرهم، أعتقد بأنه يجدني غير مريح، كما أجده، رغم أن أسبابي وجيهة.



وفعلها محمد أخيراً، ابن اختي العزيز ذو الرأس الذي يشبه المنقا، وأكل من أدويتي على حين غرة. لم يداهم الغرفة كما يحاول دائما، إنما دخلها بهدوء مع حشد من الأطفال الأكبر، الذين سمحت لهم باللعب قليلاً بالوي، جهاز ألعاب الكتروني في حجرتي. وبقي بصمت يتجرع حبوب الفيتامينات البرتقالية الصغيرة حتى اكتشفه ابن أخي وأخبرني بسرعة، بينما أجلس خارج الغرفة. فجعت، وحاولت التأكد من أنه ابتلعها. أنكر، حيث خاف، وهو عمره سنتين ونصف أو يزيد قليلاً، حققت معه، ولما لم أستطع الوصول إلى نتيجة، فتحت فمه بيدي ووضعت أنفي بالداخل وشممت، عرفت بما لا يدع مجال للشك أن الكثير من الحبوب قد وجدت طريقها إلى جوفه، وقد مضغ بعضها بالتأكيد مما يمكنني قوله من خلال الرائحة. وكأنما الرائحة لا تكفي، وجدت إلى جانبه نصف حبه. نزلت مسرعاً أحمله على كتفي إلى أمه. حققت معه بدورها لتتأكد أكثر. ولكنها سألته: أكلت حبوب حبيبي؟ حلوه الحبوب؟ أجاب: أيه أكلت!! أجاب أخيراً بصراحة لأنه ظن أنه شيء مفضل بسبب لهجة أمه، فعمره أصغر من أن يفهم الخدعة. سألته أختي سؤال أكبر من عمره، كم أكلت؟ أجاب: واحد اسنين! وهو يشير بأصابع قصيرة وصغيرة جداً. اتصلنا بالصيدلي، ونصحنا بإذابة حبوب الفحم وإشرابه إياها، لأنها تمنع الامتصاص أو شيء من هذا القبيل. ذهبت واشتريت، وكانت من النوع السائل وليس الجاف، مما وسخ ثوبي الجديد، أشك أنه سينظف، فقد حاولوا مغاسل الرهدن ولم يستطيعوا. شرب من الماء شبه مرغم. وعادوا إلى المنزل وأنا قلق بشدة. في الفجر، اكتشفت بأن حبوب بنادول نايت، الحبوب المساعدة على النوم، قد اختفت منها كبسولتين، الجرعة المحددة للبالغين. كدت أجن، كيف استطاع أن يبتلع هذه أيضاً؟ فهي كبيرة حتى على الكبار. اتصلت بوالدته، وقالت بأنها لاحظت بأنه نام جيداً، وبسرعة! طلبت منها ايقاظه، استيقظ على ما يرام، وبمعنويات عالية! ولكنه رفض أن يستيقظ طويلاً. لا زلت أتابع حالته. حيث أن لونه تغير، ولون بوله بطبيعة الحال، ولكن يقال بأنه بدأ يعود تدريجياً إلى حاله. الله يستر. أتمنى لو عصرته أحياناً...



قبل قليل، أظهر الدكتور الذي أعمل معه تذمراً مؤدباً من مواعيدي التي تكاثرت مؤخراً. كيف شعرت حينما تذمر مبتسماً وهو يتساءل عن سبب كثرتها؟ شعرت بالسعادة!! فهذا سيساعدني في موضوع الانتقال. يا رب، خذني من هنا. شرحت له بأني غداً سأذهب إلى الأحوال المدنية للحصول على بطاقتي، وبعده لدى أمي موعد في المستشفى. هذه هي ظروفي، وهي ظروف واقعة، لا تتغير، وهكذا تسير حياتي. لا تلائم الكثيرين، ولكن، ماذا عساي أن أفعل؟.



يوجد دكتور آخر جديد هنا، ذكرني تواجده بقدري الغريب، الذي تحدثت عنه هنا في وقت سابق، حيث ألحق بالآخرين بلا خيار، رغم أني سأبتعد إن كتب الله بعودتي للجامعة. المهم أن هذا الدكتور كان عميداً في جهة بالجامعة، وقبل أن أنتقل من الجامعة قبل 5 أشهر تقريباً، كنت أعمل على الانتقال داخل الجامعة إلى قسم آخر. والقسم الآخر هو عمادة هذا الدكتور، كنت سأعمل في إدارته. ولكن شاء الله أن يظهر اسمي في وظائف الديوان، وأترك الجامعة وآتي للوزارة. مؤخراً، علمت أن هذا الدكتور انتهت فترة عمادته، وسيأتي للوزارة على شكل مستشار، موضة الجهات الحكومية الحالية. لم يلفت الامر انتباهي سوا قبل أيام. يا الله، كنت سأعمل لدى الرجل ولكني غادرت، والآن، هو لحق بي. بالواقع كنت أحمل همه قبل أن أنتقل حينما كنت أحسب بأني سأعمل لديه، ولكنه يبدو ودوداً نوعاً ما الآن رغم أني لم أتعامل معه كثيراً. كل ما هنالك هو السلام. ولكنه يسدد نظرات، عادة تكون غير مريحة من الغير، ولكنه يشعر المرء بصفاء نيته لسبب ما. ما الغريب في أمره؟ القصة هي، أن الشخص الذي خرج من الجامعة إلى الوزارة في زمن سابق، ثم قدري قادني حينما خرجت من الجامعة وألحقني قربه بشكل ما، ينتمي لنفس عائلة هذا الدكتور الجديد، فهم أقارب، من بعيد أو قريب. تراهات، أعلم ذلك.



أجد نفسي اليوم سائم على نحو غير عادي، لدرجة أن حتى الدكتور الذي أعمل معه كل يوم، وبالعادة لا أجد مشكلة تجاهه، أجدني اليوم لا أطيق النظر إليه أو سماع صوته، وأجد لساني يتدلى حينما لا ينظر. أعتقد أن سبب هذا المزاج المتعكر هو أشياء مجتمعه، لم أتمكن اليوم من استلام بطاقة الهوية، وكذلك، ورقة نقلي لم تصل اليوم رغم أن الوعد كان أمس، وفوق هذا، الموظف البشوش أمس تغير تعامله اليوم، لا عجب، فذاك اللئيم يجلس إلى جواره في شئون الموظفين، حسبي الله ونعم الوكيل.



ما أبطأ الوقت...



ذهبت البارحة لاستلام جهاز ابن اختي، وبما أني كنت في الروضة، منطقة شرق الرياض، قررت أن أمر ببعض المحلات الأخرى هناك. كان محل برناردي للملابس لا وجود له، ولا أعلم منذ متى اختفى. ليس أني كنت أريد أن أشتري ملابس، ولكن قلت لعلي أجد حذاء جيد. توقفت عند العبيكان، اشتريت كتابين لم أخطط لهما، وشعرت بأني يجب أن أقلل من جرير، فهي لم تعد تأتي بما يلائمني. حصلت على خصم جيد كذلك بتعاون من الموظف. بعد ذلك، قررت أن آكل في فدركرز. حينما دخلت وجلست، بقيت لمدة دقائق أطالع لائحة الطعام، اقترب مني رجل بدين، عرفت فيه زميلي في الجامعة، بعينيه الغريبتين بلونهما العسلي. سلمنا وجاملنا بعضنا بالأسئلة، ثم استأذنني ليعود إلى طاولته. هذه هي المرة الثانية التي أراه فيها في مطعم منذ أن تخرجت، وفي المرة الأولى عاد إلى طاولته بنفس الطريقة، وانشغلت أنا بنفسي كذلك. تذكرت كيف كنا نجلس على طاولة واحدة مع بقية الزملاء في الجامعة، نتحادث، حيث غالباً ما كنت مستمعاً، هذا إذا جلست. الآن، نسلم فقط ونبتعد، والكل على طاولة منفردة في مكان ضيق من الجامعة، لا يوجد هم مشترك، ومن الجيد كذلك أنه سلم، فبعضهم يرمق بنظرات لا معنى لها، ثم يهرب، وبعضهم يتصنع بأنه لم يرك، ولا ألومهم بصراحة، فبعضهم لا أود أن أسلم عليه أو أراه، وهذا الأخير في فدركرز ليس منهم، فقد كان خلوقاً ومسالماً، وشديد الهدوء. ولا أتذكر بأني حادثته على مستوى عميق، أو عرفت عنه الكثير، سوا أنه يحب متابعة كرة القدم بشغف غير عادي، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الزملاء. رسب ذات مرة، لأن دكتور سوري حقود لدينا بالكلية، شديد القومية، يعلم بارتباط هذا الشاب بالكويت بشكل ما، وكانت تلك سنة غزو العراق. فحاول أن يوجه اهانات بشكل ما إلى الكويت حينما حضر الرجل إلى مكتبه لعمل ما، وحاول أن يستفزه، أفحمه الرجل. يا لصغر عقل هذا الشامي، ويا لقلة ذمة من احتفظوا به بالجامعة. رسب الطالب.


سوف يذهب الدكتور الذي أعمل معه ولن يعود قبل الاسبوع القادم. هذا سيجعلني أتفرغ جيداً لعمل الدكتور الآخر، وعمله الذي تركه لي. أرجو أن أتخلص من هذه الهموم سريعاً، فلست أحب حقاً ما أقوم به مهما بدى قليلاً ومتقطعاً.



وبذكر الدكتور الآخر، ترك العمل في يدي، وانقطعت اتصالاته لحسن الحظ، على أني أتوقع اتصاله غداً أو بعد غد. أتمنى أن لا يتصل، والله لا أدري لماذا لا أطيقه حتى حينما يكون ودودا.



لقد مررت بتجربة سيئة مع شركة الساعات اليابانية التي طلبت منها مرتين. إحدى الساعات التي طلبناها مؤخراً دخلها الماء بعد رشة بسيطة. رغم قولهم بأنها ضد الماء حتى عمق معين. يحدث هذا حتى مع شركات أخرى مثل سواتش، ولكن حينما يحدث تستبدل الساعة بلا جدال. حينما أبلغتهم ردوا بلهجة لم تعجبني، أن هذا لا يدخل في الضمان حسب سياستهم، رددت أن يروني أين كتبوا هذا؟ فأرسلوا لي الرابط. وبعد شد وجذب قالوا بوقاحة أن أرسل لهم الساعة، وسيفحصونها ويتأكدون من مزاعمي (!!) أنها رشة صغيرة وليس غوص أو سباحة. لو كانت رشة فسيصلحونها مجاناً، ويدفعون بعض مبلغ الشحن، وإن لم تكن رشة، فسأدفع ثمن الإصلاح. وأضافوا بتلميح أن أتواصل معهم عبر الايميل، حيث اتصلت فيهم من قبل عدة مرات. جن جنوني. فرددت بأني لا أستطيع أن أثق بهم. وأنهم لعلمهم برداءة ساعاتهم ابتكروا هذا الباب الخلفي للتنصل. وأن هذا غش. مع العلم أن الماء دخل في الساعة بعد يومين من وصولها. وقلت بأن شركات أخرى مثل سواتش تستبدل الساعة حينما يدخلها الماء بلا نقاش، وأضفت: ولكن هؤلاء سويسريون. قاصداً تسديد إهانة إلى عقلياتهم. وتساءلت بالرسالة طالما لا تستطيعون ضمان ساعاتكم لماذا تقولون أنها ضد الماء؟ أضفت بأني لو أردت التواصل لاستخدمت الطريقة التي تعجبني أنا. وختمت الرسالة بالقول بأني سأنصح الناس على الانترنت بعدم الشراء منكم.


لم أتوقع رداً، ووجهت أختي بأن ترسل ساعتها إلى أي مصلح. ولكن بعد عدة أيام وصلني رد من المدير الفني للشركة، واسمه غربي. يعتذر عما حصل ويبرر بأن البعض يسبحون بالساعة رغم التوجيه بعدم القيام بهذا. تكلم كثيراً في محاولة لاحتواء الوضع، وطلب مني أن أرسل الساعة لـ"تستبدل". لم أرسلها حتى الآن، لم أفرغ. ولكني سأفعل إن شاء الله.


اليوم الاربعاء. وقد كنت محبطاً بسبب موعد لأمي لم أستطع تسويته رغم استأذاني من العمل للمرة الثانية، والثالثة فعلياً إذا ما حسبنا محاولتي الحصول على بطاقة الهوية هذا الاسبوع. وصلت إلى العمل باكراً نسبياً، وبدأت العمل على أمر سخيف وممل للدكتور الذي لا يعجبني. لم يكن هناك في القسم غيري وآخر تقريباً. الدكتور المشرف مسافر، دكتوري الذي أعمل معه مسافر، الدكتور الآخر مسافر، زميلي الأقرب غير موجود. كان جو جيد لإنجاز بعض العمل، ولكن الصداع والضيق احتاج جهاداً للتغلب عليه. جاء زميل لطيف، وجلس معي يحادثني عن سفراته ضمن وفود الوزارة. كانت حكايات ممتعة، ولكن لم تشمل ما أريد أن أعرف عن البلدان لاختلاف الاهتمامات جذرياً. جاء الآخر، وهو مدير المكتب. رجل طيب جداً وودود وعملي، حادثني قليلاً، وهو يوعيني على بعض الأمور التي أقدرها، فيما يخص حقوقي وما يجب أن يكون نظير تعبي، ولكن كل ما أفكر فيه هو الخروج من المكان. كنت أشعر ببؤس لإخفاقي في تنسيق موعد أمي الضروري بسبب غياب الطبيب، رغم أنه قيل لي بأنه سيحضر، لقد أضاعوا علي من وقت العمل وصار الوضع أصعب للاستئذان لاحقاً من أجل الضرورات. في لحظة لم أستطع العمل بسبب الصداع، والصداع لا يصيبني إلا نادراً، فخرجت لأتنفس بعض الهواء الطلق بالخارج. جاءت صلاة الظهر سريعاً، وبعد الصلاة وأنا أبحث عن حذائي، رأيت وجه مألوف أمامي. مد يده وصافحني، وكل ما استطعت أن أتوصل إليه أني أعرف هذا الوجه من الجامعة. عرف عن نفسه قائلاً بأنه فلان الفلان، دكتور من الجامعة، له مظهر طالب، كنت قد حادثته حينما جاء يطلب تعريفاً في الجامعة، عن عائلته وأقاربه المشهورين. كان ودوداً، وتذكر أني المترجم هناك، تذكرني أكثر مما تذكرته. لم يفهم أني أعمل هنا الآن. ودعنا بعضنا، ولكن بعد قليل رأيته في مكتب آخر، وفهم أني أريد الانتقال من هنا إلى الجامعة، خامرني شعور بأنه يريد لنفسه العكس. عموماً، هو من الدكاترة القلة الطيبين، رغم أني لا أعرف عنه الكثير. هو من القصيم كذلك.



سعد الحوشان

الثلاثاء، 12 مايو، 2009

عطاء وجودي(فيديو مع أفكاري)


بسم الله الرحمن الرحيم


أعتقد أحياناً بأن من يبحث عن نموذج للإرادة، عن قدوة في العطاء والصبر، يخطئ حينما لا يلتفت إلى الأم منذ البداية.


الأم ليست مجرد نموذج، وليست مجرد غريزة وغريزة مرتجعة من الأولاد، إن الأم شيء يتطلع المرء إليه ويتفكر بإبداع الخالق لهذه الفطرة والغريزة في الأم، وفي عين الناظر إليها، حيث لا يمكن تجاهل الجمال الأمومي، ولا يمكن تجاهل الشعور الخاص، والفعلي، والحقيقي إلى حد اللمس، في الصدر حين التطلع إلى أم كمجرد أم، خصوصاً حينما تبدو في قمة عطائها، أو في قمة أمومتها حينما ترى أبنائها حولها، حتى لو كانوا في سبيلهم إلى رد بعض ما أخذوا، وليس الأخذ. أعتقد أن العطاء لا يستوي أخذاً سوا في حالة الأم، فحينما أنت تعطيَ الأم، تجد شعورك وكأنك تأخذ، وكأنها تعطيك، لأن هذا هو الواقع، حينما تعطي أمك، فهي من يعطيك بالواقع.


هذا موضوع يفوق قدرتي على التعبير. موضوع الأم. كنت منذ زمن طويل أود التحدث عنه، منذ المدونة الأولى. ولكني وجدت فيديو مصادفة، فيديو فائق الجمال، ربما أجمل من أي فيديو رأيته، يصور أماً جميلة بأمومتها، حتى تحطيم القلب. يقال دائما على نحو شعبي أن كل صغير مليح، أنا أعتقد أن كل أم جميلة. هذه الأم الجميلة هي عجوز مكسيكية على ما يبدو، مكافحة، وصابرة، أم. لا شأن للأمر بالدين أو العرق، فالأم أم، وإن تمنيتُ أن هذه الأم مسلمة لفرط تأثري. لا علاقة لهذا بيوم الأم الذي يتحدثون عنه مؤخراً، فلا أعتقد أن وجود يوم للتذكير بالأم أمر عادل. يمكنك أن تسمي يوم للشجرة، للمعلم، للأرض، لأي شيء، ولكن الأم لم تختر يوماً واحداً لتتذكر أبنائها أو تشعر بقيمتهم. إن كل يوم يجب أن يكون يوم الأم، ولكن هذا لسبب ما أمر بعيد المنال لدى الكثرة الكاثرة من الناس، ولا أدري ما السبب، لعلها حكمة الله، رغم أن الإسلام حث وهذب وحدد الوسائل، وهو بالتأكيد جعل أوضاعنا أفضل من غيرنا من الأمم من ناحية حب الأم وتقديرها، ولكن ليس هذا الواقع لدى الكل هنا، ممن قصرت فطرتهم عن هذا من الأساس.


لعل هذا الفيديو يساعدني بالتعبير عما أراه، لعل البعض يفهم وجهة نظري.


لا أجمل من الأم على الإطلاق.






سعد الحوشان


ملاحظة: سأنشر تدوينة كما المعتاد قريباً جداً إن شاء الله. عودوا قريباً!

الأحد، 3 مايو، 2009

فيما يرى المتيقظ(أحداث،أفكار)



بسم الله الرحمن الرحيم




معاناة الناس تتشابه أحياناً، وتتكرر، ولا أحد يتعلم، على الأغلب لأن الجميع يظن بأن تجربته لها ظروف مختلفة. قرأت تجربة تأثرت بها كثيراً. كانت تطلب المشورة في صفحة ورود الأمل في جريدة الجزيرة، الجريدة التي لا أفتحها بالعادة، ولكن كنت أنتظر في المستشفى وكان يجب أن أقرأ شيئا، والحمد لله أني أضطررت. لماذا يسعدني أن اضطررت؟ هل لأن الرد على معاناة المرأة جاء بجديد؟ لا، ولكن، بدا لي توكيداً على مروري بنفس التجربة، وانتهائي، ومراجعة للدروس التي استخلصتها من التجربة. وما أقساها من دروس. إن المشكلة لدى الفتاة الشابة تتعلق بالصداقة، مثل تلك المشكلة التي واجهت في وقت سابق. وهي مشكلة ذات وجوه مختلفة عن المعهود عموماً، لا تتعلق بنقص العطاء والالتزام والمحبة، ولكن تتعلق بزيادة هذه الأمور على نحو مسرف. وهذا يدعو إلى نفور الطرف الآخر. لا يمكنني أن أنسى بأني نفرت من أناس آخرين حينما أظهروا مثل هذا الاهتمام المسرف والعطاء غير المنطقي. ولكني مع ذلك فعلت نفس الشيء مع شخص آخر. وربما ذهبت إلى أبعد مما جرى معي ومع غيري بإلحاحي، فلا أنسى أن من طبعي المثابرة الشديدة على الأمور، إن كانت في صالحي أو لا، دون أن أشعر على الأغلب. كانت إجابة المحرر ممتازة، وشاملة، ومنطقية. ولكن، لا شيء سوف يخفف الندم والشعور بالخسارة والغباء، وصدقاً، لم يكن المحرر يحاول هذا. أتذكر حصار صديق عزيز لي، وتصعيبه أمور حياتي، وإشعاري بالضيق بسبب اهتمامه الزائد. كما يقول المحرر عن هذه النقطة: "فغاية الإزعاج أن تجد شخصاً يتصل بك أكثر من مرة ويستغرق في السؤال عن الحال رغم أنه ليس هناك ما يدعو للسؤال والقلق! أو أن يضرب عليك حصاراً عاطفياً يكاد يخنقك!." ولكني لم أحاول إنهاء علاقتي بذلك الصديق، بقدر ما حاولت أن أخفف من تواصله معي وأجذب انتباهه وأشغله بأمور أخرى أكثر جدوى، فلم أكن أود أن أخسره لعلمي بأنه طيب وسوي، إنما يعاني من مشكلة ويحتاج إلى تعاطف، سوا أن الأمر انتهى بالافتراق، ليس بسبب سوء فهم، ولكن بسبب قرار متفق عليه. لم يكن هو الصديق الوحيد الذي سبب لي هذه الأزمة، كان هناك غيره، وربما لم أتصرف على نحو حسن مع غيره كما أحسنت التصرف معه مع الأسف، وإن لم أكن قسوت أو ابتعدت فجأة، ولكن عزائي أن سوء تصرفي لم يكن عن قسوة، أو سوء نية. ولكن مع خبرتي بالأمر، إلا أني وقعت فيه مع أحدهم، ولم يتصرف معي كما تصرفت مع الآخرين. ولكني لا أوقع باللوم كاملاً عليه، على أني أعتقد بأني لم أعرفه جيداً، فقد ظهر بالنهاية بأنه كشخص أقل مما تخيلته بكثير. وشعوري الخاطئ باختلافه هو ما أوقعني بالخطأ والمبالغة بتقديره، ولكن هل يتحمل هو هذا الخطأ؟. يقول المحرر: "كثرة الاقتراب والالتصاق لا شك أنها تحرض الآخرين على الهروب والابتعاد كما جرت على هذا التجارب واتسقت به نظم العلاقات يثبت الواقع هذا" معنى هذا، أنه حتى لو كان بقدر توقعاتي، وكان أكثر تفهماً، لم تكن الأمور لتسير على ما يرام، وليس معنى هذا أني أعتقد الآن أنه سيء أو لا يستحق، ولكن ما أقوله هو أني لم أعرفه جيداً، ولا زلت ربما لا أعرفه جيداً، وبأي حال، حتى لو كنت أعرفه وكان مميزاً حقاً، لم يكن يجب أن أتصرف كما تصرفت، ولا أحد يستحق ذلك العطاء، لأنه زائد ومؤذي، ولأن لا أحد يدوم للآخر، ولأنه غير منطقي. قال المحرر كلام واضح، وربما بديهي، ولكن هل الكل يقرأه و يعتقد بأنه يطبق ما فيه دائما؟ هكذا قال: "أنا لا ألومها في الحقيقة فليس ثمة أثمن ولا أنفس من الحرية وأي تهديد لها يجعلنا نعلن حالة الطوارئ حاملين أسلحتنا لصد هذا التهديد وهذا ما حدث والله أعلم"، على كلامه هذا، هل يجب أن ألوم ذلك الشخص؟ على الأقل في الدرجة الثانية؟ من بعد لومي لنفسي؟ لا أظن أن لومه عادل، ولكن من جهة أخرى، نميل إلى لوم الآخرين حتى لو لم نصرح بهذا، لأننا نشعر بأنهم كان يجب أن يقولوا بعض الأمور لنا بمباشرة ووضوح، لأننا كنا أغبياء في بعض الظروف، لأننا كنا نأمل كثيراً. فالابتعاد بدون شرح، الهروب، السخرية، الالتفاف على الأمور والإشعار بالضيق، قد لا تثني المشاعر الصادقة، إنما ما يثنيها هو الإجابة الصادقة. وهذا الشيء الوحيد الذي يبدو أن المحرر إما يلتف عليه في محاولة للمساعدة، أو أنه لا يفهمه بسهولة، رغم أن إجابته صحيحة بلا شك، ولكن قد لا تكون مجدية في هذه الظروف إلا مع شخص في ظروف أكثر اتزان، إذ يقول: "وما أنصحك به أن تكفي يا رعاك الله عن الاتصال نهائياً فرسالة الصديقة واضحة (من ردة فعلها) جلية فتصرفاتك وإلحاحك المزعج يزيدها كرهاً ونفوراً منك." لقد نصحت بنصيحة مشابهة، وربما أفضل بكثير من هذه النصيحة وأكثر عدلاً، ولكني لم أمتثل لها، فكانت خسارتي أعظم. ولكن لا بأس.




لدي زميل أبكم وأصم في العمل، شاب طيب ومرح، ومضحك جداً. أجد صعوبة أحياناً في التواصل معه وفهمه، مع أن بعض الزملاء يتفاهمون معه بسهولة بالإشارة وبدون كتابة، بسبب العادة على ما يبدو. اليوم أشر إلي وهو يجلس مع أحد الزملاء من أجل عمل على ما يبدو، ولما نظرت إليه أشر إلي باصبعه ثم خط باصبعه خط على خده تحت عينه، ظننته يريد أن يقول: دمعه. لم أفهم المقصد. اقتربت وقمت بالحركة نفسها وأشرت بيدي سائلاً ماذا يقصد؟ فكتب على ورقة أمامه: حلو. ضحكت، وضحك هو لضحكي.


كثيراً ما يمازحني بخصوص شكلي، لماذا لم أقصر لحيتي منذ فترة؟ لماذا لا أقص شعري؟ وحينما آتي وشعر وجهي قصير جداً، أجد منه تلك المزحات.





أدونيس يعتقد أن العرب سينقرضون، من المغرب إلى العراق ومن سوريا إلى اليمن. ويقول هذا لمن؟ للأكراد. اجتمع المتعوس على خائب الرجاء كما يقولون. المبرر الوحيد الظاهر لهذه الفكرة المضحكة هو لفت الانتباه، وقد نجح. بالطبع، يقصد بالانقراض إنقراض الحضارة العربية، وهي من وجهة نظري حضارة إسلامية قبل كل شيء، وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيداً من عقليته القومية الضيقة. ولكني لا ألومه، ليس لأنه صادق أو لديه وجهة نظر معقولة، ولكن لأنه لا يؤمن كما نؤمن. إننا لدينا ما نعود إليه، وهو نفس ما دفعنا للقمة في وقت سابق، ولا مجال للشك فيه.




ذهبت أمس إلى الفيصلية بعد خروجي من العمل، لتناول الغداء، حيث اشتقت لوجبتي المفضلة من مطعم ساموراي في مجمع المطاعم، تيبنياكي. ورغم أن فترة الغداء في الأيام من السبت إلى الثلاثاء مسموحة لدخول العزاب، إلا أني وجدت رجل أمن نحيف وطويل يقف في الباب، كالعادة، بملابسه التي تشبه ملابس البودي جارد، يستوقفني رافضاً دخولي. أشرت إلى اللوحة وقلت ولكنه يسمح للعزاب بالدخول اليوم!

تمعن بي قليلاً، ثم قال: وش اسمك؟
قلت: سعد الحوشان!
فكر قليلاً.
قال: وش اسم اخوك؟
أنا ضاحكاً: وش تبي بأخوي؟!
هو: أنا أعرف أخوك!
ضحكت وهززت رأسي.
ولكنه أضاف: أعرفه، هو يشبه لك صح؟
هززت رأسي قاصداً:لا.
ثم هممت بالدخول، وقال: طيب لا تطول فوق، ترى دخلتك على مسؤوليتي!. لا تتأخر!!

النصاب...


كان أمس أقل ازدحاماً من المعتاد. ربما لأن المدارس والجامعات في إجازة. مع أن المكان كان ممتلئ بالفعل. كانت وجبة جيدة، ولكن مملة.


هل تتذكرون الكروت التي أضعتها للدكتور الذي أعمل معه؟ لقد وجدها على مكتبه، لا بد أنه أخذها في وقت سابق ونسي. حينما أخبرني لم أقل شيئا. ولكني لم أعد أشكك بنفسي كثيراً فيما يخص إضاعة الأشياء. فقد لاحظت أنه كثيراً ما يطلب مني البحث عن شيء، وربما يتوتر، ثم يكتشف أنه لديه.



هذا الأسبوع أشبه بإجازة، ولكني أذهب إلى العمل، حيث لا عمل حقيقي. الدكاترة لا يأتون كثيراً أو أبداً، الموظفون خاملون. لماذا لم يكن الاسبوع إجازة للجميع؟ قد يعمل المدرسون والطلاب لوقت طويل، ولكن الموظفين لا يوجد لهم إجازات منتصف العام أو الصيف، قد يعمل الموظف طوال العام باستثناء الأعياد.




أكلت أمس دون أن اعلم القليل من لحم البعير. شعرت بهذا بعدما ابتلعت قطعتين ربما. أنا لا آكل لحمه. أشعر بالخيانة لأنه لم يتم تحذيري.



سألني أمس شاب سوري يراجع الوزارة وهو تابع لشركة، سألني هل المطاوعة سيقولون له شيئا لو لم يصلي؟ حيث كان الظهر قد أذن له. لا حول ولا قوة إلا بالله. للأسف، لم يكن الوضع غريباً، فهذا السؤال متوقع من شباب دول الشمال والمغرب للأسف، فمثلاً، لن يسألك شاب مصري أو سوداني أو خليجي أو يمني هذا السؤال، ولو لم يصلي لأستحى أصلاً أن يسأل هكذا، ناهيك عن إذا كان لا يعرفك.



رأيت مصادفة في المطعم على ما أعتقد دعاية شامبو شعر. يظهر بالدعاية ذلك التركي السمج ذو الأسم الخربوطي، ولكنهم يسمونه مهند. يتراقص ويتقافز هنا وهناك وهو يلعب بشعره كالمخبول أو الشمبانزي، بوضع لا يبدو ملائماً لعمره. ويتكلم مبتسماً يمتدح شامبو الشعر. المشكلة أني حينما أنظر في وجهه لا أرى شيء مميز سوا أنه شديد الشقرة إلى حد الصهابة. رأيت صورة له بجانبها صورة لممثل تركي آخر ذو ملامح شرقية، لم يكن هناك مجال للمقارنة، الأخير أكثر وسامة بأميال وأكيال. ولكن المشهور هو مهند.


المشكلة أن الناس هنا أعطوه أكبر من حجمه بكثير. مما يظهرنا أمام العالم وكأن ذوقنا فقير، وكأننا لم نرى "نعمة" من قبل.



جافاني النوم على نحو غريب هذه الليلة. ولكن غداً الخميس، فلا مشكلة كبيرة. داهمتني العديد من الأفكار، والذكريات، والسيناريوهات لحياة أفضل، ومفاجئات.وكل هذه الرؤى والذكريات، تتشبث بعناصر من الماضي كإلهام أو مصدر.وليس الحاضر، وليس ما يبدو عليه المستقبل بالفعل. حيث أن الحاضر، والماضي القريب، ليسا حقيقيان كحياة عرفتها في وقت سابق، ولا يعني هذا أنها كانت سعيدة، ولكنها كانت حياة، وإن كنت لا أتمنى عودتها، رغم الملل الآن، أما غداً، فكيف سيختلف عن اليوم، لن يختلف. هذا ما اتخيله دائماً. إني أغفل الأحداث الجانبية مهما بدت جوهرية بالمنطق، فتعريفي للأحداث الحقيقية التي تعطي للحياة معناها مختلف، إنه ليس العمل، وليس البقاء عائماً على ما يرام، ولكن الحمد لله على كل حال، فهذا حال حسن رغم كل شيء.



أتخيل مما أتخيل، أخطاء صححت، ومعانٍ أستحدثت، وقلوب جمعت. أو، رأيت مما يرى المتيقظ، مما هو أقل حقيقة مما يرى النائم.




ذهبت الاسبوع الفائت للمرة الثانية إلى الأحوال المدنية، لأجل تجديد بطاقة الهوية. ذلك أنهم في المرة الأولى أخذوا أوراقي، وطلبوا من العودة بعد اسبوعين. في الأسبوع الفائت، كانت الأمور أكثر سوء. حيث انتهت أرقام الانتظار في الصالة الخاصة بالتصوير وأخذ البصمات، وكان مديرها عصبي، يجيب الناس إجابات استفزازية بدل طمأنتهم، يا له من غبي. قالوا لنا بأنهم سينهون أمر من معهم أرقام أولاً، ثم سيلتفتون إلى من ليس معهم أرقام، وسيبقون حتى المغرب لإنهاء الإجراءات! من يريد البقاء حتى المغرب؟ من أجل بطاقة هوية؟ كذلك، كيف يضمن المرء ترتيبه بلا رقم؟! سيكون الأخير بعدما جاء الأول. فكرت بأن أذهب إلى مدينة أخرى لأنهي الإجراءات بعيداً عن هذا الزحام المحبط والتنظيم البدائي. اتصلت أستشير أبو محمد، وهو خبيري الأول وزميلي في العمل في الجامعة. ولكن لم يكن لديه خبرة. اتصلت على زوج أختي وهو من مدينة قريبة من الرياض، فنصحني أن أسألهم أولاً إن كان هذا ممكناً؟ فقد أعيد كامل الإجراءات في المدينة الأخرى، الأقل ازدحاماً بلا مقارنة، بل ربما الخالية من الزحام. ذهبت إلى مكتب مدير الجوازات، وسألت مدير مكتبه. أخبرني بأن أبقى هنا، فلا يوجد أكثر من 150 شخص وسينهونهم بسرعة! لم يكن هذا كلام مطلع على حقيقة الأمر، ولو كان صادقاً بالعدد، فهو ليس لديه أي فكرة عن حقيقة بطء التنفيذ. قلت بأني لا مانع لدي من الذهاب، وهل هو ممكن أو لا؟ طلب مني الانتظار، وسأل زملاءه بالمكتب، فأخرج عسكري معهم من جيبه أرقاماً، وأعطاني واحداً منها!!!! شكرته ونزلت. وجدت أن رقمي قريب. هذا حظ حسن، الحمد لله. حظي عموماً في هذه الأمور غالباً ما يسير أفضل من المتوقع من واقع الظروف، ولكن ليس دائماً. حينما دخلت وأعطيت بصماتي، أراد الموظف أن يصورني. ومع أني أسمع أنهم يصورون الناس كيفما اتفق ولا يسمحون بفرصة ثانية، إلا أن الرجل نظر إلى الصورة، ثم نظر إلي، وقد كنت متأكداً أن صورتي سيئة لأني لم أكن مستعداً، فعرض بطول بال وسعة صدر أن نعيد الصورة. شكرته بصدق. بعدما انتهيت وذهبت إلى الصالة الأساسية، أعطوني قسيمة لأراجعهم بعد اسبوعين! شهر كامل لاستخراج بطاقة هوية. الأجانب يحصلون على بطاقة الإقامة خلال يومين أو ثلاثة. عدت إلى مدير مكتب مدير الجوازات، ووقفت أنتظره يفرغ، لما التفت إلي وسألني عن حاجتي أخبرته بأني جئت فقط لأشكره، فوجئ وسألني إن كان خدمني، نسي، ثم ابتسم ابتسامة عجيبة، صار فمه معها متوازي أضلاع، بتوازي جوهرة، تخططه أسنان طويلة، بدا شكله صبياني جداً، بدا وكأن جزء منه لم يكبر.




أثارت تلك الفتاة صاحبة المدونة الجيدة موضوع ضد الرجال. ورددن زميلاتها الفتيات بردود جارحة وسخيفة بحق الرجال، والأسوأ أنها ردود جاهلة وعمياء. ومما زاد بانزعاجي هو ردود الرجال التي تتصنع المنطق وعدم إيقاف بعض السخيفات عند حدودهن، وهذا أمر جرأ الفتيات في الانترنت على ممارسة ضغوط وحصار نفسي ضد الرجال. لم أسكت، وأعتقد أني أديت جيداً، قبل أن أقرر التوقف. ولكن مع ذلك، انخدشت صورة المدونة وصاحبتها في عيني بشكل ما. كانت أكثر أدب من زميلاتها، ولكنها ملتوية. عرفت منذ وقت طويل على الانترنت أن الفتيات أغلبهن لعينات، لئيمات، يدسسن السم بالعسل كطبع فيهن. لا أمان ولا عهد لهن، أقول هذا بعد مشكلة واجهتني في منتدى كانت شعبيتي فيه ممتازة، بسبب حفنة حثالة من الفتيات المنافقات والغبيات، حيث إن لم تستجب لما تريد أو تهوى، أو لم تسكت أمام وقاحتها وانتقادها، أو خالفتها الرأي، أو حتى وقعت بمشكلة مع صديقتها، فإن كل هذا مبرر لتخرج كل ما لديها من سوء وأخلاق قذرة. ولكن مع ذلك، وقفن إلى جانبي أخوات رائعات، أخلصن لصداقتنا بالمنتدى أشد إخلاص، إلى جانب أصدقاء رجال، ولكني تركت المنتدى على أي حال. أشد المخطئات خطأ عادت بعد أربع سنوات تطلب مني أن أسامحها، بصيغة مضحكة غير حساسة إطلاقاً، غير مدركة لحجم الضرر الذي لحق بي، فتارة تقول أنها لن تبرر وتعقب هذا بتبرير أقبح من ذنب، وتارة تطلب السماح وبعدها تقول أن السماح والعفو لا يهمان طالما قرأت الرسالة!! لم أرد، ولم أسامح، ولن أسامح. ليس أني لا أسامح بالعادة، ولكن كان يمكنها أن تكون أكثر إحساساً وشعوراً، بحجم يكافئ ما لحق بي من ضرر. لو فعلت هذا، لربما فكرت بالعفو. قال لي في وقت سابق شخص أثق به أنها تبدو غبية، ولكن، لا يبدو الأمر هكذا، إننا نحن الأغبياء، لأننا نحسن الظن فيمن لا يستحق. إن أسوأ شيء بالاعتذار هو استباقه بمبرر، خصوصاً حينما يكون الخطأ جسيماً وشخصياً،أو مؤثراً على حياة أحدهم مهما بدا تافهاً. وكأن المخطئ يتهرب من خطأه، لا يتحمل مسئوليته، ولكنه الآن يتكرم بالاعتذار، لا، إن المخطئ لا يتكرم، ويجب أن يحرص أن لا يوصل هذا الشعور، وإلا فإنه حمار. والخطأ الأكبر الذي يقع فيه معظم الناس، هو القول عند الاعتذار: يمكني كنت معصب وقتها، وجت التعصيبه فيك! ويضحك، أما هذا، فهو ليس بحمار، ولكن قد يتخذه الحمار حماراً. بغض النظر عن حسن النية، هذا خطأ غبي جداً ويدل على سفاهة غير عادية.





أعمل منذ بداية اليوم، وبالنهاية، انحذف كل ما قمت به بسبب غلطة غبية، يا الله. لست راغب بالإعادة، ليس الآن. اتصل بي البارحة الدكتور الانتهازي، وهو لا يتورع عن الاتصال في أي وقت، مما يضايقني حقاً. وقد كان لم يأتي في الأسبوع الفائت، وهو إجازة للمدارس والجامعات، ولكنه يعمل بالوزارة فلا أعتقد أن الإجازة تشمله، مع ذلك، اتصل أمس يسأل عن ما قمت به خلال الأسبوع الفائت، ولم يرضه أني أنهيت ما طلبه مني، بل قال لماذا لم أكمل الباقي؟ والباقي، هو كل شيء تقريباً، وماذا يعمل هو؟! يا للبجاحة، لقد شعرت بسخافته وسطحية تفكيره البارحة كما لم أشعر من قبل. أرجو أن يسهل الله أموري وأخرج من المكان، مع أني أتصور بأن الأمر سيستغرق وقتاً فيما لو وافقوا على خروجي من عندهم. أمس السبت أخذت الرسالة الموجهة من الجامعة إلى الوزارة تطلب نقل خدماتي إليها. اعطيتها لمدير شؤون الموظفين وسألني عن ماهيتها. أخبرته باختصار، قرأها، ثم أخبرني أن آخذها إلى الوارد ليعيدها الوارد إليهم (!!) لن أفهم أبداً، أبداً، الغرض من هذه الدوائر، لماذا لا تسجل في قسمهم بالكمبيوتر؟ هل يجب أن تذهب إلى الوارد؟ ويزدحم الوارد بكل شيء؟. وقال بأنهم سيكتبون خطاب لمديري ليرون مرئياته. شكرته وخرجت. أنا أتجنبه بالعادة، وهو ينظر إلي بالعادة بطريقة غريبة، ربما بسبب الوقف الذي حصل حينما أردت الانتقال وهددت ضمنياً باللجوء إلى ديوان الخدمة المدنية، على أنه يجاملني أحياناً حينما يوقع على الأوراق التي أحضرها ويعاملني بذوق، ولكني لا أحب أحد من قسمه، فكلهم على جانب غير عادي من الصفاقة، أو أغلبهم. يا رب، يا رب، أعدني إلى الجامعة.

إن الدكتور الانتهازي يضعني بمأزق أخلاقي فعلاً، فلست أريد أن أجرحه وأعامله بصراحة رغم أني أستطيع ولا أخاف، ومع ذلك، وفيما لو استمريت بالعمل لديهم بالوزارة ورفضوا خروجي، أخشى أني سأضطر لذلك إذا ما تكررت اتصالاته المتأخرة وغير الملائمة



شعرت بتعب اليوم في العمل، حاولت البقاء بقدر المستطاع، ولكن في النهاية وجدت أنه من الأفضل أن أغادر حتى لا يسوء وضعي ولا أستطيع القيام بما يطلب مني على الوجه الأمثل. غثيان وصداع وارتجاف. الآن أنا أفضل الحمد لله، ولكني لا أشعر بأني بوضعي الطبيعي المعتاد.




سعد الحوشان