سِجل المدونة

الخميس، 27 يونيو، 2013

الانتظار الأبدي في سفوح الانديز (الجزء الثالث من رحلتي إلى البيرو)

بسم الله الرحمن الرحيم



توقفت في التدوينة الأخيرة فيما يخص الرحلة إلى البيرو عند خروجي من تشكلايو. أخذت الحافلة في رحلة طويلة بالمساء نحو جبال الانديز، إلى منطقة تسمى تشاتشابوياس. لم أشعر بالرحلة، فقد نمت، وحينما استيقظت فجراً كانت الحافلة قد توقفت إلى جانب الطريق، من ضمن صف طويل من الحافلات المتوقفة، صعوداً في طريق جبلي ساحر. فهمت من الناس وجود انهيار جبلي يسد الطريق، وأن إزالة الركام قد يستغرق أكثر من 4 ساعات قبل التمكن من مواصلة الرحلة، حيث لم يتبقى سوا القليل على الوصول إلى مدينة تشاتشابوياس الصغيرة.
لم أشعر بالضيق صدقاً، لم أكن لأشعر بالضيق بصراحة في ذلك الوقت من الرحلة، في بداية رحلة شهر إلى بلد لطالما تمنيت زيارته، وأعددت جيداً لتحقيق الكثير من الامنيات فيه.
كان الجو ساحراً، وكان السحاب يرى على مستوى قريب، والجبال العظيمة العملاقة تشخص في كل مكان. كيف يمكن للمرء أن يشعر بالضيق؟.







لكن لم يطل بقائي هكذا، إذ أطل رجل وامرأة تصغره سناً في الحافلة، ونادوا: موهمد؟ موهمد؟. لم يلتقطوا من اسمي غير هذا، اسم والدي. قلت بأنه أنا، وأنا أشك بوجود أي مسلم آخر. خرجت معهم، وأفهموني بلغة انقليزية ركيكة بأنهم سيأخذاني إلى ما خلف الانهيار، حتى تأتي سيارة من وكالة السفر لتأخذني إلى الفندق.
هذا الشكل من العناية هو ما حضيت به طوال شهر، إني راض كل الرضا عن الوكالة التي تعاملت معها، عن كل شيء، عن طيبتهم وتعاونهم، عن اهتمامهم البالغ، وأحياناً المفاجئ بمبالغته حد الدلال.
مشينا صعوداً حتى وصلنا الانهيار، حيث وقف بعض الناس يتأملون، ثم مضينا في جانب الطريق على سفح الجبل، وعبرنا تلك الوعورة من بين النباتات الكثيفة والأرضية الصعبة. قلت: مغامرة!. فضحكوا. حينما عبرنا إلى الجهة الأخرى، كان المنظر أجمل. كان سحرياً.
لم ننتظر كثيراً حتى جاءت سيارة، وفي السيارة مسئولة من الوكالة المحلية للسياحة، من أجمل الناس الذين رأيت في حياتي.
نزلت وعرفت بنفسها. كانت بغاية اللطف والعفوية. بعد نقاش مع الرجل والمرأة اللذان نادياني موهمد، قالت بأن فندقي بالواقع يقع في الجهة الأخرى من الطريق، حيث أن توقف الحافلة اختصر علي الوقت بالواقع، فقد تعدت الحافلة الفندق قبل فترة، لذا سنعود إلى حيث كانت الحافلة، ونبحث عن سيارة تعود بنا. قلت: يا للحظ الجيد! ضحكت، وقالت جيد لك، لكن ليس لكل هذه الحافلات وركابها. حينما وصلنا قرب حافلتي، وجدنا سيارة تقل مجموعة من الشباب الصغار. حادثت الفتاة السائق، وطلبت منه أن يعيدنا إلى الفندق، على بعد مسافة غير كبيرة. وافق مباشرة، ذلك أن كسب القليل من المال خير من الانتظار لساعات بلا فائدة. نزل الشباب، وجلهم من السكان الأصليين، ووقفوا لينتظروا عودته. أخذنا إلى الفندق، وهو فندق جميل، في بطن واد كالجنة، يجري إلى جواره نهر يحده سفح جبل.
أنجزت الفتاة أموري مع الفندق، ورحب بي اهله جيداً، كنت النزيل الوحيد. ولا غرابة، إذ أن الشمال برمته خارج الخريطة السياحية بالنسبة لمعظم السياح، فلا يعرف الغالبية العظمى منهم ما يوجد فيه، ولا عن كونه رائع ومثير للاهتمام بنفس قدر الجنوب. فلو كانت البيرو دولتين، واحدة إلى الشمال والأخرى إلى الجنوب، لاستحقتا الزيارة قبل أي مكان آخر في المنطقة في رأيي، نظرا للغنى البيئي والحضاري الذي يميز البيرو عن سواها من أمريكا الجنوبية.
ودعتني الفتاة، وأخبرتني بأن مرشدي سيأتي بعد ساعتين، أو ربما قالت ثلاث، ومضت. طلبت إفطاري، وطلبت أن أتناوله إلى جانب النهر. إن تناول مجرد بعض تمرات إلى جوار النهر والجبل يكفي لتشعر بالرضا.









لكني لم أكن أعلم بأني كنت على وجه معاناة مع المرشد القادم.
لا أريد أن أتحدث عنه كثيراً. لكنه رجل غريب الأطوار، غير مريح. ظل يتحدث عن معتقداته الغريبة، ضيع وقتي كثيراً وأساء إلى الجولة.
يعتقد مثلاً بأن كل الأديان خطأ، رغم أن المسيح جاء بالحق، أو بالمعرفة كما يصفها، حيث أن عيسى عليه السلام تعلم في مدرسة في الفضاء (!!)، وجاء ليعلم الناس هنا ما تعلم هناك من كافة المعارف الإنسانية.
الزواج كذلك أمر غبي، لا يجب أن يستمر، لأنه مجرد ربط قانوني لضمان حقوق الزوجة بعد الطلاق (!!!)، وخلاف هذا من الخزعبلات ضيقة الأفق، التي لم يتوقف عنها ولا دقيقة.
ذهبت معه إلى مكان يسمى كراهيا. وهو مكان جميل، يحوي على مقبرة من نوع خاص. لكن هذه المنطقة ككل غير مؤهلة ومطورة جيداً. وبشكل عام، تدعم الحكومة السياحة في الجنوب، حيث أشهر المزارات السياحية، أكثر من الشمال بكثير، وترى أهل الشمال يشتكون من هذا الأمر كثيراً وبمرارة.
الطريق كان رائعاً، وبالواقع، في هذه المنطقة ترى الجمال وتشعر بالروعة أينما وليت وجهك.





ومررنا كذلك بقرية جميلة، اسمها لويا، وهي ساحرة ككل القرى والمدن الصغيرة في هذه المنطقة







كان الوصول إلى الموقع شاقاً، مشينا كثيراً خوضاً في طريق موحل. لكننا انطلقنا من قرية صغيرة للسكان الأصليين، حيث البيوت الجميلة، التي تجلس أمامها النساء يحكن الاقمشة والملابس التقليدية ويتحادثن، بينما يلعب الأطفال هنا وهناك.




كان العذاب ليس في وعورة الطريق فقط، ولا قذارته، لكن في أفكار هذا الرجل الذي لا يكف عن الكلام الذي لا قيمة له ولا يخلو من وقاحة، والتوقف هنا، والتوقف هناك، فهذه فاكهة تستحق الالتقاط، وهذا منظر يستحق التصوير، حيث جاء بكاميرا، وأراد أن يبيعها علي لاحقاً. لقد شككت في اتزانه منذ البداية؛ لحظات الصمت الغريبة، والنظرات الفارغة من عينيه الشفافتين (إذ أنه ليس من السكان الأصليين)، والأفكار التي داهمني بها منذ البداية، والعجب بالذات. حينما وصلنا إلى عمق معين من ذلك الوادي العظيم، مشينا بطريق مستوٍ نسبياً حتى وصلنا إلى الموقع الأثري. وهو عبارة عن تماثيل موغلة في القدم، وضعت في اماكن عصي على الإستيعاب كيفية الوصول إليها، في كهوف أو تجاويف في مكان مرتفع من السفح المنحدر تماماً بزاوية 90 درجة. وهذه التماثيل هي بالواقع قبور، يوجد في كل منها مومياء محنطة بإتقان موضوعة بوضعية الجنين، والتماثيل توضع في أماكن مختارة بعناية، توفر مناخ طبيعي يساعد على الحفض وعدم فساد الجثة، وهذا أمر مذهل، وهي دائما تواجه الشرق. وعلى نحو يزيد من الجو المؤثر للمكان، يوجد شلال صغير ينحدر كالمطر من بين الكهفين الذين يحويان التماثيل، ويهبط أسفل منا مباشرة.
تبدو التماثيل للناظر وكأنها عالقة في حلم لن يتمخض عن شيء، دون أن تدري، أو أنها تأمل شيئاً لن يكون، وهي تنظر إلى الشمس كل يوم عبر القرون وهي تُشرق. هل تأمل شيء لنفسها أم لما في بطونها المثقلة بالأموات.
إنها مثيرة للتأمل، هل وضعت هكذا لتقول شيئاً للناظر؟ وكأني أسمعها تقول بأن اليوم كالأمس، وغداً كاليوم، ومع ذلك، ننتظر...

كنت السائح الوحيد بالمكان. قلت بأني أريد أن أنزل حيث يهبط الشلال، ويوجد ممر ضيق وشديد الانحدار يودي إلى المسقط. بدا عليه التعجب، وقال بأني بالواقع أول سائح يطلب هذا الطلب. سألته إن كان نزل من قبل، فقال لا. وهكذا أصبت أنا بالذهول والتعجب، حيث أنه جاء إلى هذا المكان لمرات لا تحصى. نزلنا، وكنت أنا من يكتشف الطرق المختصرة والسليمة، وكأنما أنا من جاء إلى هذا المكان أكثر مما يذكر. وقد أثار الأمر بشكل ما حنقي. كان الشلال رائعاً بالأسفل، لكنه موقع خطير إلى حد ما، لأنه زلق إلى أقصى حد. بقينا هناك لبعض الوقت، وذهب هو ليأخذ صورة من زاوية معينة، وتأخر.





حينما فرغنا من الجولة، عدنا، وكان الصعود شاقاً، ولحسن الحظ، استأجرت حصاناً في منتصف المسافة.

بالأعلى، أعطوني كيس من مطعم، يحوي غدائي، لكني حينما نظرت إلى الشطرية وجدت فيها لحماً وردياً غريباً، فسألت إذا ما كان لحم خنزير. بدا الاضطراب على المرشد، وسأل السائق، فبدا على الاثنين التشوّش. كنت قد قلت مسبقاً بأني لا آكل الخنزير. قال المرشد بطريقة لم تمكنني من الوثوق به، ناهيك عن عدم ارتياحي له ولتقديره لمعتقدات الآخرين، بأن اللحم بقري. أعطيته للسائق. ولما أردت شرب العصير وأكل الشوكولاته؛ وجدت الأطفال على مقربة، فوزعته عليهم، إذ أثاروا شفقتي.

في الطريق إلى الفندق، ازدادت أحاديث المرشد غرابة، وازداد موقفه قلة احترام، وقد شعرت بأن الجولة اليوم قد فقدت الكثير من قيمتها بسببه.
راسلت كارلا فوراً، وأخبرتها بأني أريد مرشد آخر، وأخبرتها بما قال هذا الرجل، حاولت كارلا لكنها لم تتمالك نفسها فضحكت. قالت بأن أمره غريب، وأنه بالعادة لا يسمح للمرشدين التحدث حول معتقداتهم على هذا النحو. كما شكوت من قلة معلوماته وسوءها، حيث أني قرأت كثيراً وأعرف أن بعض الأمور على خلاف ما يقول. قالت كارلا بأن المشكلة في تلك المنطقة خصوصاً هي قلة المرشدين المحترفين.

باليوم التالي، جاء مرشد آخر، وكان أوروبي السحنة، شديد الثقة بنفسه، وغير مريح على الإطلاق بطبيعته. غير مهتم بالتحدث عن الثقافة والتاريخ هنا، أو حتى الالتفات إلي. ذهبنا بالبداية إلى المتحف المحلي، وكانت لديه معلومات عن بناء المتحف والدولة المساهمة، النمسا، أكثر من محتويات المتحف وتاريخ المنطقة. كنت أسأل للاستزادة حول أمور أعرفها من التاريخ، فيعطيني إجابات خاطئة بارتباك واختصار. وأثار حنقي حينما دخلنا إلى قسم المومياوات (الذي أتمنى لو لم أدخله لمبدأ معين)، فوصف بعض المومياوات للسكان الأصليين بأنها مومياوات "اسبانية". لم أفهم بالبداية، فسألت مستوضحاً، فتبين بأنه يقصد بأنها مومياوات لتلك الحضارة بعد الاحتلال الاسباني، وكأنما هؤلاء القوم أصبحوا اسباناً تلقائياً. هكذا، هل يمكننا القول بأن مسجد بني وقت استعمار بريطانيا لمصر أو الهند بأنه مسجد بريطاني؟، كان منطق متكبر وبالغ الغباء، وبالواقع، شعرت منذ البداية بأنه فخور بنفسه على نحو غير عادي.
كانت المومياوات محنطة بإتقان عجيب، تحتفظ بجلدها، وهي بوضعية الجنين كذلك، مثلما كانوا يصفونها في المناطق السابقة في الصحراء. وكانت أسنانها كلها سليمة، وحسنة الترتيب، وفائقة البياض والحسن التام، ويعود هذا إلى الاستهلاك التقليدي، الذي لا يزال، لأوراق الكوكا، فهي غنية بالكالسيوم، إلى جانب مضادات الأكسدة والمنبهات الطبيعية الجيدة.
إنه لأمر محزن أخذ الجثث من مستراحها، وعرضها للناس بعيداً عن التكريم الواجب للإنسان. كنت لا أنوي مشاهدتها، ولم أطل البقاء في مكانها، لكني أخذت على حين غرة، ودفعني الفضول بعيداً عن الحس السليم. هي عموماً مستورة جيداً، لا تزال بلفائفها القماشية التي دفنت بها.
يواجهون معضلة هناك، إن تُركت المومياوات في أماكنها فإنها ستسرق للمتاجرة كما حدث مع الكثير منها (قبل أشهر، اكتشفت الحكومة المصرية مومياء بيروفية مهربة إلى هناك)، وإن أخذت إلى المتاحف للعرض أثار الأمر إعتراضات أخلاقية من البعض، الذين أشاركهم الرأي. كنا نتناقش كثيراً حول الأمر، أنا والدكتور الألماني، وكنت أخبره عن اعتراضي على عرض المومياوات في مصر، ربما باستثناء فرعون للتوصية الإلهية، لكن لماذا يخرج الآخرين من مستقراتهم ليعرضوا على الناس؟. من يتخيل نفسه بعد مماته وقد أصبح مجرد فرجة.
وما زاد الطين بلة، أنه رتب لوجود حصان لحملي عبر جبل وعر، لرؤية أثر قديم، ولكن الحصان لم يأت، فهوّن الأمر، مع علمه بأن قدمي غير سليمة، وتسلقنا لحوالي 4 ساعات، وكنت أرتدي حذاء مطاطي كتم قدمي وأساء لجرحي كثيراً، وليت الأثر كان يستحق المشقة، كان على بعد كيلو مترات بعيدة، تكاد لا تتبين منه شيئاً، مما خيب ظني إلى أقصى حد. وحينما نزلنا، وخلعت الحذاء، كان جرح قدمي قد التهب بشدة، فناديته، وأريته إياه. بدا عليه نوع من القلق، وكنت أشعر بمرارة.
وما زاد بلة الطين بلة، هو أننا حينما غادرنا بالسيارة وجدت أثر مشابه، أقرب وأفضل بكثير، ويمكن رؤيته وتفحصه بلا عناء، فلماذا تسلقنا الجبل إذاً؟!.
ربما خير ما في ذلك اليوم هو دخولنا حديقة قرب المتحف، تكثر فيها أنواع مختلفة من الطيور الطنانة، أمنية حياتي منذ أن رأيتها بالتلفاز، كنت بعمر 7 أو 8 سنوات، ورأيتها أخيراً. تأثرت بشدة، إنها من أجمل مخلوقات الله.

بالفندق، تواصلت وأخي الذي يقيم في أمريكا للدراسة، وكنا نتكلم من يوم إلى آخر عبر الانترنت. أخبرته بأحداث اليوم، فجن جنونه، وأصر على أن لا أذهب في اليوم التالي إلا إلى الطبيب، ثم أعود إلى الفندق، حتى لا تصاب قدمي بمكروه. كان يعلم بالتهاب قدمي مسبقاً، وأن الطبيبة في تروهيليو، باتفاق أطباء آخرين حضروا ليروني، قد وجدت أن قدمي ملتهبة بشدة، وكان الجلد منتفخاً وبلون مختلف، وقد قصت الكثير من الخلايا الميتة وقامت بالتعقيم، وأعطتني بضعة مضادات حيوية. لا يزال أثر الجرح واضحاً في قدمي، وأحياناً ينز بعض الصديد.
أخبرت كارلا بأني لا أريد الذهاب غداً للتمشية، أريد الطبيب فقط، وفي المرات القادمة لا أريد أي مرشد ذكر طوال رحلتي، لا أريد سواء إناث لمرافقتي في جولاتي، ولو كانت امرأة في التسعين من عمرها وتحتاج إلى تعضيدي لتمشي. ضحكت كارلا رغم أنها عبرت قلقها على قدمي، ورتبت لحضور أحد في الصباح الباكر لأخذي إلى الطبيب. ثم تناقشنا بأمر الرجال، أخبرتها بأنهم يميلون لعدم المسئولية، والإحساس العقيم وغير الضروري بالمنافسة، كما أنهم لا يملكون المعلومات الكافية ولا الجدية الكافية تجاه الأمر، بالإضافة إلى أن النساء أذكى.
جائت الفتاة الطيبة، التي ساعدتني قرب الانهيار الجبلي، في صباح اليوم التالي، وأخذتني إلى طبيب في البلدة الرئيسية تشاتشابوياس.
وهناك، وجدنا مرشدي في اليوم السابق، وكان متوتراً بشدة، ودخل معنا إلى الطبيب. فحص الطبيب قدمي جيداً، وقال بأنها على ما يرام، لكنها تضررت أمس من الحذاء المطاطي الذي زودوني به وقوة المجهود، لكن لا خطر إذا اتبعت تعليماته. أوقف المضادات الحيوية، ومنع الأحذية المغلقة، والمشي المتعب والتسلق.
حينما خرجنا، سألتني الفتاة إن كنت أريد أن أخرج اليوم في جولة، أخبرتها بأني أريد أن أعود إلى الفندق. كانت قدمي تؤلمني، وكانت تجربة اليوم السابق سيئة. لكنها حاولت إقناعي بأن أذهب في جولة بسيطة، ولن تكون متعبة، لأنها لا تريدني أن أضيع يوما وأيامي محدودة هنا، وقالت بأنها تريدني أن أستمتع بوقتي. سألت إن كنت أريد لويس، مرشد أمس سيء الذكر، الذي يقف بالقرب بتوتر ويتظاهر بأنه لا يسمع، أن يصحبني، أو أريدها هي؟. قلت بأني أفضل لو جاءت هي، إن كانت تملك الوقت وتريد ذلك، وإن جاء لويس فلا بأس، لكني أفضلها هي. ابتسمت، ورافقتني في جولة رائعة. كان معلوماتها عن كل شيء حول المنطقة ممتازة جداً، لم أسأل عن شيء لم تستطع أن تجيبه على نحو مرضٍ جداً. وكانت مثقفة جداً، ومحترمة جداً، ولطيفة جداً، وبدا أنها أعمق تدين ومحافظة حتى من الأخريات اللواتي رأيت، رغم تدينهن نسبياً. 
كانت فتاة واسعة الاطلاع، مهذبة على نحو لا يوصف، وخجولة. ومعلوماتها حول المكان غير عادية، إنها تعرف كل التفاصيل، وذات اطلاع كبير على تاريخ المكان الذي تنتمي إليه انتماء صميم.
وقطع المسافات بين المواقع في تلك المنطقة يستغرق وقت طويل جداً، حيث أن الطرق الجبلية ملتوية، وأحيانا تسدها الانهيارات الجبلية بعد موسم الأمطار. لكني استمتعت كثيراً بهذه الرحلات على السيارة، ففضلاً عن جمال المناظر المتغيرة، كانت أحاديث الفتاة ممتعة، واهتماماتها أتاحت النقاش والتحدث المطول؛ حيث تحب الأدب والقراءة.
على جانب الطريق من جهة الجبل، تجد أحيانا الماء ينز من الجدار المحفور على جانب الطريق، وهو منظر بديع يسرني كلما رأيته، ويقنعني بأني سأكون أكثر رضا فيما لو عشت هناك.




ذهبنا لرؤية بعض الأماكن الأثرية المميزة. وبالواقع، ترى الآثار في مختلف الاماكن بالجبال، تُفاجئ بالتماثيل بمواقعه المستحيلة في مختلف الأماكن، أو البيوت الصغيرة التي استعملت للدفن، وأخرى استعملت للسكن، ولا يدري المرء كيف كانوا يصلون إليها، ويعيشون فيها وأطفالهم بمأمن عن السقوط، في تلك السفوح شديدة الانحدار.






في هذه الصور الرديئة، لا أدري إن كان من الممكن تمييز المنازل على جانب الوادي هذا، هي الفراغات ذات اللون الترابي بين الأشجار، وهي بيوت بعض الأولين من حضارة التشاتشابوياس. يصعب الوصول إليها، لكن يصل إليها بعض المغامرين، ربما بحثاً عن الغنائم، أو لمجرد الفضول. وهي تتواجد بكثرة، مثل التماثيل التي تحمل الجثث. كثرة الأثار تشكل عبئاً (!!) على الدولة، فيصعب الحفاظ عليها والسيطرة على شئونها، ورعايتها. وهم يكتشفون المزيد من الآثار المميزة طوال الوقت في مختلف أنحاء البلاد، في الأماكن التي طالها التحضر على الأقل في الأزمنة القديمة (أي باستثناء حوض الأمازون إلى حد بعيد).













أفزعني هذا النوع من الصبار في أول مرة رأيته. فهو عملاق، غير الذي نرى هنا في محلات الزينة وفي الصور. ولونه مائل للزرقة على نحو عجيب، إن أسعفتني قدراتي المتواضعة على وصف الألوان. ينتشر بكثرة على الجبال في هذه المنطقة، وما تطوله أيدي الناس منه تجد مقطعاً بحرفية بسكاكين، ذلك أنه له استخدامات كثيرة، يعالجون به مشاكلهم الصحية، ويحسن الشعر ويكافح بثور الوجه. وهو يزهر على نحو غريب، هذه الأشجار الطويلة هي طريقة الصبار في الإزهار والتكاثر، تصل بالطول إلى بضعة أمتار، وهي تشبه الزخارف، ولكنها زخارف غريبةومثيرة للقشعريرة. وحالما تقضي هذه الأعمدة مهمتها، تموت النبتة.

رأينا كذلك بيوت صغيرة مبنية في تكهفات على السفوح تنتشر في أماكن مختلفة بالمنطقة، وهي عجيبة المنظر، تستخدم غالباً كمدافن. ورغم أن المطر لا يصيبها بفضل موقعها، إلا أنها ذات سقوف مائلة، وهي مسألة رمزية بالنسبة للقدماء.




أما من أغرب الأشياء في البيرو عموماً، هو صنيديقات صغيرة على شكل بيوت، أحياناً تحوي صورة لشخص، أو دمية صغيرة، أو السيدة مريم عليها السلام كما يتخيلونها، ويتركونها مع رسالة أو لويحة أو بلا شيء على جانب الطرق الطويلة. أفهموني لاحقاً بأن هؤلاء أشخاص توفوا في حوادث في تلك الناحية من الطريق، وتترك هذه الصناديق كتذكار لهم. يأسف المرء حينما يرى صور أطفال صغار، لعلهم كانوا يقطعون الشارع إلى مدرسة.



هذه صور متنوعة من تلك المنطقة، قبل أن أتحدث في التدوينة القادمة عن جولتي بالقلعة الأثرية إن شاء الله.








لحسن الحظ، يأتي كمبيوتر قوقل الجديد الذي اشتريت بعرض يوفر لمشتريه سعة تيرا (ألف قيقا) من السعة التخزينية على خدمات قوقل لمدة 3 سنوات، وقد حصلت من خلال الجهاز الذي فسد مؤخراً على مئة قيقا اضافية لمدة سنتين. كنت أفكر دائماً بأني لا أحتاج أكثر من المساحة المجانية، خصوصاً مع وجود 50 قيقا مجانية من خدمة بوكس، حصلت عليها من خلال جوالي. لكني بت أعتمد على نحو متزايد على حفظ أشيائي على الانترنت، وليس فقط النصوص التي أحفظها على الانترنت منذ سنوات طويلة، لكن كل الأشياء الشخصية، من صور وخلافه. وكنت قبل فترة قد بدأت بالقلق، بسبب كميات الصور وأحجامها الكبيرة.
للأسف، لا يستفيد الكثير من الناس من خدمات الانترنت المميزة هذه. أعتقد أن الأشياء الضرورية من الأفضل حفظها على الشبكة، في حساب خاص، بدلا عن هارددسك أو فلاش (كم أضعت من فلاش ضروري، أو فسد فجأة).



الخميس، 20 يونيو، 2013

أجنّة مَلَكية في رحم الأرض (المحطة الثانية بالبيرو،قصيدة،جهاز،أحداث)



بسم الله الرحمن الرحيم






لا يبدو لي وكأنما مر أكثر من شهر الآن على عودتي من البيرو. إني أتغير كذلك لألائم مكاني الآن، لقد كنت أفضل حالاً هناك، أتغير رغماً عني لأصبح أقل حيوية، وأقل إقبالاً على الحياة، فماذا يوجد هنا؟.

لكن بوسعي أن أقول بأني حيّ على مختلف الذكريات الجيدة، سواء من البيرو، أو الصداقات الجيدة التي حضيت بها؛ إذ إلى جانب مشاعري الطيبة من البيرو، أعتاش حالياً على مراسلاتي مع الدكتور الألماني، حيث نتراسل بانتظام، وهو يحرص على ذلك رغم أن المراسلة الجيدة، والمواضبة عليها، ليست من عاداته المتأصلة، لكن لعلي زرعت فيه هذا، ربما.
لا أصدقاء لمقابلتهم على نحو دوري أو غير دوري، ولا أرى الوضع يتغير قريباً.


حدث أن صادفت شخص عزيز مؤخراً، عزيز وإن لم نعد أصدقاء. تكلمنا لبعض الوقت، وكان التقارب من جديد ممكن. لكني فكرت لاحقاً، ووجدت أن سبب نهاية صداقتنا قابل للحدوث مرة أخرى، إنه أمر يتعلق بطبيعة المرء، ولم يعد بي طاقة لمواجهة مثل تلك المواقف غير الضرورية.




توقفت في التدوينة الفائتة عند رحيلي من تروهيليو. وصلت إلى تشيكلايو بالحافلة، واستقبلتني امرأة في أربيعناتها ترفع اسمي على لوحة، قالت بذهول حالما عرّفتها بنفسي:" لكنك لست مسناً!"
اتضح بأن كارلا اتصلت لتوصي علي، وأخبرتهم بأن يعتنوا بأمري لأني أمشي بصعوبة، وأني كثير النسيان فيجب تذكيري بالأمور دائماً ومتابعتي (!!). انفجرت ضاحكاً. هذه أمور حقيقية؛ إني كثير النسيان، لقد نسيت كاميراتي في ليما، في حقيبتي الكبيرة، ولي سوابق أخرى كذلك. استشفت هذه المرأة الطيبة من التوصيات أني شيخ مسن، إذ أن كارلا سألت بأن يرفقوا بي لمشكلة في قدمي، وأن لا أترك لأمشي طويلاً.
اسمها ماقي، وقد يحسبها المرء مصرية، مصرية جميلة. وهي بالإضافة إلى عملها السياحي تعطي دروس في الجامعة المحلية، وتواصل تعليمها العالي كذلك. ومثل معظم البيروفيات اللائي التقيت؛ هي امرأة أنيسة وحسنة الحضور، محافظة ومتدينة لكنها منفتحة على غيرها، وليس الحكم المسبق من سماتها. قالت بأن فندقي بعيد جداً، فقلت سعيداً بأن هذا جيد، أريد أن أتمشى وأرى المدينة. ضحكت وقالت شيء للسائق، ثم أخبرتني بأن فندقي بالواقع خلف محطة الحافلات بمسافة قصيرة. دخلنا الفندق، ورتبت أموري معهم، واتفقنا على اللقاء مبكراً في اليوم التالي.
في الصباح جائت مع سائق آخر، ذو مظهر غريب جداً في ذلك المكان. اسمه قوادالوب، وهو رجل فارع الطول، شديد البياض على بعض الحمرة، وذو شعر ذهبي ناعم وعينين زرقاوين، ولم يكن يتحدث الانقليزية. ذكرني مظهره بصديقي الدكتور الألماني العزيز، فبينهما شبه لا تخطئه العين، فقوادالوب وسيم جداً كذلك. أفهمتني ماقي أن قوادالوب يأتي من منطقة قريبة من الأدغال، وأشكال الناس هناك هكذا. عرفت لاحقاً بأن جالية كبيرة من ألمانيا والنمسا قد جائت لاجئة إلى البيرو بعد الحرب العالمية الثانية، وقد منحتهم الدولة أرض ليستقروا بها. لعل الرجل من هناك.
ذهبنا إلى منطقة غريبة، تحوي جزء مما يسمى بالغابات الجافة، وهي غابات نادرة تعيش على القليل من الأمطار. وخلف الغابات توجد آثار، أو ما تبقى منها، لحضارة قديمة تسمى الموتشي. وهي عبارة عن اهرامات أو ما يبدو كجبال الآن بعدما طالها الإهمال والتخريب. على طول الطريق، يرى المرء كسر فخارية هنا وهناك، متروكة رغم عودتها لقرون خلت، وربما أكثر. قالت ماقي بأنها غير مهمة لأنها مجرد كسر، بينما لديهم الكثير من الآنية والأدوات المكتملة، فتترك هذه لطلاب الآثار.
يوجد شجرة هناك لدينا الكثير منها هنا، يبدو أنها بشكل ما جلبت من هناك، كما جلب النخيل من هنا إلى أماكن أخرى. لا أعرف اسمها، لكنها تثمر ما يشبه الفاصوليا او البازيلا، حبيبات يغلفها غشاء، وسرعان ما تجف وتقع. نراها في بعض الشوارع في مواسم معينة تملأ الأرض هنا، ولم أكن أحسب لتلك الثمار فائدة. لكن هناك، يصنعون منها بعد جفافها شراب ثقيل غامق اللون، يشبه الكاكاو أو القهوة، وله كذلك طعم يقارب الكاكاو. هذا الشراب اللزج والحلو يضاف إلى مختلف المأكولات والمشارب، كنكهة يمكن فهم تفردها حينما يذوق المرء نقطة من السائل اللزج، فهو ذو طعم مركب حقاً وغير عادي. قيل لي أنه مفيد، وسمحت لي عجوز طيبة أن أذوق شيء مما صنعت منه، حيث تعبئه في قوارير وتبيعه على زوار المنتزه. ليتنا نستفيد مما لدينا. حينما أجدها سأرسل إلى المرشدة العزيزة ماقي لأرى إن كانت تعرف كيف يصنع الشراب.







كان يوجد الكثير من تلك الجروف العظيمة، الأشبه بالأهرامات، التي كانت تستخدم للطقوس الدينية ولسكنى علية القوم، لكن للأسف، كانت الأرض مملوكة لشخص طماع، اسباني الأصل على الأغلب، وقد جرف معظم الأهرامات بعدما علم عن امكانية وجود مقابر قديمة تحوي الكثير من الذهب فيها. وقد كانت كذلك. لم توقفه الحكومة إلا بعدما قضى على معظمها. كما أن الزمن لم يرفق بها، فقد يحسبها المرء جبال طبيعية لفرط التعرية التي أصابتها.
على نحو ربما يختلف نوعاً ما عما شعرته في معبد الشمس في تروهيليو (راجع التدوينة السابقة)، شعرت بشيء غريب في ذلك المكان كذلك، أمر غير مريح، قابض للنفس وربما مخيف على نحو غامض. صعدنا على أحد الجروف، وتكلمنا لبعض الوقت عن التاريخ ومحيطنا وحتى عن الحياة الآن. بعدما نزلنا ونحن نأخذ الطريق الذي قطعناه سابقاً، سألت ماقي إن كانت قد سمعت أو عاشت أي قصص غريبة بالمكان هذا؟. قالت بأنها تسمع الكثير، لكنها بالواقع لم تعش سوا واحدة؛ رافقت سائحة اسبانية بالمكان، وبعد بعض الوقت بدا الارتباك على السائحة وكانت تسأل إن كانت ماقي تسمع أصواتاً. لم تسمع ماقي شيء، وكلما تقدموا زاد ارتباكها حتى لم تعد تتحمل، وانتابها الفزع وطلبت العودة فوراً إلى السيارة. حينما عادوا لم تعمل السيارة لسبب ما، وخط الهاتف الأرضي كذلك، يبدو أن هذا حدث قبل سنوات طويلة. مشوا مبتعدين عن المكان والمرأة تبكي فزعة، حتى وجدوا شخص أعادهم بسيارته إلى المدينة. اتصلت بها ماقي في وقت لاحق لتطمئن عليها، فأخبرتها بأنها بعد سماع الأصوات المُعذّبة بدأت ترى وجوها حولها، وأشخاص فوق الجروف.
يقيم بعض السكان الأصليون طقوس علاجية بالغة القدم في المكان نفسه كذلك، لعلها تتعلق بالسحر كذلك، كما يعطى المرضى أو المتعبون مادة تستخلص من السبار المحلي تسبب الهلوسة، تستخدم منذ قديم الزمان وإن كانت ممنوعة الآن، إلا أنه يغض الطرف عن هذه الأمور الثقافية.
كنت قد قرأت حينما كنت صغيراً، ربما بالثامنة أو التاسعة، عن معالجين هنا، من فئة الشامان (شعبيين بطاقات روحية غالباً)، يستخدمون حيوان الكوي (الخنزير الغيني، أو ما يسمى لدينا خطأ بالوبر) بطريقة عجيبة. إنهم يدعكون الحيوان الحي على مكان المشكلة في جسد المريض، ثم يذبح الحيوان ويفتح جسده بالسكين، ليتم الإطلاع على العضو المقابل، حيث سيجدون المشكلة نفسها أو ما يشير إليها بالداخل، بدلاً عن فتح جسد المريض. أخبرت ماقي وقالت بأنها تعرف هذا، لكنها لم تخضع شخصياً لهذا النوع من العلاج ولا تصدق به، وتعتقد بأنه نوع من السحر، لكنها قالت بأنها متأكدة بأن هناك حالات مثلاً حينما فتح الحيوان وُجد في أعضائه التي يعاني في مثلها المريض بقعة سوداء دالة.
ماقي امرأة متدينة كشأن الأغلبية وبالمقياس السائد هناك، وهي ليست من السكان الأصليين أو مرتبطة بثقافتهم.




بعد ذلك، ذهبنا إلى المتحف، وتكلمنا كثيراً بالطريق حول مختلف الأمور، وسألتني عن العرب والعربية والإسلام. في البيرو يسود جهل مطبق حول الإسلام خصوصاً، والعرب كذلك. سمعت أسئلة، بعدما أقول بأني عربي، من قبيل: ما هي لغتكم؟ حتى أن امرأة سألت إن كانت لغتنا الدنماركية. يتسائل البعض إن كان الناس في السعودية نصارى؟ الدين مهم بالنسبة إليهم إجمالاً، ويبدو أنه يصعب تخيل دين غير النصرانية. كارلا سألتني ذات مرة، وكأنما لتؤكد معلومة لديها: أنت "مُسلَمَان"، صحيح؟.
كانت ماقي مهتمة جداً، ومهذبة. يقال لي في أحيان كثيرة أن أقول شيء بالعربية. غالباً ما أشرح أصل اسم فاطمة المنتشر كثيراً هناك ويحسبه الناس اسبانياً، فأخبرهم بأنه بالواقع اسم ابنة نبينا عليه الصلاة والسلام المفضلة، أو أخبرهم كيف نقول مريم أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، وأشياء من هذا القبيل. وأجد التأثر والاهتمام بهذه المعلومات.
حدثنا قوادالوب عن ابنه، وهو صبي في الخامسة عشر من عمره وينافس في مسابقة رقصة المارينارا على مستوى الدولة، وهو سيخوض قريباً المنافسة، ويبدو أن الكل مهتم بنجاحه، فهم يأخذون الأمر بجدية كبيرة. تقول ماقي بأن الكل في المكتب الذي يعملون به يتابع المنافسة ويسأل عن ابن قوادالوب، الذي يحضر له والده مدرب متخصص، ليدربه هو ورفيقته بالرقصة، فتاة في الثالثة عشر. أراني فيديو قصير، وكان الصبي محترفاً، خفيف الخطوة، ورقصه جميل مع رفيقته الصغيرة.

وصلنا إلى المتحف، وهو متحف جميل، كانت أمامه مظاهرات أثارت ضحك ماقي، لاستخدام المتظاهرين أغنية حب، تتذمر من الحبيب وتصفه بالجرذ القذر لخيانته، في إسقاط على بلدية المدينة المنتخبة.
كان المتحف يعج بالذهب، المصوغات الذهبية المذهلة والعجيبة، حيث احترفت حضارات الشمال صياغة الذهب والفضة، وترصيعها بفن يعز مثيله بأشكال معبرة، ومشاهد كاملة من حياتهم. لكن للأسف، كان المتحف مظلماً لتركيز الإضائة على المعروضات اللامعة، وكنت قد نسيت كاميرتي بالعاصمة، وأستخدم جوالي فقط في الشق الأول من الرحلة. كانت الصور من داخل المتحف سيئة.
رأينا الكيفية التي يدفن بها ملوك المنطقة والحضارات المتعاقبة موتاهم، وكلها أساليب تعكس إعتقادهم المؤسف بعودة الملوك إلى الحياة. أم أنهم كانوا يفكرون بنوع من الآخرة، كالبعث لدينا؟ أي في دنياً أخرى؟. الله أعلم. الكل تقريباً يدفن محنطاً بإتقان بوضعية الجنين في الرحم، بعضهم يوضع مقلوباً رأس على عقب، وكأنما يوشك أن يولد، بينما يضاف إلى بعضهم أضاح من فتيات وكأنما هن على وشك الولادة، مع أخريات للمساعدة.
لا يمكن للمرء إلا أن يتأمل بأمر هؤلاء القوم الغرباء، آملهم ورؤاهم للحياة وما بعدها. ذلك الأمر، أو حتى الخوف، الذي يرافق الإنسان من حياة تالية، إذ يستعد لها ما استطاع، بما يعتقد أنه سينفعه، أو ما يعتقده أهله.

صرخة مولود...
لم ينجُ من ملحمة...
بطلها الدود...
حينما دفنوه كجنين بحزن...
أعدوه وكأنما سيعود...
وكأنهم لا يعلمون...
أن في هذه الدنيا مامن خلود...
وأن الأرض وإن كانت أماً...
فلم تكن يوماً رحمٌ ولود...


بالطبع، ما يوجد في العرض هي تماثيل متقنة. لكن الذهب والمعروضات الأخرى هي حقيقية. يوجد مجوهرات عجيبة وبالغة الجمال، وقد شرحت لي ماقي بأن بعض المجوهرات غير موجودة في البيرو، إنما أتى بها أهل ذلك الزمان بالتجارة على الأغلب من أمريكا الوسطى، وهذه دلالة على الاتصال بين تلك الحضارات. وقد شرحت لي ماقي تعقيد صنعهم للخلائط المعدنية للوصول إلى نتائج معينة، وهي عمليات بالغة التعقيد، وتبدي دون شك علمهم بالكيمياء والفيزياء على نحو شديد التطور.
يلبس أهل ذلك الزمان، في مختلف الحضارات في البيرو، ملابس جميلة جداً، للجنسين، وساترة، كيفما اختلفت من حضارة إلى أخرى، وهي تنم عن ذوق معقد وواعي لدلالات حسن المظهر والحضور. هذا فضلاً عن المجوهرات التي تزدان بالرموز وما يشبه القصص، وهي أيضاً تتحدث عن الذوق الرفيع آنذاك.
المتحف كان جميل جداً، ممتع جداً، بثراءه بالمعروضات الحقيقية، وإتقان تشكيل المقابر الملكية وطريقة تنظيمها ووضع الميت فيها، بكل ما يحوي الترتيب من رمزية بالغة.
استخدم الملوك والرهبان في الزمن القديم في الشمال قفازات ضخمة محلاة، لتقديم القرابين إلى ما يعبدون، وهي غالباً الشمس. حيث أن اليد البشرية أصغر وأحقر من أن تمد القربان. وتقول ماقي بأن بعض القفازات قد تحوي ميكانيكية معينة ليتمكن مرتديها من تحريك الأصابع والتحكم بها، ذلك أنه من المستحيل أن تدخل يده في أماكن الأصابع فعلياً.
ويرتدي الملوك والنبلاء وعلية القوم الكثير من الذهب على ثيابهم في المناسبات، لتعكس الشمس أمام الشعب وتظهر المرء بأبهة وتقرب من تشابهه بالآلهة. كما يرتدي بعض الشامان حلقات أنفيه ذهبية كبيرة وبأشكال مختلفة، تغطي الفم بقرص وأحيانا تمتد لتغطي على نحو أنيق جزء من الخدود. الغرض منها مختلف عليه؛ يقترح البعض بأنها لإعطاء عمق لصوت لابسها، وآخرين يعتقدون أن الغرض منها إظهار الحياد والعدل، بحيث لا يرى الناس تبدل تعابير الوجه، فلابسيها قد يكونون قضاة.


في نهاية المعرض، يوجد تماثيل متحركة في غرفة، تظهر ملك وحاشيته بملابسهم الأصلية، والعازفين والقادة الحربيين، لإعطاء فكرة عن حضور اولائك القوم. وهي تطلق أصوات عالية من الأدوات الموسيقية وصيحات الحاشية وضربات أسلحتهم على الأرض. أحد الأطفال اختبأ خلف أهله بسم الله عليه. بالواقع، كان وجود التماثيل والأصوات المصاحبة وحركتها مخيفة إلى حد ما، لتظهر مدى الهيبة التي تمتع بها علية القوم ربما في سالف الأوقات.

كمعظم المتاحف، ينتهي المتحف بمحل لبيع التذكارات. دخلنا وسألت عن بعض الأمور بمساعدة ماقي، ثم تركتني أتفرج كما يحلو لي وخرجت لتتحدث وتضحك مع بعض العاملين بالمتحف. يعرف المرشدين غالباً العاملين بالمتاحف والمواقع الأثرية معرفة وثيقة. كانت البائعة بالمحل امرأة كبيرة بالسن، رمادية الشعر، من السكان الأصليين، وهي ذات ملامح جميلة وحضور مريح، وكانت بنيتها كبيرة، أكبر من المعتاد، على الرغم من أن أهل الشمال عموماً ليسوا صغار البنية. اشتريت بعض الأشياء، وخرجت إلى ماقي، حيث اشترينا ماء لنا ولقوادالوب. وحينما هممنا بالخروج كانت البائعة بالمحل تنظف الرفوف العليا بطريقة مضحكة بالمكنسة، فعلقت ماقي باللغة الاسبانية فضحكوا، سألت ماذا قلت لها؟ قالت ماقي بأنها سألت إن كانت تؤدي طقوساً سحرية بهذه المكنسة. قلت: آه، يعني بروخا؟ (بروخا تعني ساحرة باللغة الاسبانية) ضحك الجميع وماقي التي قالت نعم، بروخا. قلت لكنها  بروخا جميلة جداً، فضحكت ماقي كثيراً وأخبرت الجميع بالاسبانية بما قلت فضجوا بالضحك، وضحكت السيدة المسنة وودعتنا شاكرة.

بعد المتحف، أخذنا قوادالوب للغداء في مطعم جميل، وقد اختارت لي ماقي، حيث طلبت منها ذلك، طبق أرز كانت قد وصفته لي. إنه يطبخ بنفس طريقة طبخ الكبسة النجدية، لكن بمكونات مختلفة، وطعم مختلف كذلك، وهو من أكثر المأكولات شعبية، خصوصاً في الشمال والوسط، حيث يكثر استهلاك الأرز. بالواقع، الأرز في البيرو من أطعم ما تذوقت على الإطلاق، وهو بالشمال غذاء يومي كما هو لدينا، لكنهم يزرعونه بكميات كبيرة، ولا يستوردونه، وفي رأيي جودة الأرز هناك لا تضاهى، وهو من النوع الذي أحب (لا أحب الأرز ذو الحبة الطويلة الذي يحبونه الناس لدينا). ذهبت ماقي ثم عادت وسألتني إن كنت أسمح لها بالجلوس معي إلى الطاولة. فوجئت بالطلب وأصررت أن تجلس، وتسائلت باستنكار لماذا حتى تسأل؟ قالت أن بعض السياح لا يحبون أن يجلس معهم المرشدون، ووصفت فعل بعضهم الأشبه بالطرد، وقد بدا على ملامحها الرقيقة الجرح والاستياء. يا له من أمر مؤسف، لماذا يأتي الناس إلى بلدان أخرى ولا يريدون أن يتعلموا من أهلها وعنهم شيئاً، ويتعاملون بفوقية كذلك. تكلمنا كثيراً حتى جاء طعامنا. كان الأرز الذي طلبته لي كما وصفته؛ أخضر اللون، بقطع دجاج تتخلله مثل الكبسة الحقيقية. كان رائعاً فوق الوصف. أخبرتها بأن الكوكاكولا رائع في البيرو، أفضل حتى مما تذوقت في مطار أمريكا وطائراتها، أعتقد أن السر يكمن في جودة السكر، حيث يضيف الأمريكان شراب الذرة كمحلي، لكونه أرخص فهم ينتجونه بكميات ضخمة، عكس السكر، أما في البيرو، فالسكر صناعة مهمة وبجودة عالية. قالت ماقي بأن السياح من أمريكا يقولون بأن الكولا أفضل في البيرو كذلك. إنها مثلي، عاشقة كبيرة للكولا، لكنها تحاول التقليل منه. وقد واجهت مشكلة كبرى حينما حملت بأبنها الوحيد، حيث توحمت على الكوكاكولا، وحدث أن تعبت في حملها فتركها زوجها لدى والدتها لتعتني بها، فكانت والدتها حازمة في منعها للكولا، مما كان يجعلها تبكي بالنهاية، وحينما يأتي زوجها من العمل ليراها يحضر لها قارورة.
غادرنا بعد الطعام إلى الفندق، لأرتب أغراضي حتى أمضي مساءاً إلى محطة الحافلات لأغادر تلك المدينة. بالمحطة لم تكن ماقي معي، ولا قوادالوب، أنزلني نفس السائق الذي استقبلني مع ماقي بالمحطة، حيث واجهت بعض الصعوبة في البداية حيث لم يتحدث أحد الانقليزية، قبل أن يُكتشف أمري بأني قلق ولا أعرف الاسبانية، فتعاطفت معي موظفة الاستقبال، واتصلنا بكارلا التي أخبرتها أني لا أدري متى تحل حافلتي بالضبط ولا أفهم النداء. فاعتنت بأمري. ولما جائت الحافلة أخذني شيخ يعمل بالمحطة وأراني مقعدي، وفتح لي منفذ التكييف في الأعلى وشرح لي بأنه الذي يقول: سس سس. جزاه الله خيراً، كم قدرت هذا اللطف.

غادرت الحافلة إلى محطتي القادمة، في جبال الانديز، حيث كان يجب أن أولد.


هذا ما لدي لهذه التدوينة، فيما يخص الرحلة.


اشتريت جهاز كمبيوتر، كرومبوك بكسل Chromebook Pixel، يعمل بنظام كروم من قوقل، مثل جهازيّ السابقين، سوا أنه الأعلى تكلفة ومواصفات. ورغم أني صدقاً لا أحتاج إلى مواصفات عالية، إلا أن خراب الجهاز السابق دون أن يكمل سنة جعلني أريد جهاز أقوى بنية ومكونات. لم أتمكن من شراؤه من متجر قوقل الرسمي، لكن هذا كان لحسن الحظ، حيث أن نسخة انترنت الجيل الرابع التي أردت كانت تكلف 1450 دولار، بينما وجدت رجل حصل عليه على ما يبدو من مؤتمر قوقل، حيث وزعته على الحضور، وكان يريد بيعه وهو لم يستخدمه أو ينزع تغليف المصنع، وقد باعه لي بـ1150 دولار. حالياً، يعتبر الجهاز صاحب أنقى شاشة في لابتوب يباع بالسوق، وشاشته عجيبة من حيث النقاء، وهي تعمل باللمس كذلك. له هيكل معدني أنيق، ومفاتيحه تضيء نفسها حينما تقل الإضاءة بالغرفة تلقائياً. وله خط مضيء خلف الشاشة، وجوده مجرد إضافة جمالية للجهاز، يضيء بألوان مختلفة، وهو لا يفيد المستخدم لكنه يجعل منظر الجهاز جميلاً ولافتاً للنظر، وربما جاذباً لبدء المحادثات مع الآخرين.








أما بالعمل، فالأمور إلى حد ما أفضل بالنسبة لي مما كانت عليه قبل سفري إلى البيرو، ارتحت في ذلك البلد واكتسبت بعض الإيجابية، لكن إن شئت أن أكون أكثر رضاً، فلا بد من العيش هناك، وهو ما لن يكون.
وجدت أن مواقف البعض تغيرت كذلك، ولا أدري ما السبب، لكنها تغيرت للأفضل.

لكن ما لم أعد أحتمله هو بعض المراجعين من النوع السيء. وبصراحة، معظمهم من الباكستانيين البنجابيين. يا إلهي، كم أجد احتمال بعضهم صعباً، الإلحاح، الكذب، التذاكي، المخادعة، رفع الصوت، المواقف الطفولية، كل هذه المساوئ تجتمع بهم على نحو عجيب، فهم ينقصهم الرشد إلا من رحم ربي. قد يقول أحدهم بأن ورقة قدمها، ضمانه، لم يرى فيها الموظف مشكلة قبل يومين، لماذا ترفضونها اليوم؟ يحاول المرء أن يشرح بأنه لا يوجد ختم ولا شعار والورقة غير مصدقة أو موقعة بأي شكل، مجرد ورقة مطبوعة يمكن لأي كان كتابتها، وأن الموظف، إن كان هذا صادقاً، كان مخطئ بقبولها، يتصرفون كالأطفال، مطالبين بأن نقبل الورقة العجيبة هذه، بكل مسئولياتها المالية والأدبية، لأنهم يدعون أن موظف من هنا لم يخالف عليها وهذا الرجل الباكستاني يعتقد أنه لهذا غير مسئول عن هذه الغلطة!. هذه النظرة الطفولية تجاه الأمور تجعلني أفهم لماذا دولتهم فاشلة، لأن هؤلاء مع الأسف هم المسيطرين على الأمور هناك، فنحن في نعيم من حيث العقول بالمقارنة.
وآخر، يساعد صديقه الذي يريد إصدار تأشيرة للخروج النهائي، وأخذ نسخة عنها (هي بالأساس مجرد ورقة مطبوعة، فلا يختلف الأصلي عن المنسوخ لأن المهم هو الرقم) دون أن يفي بالمتطلبات، فقط لأنه لا يريد ذلك. ثم يبدأ، المرافق، وليس صاحب الشأن، بسب النظام، والجامعة، ورفع صوته. أرى بوضوح بأن الكثير أنظمتنا فاشل، وأن الغالبية العظمى من الناس الذين أرى، الأجانب، لا يستحقون هذا العذاب بالإجراءات المعقدة، وليس القوانين بحد ذاتها، لكن بمواجهة مثل هؤلاء، أشعر بأن البعض لا يستحق أفضل من هذا.
كان صاحب الشأن هادئاً، وقد ترك كل النقاش للآخر، وهو ملتح متدين على ما أفترض. أخبرته بهدوء بأن هذا ليس أسلوب للتعبير عما يرى، قد لا يكون النظام عادلاً في رأيه، لكن الانتقاص من الناس والجامعة أمر سيء، وأني أقترح أن ينتبه لما يقول ويختار كلماته على نحو أفضل. علماً بأني كنت أترجم بينه وبين الموظف المختص، ولست أعطيه معلومات من عندي.
في اليوم التالي، جاء صاحب الشأن وحده، وقد أوفى بالمتطلبات في حالته، التي صدقاً ليست صعبة الإيفاء في الظروف العادية، وظروفهم كانت عادية ولكن كان ذلك المرافق يريد أن يفرض رأيه فقط ويقوم بالأمور حسب طريقته. ناداني زميلي، حيث طلبني صاحب الشأن، وقد حصل على تأشيرته وانتهى من الأمر، سلم واعتذر عن اسلوب زميله معي أمس، من رفع للصوت وتعبير سيء، وقال بأنه ما كان يجب أن يتصرف على ذلك النحو، لكنهما كانا مشدودان لعملهم على إنهاء الإجراءات المختلفة منذ ستة أسابيع. قلت بأنه لو كان أهدأ فقط وظهر بموقف أفضل لربما كان يمكنه سماع الرأي وفهم الدوافع خلف المتطلبات. اعتذر مرة أخرى، وودعني راحلاً. قدرت اعتذاره كثيراً، لأنه كان سيرحل وغير مضطر لهذا.
وعلى أي حال، لا يجب الخلط بينهم وبين الباكستانيين المألوفين، الذين يعملون بالمهن الحرفية هنا، من ذوي الأجسام الكبيرة، فهم مختلفون، هؤلاء الضخام من البشتون، وهم أفضل بكثير من البنجاب.
يوجد بالطبع استثناءات رائعة، عرفت أناس منهم من أروع من عرفت، دكتور في كلية الهندسة، ذو لحية كبيرة وعيون يكحلها بالاثمد، كان رائعا، رغم أنه انتقل للأسف إلى حائل، كما أني أشك بأنه من البنجاب. وبعض الدكتورات كذلك. وفي واقع الأمر، النساء دائماً أفضل من الرجال، أو في معظم الأحوال والاجناس.





اليوم، رأيت دكتور اردني بالمصعد، في عملي بالجامعة. كان المصعد مزدحماً، وكان يقف في آخره، بينما أنا أمام الباب الذي أوليته ظهري، حتى أواجه الآخرين احتراماً. كنا قد تناقشنا قبل وقت طويل، وللحظة فقط، حول أمر يتعلق باللغة العربية، ووعي الناس بها. لا أتذكر ماذا قلنا، لكن، أتذكر بأنه بعد تعليقي ورأيي، نظر بطريقة غريبة وأنهى النقاش مودعاً. بدا بأنه لم يتوقع أن يسمع رأياً، أو ربما استعدادي للتعليق على رأيه، حيث أتذكر بأنه أبداه بعدما علق على كوني الموظف الذي يتحدث الانقليزية، قد أجفله بشكل ما. أثار الأمر استغرابي في ذلك الوقت.

حينما خرجنا من المصعد، سلم علي وصافحني فجأة، قائلاً بأني أأدب شخص بالجامعة، داعياً لي بالتوفيق. ثم سألني إن كنت متزوجاً؟ قلت لا، فقال بأنه لو كان لديه بنت لزوجني.
قدرت ذوقه اللطيف كثيراً، رغم أني لا أفهم صدقاً كيف كوّن الانطباع، حيث أني بالمجمل أعمل غالباً مع غير العرب، لحاجتهم إلى مترجم.
مثل هذه اللفتات التي تأتي بلا مقابل هي معروف حقيقي بالنسبة لي، معروف لا أحصل عليه إلا فيما ندر.




أفكر بشراء دراجة قريباً إن شاء الله، وأريد أن أزودها بمقعد خلفي حتى أوصل والدتي عليها إلى مواعيدها بالمستشفى... أمزح، تخيل. لا، أريد أن أحمل أبناء أخواتي وإخواني الصغار بجولات عليها. لقد كنت أتمنى دراجة منذ زمن طويل، وقد حان الوقت.





سعد الحوشان

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

رحلة قلبية إلى توانتنسويو (سفر،أحداث،قصيدة)

بسم الله الرحمن الرحيم







كانت مهمة أخذت أكثر من نصف سنة إعداداً، هذه الرحلة، وقبلها سنوات قراءة واطلاع، حتى جاء القرار الأول من نوعه.
كنت سأذهب إلى البيرو. عدت الآن، ولكن بروح مقسومة، وبذهن عاشق آسف وسعيد بذات الوقت؛ لقد عشقت ذلك البلد، عشقت تاريخه البعيد، عشقت أهله الأصليين، عشقت وجودي هناك، عشقت امنياتي التي تحققت فيه. إنه حديقة صنعها الله سبحانه، وزينها بكل نعيم دنيوي.

لأهلها الكرام انقلوا عني سلامي...
وغلّظوا عن عودتي وعدي وأقسامي...
وإن سبق القدر أيماني...
ففي حمى واديها المقدس ادفنوني...
وازرعوا نخلة في جواري...
تؤنس وحدتي في طول مقامي...
وبجذورها الطاهرة تواسي منامي...




(يحوي موسيقى)

اشتريت التذكرة في نهاية 2012، قبل سفري بحوالي 6 أشهر، بعد بحث وتمحيص لأفضل الخيارات. لحسن الحظ، كانت التذكرة رخيصة نظراً لطول الرحلة. أما البرنامج هناك، فقد كان أمره أكثر تعقيداً. كنت أخطط للقيام بكل الحجوزات بنفسي، لكني خلصت في النهاية إلى أني سأضيع الكثير من الوقت والجهد، وسأخاطر كثيراً براحتي ومالي بهذه الطريقة. قررت الاستعانة بشركة متخصصة من ذلك البلد الذي لم أتمنى زيارة مكان أكثر منه في حياتي. راسلت شركة سياحية معروفة، بنموذج بسيط على موقعهم، يسأل المرء عن اهتماماته، ماذا يريد أن يرى ويفعل، وكم سيمضي. فكرة الشركة هي بناء برنامج بمشاركة العميل، وبتخصيص موظف لكل عميل للعمل معاً. سرعان ما ردت امرأة لطيفة، وزودتني بعرض مبدئي، وذلك على صفحة مخصصة لي على موقعهم، تحوي كل بيانات برنامجي ومدفوعاتي وأي تفاصيل أخرى، بحيث يمكنني التعليق على الصفحة والبريد، والبدء من هذا النموذج. كان البرنامج تقليدياً، وبسعر معقول، أو حتى مغرٍ جداً. سأبقى هناك لشهر كامل، ولدي ميزانية محددة.
كنت قد قلت بأني أريد أن أرى الطبيعة، والآثار ما قبل الاحتلال الاسباني، والثقافة. البرنامج الذي أرسلته الموظفة كان ما يسمونه طريق القرنقو على ما أعتقد، وهو الاسم الذي يطلقونه على الأمريكيين عموماً. لم يشمل كل ما أريد رؤيته، فقط الأشياء التي يعرفها السياح بالعادة، ويسهل عليهم الوصول إليها بخط رحلة غير مكلفة. كان هناك الكثير مما أريد رؤيته ومعايشته ولم يكن البرنامج يأتي على ذكره، على نحو مفهوم.
ربما استغرق العمل على البرنامج حوالي 4 أشهر من المراسلات المستمرة والتعديل، حتى وصل عدد العروض إلى تسعة.
بالنهاية، توصلنا إلى اتفاق جيد، وكانت المرأة، واسمها كارلا، صبورة إلى حد مذهل، فأنا بصراحة مزعج من حيث الاهتمام ببعض التفاصيل بهوس، وكثرة الأسئلة التي تجيبها إجابات وافية ومستهلكة للوقت. وكانت الأماكن التي أريد رؤيتها على بعض التناقض مكانياً، فكان التخطيط لزيارتها متعب لها. وبعض الأماكن التي تهمني كثيراً اتضح انها غير معروفة إلى درجة أنه لا تذهب إليها مجموعات سياحية، رغم أنها اماكن أثرية مذهلة، فكان الذهاب إليها أصعب، خلافاً لاستنزافه للوقت. كنت أعتذر منها كثيراً على أمور كثيرة، حيث أني بطيء الاستيعاب بطبيعتي، وأحتاج إلى قراءات مستفيضة حول أي اقتراح، وهو ما يتمخض عن نقاش ممل على الأغلب بالنسبة إليها. وكنت أفكر، بعد تلك المراسلات الطويلة، كيف لم تسأم؟ وكيف لم تلمح أو يخطر في ذهنها أني غير جاد، وقد أكون مضيعة كلية للوقت والجهد؟. إنها مذهلة بصدق.
بعد الاتفاق على برنامج، يشمل رحلة على ثاني أعلى قطار بالعالم، اتضح أن الشركة المشغلة أوقفت القطار، الذي سيأخذني بالواقع إلى منطقة لا تهمني كثيراً، لكن تجربة القطار بحد ذاتها ذات أهمية قصوى، نظراً للأماكن المميزة والتي نادراً ما تُرى من الأجانب. مشكلة القطار، أيضاً، أنه غير مشهور جداً بين السياح، فقلة من يذهبون عبره أو يهتمون لأمره، ربما لطول الرحلة التي تصل إلى 11 ساعة، وهو قطار سياحي مجهز بكل أشكال الرفاهية. سيعاد تشغيل القطار بعد شهرين أو ثلاثة من عودتي من ذلك البلد. لا أخفيكم أن هذه المفاجئة كان لها أثر محطم. حاولت تعويضي، واقترحت الذهاب بسيارة، وهي لن تمر بالأماكن التي يمر بها القطار بطبيعة الحال، ولن تكون نفس التجربة، خلافاً للوقت الذي ستستهلكه. أخبرتها بأن رحلتي لتلك المنطقة كانت لأجل القطار فقط، فكان علينا أن نغير الخطة.
على الأقل، أتيح لي الآن الذهاب إلى بعض الاماكن التي تخليت عنها مكرها، لضيق الوقت. فهذا البلد من أكثر بلدان العالم تنوعاً من كافة النواحي، إنه يحوي كل التضاريس والاجواء، أشكال مختلفة من الحضارات الغابرة والبديعة. اخترت الذهاب إلى بحيرة مشهورة، مقدسة لدى السكان الأصليين، وتجربة برنامج مميز هناك.
بعد أيام، اتضح أن كارلا قد أشفقت علي، وظلت تفكر بالأمر كما قالت، أي أمر القطار الذي ألغي، وقد أحزنها أنها لم تتذكر أن تقترح قطار آخر، لم أعرف عنه بصراحة، وهو غير معروف على وجه العموم لغالبية السياح، لأنه لا يظهر على مسار القرنقو. بالطبع، وافقت سعيداً، ودون جدال. كان القطار حتى يسهل علي الرحلة، حيث لن أخرج عن طريقي. وقد انخفض السعر الإجمالي على نحو جذري حتى، فقد وفرت أكثر من ألفي ريال.
كنت شاكراً إلى أقصى حد. وكنت قد وعدتها، حتى قبل التطورات الأخيرة، بالإتيان بهدية من هنا لها ولابنتها الصغيرة، وسألتها أن تختار ما تريد. وبالواقع، اشتريت لها أكثر مما اختارت، لأنها تستحق.
لكن، واجهتني لاحقاً مشكلة تحويل الأموال. كنت أريد أن أرسل المال عبر وسترن يونيِن، وهو مكان مزحوم وفوضوي، أحول من خلاله بالعادة لأهل الخادمة نيابة عنها. لكن بسبب المشاكل، وأخطاء بالتسجيل من قبل وسترن يونيِن، وضيق الوقت بسبب هذه الأخطاء التي اتضحت بشكل متأخر (حيث ان المرأة الطيبة قد دلتني على خطة سداد أحصل بمقتضاها على خصم جيد من شركتها، بعد حوارات حول ميزانيتي). بالنهاية، كلفني التحويل المستعجل الكثير، ثم حولت الدفعة الأخيرة عن طريق بنكي، الفرنسي، ويا ليتني فعلت ذلك من البداية، رغم أني واجهت هناك مشكلة كذلك، على أن مدير الفرع الرائع، اسم عائلته فهيم، وهو اسم على مسمى، تفهم انزعاجي وقام بكل الأمر لأجلي.
كان يجب أن تعود إلي الدفعة التي أخطأوا وسترن يونين في تسجيلها، لكن ما حدث هو أني تلقيت رسالة من الموظفة، تخبرني فيها أن تلك الدفعة قد وصلت إليهم بالنهاية، وإن تكن قد تأخرت كثيراً، وهكذا، أكون سددت لهم أكثر من حقهم بكثير، وستعيد إلي المال الزائد حالما أصل إلى عاصمة البيرو؛ ليما. حيث أنه من سياسة شركتهم أن يلقاك الموظف الذي ساعدك على تخطيط الاجازة بعد وصولك بقليل، ليرتب معك التفاصيل النهائية، ويعطيك نسخة نهائية عن البرنامج، بالإضافة إلى التذاكر والكروت التي ستستخدمها بالمواصلات، والتأمين الصحي وخلافه. أعجبتني هذه الأمانة والمباشرة. إني أثق بهذه المرأة أساساً.
كان من الممكن أن تكلفني الرحلة أقل بكثير، حتى عن طريق الوكالة السياحية، لكني شئت أن لا أبخل بشيء على ما يهمني رؤيته والقيام به، ورغم أني لم أتدخل بالسؤال عن الفنادق، طالما أنها من فئة مقبولة، إلا اني اخترت فندق واحد قرأت عنه، هو من المباني العتيقة التي بنيت على أسس مباني الانكا البادية من الخارج، وكنت قد قررت منذ البداية ترك أي يوم زائد لقضائه هناك، في مدينة كوزكو، عاصمة الإنكا قديما، التي خربها الهمجيون الأسبان.

وهكذا، تشكلت الأمنية، التي أسأل الله أن تكون خير لي.
كان خبر سعيد جداً لعدة أشخاص، قراري بالذهاب إلى هناك في إجازة، فقد ظل البعض يلح علي بالسفر وقضاء وقت لنفسي منذ سنوات، أهمهم وأكثرهم إلحاحاً الدكتور الألماني، وقد كان الأكثر سعادة بالخبر، إلى حد أنه أصر كثيراً على المساهمة بتكاليف الرحلة، وللقاءات كثيرة، وهو ما رفضته بالطبع، رغم تأثري الشديد باهتمامه.
لعل الأكثر تعاسة في هذا الشأن هو أمي، رغم أنها حاولت جاهدة أن لا تقنعني بعدم الذهاب، لكنها كانت أحياناً لا تقاوم، فتقترح ذلك فقط، قائلة: "أغديك بس ما تروح؟". تحول الأمر بالنسبة إليها بالنهاية إلى شر لا بد منه، وبدأت تعطي الوصايا التي يجب أن ألتزم بها هناك، وإن أتيت بزوجة معي، وإن لم تكن مسلمة، حتى الكتابية ستكون كابنتها كما وصفت، على أن تكون امرأة محترمة أهلها طيبون، أقول إن أتيت بزوجة معي، فستكون سعيدة. على أن أحد أخواتي تجد في فكرة إحضاري لزوجة من هناك أمر مثير للامتعاض.
كما يجب أن أهاتف أمي كل يوم من هناك، كان هذا أشبه بشرط.
وبالواقع، لست أدري ما رابط الزواج بالرحلة بالنسبة لأمي، حيث أني حينما أريتها صورة الموظفة الطيبة كارلا مع ابنتها الصغيرة، في سياق حكيي عن خدماتها ومساعدتها لي، أوصتني أمي أن أسأل إن كان لها شقيقة أصغر لأتزوجها! فقد أعجبتها، وفي وقت لاحق، حتى ابنة عم لها ستكون جيدة.


أما الدكتور، فقد رحل. ذهبت إليه، في بيت صديق له حيث يقيم في غرفة، وهي مقتطعة من المنزل نفسه بمدخل مستقل، لآخذه للمطار قبل أيام. صديقه رجل لم أرى أطيب منه بخلاف الدكتور نفسه. هو مصري بجنسية ألمانية، ومتزوج من امرأة ألمانية طيبة، ولديهم ابن مليح ما شاء الله، يذكرني بابن أخي في أمريكا. كان حضوري مبكراً، لذا طلب مني الدكتور الدخول لنجلس قليلاً، فقد أرهقه تحزيم الأمتعة وتجهيزها للشحن لاحقاً، وكان الهواء أروع ما يكون، على نحو نادر، فجلسنا بالحديقة. كنت قد أحضرت معي انبوبيّ كحل طبيعي، من النوع الذي تحبه أمي وتستخدمه لكونه صحي ولا يتعب عينيها، ذلك لعلمي بوجود والدة صديق الدكتور المصري في زيارة إليه.
لم أرها من قبل، لكني كنت قد أرسلت إليها عطراً كهدية، تقديراً لحسن تربيتها لابنها، ولما سمعته من الدكتور عن طيبتها ورقيها رغم بساطتها، فردت بأن أحضرت لنا هدية من مصر، حلويات أطعم بكثير مما يباع لدينا، بعلبة كبيرة وأنيقة جداً.
أعطيت الكحل لابنها، ليعطيه لوالدته وزوجته. بعد قليل جاء ليخبرني بأن والدته تريد السلام علي، فقمت معه. كانت امرأة كبيرة بالسن، فليس عمر ابنها بأقل من الأربعين، وكان لها وجه من أجمل الوجوه ومن أكثرها بعث للطمئنينة، وهي، كابنها، سوداء اللون، حيث يبدو أنهم من النوبة أو جنوبها، ولديها وشوم قبلية جميلة تزين وجهها، تزيده تعبيراً وتميزاً.
كانت تعتب بذوق على إتعابي لنفسي، وتسألني عن حالي وعن أمي، وسألت إن كنت متزوجاً، فرددت مازحاً: على يديك ان شاء الله يا خالة. ضحك ابنها، قالت بلطف بأنه يسعدها خدمتي " يا ابني".

جاء صديق ثان للدكتور، واتفقنا على أن نلتقي بالمطار، أخذت الدكتور معي. هناك، ساعدناه بإنهاء إجراءاته، ووقفنا أخيراً بعدما لم يتبقى سوى أن يذهب عبر مكاتب الجوازات إلى صالة الانتظار، فسلم على كل من صديقيه واحتضنهم. كنت قد رأيته كثيراً يحتضن أصدقائه، ويقبلهم كما يقبل العرب ببعضهم عند السلام، لكن لم يحدث أن سلمت عليه سوا مصافحة من قبل. مددت يدي لأصافحه، لكنه تجاهل يدي وأحاطني بيديه، واحتضنني بقوة، ومطولاً. شعرت بأن الموقف بات أصعب، وكدت أن أبكي.
كانت أضلعي قد بدأت تؤلمني حينما أفلتني، وذهب. لوح إلينا حينما أنهى الإجراء الأخير، ومضى داخلاً الصالة.

"إنها صداقة غير عادية يا سعد، لن تنتهي بذهابي، إني أعلم هذا الآن"


يريد أن يعلم عن رحلة البيرو، كيف ستجري الأمور؟ لقد تابع الإعداد لها منذ البداية. قال بطريقته التي يفصح بها عن مكنونات نفسه؛ بأنها ستكون البداية فقط. أوضح بأني بعد ذلك، سآتي إلى ألمانيا، لا بد أن آتي، وأنه لديه الكثير من الخطط لأجل هذا الأمر.



الآن، أكتب بعدما عدت من البيرو بفترة. ولم تكن نيتي أن أتأخر بالكتابة، أو أن لا أكتب إلا بعد انتهاء الرحلة؛ حيث كنت أخطط لكتابة تدوينتين على الأقل في الرحلة نفسها. لكن؛ فسد كمبيوتري الكرومبوك في بداية الرحلة تقريباً، ولم يكن هناك مجال للتدوين عبر الجوال بالنسبة إلي، فطريقتي بالكتابة لا تسمح بهذا، وتصورت بأن كتابة مقتطفات بالغة الصغر أمر غير مجد، ولن يكون له معنى.
سأصلحه لاحقاً إن شاء الله وأتصرف به، بينما اشتريت آخر مؤخراً سيصل قريباً إن شاء الله.


بعد بعض الأخطاء الفادحة والمخجلة لشخص لم يتعود على السفر، وصلت إلى البيرو. كنت مذهولاً، وغير متواصل مع المكان تماماً، غير مستوعب بشكل ما. أعتقد بأن الطيران على وجه الخصوص يسبب صدمة لبعض الناس حينما يتغير المكان فجأة.
بالمطار، كانت فتاة من الجوازات تتأكد من جواز سفري، حينما صاحت بذهول: أرابيا سآوديتا! (السعودية) ونظرت إلي متأملة وهي مبتسمة بذهول، ثم صاحت بزميلاتها عن السعودية، فأطلين من مكاتبهن، وتأملنني للحظات، وقد تركتهن ينظرن ملئ فضولهن، ثم سُمح لي بلطف بالمرور. لم أقابل شخص هناك رأى عربي من قبل. ورغم معرفة الكثيرون بوجود جالية فلسطينية بالعاصمة هناك، إلا أنهم كانوا ينظرون إلي على نحو مختلف.
استقبلتني امرأة لطيفة بالمطار، خفيفة دم على نحو غير عادي، اسمها الزابيث، وعرفتني بالسائق ميقيل. كانت لها ملامح مخلوطة بين الآسيوية والمحلية للسكان الأصليين، بينما يشبه السائق ممثل مصري قديم اسمه محمود عبدالعزيز بعينيه الشفافتين. كانا لطفاء جداً، وبالواقع، بدت الإثارة عليهما لرؤية شخص عربي لأول مرة. وهذا أمر استمر كثيراً على مر رحلتي عبر تلك البلاد.
ونحن في الطريق إلى الفندق، رأيت بضع فتيات حسناوات، وإحداهن تهرب من الشرطة، بينما استوقفوا اثنتين. تسائلت ما أمرهن؟ فقالت الزابيث بأن هؤلاء هم رجال منحرفون بالواقع، يبيعون المتعة. صفقت يدي على فمي لا إرادياً، فضحكوا. ليس الأمر أني لم أتوقع وجود مثل هؤلاء الناس، لكني حسبتهم بالفعل نساء.
كانوا يسألون كثيراً عن السعودية، والإسلام، وكيف يعيش الناس، ويتأملون بشكلي باستمرار. ميقيل لم يكن يتحدث الانقليزية، لكنه كان يفهم ما أقول على ما أظن بشكل عام. وقد طلب من الزابيث أن تسألني عن البرقع. أخبرتهم عن أمره، وأن الناس يختلفون في رؤيتهم له واستخدامه، وأن عائلتي عائلة ملتزمة، يغطين فيها النساء وجوههن عن من لا يسمح لهم برؤيتها. تسائلوا إن كنت أرى وجوه أخواتي، بالطبع أفعل، أخبرتهم بذلك.
بعد الكثير من التحدث، والنكات والضحك، وصلنا إلى الفندق، وتركت لأرتاح، حيث في اليوم التالي صباحاً سأعود إلى المطار لأسافر إلى الشمال. لكني قابلت كارلا هناك، حيث حضرت حينما علمت أني وصلت. ويالها من امرأة فاتنة، لقد أُخذت بجمالها، حيث لم توفها صورها على الموقع والوتساب حقها. وهي ذات ملامح عربية، بحيث يسهل على المرء أن يحسبها من المنطقة، بل ربما قد يجنح المرء ويقول بأنها عتيبية خليصة.
كان السفر في اليوم التالي لوصولي أمر زاد من غرابة الأمر في نفسي، كنت أتسائل إن كنت في البيرو حقاً. إنه حلم ذو عمر طويل، لا يصدق المرء أنه تحقق بسهولة.
في الطائرة، تذوقت مشروب غازي يعتزون به كثيراً، اسمه إنكا كولا، وهو ذو لون أصفر شفاف مائل للذهبي، وهو من المشروبات القليلة بالعالم التي لم تتمكن كوكاكولا من التغلب عليها بالمبيعات والشعبية، حتى اضطرت إلى شراء الشركة في النهاية واتخاذها كموزع لكوكاكولا بالبيرو. ورغم وصف الناس الأجانب له دائما أنه بطعم العلك، لم يكن هذا سوا سمة بسيطة فيه. هل تعرفون شاني؟ المشروب القديم لدينا بلونه البنفسجي أو الأحمر؟ (لا أعرف ماذا يسمى لونه). إنه بذات الطعم، لكن وكأنما معه نكهة علك بدون نكهة محددة. لم يكن سيئاً، إنه مثل شاني تماماً، فإن كنت تحب شاني فستحبه.

بالشمال، استقبلني بالمطار سائق ذو ملامح تميل لأهل الأرض الأصليون أكثر من سواهم، اسمه خوان، وهو أب في أواسط عمره لبضعة أبناء. كان السائق لا يتحدث الانقليزية، لكن، له وجه وحضور أبويّ مطمئن على نحو غير عادي، ولعلي لم أرى مثله من قبل، يمكن للمرء أن يخمن طيبته وحسن نواياه، وهذا سحر خاص ببعض الناس، وإن يكن من النادر أن يكون حضور المرء بجمال حضور خوان الهادئ والمريح. أخذني إلى المدينة، وهي تسمى تروهيليو، وكان يريني المعالم بقدر ما يستطيع من إيضاح في طريقنا. المدينة تقع في الأطراف الصحراوية من البيرو، أي على ساحل المحيط الهادي، لكنها مليئة بالمزارع، والآثار البديعة.
وصلنا إلى ساحة من ساحات المدينة، وهي الساحة الرئيسية على ما يبدو. مدنهم وقراهم كلها تتميز بهذه الساحات الرائعة، حيث تتمركز غالباً مرافق المدينة أو القرية الحيوية، ويتواجد حديقة ونصب تذكارية غالباً، وتجد الناس العاديون يتمشون هناك، يلتقون، ويتواصلون اجتماعياً، بكل فئاتهم. وتقام كذلك الأنشطة العامة في هذه الأماكن غالباً.
نزلنا من السيارة، وأشار علي خوان بأن أتمشى هناك وألتقط الصور. كنت مرتبكاً إذ مشيت، فما إن ابتعدت قليلاً حتى التفتُّ للخلف لأنظر إليه، فأشار مشجعاً بيديه على نحو أبويّ أن أذهب، فهو هنا.
كانت ساحة بديعة، محاطة بالمنازل والمباني الأثرية المجددة، هذه بعض الصور:



مر بعض الوقت حينما لمحت خوان يتحدث مع امرأة في اواسط العمر، فذهبت إليهم، إذ خمنت بأنها مرشدتي في هذه المدينة. سلمت على المرأة، وعرفتني بنفسها، اسمها جوديث، وركبنا السيارة ذاهبين إلى معبدي الشمس والقمر؛ معبدين أثريين يعودان إلى حضارة الموتشيكا. وكانت الطرقات مميزة في تلك المدينة الهادئة، إذ ترى سواقي وقنوات صغيرة خلفتها الحضارات القديمة ولا يزال أهل المدينة يستخدمونها في أمورهم بعد تعديلها على ما يبدو لتناسب شوارعهم، يسقون بها مزارعهم الجميلة، ويغسلون بها بيوتهم، وهي تمر أمام البيوت وخلفها في بعض الأماكن. هذه القنوات عمرها 800 سنة على الأقل، أي قبل حضور الاسبان بكثير، يغذيها نهر ينزل من جبال الانديز في الشرق من المكان، وفي مواسم الأمطار وبعدها يجلب النهر معادن وطمي يزيد من جودة الزرع:






لا يزال المعبدين تحت التنقيب والعمل، وبالواقع، معبد القمر لا يوجد حتى الآن ما يرى منه سوا ما لا جدوى من العناء لأجله. في الموقعين يوجد علماء الآثار والمنقبون، وتوجد ورشهم، ويبدو شكل المكان عموماً بأنه لا يجدر السماح للسياح بالقدوم إليه لهشاشته، سوا أن تخطيطهم وعنايتهم ممتازة، فالمسار محدد، ولا يمكن للسياح أن يفسدو المكان، بالإضافة إلى أن معظم السياح أصلاً لا يعرفون عنه، أو حتى عن الشمال الثري بكل شيء جميل أي شيء، إلا فيما ندر. حينما جئنا لم يوجد سوانا، وجائت لاحقاً مجموعة صغيرة من السياح الأوروبيين المسنين، ربما خمسة، مع مرشدتهم.
والمكان على وجه العموم رغم انبهاري به كان قد سبب لي بالعمق شيء من عدم الارتياح؛ شعور غريب بشر المكان، شر يجعلك تشعر بأنك ربما لم يكن يجدر بك أن تكون هناك لو علمت أكثر. وكنت أعلم مسبقاً أن الموتشيكا من الحضارات التي اعتادت التضحية بالبشر، لكن هذه الحقيقة ليست بحد ذاتها ما جعلني أشعر برهبة ووجود أمر خطأ؛ إن المكان نفسه يبث شعوراً غير مريح. هل لأن طقوس التضحية المعقدة كانت تتم في معبد الشمس حيث تمشيت وتفرجت؟ الله وحده يعلم. وقد يكون شعور خاص بي، لن يخامر سواي.
وعموماً، حسب علمي، توقفت التضحيات البشرية بالمنطقة، ربما بعد انهيار هذه الحضارة حتى، حينما امتدت حضارة الإنكا وضمت الدويلات في الشمال، حيث لم يكن الإنكا من المؤيدين للممارسة بشكل عام. وكان أمر هذه الحضارة مؤسف، في عبارة عن دويلات متجاورة، ومتناحرة رغم تشابه الديانة والثقافة وأسلوب الحياة.

قلت لجوديث بأن نقوشهم بالمعبد، والجو العام، يذكرني بحضارة المايا في أمريكا الوسطى، يوجد نقاط التقاء قوية لا يمكن تجاهلها، وأشرت إليها مفصلاً؛ حيث أنه خلافاً للشكليات والطابع العام وبعض السمات الثقافية، الأسلوب بالبناء فوق الأبنية بدون هدمها، أي إضافة طبقة جديدة للجدران، إشارة لتغير الحقبة الزمنية أو احتراماً لملوك وقوم سابقون، هي من سمات المايا. ابتسمت جوديث ونظرت إلي وكأني تلميذ أصاب أمراً، وقالت بأن هذا صحيح، وأنه يُعتقد بوجود اتصال ثقافي بين الحضارات شمال البيرو وأمريكا الوسطى. وربما كان، حسب بعض الأساطير، من بدأ هذه الحضارات شخص، أو قوم، قدموا إلى أهل تلك المناطق من أمريكا الوسطى عبر البحر.
ترى على النقوش صور للآلهة، وهي ذات وجه حي ومخيف، وما يزيد الأمر غرابة هو تصورهم لوجه الآلهة بمختلف التعابير، رغم تكرار النقوش وتشابهها. كذلك، يوقع الفنانون أحياناً عملهم على الجدار، برسم شعار صغير، إذ لم تكن الكتابة ضمن ميزات حضارات أمريكا الجنوبية، على عكس حضارات أمريكا الوسطى.
والمعبد عجيب، حيث أن علماء الآثار قد كشفوا عن عدة طبقات، وكلما تعمقت بالطبقات كانت الزخارف محفوظة على نحو أفضل، بل على نحو مذهل، بألوانها وكأنها طليت منذ عهد قريب.
ويشتهر الناس هناك بفنهم بالأواني الفخارية، وهم مبدعون إلى أقصى حد، بتصويرهم لحياتهم وأحداثها، وطقوسهم، وطرقهم بالعيش على نحو مؤثر. بعضها أشبه بالتماثيل المجوفة على شكل آنية، وبعضها مرسوم عليها بفن وحرفية قل نظيرها، وهي ذات شكل معتاد، كما يرى المرء من آثار اليونان، وإنما على نحو أكثر حرفية؛ ربما لأنها أسلوب التعبير الأكثر فاعلية، نظراً لغياب الكتابة.

ثم مشينا إلى المتحف القريب، ورأينا أشياء رائعة، أعجبني تمثال لغزال على وجه الخصوص.


بعد ذلك، أخذنا خوان إلى هرم يقع في وسط المدينة. المدينة مريحة، بأشجارها وهوائها الطيب، ولطف أهلها وحسن لقياهم. لاحظت بأن القوم أيديهم صغيرة على نحو لم أتعود رؤيته. بحيث أن يديّ متوسطة الحجم، المائلة للكبر والانبساط، تبدو عملاقة أمام أيديهم، ويصبح الأمر مضحكاً حين المقارنة مع أيدي النساء، التي تبدو كأيدي الأطفال، وهي أياد جميلة حقاً.
وبوجه العموم، أرى بأن الناس جميلون في شمال البلاد، وقد خلب لبي على وجه الخصوص جمال السكان الأصليون، أعينهم جميلة، كحيلة غالباً، ومميزة، برموش كثيفة. بشرتهم خمرية، على بعض الحمرة أحياناً، ولكن ليسوا بحمرة أهل الجبال، خصوصاً أهل الجنوب، الذين لهم نوعية خاصة من الجمال كذلك. إني أحب البشرة الأغمق من بشرتي غالباً. وحينما تكون من درجة لم أرى مثلها من قبل أو لم أعتدها فإنها تأسرني.
لاحظت كذلك بأنهم يتميزون بأنوف قوية، جميلة وتوحي بالصلابة. وأهل الشمال من السكان الأصليين لهم نظرات معبرة ونفاذة.


الهرم كان وسط حي سكني، وهو أقرب لمبنى منه لهرم معتاد، واهرامات أمريكا الجنوبية ليست بإبداع اهرامات أمريكا الوسطى، فهم مبدعين بالمباني الأخرى والطرق والهندسة على نحو أكبر.
وهو محاط بجدران عالية، لا تزال قائمة، ومزود أصلاً ببطحاء تصعد إلى قمته المستوية. بالقمة؛ نظرت إلى البيوت الكثيفة المجاورة، وتعجبت من الوضع. ذلك المكان القديم، النابع عن حضارة قديمة، وهي حضارة التشيمو، وسط هذه البيوت الحديثة، وكأنه أكثر مكان عادي.
قبل خروجنا توقفنا لدى بائعة، وهي صديقة لجوديث، امرأة في أربعيناتها من السكان الأصليين، جميلة الملامح. تكلمنا معها قليلاً وتمازحنا، يميل الناس هناك للمرح والبهجة. ورأينا لدى حارس الهرم بضع كلاب بيروفية أصيلة، وهي كلاب متوسطة الحجم، عجيبة السمات غريبة الحضور. لم أسمعها تنبح قط، وقد قرأت بالفعل أنها لا تنبح إلا فيما ندر في حالات خاصة، حيث أنها من أكثر الكلاب هدوءاً، وهي سوداء فاحمة تكاد تخلو من الشعر، سوا أن بعضها لديه القليل على رأسه، وبعض الشعر يبدو بلون شبيه بالذهبي. وهي تتميز كذلك عن سواها من الكلاب بدرجة حرارتها العالية، أعلى من المعدل الطبيعي للكلاب، ربما لافتقارها للفرو الذي يدفئها في مختلف البيئات هناك، وهي حارة إلى درجة أن البعض ينام محتضناً إياها حينما يعاني من البرد والمرض، وهذا أمر من طبهم الشعبي على ما يبدو.




كانت قدمي مجروحة بشدة من قبل مجيئي للبيرو بأسابيع، وكان الجرح لم يلتئم رغم مرور حوالي اسبوعين على نحو غريب. وقد بدأ يؤلمني بشدة. سألت بخجل حينما عدنا إلى السيارة، بعدما اشترينا بعض الماء ومازحنا البائعة الجميلة، وهي صديقة لجوديث، سألت إن كان بالإمكان أخذي إلى مستشفى أو عيادة لأجل قدمي. أخذنا خوان بسرعة إلى مستوصف يقع أمام ساحة جميلة، بأشجار جميلة، يستريح تحتها بعض الناس، وتلعب الكلاب قريباً منهم، والقوم هناك يحبون الكلاب أيما حب.





كنت خجلاً من إقحام خوان وجوديث بالأمر، فهو ليس ضمن الخطة، وليس ضمن ما يتلقون رواتبهم عليه، لكن الألم بات لا يحتمل، كما أن الجرح بات يفرز سوائل غريبة وسوداء، وقد تورم سطح قدمي واحمر وصار جلده رقيق وكأنما تعرض لحرق.
نزلت معي جوديث، وقامت بكل شيء لأجلي، اهتمت بتسجيل المعلومات، وتقديم تأميني الصحي، الذي زودتني به وكالة السفر، ويغطي حتى ألفي دولار. رأت قدمي طبيبة، وجاء طبيبين آخرين ليطلعا عليها. اتفقوا على أنها مصابة بالتهاب حاد، عدوى بكتيرية تحتاج إلى مضادات حيوية قوية. كانت أمي قد أعطتني دواء شعبي يسمى الصبر. قالت الطبيبة بعدما فحصت آثاره بأنه ممتاز، لكنه غير كاف لوحده نظراً لسوء العدوى. أوصت الطبيبة بأن لا أسير كثيراً، وأن لا آكل السمك في البضعة أيام القادمة، وأن أبقي الجرح مغطى دون أن أضغط عليه بحذاء مغلق. كتبت لي بعض الأدوية، وذهبت مع جوديث إلى الصيدلية في العيادة لأخذها. أعطوني عدة أنواع من الحبوب، وكريم، وشاش طبي وأشرطة لاصقة، وقيل لي بأن التأمين سيتحمل كل التكاليف.
كانت الطبيبة تسأل وهي تنظف الجرح عن مختلف الأمور، لماذا اخترت البيرو؟ وكم سأمكث؟ وماذا أعمل؟ كان التنظيف مؤلماً جداً، بل إن مجرد تذكر التنظيف يشعرني بالألم الآن، حيث كانت الطبيبة تقص الخلايا الميتة في الجرح وتسحبها. لغتها الانقليزية متوسطة، وتجمع جملتها بصعوبة أحياناً، فكنت أبسط ردودي كثيراً. جاء طبيب وأراد أن يستملح نفسه عارضاً أن يترجم، ولم يكن هناك حاجة لهذا، ولم يبدو عليها التقدير لهذا التدخل. أشفقت عليه بصراحة.
شكرنا الطبيبة ومضينا. اعتذرت من خوان وجوديث، قال خوان بأن الأمر كان ضرورياً، ولا يجب علي أن أعتذر، إنما كان يجب أن أخبره منذ البداية ولا أعاني بصمت. سرعان ما اتصلت كارلا، التي نسقت برنامجي في الوكالة في العاصمة، وهي مسؤولة عني حتى أعود إلى بلادي، وسألت جوديث عن الأمر. كان قد بلغها من شركة التأمين أني ذهبت إلى عيادة. أوصت جوديث علي كثيراً، وجعل هذا من جوديث أكثر صرامة. ذهبنا إلى تشان تشان، أكبر مدينة طينية بالعالم، رغم أن جزء كبير منها متهدم، وهي من أهم المحطات التي خططت لرؤيتها بإصرار. قالت جوديث بأنه من غير المسموح أن أسير كثيراً، لهذا سنلتزم بالخطة فقط ولن نذهب إلى مختلف الأماكن كما أريد، أي كما فعلت في الموقعين السابقين، ويجب أن أتكلم حالما أشعر بالألم.

كانت المدينة بديعة، لا، إنها تفوق الخيال، إنها قصة مروية، أسطورة، لكنها موجودة ببساطة وقابلة للمس والرؤية بعين الحقيقة، وليس الحلم والتخيّل، شأنها في هذا شأن الكثير، إن لم يكن كل، ما في هذا البلد الساحر، ولست أتخيل بلد يجمع كل شيء مثله؛ لقد أعطاه الله من وفي كل شيء جميل حق.
جدران المدينة فائقة الضخامة، طولاً وعرضاً، وبذاتها ومن الخارج تنم عن ابهة غير عادية، وقدرة على الإذهال حتى باستخدام الطين للبناء، رغم تغيرها عن ما نواه أهلها، بفعل الزمن والريح والمطر، مع أن مجهودات الترميم تسير على قدم وساق، وبإتقان وعناية وخبرة قل نظيرها، ليتنا نستفيد منها في مدننا الطينية، ما المانع؟.
من الداخل تملأ الزخارف العجيبة، أسماك وحيوانات متكررة كزخرفة، وأشكال هندسية متوازية، ويصعب على الفهم تخيل كيفية سير الأمور في تلك المدينة العجيبة. الكثير منها تحت الترميم، أو ما يمكن ترميمه منها، إذ أنها للأسف ومع طول الإهمال سابقاً عبث بها المطر، والمطر يصعب الأمور كثيراً، فكلما نزل كان عليهم الانتباه. وفي سابق العهد وقبل قدوم الاسبان الهمج كانت المدينة مقسمة على نحو دقيق إلى أحياء، حي ملكي، وحي إداري، وحي للأعمال، وهكذا. وكان الناس يؤدون ضريبتهم إلى الدولة بطرق مختلفة، بتوفير الطعام، وبالبناء وصنع الأشياء، وبأداء المهام.
حينما وصل الأسبان كانت المدينة قد خلت على عروشها، إذ يُعتقد بأن أهلها حملوا كنوزهم وفروا متفرقين، حيث وصل خبر الاسبان قبل وصولهم أنفسهم؛ بأنهم يبيدون الناس ويحطمون مدنهم في سبيل الذهب. ولعل فرارهم أحكم ما قاموا به أمام اؤلائك الوحوش. حضارة أخرى قريبة ظنت الاسبان آلهات نزلت لتنقذهم من حكم الإنكا، فوقفوا إلى جانبهم متسببين بانتهاء دولة الإنكا، أو تحديد مصيرها على الأقل. ولما عاد الاسبان أحرقوا مدينتهم، أو القلعة حيث يقيم علية القوم.

تمشينا داخلها، وقد أصرت جوديث على العودة إلى السيارة عند حد معين، فرجوتها أن نكمل قليلاً. كانت قد رأت الجرح، وقد كان بشعاً ويبدو خطيراً، مما جعلها تشعر بمسئولية تجاه الأمر. وصلنا إلى العين التي تسقي المدينة، وهي لا زالت تنضح بالماء الصافي، وقد نمت عليها الحشائش المائية. كان هناك بعض الطيور المائية فيها، وكان أمر مذهل أنه بعد هذه القرون لا زالت العين تسقي المكان الخالي. فهمت لاحقاً بأن أهل هذه الحضارة قد برعوا بهندسة مصادر المياه، وقد استفاد الإنكا بعد ضمهم إلى مملكتهم من خبرات التشيمو، بعد دمجها بخبراتهم، في مختلف بقاع الامبراطورية، إذ كان استيعاب الثقافات والخبرات والعلوم لدى الثقافات والحضارات الأخرى من أهم ميزات الإنكا. لكن ألا يذكركم هذا بشيء؟.
كان بوسعي من هناك شم المحيط في ذلك النسيم العليل، وحتى سماعه، إذ كان قريباً، وكان أهل تلك المدينة يعيشون على صيد الأسماك، إلى جانب الزراعة.




خرجنا من ذلك الجزء من المدينة إلى السيارة، وأخذنا خوان إلى مطعم يطل على المحيط. هناك، ساعدتني جوديث بالطلب، ومضت قائلة بأنها ستعود، لكنها لم تعد، إذ ظلت بالأسفل مع معارفها وخوان. كان الغداء ضمن الجولة، فلم أدفع شيئاً، وربما لأنها لا ترد شراء الغداء لم تعد، كما خطر لي لاحقاً. كان النادل شاب ظريف، اسمه لويس، ولم يكن يتحدث الانقليزية إلا لمما. أحضر لي مشروب شعبي لديهم، لونه بنفسجي، وهو يصنع من الذرة. سألت إن كان يحوي كحولاً أو يدير الرأس، فأكد لي بأنه لا تأثير له من هذا. وكان المشروب لذيذاً. لم أمتلك الخبرة بعد لأعرف أنه أنواع مختلفة، ويعرف المرء المسكر منه بلونه الأصفر أو الشفاف، وكله يصنع من أنواع الذرة، ولديهم حوالي 4000 نوع من الذرة، فهي جائت من الأمريكيتين أصلاً، ومثلها البطاطا، التي تأتي بأشكال وألوان، ولها نكهة تشعر المتذوق بأن ما يباع لدينا إنما هي تلميحات عن طعم البطاطا، وليس طعمها الحقيقي، والبطاطا أصلها من البيرو حصراً. وكثرة الأنواع عائد إلى الجهود العلمية للإنكا والحضارة التي ورثوها؛ الواري. إذ كانوا يدرسون النباتات ويهجنونها في أماكن خاصة يصممونها لتحاكي مختلف الاجواء، حتى يتمكن الناس من أنحاء الامبراطورية التي تغطي كل الأجواء من زراعة مختلف النباتات.
كان الغداء رائع على نحو غير عادي، تذوقت أرز من أطعم ما تذوقت في حياتي. وهم يزرعون الأرز إذ جاء به الاسبان، لكني لم أتذوق مثله. ولديهم أكلة من المقبلات يسمونها كاوسا، وهي عبارة عن طبقتين من البطاطا المهروسة شديد الصفرة، وبين الطبقتين دجاج او سمك مدقوق ومخلوط بصلصة تقليدية، وهي من أطعم النعم التي تذوقت في حياتي. هناك في البيرو، تذوقت نكهات جديدة، لم أتذوق مثلها في حياتي، وشممت روائح رائعة، لم أعرفها من قبل.
كنت أتناول غدائي على الشرفة، وأطالع المحيط، وأنا أفكر بنوع السعادة الذي لم أعرفه من قبل؛ إنه شكل جديد علي. كان على الشاطئ أناس يتمشون، ويسبحون، ويلعبون، ولم يكونوا كثيرون على نحو منفر، كان منظر يسر القلب ويحييه. حينما فرغت من تلك الوجبة الرائعة، نزلت ومضينا تجاه المحيط. ترى شكل من الشباب هناك، وحول كل البلد تقريباً، يخيل إليك بأنك ربما حينما تعود إلى الرياض فستجدهم يتسكعون في شارع التحلية، لفرط الألفة التي تجدها في أشكالهم، فهم يشبهوننا تماماً، وهؤلاء على ما أتخيل هم من الأسبان ومن جائوا بهم معهم من المورسكيين؛ عرب وخلافهم. وبالطبع، تجد الكثير من المخلطين، بل يقال إنه يندر أن تجد صافي العرق هناك، لكنك تعرف الأصليين من أشكالهم وعاداتهم بطبيعة الحال، مهما خالطهم من دماء مختلفة.

على الشاطئ، رأينا القوارب التقليدية المصنوعة من نوع من القش، وهي قوارب نحيلة لشخص واحد، خاصة بصيد السمك، لا يركبها الصياد إنما يمتطيها كما يمتطي المرء الحيوان، رغم أن المرء يخمن حينما يرى تجويفاً في نهايتها أنه مكان الصياد، لكن التجويف خاص بجمع السمك. ولا تدوم القوارب أكثر من شهور، حيث يأكلها ملح البحر، فيتوجب على الصياد صنع قارب آخر أو شارؤه، وهي تصنع منذ قديم الزمان، قبل وصول الأجانب.



أخذني خوان وجوديث إلى محطة الحافلات، حيث سأسافر إلى مدينة أخرى قريبة نسبياً، وإن طال السفر لبعض ساعات. بالمحطة، أخبرتهم جوديث، بما استطعت فهمه مما تقول، بأني عربي، وأني لا أتحدث الاسبانية ولن أفهم النداء وقد تفوتني حافلتي، وأن قدمي مجروحة على ما يبدو. نظروا إلي بفضول وابتسامة عريضة، وأخذت موظفة لطيفة جوازي لمطابقة بياناتي مع التذكرة. وكانت تخبر زملائها، ممن لم يحضروا مؤتمر جوديث، بأني عربي من السعودية، وتريهم إياي. كانوا قد طلبوا مني أن أجلس قريباً منهم، حتى يعتنون بأمري. ودعتني جوديث، وكنت قد ودعت خوان الطيب مسبقاً.
نادوني لاحقاً قبل الجميع، للتأكد من أني سأركب الحافلة الصحيحة. ومضيت إلى المدينة القادمة.



ما لاحظته هناك، بعد رحلتي التي امتدت شهراً، أن الناس هناك يتعاطفون معي كثيراً حينما يرون بأني لا اتحدث الاسبانية، وهم دائماً ما يفترضون مبدئياً أني أتحدثها، ربما يحسبونني من البيرو، أو سائح لاتيني، أو حتى اسباني كما قيل لي كثيراً. تعاطفهم يبدو واضحاً لكوني عربي كذلك من السعودية، فلسبب ما، يجدون في الأمر سحر على ما أعتقد، أو ربما لأنهم لأول مرة يرون عربي كما أسلفت، فهم لا يعرفوننا أو لم يعتادوا علينا. أعتقد بأني عموماً حظيت بتعامل أفضل مما يحصل عليه الأمريكان من حيث حسن النوايا واللطف العفوي، أو في أسوأ الأحوال نُظر إلي بعين التعاطف أكثر مما ينظر لأمريكي بنفس الظروف على ما أعتقد.
فنحن على سبيل المثال؛ قد نهتم لشأن صيني أكثر مما قد نهتم لشأن اندونيسي له نفس الظروف.
وبشكل ما، وجدت أنهم ينظرون إلى ملامحي على نحو مختلف، فيبدأون بتأملها وتحليلها، حتى عندما لا يبدو أنها كانت مهمة قبل معرفة أني عربي. سمعت تعليقات كثيرة هناك على شكلي وحضوري.



(يحوي موسيقى)




سأكمل إن شاء الله في تدوينة لاحقة.



سعد الحوشان