الأحد، 13 مارس، 2011

غيبوبة اختيارية "2" (أحداث،دورات،قصة قصيرة،ألماني)

بسم الله الرحمن الرحيم










لطالما نظرت إلى أمي كنموذج ومقياس لأمور كثيرة. لقد شكلت مفاهيمي لأمور كثيرة في الحياة حينما كنت صغيراً، ولا زالت تلك المفاهيم التي توصل إليها عقلي الصغير في ذلك الوقت تؤثر على رؤيتي للحياة، ولا أبالغ إن قلت بأنها مفاهيم صاغت وتصوغ حياتي حتى الآن.
في نظري، كانت أمي دائما مثال على الحزن والبؤس، كانت كتلة من الحزن. كما كانت مثال على الطيبة الكاملة، والتسامح، واستيعاب المخطئين بمسامحتهم. بالإضافة، كانت تشكل مفهوماً بديلاً للتدين في نظري؛ ففي حين كان غالب الأشخاص المتدينين في حياتي حينما كنت صغيراً قساة وأنانيون، ولا زالوا على الأغلب، كانت هي شديدة التدين، ولكن تبدو وتتصرف على عكسهم، وكانت مشغولة بأمور مختلفة، وكانت رحيمة وتحض على الرحمة. صرت أتخيل دوماً بأن التدين الحقيقي إنما يمر عبر الحزن الدائم، والفضيلة الحقيقية إنما هي تضحيات بلا مقابل.
ولا زلت.
إني أقل تديناً الآن من أي وقت مضى مع الأسف. وبما أن التدين الذي كنت أسعى إليه هو تدين أمي، هل أنا أكثر سعادة؟ ليس بالضرورة.
هل أدعو لنفسي بالحزن، أي بالهداية؟. أم أدعو لنفسي بقسوة القلب، أي بالهداية أيضاً؟.
أعلم الآن يقيناً، مهما كان ما أحسست به، أن التدين والهداية ليسا حزناً ولا قسوة قلب بالضرورة، عليه، أعتقد أنه يجدر بي أن أدعو لنفسي بالهداية فقط.
كما أرجو أني لن أكون قاسي القلب أبداً. أما الحزن، فلا أحتاج أن أدعو به، وهو مما لا يدعى به أصلاً، ففي أبلغ حالات سعادتي، أعلم بأني حزين بالأساس، هذا ما أنا عليه.
على الأقل، لا زلت أحاول أن أكون رحيماً، أن أكون طيباً وإن لم أسامح طوال الوقت. إن حياتي لم تعد تسمح بخطأ الآخرين علي كي أسامحهم في أغلب الأحوال، فلم يعد من آخرين حقاً، لم يعد سوا القليل من الناس حولي، القليل من الثقات، ولم أعد أطمح منذ زمن بعيد بقرب أحد، مع استثناء واحد، وقد حصلت عليه.








لدي الكثير مما يجب علي القيام به، وربما بأسرع مما أستطيع بالواقع. سيارتي الأثيرة (والوحيدة) أصيبت بعطل مفاجئ منذ فترة، وهويجعلها لا تعود إلى الوراء مباشرة حينما أريد ذلك، بل علي أن أنتظر لفترة قد تصل إلى ٥ دقائق، وقد لا يطاوعني القير كذلك. وبذهابي إلى ميكانيكيي المفضل (وسوريي المفضل بالواقع)، اكتشفت أن الأمر لن يكون سهلاً تماماً. أرسلني لمتخصص يعرفه في منطقة بعيدة من المدينة، وهناك قيل لي بأن الإصلاح يستنزف الوقت والمال. أما سبب الخراب؛ فهو الحظ ببساطة. هكذا قال: الحظ. هذه الأمور تحدث هكذا فجأة، وأراني بضع سيارات بنفس الحالة وأسوأ، وأراني كذلك بأن الزيت المسئول عن هذا الأمر في سيارتي وضعه جيد وسليم، إذا فالأمر حظ. بالطبع، ورغم شيوع المشكلة، إلا أن الضمان لا يغطيها لدينا للفترة الكافية ككل دول العالم كما فهمت من أخي. لم أفاجأ بصراحة.
ماذا بوسعي أن أفعل؟ اقترح الميكانيكي السوري أن أعود إليه وأتجاهل الحلول التي طلبها المتخصص، حيث بدت غير منطقية إلى حد ما. يريدني الآن أن أشتري قير مستعمل، وهذا أمر لم ينصحني به شخص آخر، قائلاً بأن القير المستعمل لا يعمر حتى حينما يكون صالحاً، بسبب توقف السيارة لفترة طويلة، أو لأي سبب مجهول. أما شرائه من الوكالة فهو جنون كما وصف لي، وأنا أرجح الجنون في التعامل مع الوكالة عموماً (عبداللطيف جميل، وهذه آخر سيارة سأشتريها من عندهم).
ما العمل الآن؟ يقول أخي بأن علي أن أذهب إلى محلات متخصصة بالقير، وهو يعرف بعضها. أشعر بأني أرعى مريضاً.
أتمنى أن أتمكن من إصلاحها بأقل خسائر ممكنة، لا أشعر بأنه من المعقول أن أدفع الكثير لأن القير فسد دون خطأ مني.






أخيراً، انتهت إجازة منتصف العام للطلاب. وهذا خبر جيد، فسأتمكن من النوم أخيراً كما يجب بعد اسبوع من العذاب، إذ تحول منزلنا إلى ما يشبه محمية وحوش صيّاحة. صحيح أن الطريق إلى العمل سيعود إلى الازدحام، لكن لا بأس، فالنوم أغلى. . صحيح اني استمتعت  بصحبة محمدين، لكن الآخرين كادوا أن يميتوني بإزعاجهم وقلة إحساسهم.
لا أحب منزلنا صدقاً، حتى حينما يكون هادئاً، لا أحبه، لا أرتاح فيه، مسألة نفسيه ربما، لا أتقبله كمنزل.




ذهبت اليوم لقص شعري. وبينما الحلاق السوري يقص فيمنتصف المهمة، علق قائلاً: شعرك ثقيل مرة ما شاء الله!. فقال زبون تحت يدي الحلاق الآخر: طاح شعر الرجال!!. يمعنى أن الحلاق سيصيبني بعينه. ضحك الجميع. بالعادة، يتعامل مع شعري الحلاق الآخر، هكذا حظي، دائما ما يكون هذا مشغولاً حينما آتي. لكن أتذكر قبل فترة، حينما كان لوحده في المحل، علق على كثافة شعري بالمقدمة، أعتقد بأن شعري يعجبه، وهذا أمر نادر لدى الحلاقين. غالباً ما يعجب الحلاقون بشعر أنفسهم، فيقولون: لا لا يصلح ما تقول؛ لو كان شعري لربما أصبح ممكناً (!!). قال هذا لي حلاق أردني قبل زمن طويل.












مر قبل يومين عميد عمادتنا السابق، وهو دكتور أدعو الله أن يريه أيامه. ربما كان جيداً للبعض، لكنه أساء إلي وظلمني انتصاراً لدكتور آخر. السبب؟ ربما فقط لأنه دكتور مثله، ولن يضر إن كان أيضاً من نفس المنطقة، فكليهما من الحجاز. بعدما ظلمني بوضوح وبلا حياء، وبجرأة قال بأنه سيوقف شكواي هكذا، وإن كان لدي ما أريده فلأذهب إلى ديوان المظالم، وبعدما صار بعد فعلته هذه ينظر إلي بازدراء حينما تواتيه الفرصة، ويضحك بصبيانية، أستغرب الآن أنه لديه الجرأة لأن يلقي السلام بملئ فيه. رأيته في البداية في الطابق الأرضي أمام المصاعد، ثم تواجهنا في الأعلى حيث أعمل، في ممر يخلو إلا منا. نظرت إلى عينيه وأنا أمشي، وقال بترحاب غريب وصوت مرتفع، وكأنما يجرب: سلام. وكان سلام مبتور لسبب ما، ربما كان يريدني أن آتي إليه وأسلم؟ لكني عبرته وأنا أنظر إليه، ولم أجب سلامه. سمعته يمضي إلى مجموعة من الناس ويسلم عليهم. أخبرت مديري، الذي كان مطلع ومعايش لذلك الظلم، ولما أخبرته أني لم أجب السلام، أحنى رأسه وضحك. لن يلومني، لأنه يعرف. بالواقع، يسهل علي عدم رد السلام على الأشكال الخسيسة، ولدي فلسفة ووجهة نظر في الأمر، كنت قد تحدثت عنها في المدونة قبل زمن طويل.
هي باختصار أن المسألة تربوية؛ هؤلاء البشر حينما يعاملهم المرء وكأنهم لم يقوموا بشيء خاطئ، فإنهم سيصدقون هذا حتى لو كانوا يعتقدون في السابق بأنهم أخطأوا. هم يريدون مبرراً لما قاموا به، أو لا يريدون له أثراً على الأقل. ولكن حينما يرون أن الناس تتأثر بأفعالهم، وتحكم عليهم وتعاملهم على أساسها، قد يبدأون بالتفكير. وحينما يعاملهم المرء وكأنهم لم يخطئوا، بأي عذر كان، فإنه يساهم بتردي أوضاعهم، وظلمهم لآخرين. يتعذر بعض الناس بأنهم هم أنفسهم طيبون، وعاقلون، ومشغولون بأنفسهم بحيث ليس لديهم وقت لاتخاذ المواقف هذه تجاه الظالمين، لكن هذا فقط لأنهم يبحثون عن الترفع  داخل الهزيمة، وهذين ضدين. كان زميل لي قد قال بغباء وقلة ذوق بأن اتخاذ مواقف كهذه أمر سخيف، فمن سيربي العالم كله. لهذا كنت دائماً أقول له بأنه يربي عضلاته على حساب عقله، لكنه لن يفهم أبداً. لا يتعلق الأمر بالحقد، لا يتخذ المرء المواقف التي يعتقد أنها صحيحة على سياق ما أذكر هنا لأنه حاقد بالضرورة، لكن لأنها مسئولية.







تم قبولي في دورة في الجامعة، تستمر لمدة يومين، وهي عن إدارة الوقت. اليوم كان الأول، ولم يكن جيداً. الكل رجال راشدون، لكن يستغرب المرء من وصول الكثير من الناس إلى هذا العمر دون أن يعرفوا متى يتكلمون ومتى يصمتون، وما يمكن أن يقال وما لا يقال بأي حال من الأحوال. كما أستغرب لسطحية الكثيرين في الدورة، وضعف قدراتهم الفكرية، وقدراتهم على التنسيق والتواصل والتهذيب. رأيت الكثير ممن لا يراعون التفاصيل في تعاملهم مع الغرباء. والأسوأ من كل هذا؛ وجود ذلك الملتزم من الإدارة المالية، الذي يصعب أمور الناس ويسيء التعامل معهم. جلس إلى جانبي ملتزم من عمري، والكثير من هؤلاء يتجاهلونك حينما تكون غير ملتزم من فئتهم العمرية. لكن لا يهم، لقد اعتدت على هذا منهم. ربما سيتعلمون التصرف على نحو أفضل مع الوقت، حينما يضطرون للتعلم.
كان هناك رجل كبير خلفي، ملتزم وتبدو عليه التقليدية الشديدة. كان يتحدث بثقة غريبة عن أمور غير مطلوبة، تضعه في موقف لا يرجوه له أحد بالتأكيد، لكن يبدو أنه يعاني من علّه. وهو جلف التعامل، وحشري كذلك، أعانه الله على نفسه. تسائل المدرب؛ ما هي باعتقادنا أسباب الطلاق المتزايد؟ أجاب الرجل الملتزم:"الدشوش!." قد يكون للدشوش دور بشكل ما، لكنه أمر مضحك استخدام الدشوش كعذر بعدما أصبحت القنوات ذات التوجهات المحافظة تأتي عبرها مثل المجد. بالإضافة؛ كان حكم مطلق وغريب، وفي غير محله.
عموماً، كان الخروج سهل عن مجال الدورة، فالكثيرين فاقدين للقدرة على التركيز، وآخرين من أهل منتصف العمر يريدون استملاح أنفسهم وكسب الإعجاب والسيطرة على مجال الحديث باستمرار كالعادة.
ما وجدته محزناً، هو أنه حينما طلب منا تشكيل فرق من كل بضعة موظفين مع تعيين قائد، اتجه الجميع إلى تعيين الأكبر سناً كقادة. بدا الأمر كعينة صغيرة لأسباب فشلنا التلقائية.
لم أستطع المشاركة جيداً في النشاط، فقد فشلت بالتواصل، ثم كفيت.



حضرت اليوم التالي للدورة، نصفه الأول كان سيئاً، ونصفه الثاني كان أفضل إلى حد ما، لكني لا أعتقد بأني استفدت. ربما جرتني لا مبالاتي إلى المشاركة، عكس ما يتصوره المرء منطقياً. فقد صرت لا آبه كثيراً بالكيفية التي سيفهم فيها من أتواصل معهم ما أقول، خصوصاً أني أرجح أنهم لن يفهمون أكثر من نصفه، لأنهم لا يفكرون بما يقول الآخر قبل أن يجيبون عليه. المدرب المصري مسكين، يضطر للتعامل مع بعض الشخصيات الغريبة بصدر منشرح، ما أصبره. على أني كدت أن ألتهمه حياً في سياق تمرين أعطاه لنا، حيث طلب من الجميع تحديد استفادتهم من الوقت خلال أدائهم لمهامهم بالنسبة المئوية، أكثر الناس تراوحوا بين السبعين والثمانين، أنا وبضعة أشخاص قلنا تسعين. الملتزم في المالية قال ستين، مما حاز إعجاب المدرب، لكني أرجح أنها عشرة، وهذا كان ليكون أفضل، حيث أنه لو عمل لأكثر من 10 بالمئة من وقته لتعطلت كل أعمال الناس بسبب غبائه. المهم أن المدرب قال باستفزاز وسخرية مفاجئة: هل تريدون أن تخبروني بأنكم جيدون إلى هذه الدرجة فعلاً؟ قلت وريح الشراسة تتخلل صوتي: ولما لا؟ ما المشكلة يعني؟. فوجئ الرجل، وتدخل شاب آخر مبرراً سبب ارتفاع النسب بأن الأغلبية شباب، وإنتاجيتهم أعلى، فنظرت في تلك اللحظة إلى الملتزم في المالية لأرى وقع الملاحظة عليه، ولم يكن جيداً. البقية صمتوا، فبرر المدرب قنبلته بأنه أراد أن يستفزنا، فمن صمت فقد أعاد النظر في اعتقاده وصدق إجابته، ومن تكلم فهو واثق، ومن بين الأسباب فقد دعم بالحجة. تسائل، لماذا بعضنا شعر بالاستفزاز؟ وكان يعنيني، فأجبت بأن السبب هو أنه يقدح بمهنيتنا جميعاً هكذا، بينما طبيعتنا وظروف عملنا تختلف. بعد ذلك، لاحظت بأن تركيزه علي ازداد نوعاً ما.
لكن الدورة لم تكن موفقة برأيي. وأزعجني كثيراً تصويرنا بلا اهتمام بآرائنا بالأمر.





كنت في المستشفى يوم السبت، أطوف على بضع عيادات لتحديد المواعيد. في أحدها، في الدور الأول من المبنى الجديد، دخلت ووجدت رجل أسود، ضخم الجثة، مرتب الهندام، يغني للناس الجالسين في تزاحم، ويعلو وجوههم الوجوم. كان صوته جيداً، لكن كان الأمر الطاغي هو أنه مريض نفسي بوضوح. قال لي الرجل السوداني الطيب في استقبال العيادة، وهو واحد من حوالي خمسة موظفين فقط جيدين بالمستشفى، أقول قال وهو يكبت بصدق وجدية ابتسامة: الله يشفيه. أمنت على دعائه. حالما انتهت محاولته لتسجيل الموعد، إذ لم يتمكن لإقفال العيادة، وهممت بالمغادرة، قال الرجل الأسود لأحد الجلوس: صورتني؟؟ احذف احذف!!. رد الشاب ذو الهيئة المتعبة والمريضة: لا ما صورتك. لكن الرجل الأسود تحرك في إتجاهه، وبدا الأمر غير مريح، إذ لا يدري المرء بماذا سيأتي. كان الشاب يبدو متعباً جداً. لكن الأسود فاجئني بأنه غير طريقه، ووقف في الممر. كانت هناك منذ البداية امرأة طاعنة بالسن، ضئيلة الحجم، تستلقي على كرسي متحرك حوِّل إلى ما يشبه السرير بتنزيل ظهره على وضع مستلقي. كانت تبدو شديدة المرض شفاها الله، وكانت صامتة لا تأتي بحركة غير تقليب عينيها، الدامعتين من فرط الشيخوخة، بالمكان. وكانت معها امرأة كبيرة تهم بدفعها، وتناديها: يمه، إذ أنها ابنتها التي ترافقها بالمكان. تعاون رجل وممرضة بفتح الباب على مصراعيه للسماح بمرور العربة، بينما سأل الرجل الأسود الضخم ببهجة خفيفة المرأة: هذي أمك؟؟. أجابت المرأة: ايه هذي أمي. كانت وكأنها تجيب طفلاً، فمن الواضح أنها لاحظت حالته. لما تحررت العربة واتجهت إلى الخارج، استوقف الرجل الأسود العربة؛ ومال بجسده الضخم جداً، بكل حنان ورقة؛ وقبل المرأة العجوز، التي ازدادت ضآلتها بالمقارنة، على جبهتها قبلة حنونة، لا أدري إن كنت قد رأيت قبلة أصدق منها قط. ثم مضت المرأة تدفع أمها بعدما رفع الرجل رأسه وذهب. شعرت بتأثر شديد، تأثر يسيطر علي حتى الآن بعد أيام، أمام هذا الطفل الكبير، وهذه العجوز التي لا أدري إن كانت مدركة. كانت شابة صحيحة في يوم ما، وكان من الممكن أن يكون هو شاباً الآن، يتحرى المألوف والتقليد في حياته اليومية، لكنه مجرد طفل طاهر القلب محبوس في ذلك الجسد اللافت بضخامته.
لماذا ازداد عدد المرضى النفسيون الذين يعانون من علل جسيمة؟ أو هل الأمر أننا بتنا نخالطهم أكثر في بعض الاماكن، بينما يشاهدون في أماكن أخرى تسكنها فئات معينة؟ لماذا هذه الفئات مهمشة هكذا. الكثير من السود مهمشون، منسيون في أماكن سكنهم التي يخيم عليها الفقر والجهل، منسيون إلا من التهم والإزدراء.








أقرأ أحياناً في سياق ما أقرأ عن أصدقاء يعيشون في أماكن متباعدة، ويستضيفون بعضهم من وقت إلى آخر. كم أتمنى لو كان لدي أصدقاء من هذا النوع، وأنه يمكنني استضافتهم، ويمكنهم استضافتي. سيكون من الرائع أن أذهب إلى مدينة أخرى وأبقى لدى صديق لأسبوع مثلاً، ثم يزورني هو بعد فترة.
لكني بالأساس لا يسعني استقبال الناس في منزلنا هذا لأسباب كثيرة. 








تلقيت في الأسبوع الفائت مكالمة من شخص أجنبي، يسألني إذا ما كنت سعد الحوشان؟ تصلني إتصالات كهذه من وقت إلى آخر، وبالعادة تكون من هنود أو باكستانيون لتوهم وصلوا إلى السعودية للعمل في الجامعة، وقد أوصاهم أصدقائهم ممن لديهم رقمي بالاتصال بي حينما يريدون السؤال عن شيء. لكن هذه المرة كان الرجل صينياً، وهو لا يمت للجامعة بصلة. أخبرني بأنه صديق الدكتور فلان، الصديق الصيني الطيب الذي غادر السعودية بلا نية للعودة، وبلا وداع. قال بأنه يحمل هدية من ذلك الدكتور، أرسلها معه من الصين، وأنه يود أن يراني ليسلمها إلي. شكرته بذهول، لم أتوقع شيء كهذا، وقد غمرتني الفرحة أن ذلك الصديق يقدرني إلى هذا الحد. اتفقنا على اللقاء، وكان يعمل في شركة ليست بعيدة عن منزلنا. ذهبت إليه، ووجدت المبنى حيث يعمل أنيقاً، وفخم إلى حد ما. حينما جاء ليقابلني، رأيت فيه شاب بشوش، ضم يدي بكلتا يديه حينما تصافحنا، وحياني بحرارة. كان أنيقاً، وهيئته تذكرني بما نراه عن هونق كونق بالتلفاز. أعطيته صحن صغير، رتبت فوقه معجنات صنعتها أختي تواً. ومضينا ليعطيني هديتي. أراني فنيلتين مغلفتين، إحداهما صفراء بمقاس متوسط، والأخرى حمراء بمقاس كبير. الأحمر هو لوني المفضل، كما أن السعة أفضل من الضيق. شكرته، وحرص على أن أحملها بكيس أنيق تابع لشركتهم، قائلاً بأن الدكتور أوصاه أن يتأكد بأن يكون الكيس أنيقاً!. يا للطف. تمنينا أن نلتقي لاحقاً، وأكدنا على الأمر، ثم مضيت. في المنزل، أخرجنا الفنيله، وجدتها أديداس أصلية بلا شك، جميلة جداً، مخرمة بطريقة غريبة من الخلف، وطبع عليها في الزاوية العليا من الأمام: الصين. أعجبت أهلي كثيراً. أرسلت إليه أشكره، وأخبره من ضمن ما أخبرته بأن الهدية جائت في وقتها، حيث أنوي الانضمام إلى نادِ رياضي، فبدا على نحو غريب وكأنه يشعر بي ويشجعني. أخبرته بأني تمنيت لو لم أشكل عبئ عليه بهداياه الجميلة، وأنه يفسدني بتدليلي هكذا.
رد قائلاً بأن علي أن لا أقلق من ناحية قيمة الأشياء، فالأهم لديه هو أن أكون سعيداً. وقد بدا سعيداً بفكرة انضمامي إلى ناد رياضي، وشجعني على الأمر.
سعدت جداً بأنه لم ينسني، لقد ذهبت منذ فترة طويلة الآن...












اليوم، وصلني اتصال يخبرني بأنه يمكنني حضور الدورة التي تم قبولي بها كاحتياط!!. والله إني لا أدري لماذا قبلوني إحتياط أصلاً، فلو كنت أختبر نفسي لما قبلتها على أدائي في ذلك اليوم، صحيح أنهم فاجئوني بالمقابلة وأخذوني على حين غرة، إلا أني أستبعد أنهم وضعوا هذا في اعتبارهم. لكن الحمد لله، لم أتوقع أن كلمة احتياط لها معنى كبير، أنها قد تقود بالفعل لحضور الدورة، أنا سعيد جداً، وقلق جداً. اتصلوا بي حينما توقفت تماماً أمام المنزل عائداً من العمل. فرحت، واتصلت بعد قليل بمديري لأخبره بأني أريد إجازة لأنه تم قبولي بالدورة. كنت قد أخبرته من قبل بأمرها، ولحسن الحظ لم ينسى فهو كثير النسيان. شعرت بأنه لا يرغب تماماً بأن آخذ الإجازة الطويلة هذه (شهر)، ولكنه لن يرفض طلبي. ربما يريدني أن أراجع نفسي. فقد قال بهدوء، بأنه يمكنني أن آخذ الإجازة إذا كانت الدورة "تهمني كثيراً". قلت صادقاً بأنها تهمني كثيراً بالفعل. سألني إن كان لدي رصيد إجازات؟ فقلت بأن لدي الكثير. فسأل مستنكراً منذ متى أعمل؟ لعلي أقدم منه ولكني لا أقول؟ ضحكنا معاً. 
سيكون الدكتور الألماني قد عاد إن شاء الله. هل سيعجبه الخبر؟.


حظرت اليوم أول محاضرة، وقد انضممت إلى مجموعة من الشباب الذين أتوسم فيهم الخير، وكانوا لطفاء جداً. أرجو أن أكون مفيداً ضمن فريقهم، أتمنى ذلك من كل قلبي.
كان يوم طويل، كان علي الذهاب إلى القسم حيث أعمل، وأتقدم بطلب إجازة، وأسمع بعض التعليقات المازحة على شكلي بدون غترة، ثم أذهب إلى المستشفى (كتبت المستشقى، بالخطأ، لكن بالصح على ما يبدو)، وأتعامل مع الصيدلية وعيادة، ثم أعود أدراجي إلى الجامعة. كنت سعيداً عموماً.








واجهتني مشكلة جديدة مع القوقل دوكيومنتس، لم يعد يقبل التعديل على الملفات الكبيرة. وحتى البدائل من نفس النوع ترفض تخزين التعديل، ولا أدري ما المشكلة، كان في السابق يقبل.








اليوم، وبينما أنا أنزل الدرج في الكلية التي تعقد فيها الدورة، رأيت زملاء العمل يمشون في جماعة غير مألوفة، في ذلك المكان البعيد عن عمادتنا، فوجئت، وفرحت برؤيتهم، حينما رأوني فوجئوا بي، وألقوا ضحكة جماعية وأنا أنزل الدرجة بسرعة وأسألهم بنفس الوقت ماذا يفعلون هنا؟! ربما كان لشكلي بدون غترة ونزولي التلقائي وكأني في منزلي دور في ضحكهم. أخبروني بأنهم قادمون للخضوع لاختبار وظيفي، لكن ماذا أفعل أنا هنا؟!. أخبرتهم بأني في إجازة لمدة شهر، لأخضع لدورة. فوجئوا، سألوا عن الدورة، وأفهمتهم بأنه ليس لها علاقة بالعمل، تساءل بعضهم بذهول: "أخذت إجازة عشان تحضر دورة؟!، ما شاء الله عليك". ينظر البعض لهذه الفعلة على أنها مبالغة، ولم أكن أعلم صدقاً قبل أن أتخذ هذه الخطوة أنها ليست خطوة طبيعية حتى ووجهت باستغراب الناس أكثر من مرة. طلب مني زميلي في القسم، الذي كان ضمن المجموعة أن أدعو الله لهم.
في القاعة، استغرب زملاء الدورة من مجموعتي حصولي على إجازة لأجلها، وأعتبر أحدهم أن الأمر مضيعة، حيث كان يجب أن استمتع بالاجازة وأسافر. أخبرته بأني لا أسافر بالعادة، ولعلي استمتع هنا. هم شباب صغار، أصغر مني، بعضهم تخرج مؤخراً، والآخرين على أبواب التخرج. فوجئوا بتاريخ ميلادي (المذكور أعلى المدونةضمن معلوماتي)، ربما خدعتهم هيئتي، حضوري بحقيبة وبلا غترة. 






أحب الأطفال الصغار، والناس الذين يحبون الأطفال على نحو خاص كذلك. أفكر دائما ببعض أبناء إخواني، وأشتاق إلى نهاية الأسبوع لأراهم وأقبلهم.










برقر كنق، حيث أذهب كل يوم تقريباً لشرب الكولا بشكل أساسي، ركبوا انترنت لاسلكي لديهم، في خطوة لم أتخيل إطلاقاً حدوثها. الآن، لا فائدة حقيقية لجهاز الراوتر والكونيكت الذين أحمل، ولم أستفد منهما كثيراً. لكني متردد بالتخلص منهما مع ذلك. الانترنت في المطعم سريع جداً، خصوصاً أني الوحيد الذي يستخدمه. لم يكونوا يعلمون، حينما بشروني الأصدقاء العاملين في المطعم، أن الانترنت يحتاج إلى كلمة سر. قيل لهم بأنه بلا كلمة سر، لكن بالواقع، مثل بعض المقاهي، يمكن للمرء الدخول إلى الشبكة اللاسلكية، لكن تصفح الانترنت يحتاج إلى كلمة سر واسم مستخدم، إما يحصل عليها المرء من المطعم نفسه، أو باستخدام كلمة السر من الاتصالات الخاصة بالدي اس ال المنزلي من باقة شامل. وهذا سيعطل الكثير من الناس عن الدخول والاستفادة من الخدمة التي لا أعتقد بأن أحد سيعرف عنها أصلاً في المطعم فهم لم يعلنوا الأمر والناس لا يتوقعونها ليسألوا كما لو في مقهى.
توقف الانترنت لديهم عن العمل منذ 3 أيام... يا الله، حظي زي وجهي.


ثبت أن الانترنت في المطعم لا يمكن الاعتماد عليه..










يا الله، كم أجد صعوبة بالكتابة، وكأنما لا يوجد شيء لأكتب عنه. أعتقد أني تعودت على الكتابة عن الدكتور الألماني العزيز كثيراً، ولما غاب لبعض الوقت لم أجد شيئاً. فالكثير مما يوجد أعلاه هو مستقطع من التدوينة السابقة قبل نشرها، إذ وجدت أنها طويلة أكثر من العادة 
فقررت تأجيل بعض الأشياء لهذه التدوينة.
لكني سأرى الدكتور بعد غد إن شاء الله، وبعد ذلك سأنشر التدوينة.






أرسلت إليه اليوم قصة قصيرة كتبتها منذ زمن طويل، وترجمتها له مؤخراً على نحو سريع. أرسلتها لأني اعتقدت بأن قراءتها ستستنزف الوقت حينما نلتقي، وقد لا يكون أمراً ملائماً قراءة قصة طويلة نسبياً في جلسة. واخترتها لأنها قريبة إلى قلبي على نحو خاص. أخبرته بأن يقرأها حينما يجد الوقت، وأنا لا أتوقع أن يقرأها قبل أيام، لكني فوجئت برده مباشرة، إذ قرأها حالما وصلت ورد. قال بأنها مؤثرة جداً ومثيرة في لحظات، إلى جانب ما يعتقده عنها من أمور أخرى.
لكنه تمنى لو انتصرت الأخلاق العالية في النهاية، وأن الأخت انتصرت على الأخ. عموماً، أترككم مع القصة، وإن لم يكن لديكم اهتمام بقراءتها، فابحثوا عن الخط الأحمر في نهايتها. هاهي:


بسم الله الرحمن الرحيم






غيبوبة اختيارية




الكثير من الأمور اختيارية في الحياة، ونحن لا نحسبها كذلك. مهما بدت بعض الأمور عفوية، أو لها ظروفها الخاصة، تظل مدفوعة باختيار، بحافز ما، مهما قلنا. نحن نختار أن نضرب أو نصافح بذات اليد، نختار أن نقبل أو نشتم بذات الشفاه، نحب أو نكره بذات القلب. تبدو أحياناً بعض الأمور بلا خيارات، أو وكأننا لا نملك خيار آخر، ولكن بنفس الوقت، نظل نحاسب على ما حدث لأننا اخترناه بالحقيقة، وإن بدا وكأنه الخيار الوحيد، فهذا لأنه فقط يبدو لنا وكأنه الخيار الصائب.


بيد أن بعض الأمور لا تبدو وكأن الخيار متاح فيها أصلاً، ولكن هذا لأننا لا نتخيل بأن أحد سيختارها أصلاً، مثل الغيبوبة. يختار الناس الموت أو الاستمرار بالحياة في حالات معينة، ولكن لا أحد يختار مثل هذا الحل الوسط بالعادة.


كان هناك واحد اختار هذا الخيار. وكانت لديه أسبابه التي لم يعد تعدادها مهماً.


كان الجميع حوله بعد اختياره بساعات. قلقين ومذهولين مما جرا، غير مستوعبين لحقيقة الأمر. بعضهم حسب أن الأمر لن يطول.


" ولكن يا دكتور كيف يكون هذا؟ غيبوبة؟! وليس مجرد إغماء؟ ولكنه لم يشك من شيء طوال حياته!" 


هكذا قال أحدهم وهو ينظر بحزن إلى صاحب الخيار الذي يغمض عينيه برفق، ولكن بعزم داخل نفسه.


" ليس من المعقول بأنه لم يحدث أي شيء له يتسبب بهذا. هذا الشاب لا يعاني من أمراض مزمنة قد تتسبب بما حدث... ولكن هل تعرض إلى حادث ما؟ ربما ضربة بالخطأ على رأسه؟"


أنكر الجميع بأصوات عالية للذكور وبهمهمات للإناث للمرة العاشرة ربما. ولكن الجميع كان يعلم، دون أن يحكي، بأن الغيبوبة حدثت خلال مراقبة أخيهم لهم وهم يتشاجرون بعنف شديد على أمور تافهة، كانت لحظة يأس بالنسبة له، وقد كان يتهم بسبب هدوءه ومسالمته بأنه بارد الإحساس. كان سكوتهم سكوت خوف غير مبرر، خوف غير مسئول، وكانت لديهم تلك السمعة والخوف المرضي عليها.


كان يجلس على حجر كبير، قد شق بطن الأرض باتجاه البحر، ولم يصل إليه البحر، ولم يصل إلى البحر ذلك الحجر. بدا كل شيء ناقصاً، البحر لم يمتد على طول البصر، ويشوبه بياض في نهايته القريبة وكأنما لا يدري ما بقيته، الحجر الذي يجلس عليه تعلوه جسآت غريبة خشنة، وهو ملون بطيف ألوان في بعض أجزاءه، والرمل جميل، ليس شديد الرطوبة من حيث تمسه أقدامه وهو جالس على الحجر. كان صدره وبطنه عاريان، ولم يرتد سوا بنطال أبيض قصير بالكاد يمس ركبتيه. كان هذا بنطاله المفضل، والشيء الوحيد الذي أخذه من الواقع، إلى جانب نفسه. من حيث يجلس، كان يمكنه سماع إخوته من بعيد وهم يجادلون الطبيب أكثر من كونهم يستفسرون منه، وكأنه بغيبوبته قد أوقعهم بورطة، قد أشغلهم عن ما هو مهم  بالحقيقة. سأم حديثهم الذي لم يدركه كله، ووجده إزعاج، أصوات تتعدى الحد المؤدب المريح. فقام من مكانه مبتعداً بهدوء، وهو ينظر إلى البعيد، إلى نساء وأطفال يلعبون على الشاطئ، وضحكات الجميع يجلبها إليه الهواء، هادئة وجميلة. ذهب إلى الجميع، وتعرف عليهم، وكان قد سماهم قبل أن يصل إليهم فتسموا بتلقائية. الأطفال الأكبر بقليل يرتدون سراويل قطنية صغيرة، والصغار عراة، والنساء بدين وكأنهن يرتدين شراشف بحضوره بشكل مريح. كان الجميع لطيفاً، ولم يعبأ أحد منهم بوجوده على نحو استثنائي، وكأنه وجد هناك لدهور. أشارت إحداهن إلى نخلة عربية جميلة، وجدت بشكل لا يبدو خاطئا على الشاطئ، وقالت له بأن يزور تلك المرأة الجميلة الحلوة الجالسة تحتها. هناك وجد أمه، وقد كان يعلم بأنها متوفاة بالواقع. ولكنه سعد بوجودها هنا، وصدقه. قبلها وسلم عليها، وابتسمت له ابتسامة واسعة حتى بدت أسنانها، وكأنها تجامله وتدلـله. سألته عن أحواله بحب واضح كما كانت تسأل حينما كانت حية. جلس إلى جانبها، وظلا يتكلمان بهدوء، وبرِضا، وهذا ما لم يدعه أحد يحدث لهما حينما كانت على قيد الحياة. 


طال الأمر أكثر مما توقع الجميع. سنوات وسنوات حتى راح الشباب، دون أن يعلم هو. تباعدت الزيارات وإن لم تنعدم، وقلت الأسئلة وتكررت صيغتها حتى باتت بلا قيمة. حج عنه من حج، واعتمر الصغار عنه بطلب أمهاتهم، أما بعض الآباء فذبحوا له الأضاحي بالعيد بالتناوب، ودعا الله له بالشفاء بعض جيل غير الجيل الذي جعله يختار خياره.


تباشر الجميع ذات يوم باستيقاظه، الجميع، من عرفه ومن لم يعرفه من أبنائهم. انتشر الخبر أسرع مما يحدث بينهم بالعادة، كان حرصهم استثنائيا هذه المرة، وليس كحرصهم المتخاذل حين الدعوة إلى المناسبات، أو التبشير بالأحداث الطيبة المعتادة. 


كان شيء ما دفعه إلى الاستيقاظ، شيء جعله يعقد العزم على رؤية الواقع مرة أخرى.


تجمع الجميع حوله بالتدريج، في غرفته التي تكاد أن تكون مظلمة لألا يؤذي النور عينيه اللتين عاشتا في ظلام سنوات طويلة. سمع أول الحضور يتأسون بصمت على شبابه الضائع، وسمع همسات حزينة تحكي عن هذا العمر. ولكن حينما يتضح انتباهه تنقطع الهمسات وتواجهه الابتسامات وتضغط الكفوف على يديه بمحبة. سلم عليه أطباء شباب وضحكوا ببهجة، ودفعوه للابتسام بضعف. قال أحد الأطباء لإخوته الذكور خارج الغرفة، وأخت أنثى واحدة أصرت على السماع، بأن أخيهم يحتاج إلى تأهيل كامل، وربما لن يستعيد بعض قدراته، ولا يدرون حتى الآن عن مدى إدراكه لحقيقة وضعه. وحثهم على معاملته برفق، وإجابة أسئلته بروية، وعدم تعريضه للصخب والانفعالات، أو العدد الكبير من الناس. عاد الجميع حوله الآن. كان بعض أبناء وبنات إخوانه وأخواته ينظرون إليه بفضول، وبعضهم الآخر ينظرون إلى بعضهم. حكا أحد الإخوة تعليمات الدكتور بصفاقة أمامه، وهو يحاول بفشل أن لا يكشف كل ما قال الدكتور، وهو يحسب أن أخيه لا يفهم بشكل جيد. لم ينتظر حتى يتكلم فيما بعد، وكان سوء التدبير والحماقة طبع في معظم العائلة. لم يأبه، ولكنه قلب نظره بالجميع، ينظر للشباب والشابات الصغار، والقليل من الأطفال الذين أصر بعض إخوانه على جرجرتهم معهم إلى المستشفى بدافع التدليل. شد انتباهه شاب هزيل، في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمره على ما يبدو. حلو القسمات، ينظر إليه باهتمام وتأثر. لم يعلم هل يكون خال هذا الولد أم عمه، ولكنه علم بأنه يشبهه، وشعر بأن هذا الولد قد سمع هذا كثيراً. فكر وقد تعود على طريقة غريبة بالتفكير، اعتباطية بالتعبير في غيبوبته:" هذا الولد حلو مثلي، يشبهني، قد يكون مسكيناً مثلي". هذا ما عناه الطبيب عندما تكلم عن إعادة التأهيل. أخرجتهم الممرضة ليرتاح حبيبهم جميعاً الآن. وخرجوا بعدما طبعن النساء والأبناء قبل على خده ذو النكهة الغريبة، نكهة الغياب الطويل.


عندما حضروا في اليوم التالي وجدوا هيئته أفضل بكثير، وقد قص شعره بشكل جيد وسرح فصار مليحاً، وزينت لحيته التي رشقها بعض البياض في أماكن مختلفة، فصارت قصيرة كما فضلها، ولكن لم يسمح له، بلطف، بالنظر إلى المرآة، مع إعلامه بأنه غاب طويلاً عن الوعي. بدا أمام الداخلين إليه وهو على سريره كعصفور جميل في عشه، ولكنه عصفور شائخ هزيل. كان الشاب الجميل يجلس قريباً منه الآن، وقد تجرأ ولمس يده. جلست قريباً أخته الكبرى التي صارت عجوزاً الآن، وابتسمت له طوال الوقت. تحدث الجميع حوله، وتكرر كثيراً قولهم السمج المفضوح بطريقتهم الثقيلة: "لا لا طيب إن شاء الله طيب". كانت نيتهم سليمة، ولكن لم يكن تعبيرهم عنها مؤثراً. قالت أخته الكبرى برقة حينما صمت الجميع للحظة:" سيطيب حبيبي قريباً، ويخرج من المستشفى ليقيم لدي، أخته حبيبته منذ أن كان صغيراً، أليس كذلك يا قلبي؟". ولكن أحد الإخوة الذكور، الذي كان له شكل عصبي، قال بصرامة ووقاحة:" لن يقيم لديك، أنت أكبر من أن ترعيه بالشكل المطلوب". تحرك الأخ الأكبر بما يوحي بأنه سيدلي بدلوه، وهو رجل مظهره يتوقد عزيمة وصرامة رغم كبر سنه ، وقال بثقة:" سيقيم لدي أنا، أنا أكبركم وأنا بمقام والده". انبرت أخت صغيرة نسبياً لتحتج بصوتها الرنان المثير للتوتر وقالت وهي تشير إلى أختهم الكبرى:"لست أكبر منها، هي من ربانا وهي من اهتم لأمرنا وهي حتى من زوجك، إنها أمنا بالفعل". كل هذا الجدل الذي يجري أمامه لم يكن بعد قد نفذ إلى مستوى فهمه وإدراكه، ولكنه استوعب أنهم يختلفون بشده، وأنهم لا زالوا يكرهون بعضهم. وكرد على هذه الأخت، زمجر شاب صغير بالثامنة عشرة من عمره وهو يصرخ بتحامل دفين على عمته، آخر من تحدث: "وما شأنك أنت وهو لن يقيم بحال عندك؟، إنك وراء كل خلاف وكل مشكلة بالعائلة، إن كانت هذه هي أمك فهي لم تحسن تربيتك". بقيت العمة المسكينة تنظر مصعوقة إلى ابن أخيها، وقد ألجمت وقاحته لسانها، وبدا بأنها لا تستطيع الرد لتجربة خاضتها في وقت سابق بخصوص ردة فعل إخوانها حين يتعرض أحد ما أبنائهم بشيء. وكان هذا ما استوعبه صاحبنا المسكين، إنهم ينقلون أمراضهم، كراهيتهم وغضبهم، وضاعتهم وقلة حشمتهم إلى أبنائهم، فلا أحد من هؤلاء الرجال، وحتى والده، قد أوقف هذا الشاب عند حده، أو أقام أدنى اعتبار للعمة. " يكفي!! بالله عليكم يكفي!! ليس هذا موضع ما تقومون به!" هكذا قال الشاب الصغير، شبيه صاحبنا، وهو يقف فجأة، وينتفض بانفعال، كان ولدا استثنائيا، لا يجرؤ شاب بعمره أن يتصرف مثله، ولكن أي الشباب عركه وسط كهذا حتى فقد الرهبة ممن أكبر منه. اختلطت المشاعر والأحاسيس لدى صاحبنا محل النزاع عندما وجد أنه لا رجاء بإخوانه، وأنّ أنين شديد مروع هو أول ما سمعوا منه بعد استيقاظه، وهو ينظر بذعر إلى كل مكان. لم يكن خائفاً منهم كما تخيلوا، ولكن لأن أمر ما دهمه، كانت عضلاته وأعصابه ونفسه، وجسمه وروحه ككل، على ضعف شديد بعد سنوات من عدم الحركة. صاح الجميع وجرى البعض إلى الخارج ليستدعوا الممرضات، جاء فريق منهن لأهمية الحالة، وأخرج بعضهن أقاربه بجلافة، كان آخر من خرج هو الشاب الصغير ذو الرابعة أو الخامسة عشرة، وهو ينظر إلى صاحبنا بخوف عليه لم يعش مثله من قبل، رغم أنه لم يعرفه إلا ليوم واحد، وقد كان خاله بالواقع.


لم يتح لهذا الرجل الاختيار هذه المرة، إذ اختاره غياب من نوع آخر بعد يوم من خياره الأخير،  غياب لا رجاء في الاستيقاظ منه. 






تمت بحمد الله


______________________________








لا أطيق انتظار الغد، حيث سأقابل الدكتور. إنه صديقي الوحيد بخلاف أمي وأخواتي. هو الأكثر مقاربة خارج المنزل لاهتماماتي ورؤيتي للحياة. وهو الشخص الوحيد الذين يهتم لشأني بصدق خارج المنزل. إنه الصديق الصدوق، وأفضل صداقة حضيت بها في حياتي. حضيت بصداقات جيدة، رغم أنه لا يحضرني غير واحدة، لكنها كانت مختلفة، كنت أحب ذلك الصديق لطيبته وقلبه الكبير، لكن فكرياً، وروحياً، كان بيننا حاجز كبير، أو مسافة طويلة.
الدكتور الألماني هو الصديق الذي لطالما حلمت به منذ أن كنت طفلاً صغيراً. بوسعي أن أقول: أتمنى لو عرفته قبل زمن طويل. لكن، قدري أن أصادقه بعد كل ما مررت به، ربما لأكون ما أنا عليه، بسيئاتي وحسناتي. إنه اللقية التي تركها الله سبحانه لي في طريقي، مكافئتي على صبري، وعزائي عن خيبات أملي، ومعيني على وحدتي، وغربتي الداخلية.
هل سيمن الله عليه بالإسلام يوماً ما؟.  سيكون يوم سعيد حتماً.








هل يمكن أن يشكل شراء حذاء أزمه لأي أحد؟ إنه يشكل أزمة لي منذ زمن. عموماً، إن كل ما أشتري تقريباً مما قد يدوم معي لبعض الوقت يشكل أزمة. لا زلت غير قادر على إيجاد حذاء جميل، وحينما أجد يفسد الأمر حينما لا يتوفر مقاسي، أو أجد علة لم أنتبه لها. إن وضعي مزري إلى حد بعيد.








أعتقد بأني اخترت العنوان المناسب للرواية من بين الترشيحات. تظل المشكلة التقنية هي المراجعة النهائية لها، حيث أواجه مشكلة مع خدمة مستندات قوقل. سيعين الله.










قابلت الدكتور اليوم، وياله من لقاء. أحضر لي القبعة التقليدية التي طلبت، ولم تكلف كما توقعنا، وقد وجدتها جميلة جداً، بملمسها المميز والحبل الجميل الذي يحيط بها. الاكسسوار الإضافي، البروش الجميل الذي يثبت بها والمحلى بنقش لوجه غزال بقرنين جميلين وشعر يجعله كالريشة، جاء به الدكتور على حسابه كهدية. بالإضافة إلى حلويات جميلة قضينا عليها بسرعة في المنزل أنا وأختي، وصفتها أختي بـ"المرعبة" لفرط لذتها.
لقد افتقدت رؤيته كثيراً. لم أعتد منذ زمن غابر أن يكون لي صديق أراه بشكل دوري.
كنت قد أحضرت إليه خبزة تقليدية، خبزتها له أمي من طحين البر مع بذور الشمر، وقسمتها إلى نصفين تحت طلبي، قسم بلا إضافات، وقسم مقطع ومفروك بخلطة من الطماطم والبصل والسمن. عجنت أمي الخبزة مع حبوب الشمر العطرية، وأنا أعلم بأنها من ألذ المخبوزات التي قد يتذوقها، مع أنه ألماني، وهم الأشهر بالخبز هناك.
أرسل إلي لاحقاً يخبرني بأن الخبزة من خارج العالم، وأنه استمتع بطعمها جداً. 
أما أنا، فأخبرته بأني سعيد بالقبعة، وأحببتها جداً، وأعجبت من حولي. وأخبرته بأنها أمنية طفولة تحققت أخيراً بفضل الله ثم بفضله.


تحدثنا حول مختلف الأمور كالعادة، وسعدت جداً حينما علمت بأن الفساتين أعجبت الطفلتين الصغيرتين، ووالدتهما، وهي ابنته. تكلمنا حول القصة القصيرة، التي يبدو أنها أشغلت باله بشكل ما. وكان مصراً على رأيه، كان يجب أن أجعل البطل يموت بعدما يثبت شيئا حسناً. لكني قلت بأني لا أعتقد بأن هذا أمر سليم أو صحيح، الطيبة والأخلاق الحسنة أشياء صعيفة وهشة، وقد لا تنتصر دائماً على القسوة، فهذا الواقع، ولكنها تظل موجودة، ويظل الأمل يصارع، حيث أن البطل توفي تاركاً خلفه ابن اخته الذي يشبهه، وهو من قد ينتصر للحق، أو ينجو بنفسه على الأقل. كان يضحك في بداية شرحي، فقطعت شرحي وسألته عما يضحكه؟ قال بأن طريقتي بالتعبير تعجبه، وطلب مني أن أكمل. في أحيان كثيرة أجد بأنه يضحك دون سبب واضح حينما أتحدث، لكني لم يساورني الشك أبداً بأنه يضحك علي، أو أنه يستخف بما أقول، ولن يساورني أبداً.


تحدثنا حول الطب هنا خصوصاً. أخبرته بقصة أمي حينما كانت حاملاً بي. كان وضعي في بطن أمي قد أصبح غامضاً فجأة، إذ توقفت عن الحركة، فظنوا بأني ربما مت. هناك، جائت ممرضة مصرية وقالت بأن الجنين (أنا) ميت، وأنه يجب إخراجي بالتوليد الاصطناعي. جاء طبيب غربي بصحبة مترجم، وأخبرته الممرضة المصرية برأيها، ولكنه فضل سؤال أمي، التي قالت بأنها تشعر بي أتقلب من جانب إلى آخر، ولكنها لا تشعر بحركة واضحة خلاف هذا. قال الطبيب الغربي بأن الجنين حي إذا، وطلب أن تترك أمي حتى تلدني. لكن الممرضة المصرية غضبت، إذ شعرت بالإهانة لأن الطبيب أخذ رأي أمي في الأمر (!!)، وتجاهل رأيها بالمخاطرة بالجنين. قالت هذا للطبيب بغضب واضح، ثم قذفت بقلم كانت تحمله بيدها على بطن أمي بشدة. طلب الطبيب مباشرة كتابة تقرير يفيد بما جرى، وأني لو مت، فإن الممرضة هي المسئولة، بسبب قذفها بشيء على بطن أمي، وطلب إبعاد الممرضة عن أمي في الحال. لكني بطبيعة الحال، لم أمت. حينما قلت هذا ضحك الدكتور، وقال بأن هذا الواضح، فهأنا أمامه، أحكي. قلت ربما لو حدث، لما اضطر للاستماع إلى هذري. قال بأني أستمع إليه أيضاً. أوضحت بأن الفرق هو أن حكاياته مبهجة، بينما حكاياتي أنا تجلب التعاسة لمن يسمع، وبالواقع، لا يوجد أحد خلافه ليسمع. كان رأيه هو أن التعاسة والأمور التي نمر بها هي ما يلهمنا للقيام ببعض الأشياء، فلو لم أمر بأمور صعبة، لما تمكنت من كتابة هذه القصائد والقصص. قال بأننا لو كنا دوماً سعداء لكان الأمر جميلاً، لكن لما قمنا بالكثير من الأمور.




خرجنا لاحقاً، كان أمامنا خيارين، إما أن نذهب إلى سوق لشراء حذاء لي، أو نذهب لشراء مؤونته من الطعام. الطعام أهم، رفضت الذهاب إلى السوق. لكن للأسف، انكسرت زجاجة زيت الزيتون بسبب سوء تدبيري، إذ حملته الكثير من الأكياس ولم أُقدر، وأطعته حينما قال بأنه لا حاجة لحملي الأكياس معه عند منزله. لكن ربما كان هذا للأفضل، قد أجد له زيت زيتون من الإنتاج المحلي، حيث بحثنا عنه بلا جدوى، فهو يفضل شراء الأشياء المحلية.


 هاهي القبعة على رأسي، وقد جلبت معها ضباب غابات الألب...
(والحرف اللي بالهوا بعد)








تعشيت مع همام اليوم، دعاني للعشاء للمرة الثانية على التوالي، ورفض تركي أدفع الحساب بالطبع، وهذا أمر محرج جداً. وما زاد الطين بله، هو أنه جاء بهدايا من الصين. شاي ياسمين بتغليف فاخر، وشكلين من الفطر الصيني المجفف، إذ يعلم بأني أحبه في المطاعم الصينية.
كان العشاء في مطعم تايلندي. لقد بدأت أفهم ذوقه جيداً، وهو مختلف إلى حد ما عن ذوقي. أتوا بمرق له رائحة نفاذة، وفيه قطع من السرطان والأسماك وما بدا أنه دجاج. شربت منها طاستين، رغم أنها بالواقع لم تعجبني. لكنه كان يتوعد بها، وكان علي أن أجامله وأن لا أشعره بالسوء. ثم جيء بلحم البط، وسلطة مسلوقة من الخضار الورقية، والأرز المقلي الذي لا يختلف عن الأرز في المطاعم الصينية. لحم البط أجربه للمرة الثانية، الأولى لم تكن موفقة، مع صديقي طلال البحريني حينما زار الرياض. أما هذه المرة فكان طعمه لذيذاً. إن لحمه غريب، أحمر، وقد تحسبه لحم بقرة لولا قوامه وشكله المختلف. إنه أقسى من لحم البقرة، والشحم يلتصق به بطريقة مختلفة ودقيقة من جهة واحدة، والشحم يبدو محتفظاً بدهنه وقسوته رغم الطبخ، فيسهل نزعه إلى حد ما والتخلص من الدهون. وهو رغم قوامه المتماسك ومرونته، لا يشبه لحم النعام، الذي يعتبر أقسى وأقوى، وأكثر خلواً من الدهون، وأقرب إلى العصب منه إلى اللحم لخلوه من الطراوة.
كان عشاء لذيذ عموماً، باستثناء الشوربة.


ثم دعوته إلى مقهى صدى التحلية، ليجرب حلوى السوفليه، لم أجربها منذ سنوات. وشربنا شراب السحلب معها، ولم يكن لذيذاً، كان مثل مهلبية غير ناجحة.


كنت محرجاً مع ذلك، إن أصدقائي يبالغون بتكريمي وهذا شيء محرج. كنت أنوي دعوة الجميع في الإجازة النصفية الفائتة، ولكن رغم أنها قصيرة إلا أن الجميع فر من البلاد فجأة.








في الدورة تسير الأمور على نحو متباين. يعتمد الأمر على جوانب كثيرة. المدرسين مختلفين، وهم يتبدلون حسب فصول المقرر. أحدهم كان جاداً ومفيداً حقاً رغم أن الفصول التي أعطاها لم تكن مفيدة كثيراً بطبيعتها. لكني فوجئت بفجاجة البعض بالتعامل. إن بعض الطلاب يتصرفون بمنة على منظمي الدورة لأنهم حاضرون!! يقول أحدهم للمدرس حينما طلب منه الانتباه بترجٍ مُحرج:" يلله يلله طيب بننتبه لك." هل تمنيت أن أصفعه؟. بالواقع، الكثير من الطلاب يتصرفون بضيق ويحاسبون المدرسين بالدقيقة حتى ينتهي الدرس. يقول أحدهم بعدما وعد مدرس آخر أن ينهي الدرس خلال ١٠ دقائق: "العشر دقايق تدبلت وصارت عشرين!!". كلنا كنا متضايقون بالواقع، لأن مادة الفصل والمدرس أحياناً لا يصلحون لما نريد حقاً، إلا أنه من الوقاحة والإساءة للصورة العامة أن نتصرف على هذا النحو.






مرضت في اليومين الأخيرين بشدة، ولم يكن هناك مقدمات، فجأة بدأت بالارتجاف وارتفعت حرارتي، وظللت طريح الفراش معظم الوقت. لم تكن أمي مقتنعة تماماً بأني مريض في البداية، حيث أنها سألت لماذا لم أذهب إلى الدورة؟ قلت بأني مريض جداً، فردت: أو بك نوم؟. كنت مريض جداً بالفعل. لاحظت لاحقاً بأن الأمر جدي، وأنه ليس مجرد عذر. تغيبت الآن ليومين  عن الدورة، الثلاثاء والاربعاء، وهذين اليومين قد ينهيان مشاركتي في الدورة... لكن الحمد لله أني تعبت الثلاثاء، فلو تعبت الاثنين او قبله لكان أملي قد انتهى تماماً باكمال الدورة. لم أذهب إلى طبيب، والدورة مضغوطة جداً إلى درجة أنهم قد لا يتسامحون مع غياب كهذا. أرجو على الأقل أن أشفى بسرعة، يا رب. خصوصاً أني يفترض أن أرى الدكتور الألماني غداً، وإذا ظللت متعباً، فلن أتمكن من رؤيته. هل سأتحسن غداً في الوقت المطلوب قبل اللقاء؟. لقد تحسنت بالواقع اليوم، إلى حد جيد، والحمد لله.
كم أكره المرض، لكن هل يحبه أحد؟!. يدرك المرء قيمة الصحة بقمة وعيه حينما يمرض.
لم أترك لأرتاح عموماً، فقد تسلطت المكالمات علي. وامتحنني دكتور أردني في الدورة يريد مساعدتي في القسم حيث أعمل، ولم يعلم بأني مريض لم أحضر الدورة حتى إلا في اليوم التالي. أرجو أن يكون قد تفهم عدم قدرتي على متابعة مشكلته كما يجب.
أعلم بأن حالي أفضل الآن، لكن لا أدري لماذا في النهار يكون حالي أسوأ.


أكتب بعد أيام، بعدما شفيت ولله الحمد. بيد أن نفسي لم تشفى إلى حد ما. لقد أثر المرض على معنوياتي على نحو غريب، ولم أعتده، ولا زلت أجر الأفكار المتعبة والهادّة في نفسي. إني أفضل عموماً، والحمد لله. في الدورة، لم يقولوا لي شيء، لعل الدكتور الأردني أخبرهم، لأن المدرس الآخر، الذي كان الجميع ينتظر دروسه، وهو على الأغلب من ساند تسجيلي في الدورة، سألني إن كانت صحتي أفضل الآن؟. هو شاب كويتي الأصل، أمريكي الجنسية. حينما رأيته لأول مرة لم أتمكن من تحديد هويته، فهو رجل طويل وجسيم ما شاء الله، وملامحه غريبة على أنها جميلة. فكرت بأنه ربما عراقي الأصل، أو ربما أردني، رغم أن كونه أردني أمر مستبعد، لكن من يدري. حينما ذهبت للتقدم لأجل الدورة، كلمته هو، وقال بأنه رآني في وقت سابق. أخبرته بأنه رآني على الأغلب في القسم حيث أعمل، فتذكر ذلك، وتذكر بأني الشاب الذي لاحظ بأنه يتكلم اللغة الانقليزية. أخبرته بأني مترجم بالواقع. أبدى اهتماماً بأمري، وسألني إن كنت أعرف شخص آخر من الحوشان، أخبرته بأنه ليس من أقاربي، ولكنه صديق أخي على الأغلب. فلأخي صديق من حوشان آخرين، من القصيم أيضاً، لكن لا ينتمون إلينا. الإشكال كان أن الدورة هذه المرة مخصصة لطلاب الجامعة. ولكنه بذل جهده لمساعدتي للانضمام، وأخذ بياناتي على نحو مستقل. لم أتوقع أن تثمر جهوده رغم أني قدرتها كثيراً، قدرت عفويته واهتمامه. مع ذلك، لم أتمكن من معرفة إلى أين ينتمي. قال في سياق حديثه: عَجل، يريد أن يقول: أجل. الكويتيين يقولون: عيل. أما الدمج بين النطقين فكان جديداً علي. فكرت إذا ما كان العراقيون يتحدثون هكذا؟ قد يكون عراقياً، فلو كان كويتياً لبدا سعودياً أصلاً. لاحقاً عرفت بأنه كويتي الأصل، ولكنه عاش في أمريكا لفترة طويلة، ولديه الجنسية. لم يخفى علي مع الوقت أنني على الأغلب انضممت للدورة بفضل الله ثم بفضل جهوده، فالمسئول الآخر عن التسجيل لم يبدو أنه كان راضياً عن وجودي تماماً. هل فُرضت عليهم؟ لماذا؟ لا أخفي بأني سعيد بالأمر، لكن هل أستحق هذا حقاً. حينما اتصل بي المسئول الآخر ليخبرني بأن آتي غداً لحضور الدورة، فرحت كثيراً. في الصباح التالي، اتصل الرجل الكويتي نفسه، الذي يكون اسمه الاخير اسم قبيلة عريقة، وبعد سلام قصير قال بالانقليزية بأنه لا يريد أن يطيل، هل علمت بأني قبلت بالدورة؟ وهل سآتي؟ أخبرته أني في الجامعة الآن، وشكرته على اهتمامه. لقد تعجبت وسعدت بأنه اهتم بالاتصال والاطمئنان للأمر. إني لا علاقة لي بصديق أخي، وحتى أخي  المعني لا علاقة له بشئون حياتي بالواقع، شأنه شأن كل إخواني الذكور.
أرجو أن لا أخيب الظن.




في الدورة، حصل موقف سخيف جداً. وفي ذلك اليوم عدت إلى المنزل بشعور بالانطفاء والتعاسة. كان الأمر أن مجموعة من الطلاب كانت تضيع وقت المحاضرة القصير بالجدل العقيم، ومحاولة استخفاف الدم وإغاضة الدكتور، وهو دكتور أردني طيب وبريء بخلاف الآخرين، وربما لهذا تجرأوا عليه كالأطفال. أضاعوا وقت طويل، وقد سئمت ومن حولي الأمر، فتدخلت سائلاً إياهم ترك المحاضرة تمضي. على نحو غريب، هجموا علي معاً بشراسة قائلين بأنهم يناقشون، ويوحون بأن لا دخل لي. كان سلوك طفولي. لكني لم أتوقف، وقلت بأنهم طرحوا وجهة نظرهم والدكتور طرح وجهة نظره والكل حر، ولسنا معنيين بسماع المزيد حول هذه النقطة، فللبقية حق من المحاضرة أيضاً ويريدون تعلم أشياء مختلفة. حاول الدكتور تهدئة التوتر بلا جدوى، فقد ظنوا تدخلي مهيناً لهم، رغم أن طلاب آخرين وقفوا في صفي أيضاً. حينما بدأ الدكتور بإكمال المحاضرة، صاروا كالعادة يتكلمون ويتمازحون، ويسخرون مني بوضوح لا يخفونه، ويطل أحدهم كل بضع لحظات من فوق الحاجز ليراني ثم ينزل. لما انتهت المحاضرة، سأل أحدهم الدكتور إن كانوا قد أضاعوا وقته؟ قال بطيبته بأنهم لم يضيعوه، لكن لكل وجهة نظره، وأن سعد، يقصدني، له الحق بقول وجهة نظره بالأمر أيضاً. قالوا بأن من حقهم النقاش، وإلا فسيكفي أن يبقوا بالمنزل ليقرأوا الكتاب بدلاً عن قراءة الدكتور للكتاب لهم (!!). تدخلت قائلاً بهدوء بأن من حق الجميع النقاش والسؤال، لكن ما قاموا به لم يكن نقاشاً، فقد كان جدالاً. كانت هذه إهانة أخرى حسب فهمهم، وصاروا بعد ذلك يحاولون استفزازي أحياناً. في اليوم التالي حينما دخلت القاعة لم يتواجد سوا واحد منهم، وقد رد سلامي الذي وجهته للكل كاملاً، وبما يشبه الحفاوة، لكني لم أنظر إليه. عرفت أنهم حاولوا جري مرة أخرى إلى نفس الموقف، لكن بعدما تبين حجم عقولهم، قررت أن أنأى بنفسي بقدر الإمكان. أحدهم على وجه الخصوص يقوم بتصرفات طفولية لم أتصور أن أرى شاب بعمره يأتي بها.




يصر زميل عزيز ضمن مجموعتي بالدورة، وهو ملح المجموعة، على التعليق على عمري على نحو مفاجئ ومحرج، أمام الآخرين حتى. كان قد انصدم أني أكبره بكثير، وهو يحسبني من عمره. وهذا شيء محرج. ليس فقط ما يقول (أحياناً يقول بأني "شايب")، إنما الأمر برمته، لا أحب مفاجئة الناس بحقيقة غير متوقعة حولي، أو تعليقاتهم حتى لو تخيلوا بأنها إيجابية. قال دكتور أردني ممن أجهدنا بتحدثه عن الأردن في الدورة، بأن عمري لا يبين على وجهي، بعدما سألني منذ متى أعمل في الجامعة. كان متفاجئاً. وفي ذلك اليوم خرجت ووقعت وشقت وجهي حديدة... لا، أكذب، لكني مرضت بالواقع، ولا أتوقع أن لعينه صلة بالأمر.
شكلي عموماً ليس صغيراً، إنما هيئتي قد تعطي إنطباعاً خاطئاً.
إني عموماً أسامح زميلي هذا على تعليقاته، حيث أن له قبول كبير لدي. وربما عدم هضمه للحقيقة يطيل من ذهوله منها.






اليوم كان استثنائياً إلى حد ما في الدورة. شارفت على الانتهاء، وكانت كل مجموعة تعمل على مشروعها الافتراضي. في مجموعتي، كل الأعضاء محبطون، لأن الدورة أتت مخيبة للأمر، ومضيعة للوقت. الفكرة جيدة، لكن التنفيذ سيء جداً عموماً. ضاع الكثير من الوقت على أمور غير مجدية، وانضغطت الأمور الأكثر أهمية ولم تقدم على نحو مفيد.
رأينا بعض الأشخاص يأتون بصحون في أكياس من محل معجنات وحلويات شهير، وقد تمنى زميلي خفيف الدم أنها لنا. لم أتوقع، لكنها بالفعل لنا. فوجئت، فسألت المدرب المتواجد في تلك اللحظة، وهو كويتي الأصل، سألته باستغراب ما المناسبة؟!. لم يبدو أن سؤالي مثير للإعجاب، لكني أردت أن أعلم، لا أن أذهب فقط لآكل. لكن بدا أنه لا يوجد مناسبة حقيقية، فقط اقتربت الدورة من نهايتها. أنبني زميلائي على سؤالي. ذهبنا إلى الغرفة الأخرى، في طريقي، صادفت اثنين من تلك المجموعة التعالية على الكل، وكان أحدهم من من رد سلامي بحفاوة قبل أيام، بينما الآخر هو ذو التصرفات الطفولية، وقد كان ماطاً شدقيه وكأنه ضبع. مررت وهما يتابعاني وكأنهما كاميرتي مراقبة. ألقيت بالسلام، فرد الأول السلام بحفاوة وصوت مرتفع. في الغرفة، علمت أن الشراكة الطلابية هي من أتى بالوليمة الصغيرة، إذ يفترض بأن الدورة خاصة بالطلاب مع بعض الاستثناءات التي أقع من ضمنها. ما لبثنا إلا قليلاً حتى جاء بعض المدربين. صافحنا أعقلهم جيداً، وهو اردني فلسطيني من جرش، ولما صافحني قال: "آه! سعد المترجم! انت تترجم بين لغتين والا بين لغة الإشار..." قاطع المزحة مسئول كبير في المركز الذي يعطي الدورة، وانشغل الجميع بالتحدث والأكل، بينما قدم العصير زميلي خفيف الدم في المجموعة، وهو شاب ملتزم من أظرف من قابلت في حياتي. كان أحياناً يعطي مزحات ثقيلة على المدربين، لكن حسن نيته لا حد له.
حينما فرغت، حملت صحني البلاستيك والكأس، باحثاً عن قمامة، لم أجد، ولكني لاحظت بأن الكويتي يراقبني بطريقة خفية، كان يريد أن يرى ماذا سأصنع بالصحن والكأس، إذ أني تجاوزت صواني الطعام على الطاولة. وجدت كيس في الخارج، تركت الأشياء فيه إلى جانب بعض القراطيس، ومضيت إلى كلية اللغات المقابلة، حيث أذهب كل يوم لشراء قهوة فانيلا تنشطني من المكينة.
تساءل قبل يومين الملتزم الظريف في المجموعة، إذا ما كنت قد ندمت على مشاركتي في الدورة؟. قلت بأنها لم تكن مفيدة، لكن لو لم أشترك بها لما عرفتهم. قلت هذا صادقاً من قلبي. وافقني، وقد سعد بهذه الإيجابية.
أرجو أن تكون لديهم نفس الرغبة التي لدي، أرجو أن لا تنقطع الصلات بعد نهاية الدورة.






أكتب بعدما انتهت الدورة، وكان هناك الكثير من الإحباط، لم أستفد منها، ولم يستفد كذلك الزملاء في المجموعة، وفوق هذا، صادفنا بعض التحطيم وعدم التقدير من مدير قاس في الدورة. أولموا لنا بالفطائر والكيك احتفالاً بانتهاء الدورة، وحتى في الحفلة لم يكف ذلك الطفل الكبير عن السخرية بي حينما لا أنظر، ثم التصدد حينما ألتفت!! كما لم يكف صديقه المقرب من التلطف تجاهي ومحاولة إفتعال المواقف. الشهادات كانت تحوي خطأ مطبعي، فسحبت لتعدل.
في اليوم السابق للدورة ذهبت تلبية لطلب همام إلى معرض لم أعلم عنه في البهو الرئيسي، معرض فيه لكل دولة من دول الطلاب الأجانب جناح، تقريباً لكل دولة. كان معرضاً رائعاً، ولكن كان ما يهم همام أن أذهب إلى جناح الصين. سألت همام إذا ما كان خالد في الجناح؟ قال بأنه هناك. يا لحسن الحظ، خالد هو الصيني الطالب الصيني الذي أسلم مؤخراً، وأجد أني أحبه كثيراً. ذهبت، ووجدت أن خالد أعطي مهمة بديعة في الجناح؛ كان يخط أسماء الناس باللغة الصينية على الأوراق، بريشة الخط الصينية التقليدية، والحبر الأسود القاتم. ما رأيته كان جميلاً جداً، جداً، لكن هل هو جميل لدى الصينيون أم لأني لا أميز المقاطع فقط وأراها كالزخرفة؟. حينما سلمت عليه كان منشغلاً إلى درجة أنه لم يتعرف علي مباشرة، ثم صاح عالياً، وترك يدي وأخرج ورقة، وخط عليها اسمي، كنت مستغرباً من ردة فعله، إذ لم أفهم أنه يكتب اسمي بالطبع. فرحت كثيراً حينما مدت إلي الورقة، ولكن أحرجت لأني سبقت الناس عن غير قصد.


تفرجت قليلاً فقط، لم يكن الوقت يسمح، وعدت.
لكن في آخر يوم، اقترحت على الزملاء الذهاب إلى المعرض بعد الحفل. كان الوقت متأخراً، وتلكأ البعض كذلك. حينما ذهبنا بالسيارات، رفض الحارس أن يدخلنا، جادلوه، ولكن قال إن كانوا موظفين فليدخلوا، وهذا قانون من عنده. بالواقع، كان المعرض في ختامه، وكان اليمنيون يعرضون فلكلورهم. لم أكلم الحارس، ذهبت لوحدي إلى خلف أسوار المعرض وأتصلت بزملائي فحضروا، يوجد مدخل مسدود بعلامة منع، وبأحواض دائرية فيها نخيلات صغيرة. أزحت عسيب نخلة عن طريقي ودخلت بصمت، كنا بجانب جناح بنقلاديش.
كانت الأجنحة تحزم أغراضها. لكني التقطت صورة برداء صيني ومروحة أعطاني إياها خالد، سألت إن كانت هذه المروحة للنساء؟ لكنه رد باستغراب بأنها لكل أحد، رجال ونساء. أمسكت المروحة كما قال لي، وصورنا زميلي صورة لعلها أفضل صورة ظهرت بها.




كان أخ مديري العزيز أبو عمر يعرض مع اليمنيون في فلكلورهم، وكان زفة للعريس، صورته وسلمت عليه، وقد لبس ملابس يمنية جميلة. أنوي أن أريها مديري لاحقاً.


افترقنا لاحقاً، إلى لقاء قريب إن شاء الله.






قابلت الدكتور الألماني اليوم مرة أخرى، بعد مضي أسبوعين دون أن نرى بعضنا.  كان متعباً بوضوح، ويعاني من صداع. لكن وضعه تحسن مع الوقت ونحن نتحدث. أخبرته عن الدورة وأخبرني عن عمله ومشاغله. بعد قليل شكرني، قائلاً بأني بطريقة ما أزلت صداعه. حاولت إقناعه بتجربة الكولا، ولكنه عدد لي مضاره، مع ذلك، جادلته في الأمر. سألني لماذا أريده أن يشرب الكولا؟ أخبرته بأن هذا لأني أعتقد بأنه يصيع على نفسه الكثير من المتعة حينما لا يتذوقه. ربما لم يتذوقه منذ أربعين سنة.
حينما كدنا أن نخرج، حدث الجدل المعهود حول دفع الحساب. يصبح أكثر عناداً في كل مرة. قال بأني لو كفيت عن محاولة دفع الحساب معه، ربما سيتذوق الكولا. ثم قال بأنه في في عمر والدي أو عمي أو حتى جدي، فلا يجب أن يدعني أدفع الحساب. ثم قال بأنه يدفع الحساب لأن ماله أكثر مني، سألته كيف يعرف، فابتسم،، هاها. ثم قال بأني أزلت صداعه عنه، ولهذا سيدفع الحساب كأتعاب لي. دفع الحساب بالنهاية، ساحباً بوك الفاتورة من بين أصابعي بسرعة.
حينما أوصلته إلى بيته، أعطيته ما أحضرت له؛ زجاجة زيت زيتون من منطقة الجوف في شمال البلاد، فرح بها كثيراً، ولكنه أراد سداد ثمنها. بالطبع هذا أمر غير قابل للنقاش، فشكرني وأخذ الزجاجة، وودعني شاكراً إزالتي لصداعه، قائلاً وهو يبتسم بأنه سينصح بي لأصدقائه، يقصد وكأني دواء. كان ممنوناً للأمر.
إذاً، أزلت صداعه، لكن، هل يدري هو ما أزال عني؟.
بنفس الوقت، ضحكت وأنا أفكر بامتنانه وفرحه بزوال الصداع؛ على الأغلب أني بقدر ما أزلت صداعه بشكل ما، ربما بالتكلم والضحك، بقدر ما سببته لأحد آخر بالسابق؛ لعله لا زال حينما يتذكرني يشعر بالصداع.






 ذهبنا صباح يوم في الأسبوع الفائت إلى مدينة الملك فهد الطبية، في أول موعد حقيقي لأمي هناك. هذه المرة الأولى التي أزورها على هذا النحو، إذ كانت المرة الأولى حينما ذهبت لوحدي ببعض أوراق أمي منذ زمن بعيد لأخذ استشارة من طبيب على نحو سريع. أما اليوم، فقد كنا نراجع معاً، وذهبنا إلى عيادة وانتظرنا كما يفعل الناس. ذهلت من كل شيء، فبعد جحيم مستشفى الملك خالد الجامعي، رأيت النعيم أخيراً في مستشفى حكومي.
كان الموظفون عموماً متعاونون، ومهذبون، عكس معظم موظفي الملك خالد، والممرضات أكثر احتراماً للناس بكثير، رغم أني لم أخاطبهن كثيراً، فلم أضطر لهذا لحسن الحظ، عكس ما يجري دائما في الجامعي. حينما جئنا لغرفة الانتظار، لم يسعني تصديق أنها استراحة للمراجعين والمرضى بالفعل، لم يبدو الأمر واقعياً. يوجد طاولة في المدخل، تحوي صواني من الأطعمة المختلفة، وأكثر من صينية لكل نوع من الأكل. يوجد صينيتين تحويان قطع من التوست بحشوتين مختلفتين، وصينية للفطائر والكروسون، وصينية للبسكوت والحلويات، وصينية تحوي تمور مغلفة، إلى جانب السكر، وغلاية الماء، وعلب عصير التفاح، وعلب الماء، وزمزمية (ثلاجة) قهوة عربية.  يعامل الناس هناك كأوادم، ويفهم أهل المستشفى أن المرضى والمراجعين بحاجة إلى الشعور بالتقدير والتعاطف والاهتمام. لم يأكل الناس كل شيء، بل بالكاد مس أحد الطعام، إن الناس ليسوا جوعى، إنهم لا يعانون من مجاعة، فهم لن يسببوا الخسارة للمستشفى، إنهم فقط يحتاجون إلى التقدير.
يوجد من يأتي بالطبع، وهو بحاجة ماسة لأكل شيء، وأنا أثق بنفس الوقت أن هذا ليس بتبذير، وأنه في نهاية اليوم، سيكون معظمه قد أكل.
كنا ننتظر دورنا، وأحياناً أخرج للاستكشاف، وقد وجدت طريقاً مختصراً جداً للخروج، ليتنا علمنا عنه حينما جئنا لنسلكه. وفي ممر العيادة، رأيت طبيبين، وتسائلت إذا ما كان أحدهما هو طبيبنا الذي جئنا لأجله. طبيبنا جنوبي، وكان لدى أمي إصرار للذهاب إليه دوناً عن غيره، حيث كانت قد عالجت لديه قبل سنوات. لم أره في ذلك الحين، حيث كان في مستشفى الحرس، وكانت تذهب برفقة أختي للمبيت هناك حيث كانت حالتها سيئة جداً في ذلك الحين، والحمد لله على كل حال. كان الرجل الذي رأيت في الممر كبير بالسن قليلاً، ذو لحية طويلة وجسد عريض، وملامحه يمكن القول عنها أنها جنوبية، فهي حلوة، وبشرته نظرة ما شاء الله، وخديه ورديين. كل هذه دلائل قالت بأنه جنوبي، لكن كان هناك مشكلة واحدة، حيرتني في أمره، كان رأسه ضخماً، وهذا قد يجعله سورياً، فلا يتسم أهل الجزيرة العربية عموماً بالرؤوس الضخمة، ورغم أن ملامحه ليست جلفة طبعاً كالسوريين، فهي كما أسلفت حلوة ولطيفة، إلا أن ضخامة رأسه أبعدته عن الترشيح. يجب أن أرى هذا الطبيب الذي أصرت أمي على طبيبنا في الجامعي على أن يرسلنا إليه، طالما سيرسلنا إلى مستشفى آخر، ولم يكن يمكنني قراءة شارته الذهبية، رغم أني بصراحة لم أهتم برؤيتها، لأن رأسه الكبير كفاني (فراسة).


المهم أننا دخلنا لاحقاً، ورغم أن الانتظار طال إلا أنه ليس كما توقعت وكما يجري في الجامعي، مع الاخذ بالاعتبار كثرة المرضى المنتظرين.
وكان في الغرفة هذا الطبيب ذا الرأس الكبير. وسألنا عن حالتنا، وراجع الملف أمامه وسأل عن بعض التفاصيل. سأل إن كنا أخذنا علاجنا سابقاً في مستشىفى الحرس؟ قلت نعم، أخذناه هناك، تسائل لماذا جئنا هنا هذه المرة؟ انبريت أشرح، وقد استبد بي القلق أن لا يجعلونا نرى طبيب أمي المرغوب، حيث أني أحمل ورقة حتى من طبيبنا في الجامعي لأجله، وقلت بأن أمي عالجت في الحرس لدى الدكتور مشبب العسيري، وقد انتقل إلى هنا الآن، لذلك طلبنا  أن نرسل إلى هنا لأننا نريده هو، نريد أن نرى هذا الدكتور. كان هذا تلميح ليجلبه لنا، أو لينصرف أو يصرفنا إليه. سأل باهتمام إن كنا قد قابلنا الدكتور مشبب العسيري؟ قلت لا، لم نقابله. فابتسم وقال بأنه هو. بدا من الواضح أنه سعيد بأننا لحقناه، وأن أمي لم تنسى أنه طبيبها، وظلت ابتسامته عريضة طوال الوقت. ضحكت، إذاً عسيرينا رأسه كبير. طمئننا على حالة أمي، وفرض إجراءات جديدة في علاجها، وطلب أن يرانا خلال مدة معينة. لكن أمي استعجلت، وقالت بأنها تريد أن تجري تحاليل الدم المطلوبة الآن، لأنها عطلتني عن عملي بما يكفي. كان لدى الدكتور الوقت ليتجاوب مع أمي، وهو ربما الدكتور السعودي الأول الذي يتعامل بهذه الإنسانية، أو الثاني بعد الدكتور خالد الغامدي. كليهما من الجنوب، أليس هذا مميزاً ودالاً؟. 
كنت محرجاً، وقد سأل أمي إن كنت وحيدها؟ قالت لا، قال إذاً هو الأصغر! قالت نعم، قال وأين الآخرين؟ قالت بأنهم لاهون مع زوجاتهم، وأني أنا من "أمسكوا بي" (!!). ثم سألني ماذا أفعل؟ قلت في الجامعة مترجماً. صمت قليلاً، بدا مشوشاً، ثم قال في السنة التحضيرية؟. قلت لا لا، أنا مترجم في الجامعة. أين؟ في القسم الفلاني. سأل إن كان مديري نذلاً؟ قلت  بعاطفة صادقة وجياشة لا، إنه رائع. ثم التفت إلى أمي وأخبرها بأنهم سيعطونني الأوراق اللازمة حينما أراجع معها، أو حتى إجازة، ولعلي أريد أن أغيب أصلاً!.
عرفت لماذا أمي أصرت على رؤيته، لقد عاملها كما يجب أن يعامل الطبيب مرضاه. والحمد لله أننا لحقنا به إلى هناك، فقد سعدت برؤية شخص مثله، ولو كان دكتوراً سعودياً في النهاية. لن أبالغ وأقول أنه جعلني أعيد النظر في الدكاترة السعوديون، لا، لكنه استثناء رائع.
كان مرن في نقاش الحالة، واستمع لكل ما أردنا قوله. وناقش كل شيء حتى رغم صعوبة تعبيري عن الأعراض كما يجب وبالمسميات الصحيحة.


خرجت من المستشفى وأنا سعيد وحزين بذات الوقت. لماذا لا يتاح لنا أن نراجع هنا دائماً، حيث نعامل كأناس؟. لن يكون لعملي في الجامعة حينها ميزة كبيرة جداً من ناحية قرب المستشفى، سوا أن مديري سيظل متفهماً، وستكون مراجعاتنا أقصر كذلك.
أشعر بالأسف الآن حينما أتذكر بأنه لن يكون مستشفانا أبداً، وأننا سنعود إلى المستشفى الجامعي، حيث الكل تقريباً وضيع. إني أحب المستشفى الجامعي، لأن أمي تحسنت بقدر معين لديهم، رغم أنهم أفسدوا بعض الأمور كذلك لديها، لكن، يا الله، كم أتمنى، أتمنى، أتمنى لو نراجع في مدينة الملك فهد الطبية لأجل كل شيء، كل شيء على الإطلاق، كم سيحسن هذا من واقعنا، بعون الله. على الأقل لن تراجع أمي لدى قسم العظام في الجامعي، اؤلائك الأنذال والقساة والجهلة الذين أفسدوا فقرات ظهرها.
لقد شعرت بمرارة أن تجرب شيئاً لن يمكنك الاستمرار عليه، مجرد تجربة، لتعود  بعد ذلك إلى ما لديك من واقع مقرف.
لقد بدأت أتخيل وأصنع القصص في ذهني؛ أتخيل بأننا صرنا نراجع هناك دائماً، وأن صحة أمي صارت أفضل، وأنهم ضحكوا حينما رأوا علّة ظهرها، وقالوا: ها! سهلة!!.








سعد الحوشان