الاثنين، 3 فبراير، 2014

كمين القلوب (ما سقط سهواً،متنوعات عن الرحلة،المعتاد،قصيدة)

بسم الله الرحمن الرحيم





أعادني الحظ وبقيت روحي بمنفاها...
وظل قلبي في كمين القلوب ومهواها...
أين زهيرات الانديز وفراشاته...
أين أهله وحدائقه وساحاته...
أين الصحاري المغايرات بأنهارها...
أين السهول والمراعي وحيواناتها...
ألا أيها المحيط الأبدي خذني بأحشائك...
واحبل بي هوناً تسعمئة عام رجعية...
ثم بمخاض يسير الفظني...
برفق على شواطئ تلك الأرض النقية...





مرت الأيام الآن، دون أن يخيل إلي أن الرحلة صارت بعيدة العهد، لا أدري ما السبب. إني أنظر إلى الشهور وأشعر بالضيق، وكأنما بازديادها تفرقني وجودياً عن ذكرى جميلة.
عموماً؛ أردت أن أتحدث هنا عن بعض الجزئيات الجانبية من الرحلة، كتجربة المطارات المختلفة، وما نسيت ذكره خلال رصدي للرحلة في التدوينات السبع الفائتة، خلافاً للمتفرقات المعتادة.


أتذكر أمور متفرقة أحياناً، أكون قد نسيت أن أذكرها في التدوينات الأساسية عن الرحلة، مثل قرية في تشاتشابوياس بالشمال، ينشط أهلها بصنع الفخاريات الجيدة، ولهم أشكال مختلفة عن أهل المنطقة الأصليين، يكمن السبب في التاريخ البعيد. كان الإنكا قبل وصول الأسبان يلجأون إلى إعادة توطين أهل القرى والمدن الذين يثورون أو يسببون المشاكل في مناطق اخرى، وأهل هذه القرية هم بالواقع من العرق الذي ينتمي إليه الإنكا في جنوب البيرو حالياً وفي قلب الانديز، وقد وطنوهم الإنكا منذ ذلك الوقت في الشمال، حيث لا زالوا يعيشون ويمارسون أنشطة أجدادهم، ويعرفون بتاريخهم وانتمائهم الأصلي.
إن تأثير الإنكا على الحياة لا يزال حاضراً بقوة، ومع ازدياد الوعي والحس القومي لدى أهل الجنوب، أو الكيتشوا كما يسمونهم، يرى المرء توجه مختلف للبلد وثقافته على وجه العموم. مع أن المرء يلاحظ ضيق أهل الشمال باستحواذ الجنوب وتاريخه على الاهتمام، وربما اعتزاز أهل الجنوب بتاريخهم وثقتهم المتزايدة بأنفسهم. وبالواقع، يرى المرء أن أهل الشمال أكثر انهزاماً ثقافياً من أهل الجنوب، حتى الأصليين منهم. أتخيل بأن هذا عائد إلى العمق الحضاري المختلف في الجنوب. إذ رغم قيام حضارات عظيمة في الشمال، آثار عبقريتها لا زالت موجودة، إلا أن الطموح كان دائماً يأتي من الجنوب، حيث تبدأ الحضارات الجنوبية توسعها دائماً على حساب الشمال، مثل الإنكا وقبلهم الواري، الذين ورثهم الإنكا، والجنوب الأبعد الأقل تحضراً من الناحية المادية (تشيلي وشمال الأرجنتين حالياً). يخبرك أهل الشمال بمرارة بأن الإنكا استفادوا من خبرات أسلافهم في حضارتهم، وكأن هذه نقيصة، في تجاهل للبعد الحضاري للاستفادة والإندماج. قالوا لي بأن تومي، آلهة مشهورة على مستوى المنطقة، إنما تبناها الإنكا من حضارة قائمة في لمباييك بسطوا نفوذهم على أهلها، رغم أن هذا في رأيي أمر مذهل، هذا الإنفتاح والتواضع الحضاري. يقولون لي بأن الإنكا مثلاً استفادوا من خبرات حضارة تشيمو بالهندسة المائية، ولكن هذا أمر رائع. يحاول بعضهم تقويض أهمية الحضارة التي توسعت ونظمت المنطقة، لتخيلهم بأنها بالواقع تغطي على إرثهم الأصلي، رغم أن هذا غير صحيح. كان أمر غير سوي هذا الاستهتار في رأيي، ومثله الإنهزام. قيل لي، بنوع من السخرية، أن أهل الجنوب أكثر تمسكاً بالتقاليد وبالهوية الأصلية، أما أهل الشمال فهم أكثر انفتاحاً، لكني لم أرى سوا أنهم أكثر تغرباً، وإن يكونوا بالواقع محافظين كذلك ومهتمين بالهوية نوعاً ما. أتصور بأن الأصليين من المناطق الشمالية لا يرون الغزو الإسباني خسارة لهم بقدر ما كان خسارة لأهل الجنوب. نعم، إنهم يدركون أن الغزو كان خسارة لهم، لكن لم يبدو لي أنهم يشعرون بمرارة تساوي مرارة أهل الجنوب، الذين يصفون أحياناً الخسائر الثقافية والحضارية التي خلفها الأسبان.
وعموماً، أعتقد أن الشعور المتزايد بالهوية الأصلية ينبع من الجنوب دائماً. بينما غالباً ما كانت النخبة الحاكمة ذات أصول اسبانية مع الأسف، إلا أنه يبدو أن هناك تغييراً في بعض الدول في المنطقة. كان رئيس بوليفيا، وهي مجاورة للبيرو وجزء منها كان تحت نفوذ الإنكا، هو أول رئيس من السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية. كذلك، يوجد مطالبات بتدريس أكبر لغتين أصليتين بالمدارس، لغة الكيتشوا والايمارا. وقد أثير جدل قبل سنوات لاداء نائبة جديدة بالبرلمان القسم بلغة الكيتشوا، حيث احتج الغالبية، وهم اسبان الأصل على ما أعتقد، بوقاحة قل نظيرها.
إن الناس هناك من ألطف من قابلت عموماً، خصوصاً خارج ليما. إن الناس في ليما ليسوا سيئي الطباع على نحو خاص، لكنها مدينة تجمع كل من هب ودب، مثل الرياض، لذا لا يعول المرء كثيراً على طبيعة أهلها، خصوصاً أنه يوجد تركز كبير لذوي الأصول الاسبانية والأجانب فيها، على الأقل في المنطقة التي تمشيت فيها، حيث أن الأحياء العشوائية والفقيرة تمتلئ بالسكان الأصليين. لا زال توزيع الثروة والدخل هناك غير عادل، أعتقد مثلنا كذلك، وقد قرأت بأن ذوي الأصول الأسبانية لا زالوا عموماً يسيطرون على مقاليد الأمور ويتسببون بهذا الخلل، وإن كان الوعي ومحاولات التغيير في ازدياد كما قرأت، ومن مؤشرات ذلك ما أشرت إليه من دخول النواب الأصليين البرلمان، وقد سمعت كذلك أن الرئيس الحالي ذو أصول أصلية أو مخلطة على الأقل، وهو رئيس جيد بوضوح، يميل للعمل والأداء، وليس للظهور والخطابة كغالبية الرؤساء في أمريكا الجنوبية. ورغم أني سمعت أكثر من شكوى من الناس هناك، لأنه لا يحب الظهور كثيراً، إذ يبدو أن أهالي تلك البلدان اعتادوا على دراما السياسيين ومسرحياتهم العجيبة، مثل مسرحيات رؤساء فنزويلا والارجنتين والاكوادور وحتى بوليفيا الأبسط برئيسها من السكان الأصليين.
البيرو حالياً هي أسرع بلدان أمريكا الجنوبية نمواً، وأسرعها رأباً للصدع بين الفقراء والأغنياء، ورفع مستوى المعيشة. ويبدو أن هناك اهتمام حقيقي بالتعليم يأتي بنتائج، على عكسنا.

في إعتقادي، لدى البيروفيين الأصليين، وهم الغالبية العظمى، مشكلة جماعية في النظرة إلى أنفسهم وإلى الأجانب. أعتقد بأنهم لم يتخلصوا بعد من صدمة الغزو والاحتلال الاسباني قبل أكثر من 500 عام. إنهم شديدو اللطف والبساطة على وجه العموم، لكنهم يعانون بوضوح من مشاكل بالثقة بالنفس، واهتزاز في رؤيتهم لهويتهم، حيث أنهم أُفقدوا الثقة بقيمتها على مدى طويل وبطريقة قد تكون ممنهجة. إنهم في ظرف أفضل الآن، ولم يعد الخضوع لثقافة أخرى مفروض عليهم، لهذا يجدون أنفسهم أمام المزيد من الخيارات والتحديات، وبالنسبة لكثير منهم، يشكل هذا تشويشاً، ورغم أنه قليل من الشعوب، في ظروف تاريخية أفضل، لم تعد سالمة من التشويش والشعور بالضياع، إلا أن الأمر منطقياً مضاعف بالنسبة لسكان البيرو الأصليين في رأيي، ومن شاكلهم من ضحايا الأوروبيين.
لكن حسبما قرأت، بدأ الاتجاه إلى تعزيز حضورهم في شئون الحياة المهمة يقوى ويزداد أهمية لدى ذوي العمق الفكري منهم منذ منتصف القرن الفائت. وهم الآن على ما أعتقد يجمعون شتات كرامتهم ويستعيدون توازنهم، أو يحاولون بجد.
لاحظت بأن عمومهم لا يتوقعون دائماً لفتات اللطف والاحترام، ويكون تقديرهم لها مخلوطاً بالذهول في أحيان كثيرة. وأتصور أن هذا مرده إلى الرؤية الدونية المؤسفة تجاههم من قبل الآخرين.
بيد أن بعضهم ممن قابلت وحادثت على جانب كبير من الوعي، دون فقدان للطف المميز وبساطة التعامل، ولعل هذا مرده إلى ترويج الوعي القومي المتزايد والحرص على التعليم والتعلم عن الآخرين.
لكن مع ذلك، لا زالت الحياة العامة والحديثة تتجاوز أو تتجاهل تقاليد الأصليين وحضورهم. بالتلفاز، لا يرى المرء علاقة بين أشكال وحضور الظاهرين بالدعايات والغالبية العظمى ممن يرى بالشوارع. ترى بالتلفاز أشخاص لهم مظاهر أسبانية، وأحياناً أشكال تتخطى حتى المظهر العام المتوقع من الأسبان إلى الأوروبيين الخالصين، وأساليب الحياة الغربية المنمطة يروج لها بشدة على التلفاز.
ماذا بوسعي أن أقول عن المطارات؟ إني غير مجرب إلى حد بعيد، لكني لم أتوقع بعض الأمور صدقاً. مطارنا بالرياض، كالعادة، مكان شديد البرودة معنوياً، شديد الجلافة، وكأنما كل ما فيه، خصوصاً العاملين به، مجرد تماثيل ذات أشكال تلقي الهم بالنفس، وهذا ينعكس على مرتاديه كذلك، على نحو مفهوم.

سافرت على الخطوط البريطانية في ذهابي إلى لندن، محطتي الأولى. وقد ذهلت من جودة الخدمة، والتهذيب الشديد الذي كان العاملين عليه، إنه تعامل راق على مستوى شخصي. ورغم أني لم أجرب السفر كثيراً كما أسلفت، إلا أني خلال الرحلة ومروري على بضعة خطوط عرفت أن الخطوط البريطانية خطوط لا غبار عليها إجمالاً.

كان هبوطي الأول في مطار هيثرو في لندن خلال ذهابي. كنت قلق جداً، لعلمي بضخامته. لكن حالما هبطت الطائرة أرشد كابتن الطائرة المسافرين بطريقة سلسة ورائعة، مع إعادة باللغة العربية من قبل مضيفة. قال فقط بأن من سيواصلون رحلتهم يتبعون اللوحات ذات اللون الفلاني، ومن سينزلون في لندن يتبعون اللون الآخر. كان هذا نصف القصة عموماً، لكن حتى النصف الثاني لم يكن صعباً أيضاً. وكان العاملين بالمطار غاية بحسن التعامل والذوق إجمالاً، ولا خلاف لديهم على إرشاد المرء، خلافاً لما يشاع لدينا. إذ استوقفت عامل شحن أسود، وأرشدني بلطف لما أحتاج.
هو مطار ضخم، ولكن يسهل على المرء فيه أن يجد طريقه، إذ أنه منظم على نحو رائع جداً، بحيث يصعب الضياع حينما يجد المرء المسار الصحيح.
حينما وصلت قرب بوابتي كان علي الانتظار لوقت طويل، فتمشيت في محلات تبيع مختلف الأشياء. كان المكان أشبه بسوق، لكني لم أكن مهتماً بشراء شيء، سوا كتاب أثار اهتمامي واشتريته في طريق عودتي.

واصلت الرحلة من لندن إلى ميامي في أمريكا، على الخطوط الأمريكية. ويرى المرء الفرق بين الشركتين على نحو واضح. إنه لأمر غريب أن تختلف ثقافتين بأمور مؤثرة رغم تشابهما من حيث المبادئ إلى حد التطابق. حالما جلست في مكاني لاحظت أن المضيفين والمضيفات نافدي الصبري، مباشرين بصفاقة وغفلة. رأيت مضيفة يشرح لها راكب وزوجته أمر ما، فأوقفتهما بيدها قائلة: هذا كل ما أحتاج إلى سماعه، وحينما حاول أن يبين أكثر كررت بطريقتها الشوارعية، ثم شرحت له ما بدا أنه يشكل عليه، ويبدو أنه يتعلق بشئون الهجرة، أي أنها لم تكن غاضبة. وهم يتكلمون عموماً وكأنما هم منزعجين من العمل والاضطرار للتعامل مع الناس.
أما الشيء الغريب فكان الطعام على تلك الرحلة. لم يتوقفوا عن إطعام الناس، تارة وجبات كاملة، وتارة أطعمة خفيفة، حتى صرت أرفض عرضهم للطعام، إذ لم يكن هناك مجال لأكل كل هذا. حتى الوجبات كانت كبيرة على نحو غريب، بكميات لم أرها على خطوط أخرى.
كنت متحمس لشيء معين... كان الكولا. كنت أريد أن أتأكد إن كان الكولا سيكون جيداً. وكانت العلب منتجة في أمريكا. لم يكن جيداً، ربما أفضل بقليل لما يعلب لدينا، لكنه ليس جيد، وليس بجودة ما أشرب في برقركنق، أو شربت بالبيرو. ربما كان هذا لاستخدامهم شراب الذرة للتحلية بدلا عن السكر، إذ أن هذا شيء منتشر في أمريكا، استبدال السكر بشراب الذرة، لأنه أرخص بالنسبة إليهم لإنهم ينتجونه بكميات ضخمة، على عكس السكر الذي يستوردونه على حد علمي.
إلى جواري، ويفصل بيني وبينهم الممر، رجل هندي مسن بالثمانين من عمره، وزوجته من نفس العمر. وهم هندوس. كانوا لطفاء، دائمو التبسم تجاهي، وقد رأيت الزوجة تلفت نظر زوجها إلي؛ لعلها تقول بأني أشبه أحد الأقارب.  ساعدتهم بفتح علب الكولا، إذ لم يستطيعوا فتحها بأنفسهم، وملئت لهم الاستمارات المطلوبة في المطار الأمريكي لسلطات الهجرة، إذ لا يعرفون الكتابة باللغة الانقليزية. كان الشيخ يتحدث بلغة انقليزية على جانب من الضعف. لسوء حظهم، العجوز خصوصاً، أن أمامهم عائلة أوربية شرقية، رجل وزوجته وطفلتهم الرضيعة، وكان الرجل أمام العجوز قليل ذوق بصدق، يميل المقعد إلى أقصى حد عليها، حتى آلم ركبها، وكلما لفتوا انتباهه رفع الكرسي، ثم عاد وخفضه بعد دقيقتين أو ثلاث بقلة إحساس غير معقولة. حتى المضيفة أفهمته بلا فائدة، فكفت العجوز عن تنبيهه. كانت مرهقة في تلك الرحلة الطويلة، ولم تتمكن من النوم. عرضت عليها مبادلة المقاعد حتى تستريح قليلاً، ووافقت ونامت مباشرة. تحدث زوجها معي، متسائلاً من أين أنا، وأخبرني عن نفسه. هو رجل هندوسي على جانب من الثراء، يملك مصنعين ومزارع، لكنه لم يتعلم كثيراً. وهو يزور كل بضعة أشهر ابنين وابنة له مقيمين في أمريكا، يعملون أطباء ومهندسين، بعدما اهتم جيداً بتعليمهم. سألني إن كنت متزوجاً، فلما نفيت تسائل لماذا، وحاول إقناعي. قال لاحقاً بأني سأدخل الجنة، لم أستوعب رغم قوله جنة باللغة العربية إلا بعدما أوضح بتأكيد بأنها الجنة التي لدى المسلمين كذلك وسواهم، قائلاً بأن أمثالي لا بد أن يدخلوا الجنة. شكرته على رأيه، ولكنه أوضح أنه ليس بالأمر مجاملة، فالجنة للناس الطيبين.

نزلت في مطار ميامي. هناك تعرفت على حقيقة جديدة، ذكرتها بالتدوينة السابقة؛ السود الأمريكان ليسوا لطفاء إجمالاً. إنهم على جانب كبير من السوقية وسوء التهذيب وقلة الصبر. كان هناك فتاة سوداء تنظم الناس وكأنهم غنم، وتصدح بصوتها بأبعد أسلوب عن الذوق. لحسن الحظ، كان مسؤول الهجرة رجل أبيض طيب، لعله في أواخر الأربعينات من العمر، نظر إلي بتأمل، وتسائل لماذا أذهب إلى البيرو، وأفهمني بأني يجب أن أملأ استمارة غير التي ملأت، وحاول أن يكون متساعداً. كنت مرتبكاً إلى حد بعيد، لكنه حاول أن يكون مُطمئناً. قال لي حينما فرغت من عنده: لا تقلق، وكررها. أعتقد بأنه لسبب ما تعاطف معي.

ذهبت لأنتظر الحقائب، وقد استغرقت وقت طويل جداً لتصل؛ ففي المطارات الأمريكية، حتى لو كنت عابراً، يجب أن تستلم حقائبك وتمر بها على التفتيش، على خلاف ما يجري في بريطانيا، وهذا أمر سخيف، لكن على الأغلب يتعلق بوسواس الأمن لديهم.
في ذلك المطار، لا يدري المرء أين يذهب، لا شيء واضح، ليس مثل هيثرو. وجدت امرأتين لاتينيتين خلف طاولة استعلام، يتحدثن بحماس عن شأن في حيات إحداهن على ما يبدو، لكنهن كن لطيفتين وساعدنني بابتسامة. وقفت في صف طويل، وكان هناك كثير من التذمر. كانت أمامي امرأة لا أدري من أين هي، لعلها في الخمسينات، وتكلمت عن طول الصف، وسألت من أين أنا، وتبسمت. لسوء الحظ، كان من سيفحص جوازي أمريكي أسود، نافد الصبر، كريه إلى أقصى حد. بعده مررت حقائبي في جهاز، وسألوني عما بها، ويبدو أن الرجال السفهاء الذين يراقبون الجهاز قد وجدوا ما يضحك في حقائبي، ولا أدري ما هو، ولكنهم على الأقل انتظروا حتى ابتعدت ليضحكوا، وهم رجال بيض. وربما لو كانوا سوداً من ذلك البلد لقالوا النكت أمامي، من يعلم؟.

لم أدري أين أذهب، لا يوجد علامات واضحة على البوابة، بالكاد وجدت طريقي، وقد تأخرت كثيراً، كثيراً، حتى كدت أخشى فوات الرحلة، بسبب الإجراءات الطويلة والغبية رغم أني لن أنزل في بلدهم. وبالواقع، كانت الرحلة قد أوشكت على المغادرة، فلو ظللت طريقي أكثر، ومع تباعد المسافات بالمطار، لفاتتني الرحلة. إنه مطار غبي حقاً، ليس بسبب الإجراءات فقط، لكن لعدم تنظيمه على نحو بديهي.
إلى جانب البوابة حيث سأصعد إلى الطائرة، تواجد محل ايسكريم، يبيع فيه شاب لطيف جداً، لاتيني، لا يحسن الانقليزية كثيراً، فقط بعض كلمات، وحاول ممازحتي، لانه يبدو أنه بطبيعته محب للناس. كان الايسكريم لذيذ.
أما البوابة، فقد أثارت اهتمامي لأني رأيت الكثير من البيروفيين الأصليين، وكان الجو على جانب من الصخب، وكأنما يجمع الناس حس احتفالي غريب.

الحمامات بالمطار غير نظيفة عموماً، ويبدو أن الناس هناك لا يحترمون النظافة العامة في الحمامات مثلنا تماماً.

حينما صعدت الطائرة المتوجهة إلى ليما كان مكاني فيها إلى جانب امرأة مسنة من السكان الأصليين، وحاولت محادثتي بالاسبانية، وبدا عليها الاضطراب الشديد، كان لديها شيء مهم لتقوله، لكني لم أفهم، قلتُ بعجز: نو اسبانيول. ابتسمت لي بارتباك، وكأنما وقَعَت في ورطة. ناداها رجل مسن، ضخم الجثة ذو حضور رزين، من جنسها، وقالت له بأني لا أتحدث الاسبانية. أشار إلي الرجل الواقف عند كرسي آخر بعيد، في الممر الموازي من الطائرة، فذهبت إليه مسرعاً. بكلمات انقليزية قليلة قال بأن تلك زوجته، وأن هذا مقعده هنا. فهمت مباشرة، وأخذت بطاقته وقلت مبتسماً: حسناً، وأعطيته بطاقتي. حينما هممت بالجلوس استوقفني، وبدا مذهولاً، ومد يده مصافحاً، وقال بالانقليزية: شكراً.
أما من كان إلى جانبي هنا، فكان رجل، كالغالبية العظمى من الموجودين، من السكان الأصليين، وبدا بأنه على مستوى عال من العلم، حيث كان يراجع ويكتب أموراً عن الكيمياء في أوراق كثيرة معه وعلى الحاسب كما لاحظت. لكن، بدا وكأنه متضايق مني بشكل ما. جائت مضيفة، وكلمتني باللغة الاسبانية، وكنت أنتظرها لتفرغ حتى أخبرها بأني لا أفهم، لكن الشيخ الذي بادلته المقعد صاح من جوار زوجته بعيداً:"نو اسبانيول!!". كان يتابع أمري من بعيد. أعتقد أنهم يحسبون أني بيروفي.
لسوء الحظ، قلمي توقف عن العمل، وهو قلم منحني إياه الدكتور الألماني هدية منذ فترة طويلة. كنت خجلاً جداً، لكني تجرأت بالنهاية واستعرت من جاري قلمه، وأعطاني إياه بصمت، وإن يكن بلا تردد. كان يجب أن أملأ استمارة وزعت علينا.
إلى جواري عبر الممر الضيق، جلست امرأة جميلة جداً، بيروفية، ومعها طفلها، لعل عمره سنتين، من أجمل الأطفال الذين رأيت. يبدو أن والده رجل أبيض، إذ أن له ملامح والدته الأصلية، ولكن له الشعر الأشقر الخفيف، والعينين الشفافتين العسليتين. اسمه ايثن. لاعبت الصبي، وكان لعوباً، لكن لم يكن صعب المراس مع والدته، التي كانت فرحة به جداً، لا تمل من ملاعبته.
قبل هبوط الطائرة، بدأ بعض الرجال المسنين بالتحدث بصوت مرتفع جداً، وكأنما هم لوحدهم، ثم بدأوا يغنون ويقلدون عزف الموسيقى بأصواتهم، كانوا مزعجين جداً. وحينما هبطت الطائرة، كلمني جاري أخيراً. أعتقد أنه ظنني أمريكياً. ولما قلت بأني عربي من السعودية، شُده، وربما أُخذ، كان أمر غريب، وبدأ يسأل بفضول، أين سأذهب؟ وكم سأبقى؟ ولماذا اخترت البيرو؟، وظل يحادثني، وكان الناس قد بدأوا بالوقوف استعداداً لأخذ حقائبهم، وقد تجمهروا من كانوا بالقرب علينا، وسألوا الرجل، وأخبرهم بأني عربي. وحينما أنظر كان الناس يبتسمون في وجهي. وجه آخرين بعض الأسئلة كذلك، ورحب البعض بي، بينما هز الآخرين رؤوسهم موافقين.
حينما نزلت، وعبرت الجوازات كما قلت في أول تدوينة عن الرحلة. مطار ليما حديث التصميم، على جانب كبير من العملية والبساطة، لا يوجد بهرجة واستعراض هندسي، لكن التنقل فيه واضح جداً، ولا مجال للضياع. وهو بطبيعة الحال أصغر من المطارين السالفين، وأصغر من مطارنا حتى، لكنه ليس مثل مطارات المدن الصغيرة الأخرى طبعاً.
وجدت فتيات من شركة اتصالات، يعرضن على القادمين شراء شرائح سياحية. وكن من شركة قرأت لكثير من الأجانب ممن ينصحون باستخدام ارقامها على الانترنت، لكني لاحقاً اعتقدت بأنها أقل جدوى من شركة أخرى منافسة، يلجأ إليها البيروفيين أكثر. تقول كارلا بأنه ربما تكاليف الاتصالات الدولية أقل في الشركة التي اشتريت، لكني لا أعتقد هذا.
لم أعرف كيف أتصل بكارلا، وصادفت جاري بالطائرة، الذي جاء ليسألني إن كان كل شيء على ما يرام. أخبرته بالمعضلة، فساعدني بالاتصال عبر جواله، لكن جوال كارلا كان مشغولاً.
عند استلام الحقائب، لاحظت أمر شديد الغرابة؛ العاملين هناك يتواصلون عن بعد بالصفير، صفير أشبه بتغريد الطيور، التغريدة تجيب الأخرى بصوت ونمط مختلف، وكأنما هي لغة، ولا يحتاجون بعد ذلك إلى التحدث. يشعر المرء في لحظات معينة، حينما يستمع إلى "الحوار" الصفاري، بأنه في حديقة غناء.
وعلى وجه العموم، لاحظت أن الناس هناك، خصوصاً بالمجتمعات الصغيرة الأصلية، ماهرون بالصفير، على نحو لم أسمع مثله من قبل.
تذكرت ذلك الحين برنامج وثائقي قديم جداً، رأيته حينما كنت في الثامنة على الأغلب، عن أهل جبال الانديز، وتواصلهم من مختلف القمم وعبر الوديان بالصفير.
بيد أن المرشدة في تشاتشابوياس، حينما سألتها لماذا يصفر الرجال لسائقنا، قالت بأنهم أصدقاؤه وهكذا يلفتون انتباهه، ولكن هذا السلوك ليس مهذباً.

المطارات الأخرى بالبيرو كانت بسيطة، وصغيرة كما هو متوقع. مطار كوزكو كان على بعض الفخامة المعقولة، لكن ليس بمستوى مطار ليما، العملي أساساً.

عند مغادرتي مطار كوزكو إلى بويرتو مالدونادو، كانت رحلتي قد تأخرت كثيراً، حتى أن البوابة لم تفتح، ولم يبدو أن هناك أي إشارة إلى الرحلة. قلقت بشدة. وبعد وقت طويل كلمت موظفة، يبدو أنها مشرفة، تقف قرب أجهزة تفتيش الحقائب، ولم تكن تتحدث الانقليزية، لكنها اهتمت كثيراً بفهم ما أريد، ربما لكوني توترت كثيراً، ولم أفهم لماذا لا يوجد إشارة في أي مكان إلى الرحلة. حينما فهمت مشكلتي، بعدما أخذت أوراقي وفهمت بضع كلمات، أشارت علي، بصرامة شخص يتحكم بعدة موظفين، أن أجلس بالقرب من موقعها وأن لا أبتعد، واستخدمت جهاز الاتصال اللاسلكي لبعض الوقت. ثم جعلت أحد ما يخبرني بأن الرحلة لم تلغى، وأنها فقط تأخرت وستوضع شاراتها عند البوابة قريباً، حيث سيأتي موظفيها. كان الموظفين على البوابة منذ وقت طويل تابعين لشركة أخرى، ولم يساعدوني بطبيعة الحال، ولم يكن لديهم معرفة بأمر الرحلة الأخرى.

كنت قد سافرت على حافلات هناك لساعات طويلة، وذلك لأني أردت زيارة مناطق غير مطروقة كثيراً من قبل السياح، ولا مطارات فيها. كنت في الدرجة الأولى بالحافلة، وهي تختلف حقاً عن الدرجة المتأخرة، المقاعد مريحة جدا، ويوجد مضيفة تقدم الوجبات اللذيذة والمشروبات، ويوجد حمام نظيف، ولا أدري عن الدرجة المتأخرة. وقد حيرني وجود درج في الحافلة، وكنت أواجه صعوبة بالفهم أين يجب أن أتوجه، ربما لأني لم أعتد الحافلات، إذ لا نقل عام بالرياض، وحينما أسافر داخل المملكة يكون هذا بالسيارة عموماً، سوا مرة واحدة بالحافلة، ولم يكن هناك شيء مميز. لحسن الحظ، كان الناس يتعاطفون معي كثيراً في محطات الحافلات والأماكن العامة، حينما يرون بأني لا أدري أين أذهب ولا أستطيع التواصل جيداً لعدم تحدث الأغلبية للإنقليزية، فيبذلون جهدهم لمساعدتي.
وعلى وجه العموم، الحمامات العامة بالبيرو نظيفة جداً، على الأقل مما رأيت. في محطات الحافلات مثلاً، حيث آتي لأسافر بين بعض المناطق، وهي محطات بسيطة وعادية، كانت الحمامات دائماً نظيفة، ولم أرى شخص يدخل لينظف بعد كل مستخدم للحمام، بالواقع لم أرى شخص ينظف رغم أنه بالتأكيد يأتي أحد لهذا الغرض من وقت إلى آخر، لكن حتى الدخول بعد شخص آخر إلى الحمام لا يجعلك تجد المكان قذراً أو متسخاً، يبدو أنه أمر ثقافي، إنه يتركون الحمام نظيفاً بعد استخدامه. أشعرني هذا بالأسف على حالنا كثيراً. إني أمتنع في أغلب الأحيان عن استخدام الحمامات في الأماكن العامة في بلدي كالمطاعم لأنه لا يمكن أن يستخدمها أحد كما يجب، أو يتركها نظيفة بعد الاستخدام، رغم جهود الكثير من المطاعم بالتنظيف. تدخل الحمام وتجد البول في كل مكان، والمناديل الرطبة تتوزع على الأرضية، وإن كان الحمام من النوع العربي فستجد الفضلات على البلاط.

عندما أردت مغادرة البيرو، سألتني الموظفة بالمطار، بعدما استئذنت لسؤالي عن أمر شخصي. سألت لماذا لا ألبس مثل ما ألبس على الجواز؟. أخبرتها بأن ملابس مماثلة معي بالواقع بالحقيبة، لكن قيل لي هنا بأن لا ألبسها، لأنها قد تسبب سوء فهم وخطر من قبل البعض، من حيث السرقة وخلافه.
لكن بعد انتهاء الرحلة، لا أعتقد أن الأمر بالسوء الذي صورته كارلا حينما نصحتني بعدم ارتداء الثوب. ربما في ليما، لكن ليس بالأماكن الآخرى. ولو عدت، سأرتديه على ما أعتقد.

كانت رحلة العودة مرهقة جداً، وأطول من رحلة الذهاب. نزلت في مطار نيويورك بدلاً عن مطار ميامي، وكان مطار نيويورك أكبر بكثير وأقبح، وأهله أكثر فظاظة، ورواده كذلك من الامريكيين كما لاحظت. وكان أسوأ ما بالأمر هو أني لم أجد مكان أخزن فيه حقيبتي حتى تأتي الرحلة، لأن اماكن التخزين في صالات أخرى. وكانت موظفة الطيران فظة، آسيوية أمريكية، وقد طلبت ورقة لم أعطى إياها مناولة في مطار ليما، وأصرت بأني أعطيت إياها، واكتشفنا بالنهاية بأنها دست في جوازي حينما كانت موظفة الطيران تطابق معلوماتي في ليما.
يبدو أن سمعة أهل تلك المدينة نيويورك التي تروج بالأفلام صحيحة.
أخذت دوري في صف لشراء وجبة من مكدانلدز، وكنت متقدماً عن كثيرين جاءوا بعدي، وقد افتعل رجل متأنق مشكلة مع امرأة اخرى، وكلهم امريكان، قائلاً بأنها تعدت على دوره، ولم يبدو لي ذلك، حيث أني رأيتها قبل أن أراه. وأطال الموضوع بسفاهة، لكنها لم تهتم، بعدما حاولت أن توضح بالبداية بلا جدوى.
العجيب كان حجم البرقر، كان ضخماً، أضخم مما يباع لدينا أو بالبيرو، رغم أنه من نفس النوع.
بعد انتظار امتد إلى نصف يوم، وقد غلبني الإرهاق، صعدت الطائرة، حيث نمت كثيراً إلى وصولي إلى لندن. هناك، كان الوضع أفضل قليلاً، لكني لم أعد أطيق الانتظار أكثر، كنت أشعر بإرهاق غير عادي. على الأقل، في مطار هيثرو الحمامات نظيفة، عكس قذارتها في مطار جون كندي في نيويورك، التي تفوقت على قذارتها في ميامي. 
هناك، نسيت جوازي لدى موظف شركة الطيران لحسن الحظ، حيث ذهبت لأخذ بطاقة الصعود. عدت وأعادها إلي غامزاً، مقدراً بوضوح القلق الذي شعرت به حينما لم أجد جوازي معي.
الكثير من العاملين بالمطار هنود الأصل، أو أفارقة، لكن، يا للفرق الشاسع بينهم وبين الامريكيين. إنهم أفضل أدباً وذوقاً وتعاملاً، وفي أسوأ الحالات هادئوا التعامل محافظين على مساحة من الاحترام.
مفتشة حقائب شابة، تفتش الحقائب التي تحمل مع الراكب، وجدت في حقيبتي كريم الشعر، وقالت بأن العلبة أكبر من الحجم المسموح، واعتذرت لأني لا أستطيع الاحتفاظ بها. قالت بأسف بأنها تخشى بأنهم أفسدو إجازتي، وذلك حينما بدى علي عدم الرضا لأن الكريم لم يؤخذ في مطارين سابقين. تفهمت حاجتها لأخذ العلبة، وقدرت اهتمامها بشعوري.

حينما صعدت الطائرة، كان غالبية الموجودي سعوديين، على عكس رحلة الذهاب. ولكن أقرب راكب كان بريطاني، يفصل بيني وبينه كرسي. بدا كرجل أعمال، ومع اننا لم نتكلم، إلا أنه كان يحاول التلطف والتبسم باستمرار، خصوصاً بعدما فتحت له نافذة أمامي ليرى منها، بعدما لاحظ بأنه لا يستطيع أن يرى من نافذتي جيداً.
المضيفات كن مختلفات عن مضيفات الذهاب، كن أكثر صرامة، وقد رفضت إحداهن ترك حقيبة ظهري بين رجلي، كما كنت أفعل طوال الرحلات. لكن تواجدت مضيفة عراقية على ما يبدو، لعلها في أواخر ثلاثيناتها، كانت تلقي بنظرات غريبة ومتأملة تجاهي، وكانت تتصدد حينما تمد تجاهي وجبة أو ما شابه، رغم ردها على شكري بذوق مرتبك، وكأنها لم تتوقعه. أما ما استغربته كان مضيف آخر، شاب، عراقي كذلك ما يبدو، نظر تجاهي بضع مرات بازدراء غير مفهوم، ثم حينما وجدني نائماً ألقى علي خبزة مغلفة كان يوزعها على من يريد. لم أفهم سبب تلك الوقاحة، ولست أتخيل بأن جميع السعوديين عانوا منها على الطائرة، إذ رأيته يتعامل مع آخرين بأدب أفضل. لم أقل شيئاً، لكني راسلت الشركة حينما عدت مشتكياً، وقد ردوا معتذرين، موضحين بأنهم سيتخذون موقفاً من هذا المضيف.


لم أسافر كثيراً، لذا يبدو لي أنه من المحرج أن أتقدم بنصائح وأفكار لمن يريد السفر، مع ذلك، ربما أفادت هذه الأفكار شخص مثلي، لا يسافر كثيراً ولا يعرف.
من أفضل النصائح التي أفادتني جائت من أخي الكبير، نصحني بأن آخذ حقيبة أخرى أصغر من حقيبتي الأساسية، وتكون سهلة الحمل وبسيطة. كنت أشعر بأن هذا أمر لا داعي له، خصوصاً لحملي حقيبة صغيرة على الظهر. لكن تبين أن الحقيبة الأخرى مفيدة جداً، خلال التنقل بين المطارات والانتظار خلال الرحلات الطويلة جداً، وخلال الاستمتاع بالرحلة نفسها بعد الوصول. قد يترك المرء حقيبته الكبيرة في مكان، ويستغني بالحقيبة الصغيرة ليوم أو اثنين، حتى يزور منطقة قريبة ويعود، دون أن يجرجر حقيبته الكبيرة. هذا خلافاً لوضع الأشياء الاحتياطية خلال التنقل بين الطارات فيها، وكذلك لمساهمتها في تخفيف وزن الحقيبة الكبيرة التي يكلف وزنها مالاً حينما يزيد عن حد معين عند الشحن. وأتخيل بأنه يمكن اختصارها بحقيبة ظهر كبيرة، كما رأيت كثيراً بالمطارات، وهذا أمر مقبول، لكني لا أتخيل بأنه مريح حين الوصل إلى الجهة المقصودة والبدء بالتنزه، بحمل كل هذه الحقيبة الضخمة على ظهرك في كل مكان.
أما الحقيبة الرئيسية الكبيرة، فنصيحتي هي أن تكون كبيرة فعلاً، وليست صغيرة، على الأقل متوسطة، خصوصاً لرحلة طويلة وبعيدة، وخصوصاً إذا ما كان المرء سيعود بهدايا، وهي في أسوأ الأحوال يمكن أن تخزن الحقيبة الثانوية إذا لم يجد المرء لها استخداماً.

حينما تذهب إلى بلد غريب، كن مستعداً وراغباً بتكوين صداقات، هذه العلاقات تساعد بجعل ذكرى الرحلة حية، وتكسب المرء علاقات إنسانية بأبعاد قد لا يكون قد استكشفها أو تأمل بها.
لا مفر كذلك من سوء الفهم الثقافي، لكن تصحيحه ممكن جداً، وقد يصنع ذكرى جميلة كذلك.

كن كريماً بقدر ما تستطيع، أعتقد بأن الأمر لا يتعلق بصنع ذكريات جميلة للمرء نفسه فقط، لكن للآخرين كذلك. والكرم لا يكون مادياً فقط، لكن معنوي كذلك. إن المبدأ نفسه مهم في رأيي مثل أي غرض آخر من السفر؛ صنع ذكريات حلوة للآخرين، سواء أهل البلد أو زواره، إنه أمر يصنع المعجزات في العلاقات الإنسانية، ورؤية الناس لبعضهم البعض، ولقلب المرء نفسه.

بالنسبة للتصوير، إن الكاميرات العادية تفي بالغرض بالنسبة لمستخدم عادي في رأيي، أما المحترف فلا يحتاج إلى نصيحتي. لا أقترح الإسراف بشراء كاميرات مرتفعة الثمن، فالكاميرات بخمسمئة أو ستمئة ريال، أو حتى أقل، كثير منها ممتاز في السنين الأخيرة، وتملك مزايا كثيرة، كما أنها سهلة الاستخدام وممتعة.
لكن ما أعتقد أن الكثيرين يغفلون عنه هو مسألة كاميرا الجوال. ما أقترحه هو أخذ جوال جيد في سفرك، بكاميرا ممتازة في حال نسيت كاميرتك في الفندق أو لم تكن مستعداً بها.  يفكر معظم الناس بأخذ جوالات رخيصة معهم حتى إن سرقت لا يخسرون الكثير، لكن كاميرا الجوال ضرورية جداً في رأيي إلى جانب الكاميرا المستقلة. أرى أن يأخذ المرء جوال جيد بكاميرا ممتازة ويحرص عليه جيداً، فهو سيفيد حتى بالتواصل وإرسال بعض الصور إلى الأهل في البلاد.
ويجب تصوير كافة الوثائق المهمة كالجواز والهوية والتأشيرات بكاميرا جيدة، أو باستخدام برنامج سكنر على الجوال، وهو برنامج أنصح بشدة بالاحتفاظ به على كل جوال. ويجب رفع الصور على الشبكة في حساب المرء، على البريد أو خدمات التخزين.
كذلك، البطاريات الاحتياطية مهمة جداً، تلك البطاريات المحمولة التي تشحن كالجوال، ثم يمكن استخدامها بشحن الجوال أو الكاميرا في أي مكان. إنها منقذة للحياة، وبالواقع أحملها معي كثيراً حتى بالرياض.

التأمين الطبي لا يجب إغفاله أبداً. إن كان المرء سيسافر بمساعدة وكالة سياحية فليسأل عنه ويعرف كيف سيستخدمه، وإن كان سيعتمد على نفسه فقط فليشتريه فتكلفته معقولة أمام ضرورته. ذهبت إلى الطبيب مرتين هناك، وقد أفادني التأمين كثيراً وبسط أموري. حتى الأدوية أخذتها مجاناً. لا يدري المرء إن كان سيحصل له عرض مفاجئ أو حادث. لم يحصل لي حادث هناك لكن جرح في قدمي تطور (أعتقد أنه ترك ندبة دائمة فيها، لكنها ندبة حلوة ستذكرني بالبيرو)، وكان يجب أن يراه الطبيب لأن قدمي تورمت وساء حالها.
وهذا ما يمكنني قوله، ربما أوحى بفكرة لأحد ما يرغب بالسفر.

كنت أبحث عن مشروب لوالدتي في دكان صرت أتردد عليه مؤخراً، لكثرة خيارات المياه الجيدة فيه، حينما جاء أحد العاملين، صبي يمني أراه كثيراً، وحاول التعرف إلي. لست أفاجأ حينما يسألني أحد إن كنت من خارج الرياض، خصوصاً حينما لا يكون سعودياً، لكني لم أفهم مفاجئته الكبيرة حينما لم أكن كما توقع، ولم أفهم كذلك لماذا لم يرد أن يخبرني ماذا توقع بالضبط. قلت بأني لست من الرياض، فقال بأنه خمن هذا، فأنا هادئ، وهي ملاحظة سمعتها من الكثير من غير السعوديين في الأماكن التي أتردد عليها، رغم أني لا أرى صدقاً أن السعوديين من فئتي العمرية أصخب الناس. أراد المعرفة أكثر، قلت بأني من القصيم. اتسعت عينيه، لأنه توقع إجابة أخرى، ربما توقع أن يصدق تخمينه مرة أخرى. قال بأني لست مثل أهل القصيم، الذين وصفهم بعدم الهدوء كذلك. إني أشك عموماً بأنه يعرف أهل القصيم؛ فلا يبدو لي أنه عاش هنا منذ فترة طويلة، نظراً للهجته و حضوره وصغر سنه. سألته من أين توقع أن أكون؟ ارتبك، رغم ابتسامتي، وقال من بعيد، ورغم تكرار للسؤال، إلا أنه كرر؛ من بعيد. قلت: توقعت أني من الجنوب؟ قال لا.
أخبرني بأنه يعرف طبيب أمريكي مسلم يأتي إلى الدكان كذلك، وهو يتحدث القليل من العربية، بينما الصبي نفسه يتمنى لو تعلم الانقليزية، وقال بنوع من الزهو أنه يعرف الأحرف الانقليزية، لكن عقب بخيبة بأنه تعلم هذا حينما كان بالمدرسة، وأنه يتمنى لو تعلم أكثر. شعرت بالأسف، بالواقع، ليس كذلك أول من يخبرني برغبته بتعلم اللغة الانقليزية؛ يمني آخر، في دكان آخر، كان قد أخبرني برغبته، ولا أدري لماذا اختارني ليسألني إن كنت أعرف اللغة، لكن سره أني أعرف ليحدثني عن طموحه.
بيد أن هذا الصبي أثر بي كثيراً بموقفه، إنه يعمل هنا ولم يكمل دراسته، وهو صغير بوضوح، وهو يريد أن يتعلم أكثر. أتمنى لو كان بيدي مساعدته، ولو على الأقل لتعلم اللغة الانقليزية. لا خلاف لدي على شراء شيء أعتقد أنه قد يعينه على تدريس نفسه، شيء بسيط ويناسب الاستخدام في دكان. فكرت بشراء قاموس الكتروني بسيط، من النوع الذي يحوي دروساً، لكن هل سيعرف استخدامه، أو هل سيثير اهتمامه ويفيده؟. اشتكى كذلك من ضعفه باللغة العربية، وسألته إن كان يقرأ الجرائد الموجودة؟ قال بأنه لا يقرأ إلا الفيسبوك والوتساب، أخبرته بأنه يقرأ الصحف، ويحاول بصوت مرتفع لكي يسمع نفسه جيداً.
تساءل إذا ما كنت قد أتيت هنا من قبل؟ عرفت بأنه متشكك، رغم أني أعرف بأنه يراني في كل مرة، فهو غالباً من يحضر شد قوارير الماء لي من المستودع، لكنه غير واثق هذه المرة لتغيير في مظهري. قلت بأني آتي دائماً، وأني أنا من يرى لكن ربما القبعة غيرت مظهري قليلاً. قال بأنه لا يدري، لكن شكلي اليوم ملفت جداً. إنها قبعة صوفية، بيني، اشتريتها قبل سنوات بخمسة أو ثلاثة ريالات، ألبسها أحياناً بالشتاء مع اخت لها، لكن لعلها كانت اختيار موفق، حيث سؤلت عنها بضع مرات على مر السنوات.
هؤلاء الصغار من اليمن خصوصاً، لماذا يسمح لهم بالقدوم للعمل بالدكاكين؟ ما الضرر لو تم دعم مدارسهم ومعيشتهم وأهلهم هناك بدلاً عن الانشغال بسواهم؟ فالأقربون أولى بالمعروف.


كنت قد قلت في تدوينة سابقة عن تسجيلي بموقع للتعارف والمراسلة، حيث حققت فيه نوع من النجاح لم أعرفه في مواقع أخرى.
إني سعيد جداً بالفرص التي أتاحها لي الموقع، تعرفت على بضعة أشخاص مثيرين للاهتمام، من أماكن مختلفة، وقد بدأوا يهتمون بأمري ويسألون عني بعد القليل من المراسلة.
أعتقد أن أفاتاري، الموجود كذلك أعلى هذه المدونة، يجذب الكثير من الناس، حيث أني لم أنشر صورة وجهي هناك. ولم أكن أرغب بصراحة بإرسال صورتي إلى أحد، لولا حسن نية شخص آخر بادر بإرسال صورته، وضاعت بالبريد، فلم أستطع أن أخفف من خسارته، إذ أنها صورة خاصة بالملابس التقليدية لا يملك منها إلا نسختين، فأرسلت صورتي، حيث قال بأنه ابتسم حينما رآها، إذ أنها تشبه الأفاتار الذي صممته لنفسي فعلاً.
استلمت كذلك من شخص آخر هدايا لطيفة، أشعرتني بالخجل. إن الكرم وسلامة النية واللطف لا يعرفان انتماء محدد، صحيح أن هذه الصفات قد تزيد وتغلب في مكان عن آخر، لكنها لا تحتكر في مكان أو تمتنع كلياً عن مكان في اعتقادي. رددت بإرسال هدايا، لكن رد عليها بأفضل منها.
ربما العلة في هذه الهواية تكمن في طبع بعض الناس في اعتبارها مجرد مراسلة مجردة من المعنى، وكأنما كل ما في الأمر هو جمع مراسلين من كل مكان بالعالم للمفاخرة بهم. مثل هؤلاء غالباً ما يرسلون نفس الكلام إلى الجميع، حيث لديهم قوالب جاهزة كتبوها مسبقاً. أحد من أراسلهم، الذي بدا أني أثير اهتمامه بشدة، لديه هذا الطبع. أعتقد أنه يحاول أن يخصص بعض الحديث لي. سأرى إن كان الوضع سيتحسن، وإلا سأضطر آسفاً لإفهامه مشكلتي مع طريقته بصراحة.


عموماً، أجد نفسي الآن في انتظار رحلة أخرى، ليست للتنزه، لكن للعلاج مع أهلي. أحمل الكثير من الهم، سيكون الأمر مرهقاً جداً، الجو بارد على نحو أخشى معه على أهلي. والكثير مما يجب ترتيبه والقيام به في مكان غريب ومكلف.
سأرافق إن شاء الله نفس الثلاثي في رحلة الهند. والدتي، وأختي، وابنتها، التي نحن ذاهبون لأجلها حصراً هذه المرة.
مرت أشهر طويلة في متابعة الأمر، شارفت على الثمانية أشهر. تكاليف العلاج تتكفل بها الحكومة، وإلا لما تمكنا من القيام بالرحلة. لكن للأسف، لا يعطون مبلغ يغطي المصاريف المعتادة هناك، كما فهمت من المترجم والمنسق المكلف من الملحقية السعودية، لهذا سيكون الوضع صعباً جداً على ما أعتقد، ولا يمكنني الاستعداد بما يكفي، إذ أن ظروف معينة قد أسائت إلى وضعي المالي كثيراً.
ربما أكثر ما يخيفني هو السكن. لم نجد بعد السكن المناسب، رغم اقتراب الرحلة. السكن هناك مكلف جداً، مكلف بجنون، والملحقية لن تتكفل به، ستمنحنا فقط 4500 ريال حينما نصل كما فهمت، ونحن قد نبقى هناك لمدة ثلاثة أشهر، لكني أرجو أن تكون أقل بكثير.
كان طبيب ابنة أختي قد اقترح هذا الحل لمساعدتها. قال بأنه سيكتب توصية لعلاجها لدى طبيب يعرفه، ويعتبره أفضل طبيب في تخصصه. كان هذا قبل حوالي التسعة أشهر. هذه التوصية أخذت إلى الهيئة الصحية، جهة تابعة لوزارة الصحة تعمل على هذه الأمور. وقد أعطانا الطبيب هذا موعد بعد سبعة أشهر، مفترضاً بأننا سنكون قد عدنا من هناك بعد اتمام العلاج، وكأنما في الأمر سخرية. بالطبع جاء الموعد وقابلناه وفهم منا بأن الأمر ليس بهذه السهولة للأسف.
يُخيل إلي دائماً بأن العاملين في سفاراتنا وملحقياتنا بالخارج يتصورون بأنهم في إجازة دائمة في تلك البلدان. أحدهم لم يرسل موعد الطبيب إلى الهيئة الطبية بالرياض لأنه وصله في آخر يوم دوام قبل إجازة رسمية هناك، ولم يكن إلى جانبه موظف ليرسل الموعد بالفاكس كما عبّر، ففاتنا الموعد دون أن نعلم، سوا من اتصال المترجم الذي كان مستغرباً لماذا لم نتواصل معه لنخبره بموعد وصولنا أو نسأل عن شيء وقد تبقى ثلاثة أيام على الموعد، كادت أختي أن تفقد عقلها. بالواقع، كانت الملحقية في وقت سابق قد قالت أصلاً بأنه لم يصلهم جواب، وأنهم سيبحثون لنا عن طبيب بتخصص مماثل في بلد آخر. كانت صدمة.
حينما تواصلت مع ذلك الموظف كان يحاول أن يجيب بقدر ما يستطيع، لكن لم يكن لديه استعداد لإعطاء وقت واضح ليرسل الموعد الجديد، ولم يكن لديه استعداد للإجابة عن أي أسئلة في شأن السفر والإجراءات. بيد أنه أعطاني على الأقل بريد شخص آخر بالملحقية، الذي لم يكلف نفسه حتى الرد بذوق أو التظاهر بأنه قرأ الرسالة، قال فقط بأن أسأل الهيئة، رغم أن المعضلة كانت من الهيئة وإجابتها غير المنطقية، إذ قيل لنا بأننا يجب أن نتوجه إلى دولة أخرى أولاً لزيارة الملحقية، ثم إلى بلد العلاج المشمول تحت تغطية الملحقية. كان أمر مثير للغيض، طلبت من الأول توجيهي إلى شخص لديه استعداد للمساعدة، لكنه لم يجب، فزميله أهم. المؤسف هو أنه أجاب السؤال حينما جاء من المترجم، وتعاون معه جيداً.
تمنيت لو لم يكن لدينا سفارة هناك، وكان تعاملنا يتم عن طريق سفارة دولة خليجية أخرى.
حصلت على التذاكر مؤخراً لحسن الحظ. بالعادة، أحد إخواني هو المسئول عن مراجعة الهيئة الصحية لأجلنا، وقد قيل له بأن التذاكر لن تصدر حتى نحصل على التأشيرة. وبالمقابل، أخبرني موظف سفارة بلد العلاج في الرياض بأن التأشيرة لن تصدر حتى نأتي بالتذاكر، وقد أخبرهم أخي، دون فائدة، إذ أن هذا الإجراء المتبع مع كل الدول، والكل يحصل على تذاكره بهذه الطريقة بلا مشاكل، ويبدو أن القليل جداً من المرضى من يتم إرساله إلى حيث سنُرسل، فلا يبدو أن لدى الناس بالهيئة فكرة واضحة عن ذلك البلد. لم يتمكن أخي في أحد الأيام من الذهاب لمتابعة شأننا، لمرافقته ابنته إلى المستشفى، فذهبت أنا. كنت ذاهب لإنجاز بعض الأوراق فقط، ولم أطمع بالتذاكر، لكن لحسن الحظ، والحمد لله، حصلت على التذاكر بلا مشكلة، وكان شيء غريب، حيث قيل لي فقط بأن أحدث المدير العام، الذي لم يناقشني حتى بعد أول عبارة قلتها، فقط كتب على أوراقي: يمنح التذاكر، ووقع. فوجئ الموظفين، وتجمعوا لرؤية الملاحظة، وقال أحدهم مازحاً عن المدير: أجل خله يتورط!، فضحكوا. ذهبت إلى ناسخ هناك لطباعة بعض الخطابات لي، وكان لطيفاً، بينما احتفى زميليه بي على نحو غير مفهوم، ولكني حينما خرجت وجدت ما بدا انه خطأ، وما كدت أعود حتى سمعته يقول عني، دون أن أسمع السياق كاملاً: جزاك الله خير والله يجزاك الجنة! في تعليق على أسلوبي بالشكر. بدا الإحراج واضحاً على وجهه مباشرة حينما رآني، لكني تكلمت مباشرة، وتظاهرت بأني لم أسمع، فشرح لي بأن ما على الورقة خطأ غير ضار، إذ أنه قالب مستخدم للكل. كان الخطأ هو وضعي في خانة الوالدين للمريضة.
تتعامل الهيئة مع مكتب الفرسان للسفر، ومقر الهيئة عبارة عن فيلا قديمة قرب مستشفى الشميسي (حيث ولدتني أمي)، ومكتب الفرسان يقع في ملحق الفيلا الصغير. يعمل هناك شخصين لطيفين، احدهما سوري على ما يبدو، والآخر آسيوي، ولأن تذاكري متعددة، ولأني سأشتري تذكرة والدتي لأنها غير مشمولة بتغطية الحكومة للرحلة، تأخرت كثيراً لديهم. رأيت رجل سعودي كبير بالمكتب، يسأل ويدقق بالأمور ويتابعها. لم أفهم بالبداية ما دوره، لكني وجدته يراقبني، حتى حينما كدت أفرغ وطلبت بطاقة الموظف الآسيوي الطيب جاء، وسألني إلى أين سأذهب، وأخبرته بأنها سويسرا. قال للموظف أن يكتب رقم جواله  كذلك على الورقة مع اسمه، وأخبرني بأن أتصل عليه في حال واجهت أي مشكلة أو أردت أن أسأل، ثم أخبرني بأنه مدير المنطقة الوسطى والشرقية والشمالية في شركة الفرسان. شكرته على لطفه البالغ. اسمه سعد كذلك، حركة.
كاد أخي أن ينفجر غيضاً حينما أخبرته بأني حصلت على التذاكر من الهيئة دون جهد، وقال صائحاً بصوته الغليظ في مثل هذه الظروف: بَروح أتهاوش معهم!(!!). ربما كانوا قد ملوا منه لأنه راجعهم كثيراً.
ذهبت في يوم لاحق لإتمام أوراق أخرى وللاستفسار من مكتب السفر عن تأكيد الحجز وتفاصيل أخرى. كنت لم أذهب إلى العمل في ذلك اليوم لأني كنت في الصباح بصحبة والدتي بالمستشفى، ولم نفرغ قبل الظهر، لذا لم أكن تحت أي ضغط. رحب بي الناسخ وزميله جيداً، وقد كانا بالغي اللطف، ومزحا كثيراً. وسأل الزميل عن موقع بلد العلاج الجغرافي. لا يبدو أنهم يرسلون الكثيرين إلى هناك بالفعل. كنت قد كتبت اسم الدولة لهم لأنها غير مكتوبة ضمن قوالبهم الجاهزة للخطابات.
إني أحمل هم هذه الرحلة منذ أشهر، البرد الشديد، التكاليف التي يحاول المترجم أن يجعلني مستعد لصدمتها، التنقلات هناك، الفترة الطويلة التي قد نقضيها، وحالتي المادية السيئة، أو حالتنا عموماً.
إن ما يهون من الأمر هو الأمل، أن تتحسن حالة ابنة أختي الصحية. لو خرجنا بنتيجة واضحة وجيدة، ستكون كل صعوبة مبررة.
أسأل الله المعونة لنا والشفاء.



كانت أم الجيران في زيارة والدتي، وهي امرأة كبيرة طيبة القلب تداوم على التواصل مع والدتي، ويبدو أنها تحبها كثيراً. أحضّر لهن الفشار بنكهة الزبدة بالعادة حينما يتصادف وجودي، وهو شيء تفضله أم الجيران من "يديّ الحلوة"، بما أن محاولات الآخرين فشلت بإعداده بطريقة مرضية، رغم أن الأمر لا يتطلب أكثر من ضغط زر "فشار" على المايكرويف، بعد وضع الظرف. عموماً وقفت قرب الباب للسلام، ودعت لي المرأة، ثم تسائلت متى سأتزوج؟ وألحت بالسؤال، قائلة بأنها ووالدتي مللن انتظاري وانتظار ابنها، الذي أعتقد بأنه أصغر مني، ولم يتزوج بعد. كان أمر محرج، ولا يبدو أن لدي رد خلاف: الله يكتب الخير والصالح.




أحياناً تود أن تؤدي خدمة لأحد ما، تؤديها بتقدير واهتمام ودون مقابل بالطبع، لكنك تفاجأ بأنك علقت بدوامة لن تنتهي من تقديم الخدمات، فالخدمة تجر الخدمة، وإن انتهت شئون الشخص فلصديقه شأن يحتاج فيه إلى خدمة، فيمحو بطلب هذه الخدمات المتلاحقة أي تقدير بدأت به خدماتك، ليتحول الأمر إلى مرارة وسأم.
أعرف أن مساعدة الناس أمر طيب، ويعلم الله أني دائماً أحاول ما بوسعي لمساعدة من يمكنني مساعدته، أحاول أن أكون خدوماً كما يقال، رغم أني من النادر أن أجد من يعيد الخدمة أو يقدرها.
لكني أجد نفسي أحياناً وقد استنزفت لأجل شئون يمكن أن يقوم بها غيري، لأشخاص قادرين على مساعدة أنفسهم لكنهم يفرضون أنفسهم بشكل ما. وأشخاص لا يحتاجون فعلاً إلى مجهود كبير لمساعدتهم، لكنهم بثقل حضورهم، وتطلبهم وتشرطهم يصيبونك بالمرض وربما البغض تجاههم. لن أنسى شخص تعرفت عليه مع زميل، وجاء إلي لاحقاً في حاجة لتعريف مترجم من الجامعة، وكلما أعددت تعريفاً أراد أن يجمله بشكل ما لأنه سيقدمه إلى سفارة، بسفاهة لم أرى مثلها، حتى طبعنا ما يقارب العشرين تعريف، وصرت أنتظره يقترح أن أضع روج وأطبع قبلة محل التوقيع تملقاً للسفارة. كان متطلباً ولا يفهم، كان التعريف بأبسط صوره يؤدي الغرض، فما تريده الجهات هي معلومات واضحة ومباشرة. بالنهاية، ولبطء بديهته، لاحظ غليان دمي المكبوت، ولم يعجبه طبعاً، وقبل بالتعريف الأخير، ولم أره مرة أخرى لحسن الحظ.
وكان لي صديق لم يكن يكف عن طلب الخدمات المتعبة، ويتصرف مع ذلك وكأنه صاحب المعروف، إلى درجة أني أخدمه عند الحاجة متى طلب، وحينما أحتاجه كان يقول بنذالة بأنها ليست مشكلته، حتى انتهت الصداقة ولله الحمد غير مأسوف سوا على الوقت الذي ضاع عليها؛ سنوات وسنوات من الطفولة حتى الشباب.




قبل اسبوعين تقريباً، ذهبت إلى معارض الرياض الدولية، لحضور معرض التصوير الفوتوغرافي ألوان. وجدت المواقف مزدحمة، ليس بالسيارات فقط، لكن بالواقفين من الشباب الذين فهمت أنه لم يسمح لهم بالدخول. سمعت أن الهيئة موجودة، وكانت الشرطة كذلك حاضرة، وبدا الأمر مثيراً للأعصاب وكأنما هم هنا لردع شغب. حينما صعدت إلى البوابة، وقبل أن أصل، تعالى صياح وهرج، فرأيت شاب يصيح بالآخر، لماذا يغازل أهله؟. ثم اشتبك الشابين، بينما صحن النساء المسكينات، أخوات أحدهم، بذعر. لا يريد المرء الإقتراب وهو أعزب من هذه المواقف. سألت الشاب المسئول على الباب أن أدخل، فقال بأنه للعوائل فقط، قلت بأن الإعلان لم يقل شيئاً كهذا، قال بأنهم أعلنوا على تويتر، وكأن كل الناس يتابعونهم، أو حتى يشاركون في هذا الموقع. شرح بأن الهيئة جائت وتسببت بهذا القرار، مما أشعرني بكراهية متعاظمة تجاههم. كان إلى جواري شابين يريدان الدخول، فقال بأنه للعوائل، وما كانوا ليسمحوا لهم أصلاً بسبب ملابسهم، وقال هذا بازدراء لا معنى ولا داعي له إلا سوء تربيته. وبالواقع، رأيت أنه أسهل ما على القائمين على منع أو إدخال الناس حتى بالأسواق هو التكلم بوقاحة عما يلبسه الناس والانتقاد بجرأة. إني لا أحب صدقاً هذه الملابس، وأشعر بالحزن حينما أرى شباب لا يلبسون غيرها، وأموت قهراً وأنا أجد الثوب يزداد ندرة مع تجدد الاجيال، لكني لا يمكن أن أقدر مواجهة الناس بهذا الأسلوب الوقح، والحكم عليهم والتجرؤ بالانتقاد الشخصي دون مناسبة أو مسوغ. لم يكن الشابين يلبسان ملابس سيئة صدقاً، لم تكن الملابس أقصر من اللازم أو لافتة للانتباه على نحو خاص. مع ذلك، صار الشباب المكسور يبتلع مثل هذه الإهانات، إذ أننا شعب مُروع. ورغم أن القوي في المجتمع يأكل الضعيف، إلا أننا كذلك على جانب من التجبر والشراسة حينما تحين الفرصة حتى للضعفاء، ولا مكان للعدل واحترام كرامة الآخرين للاسف.
نزلت مشمئزاً، عبر المنحدر المؤدي إلى المواقف، وتقافزت إلى جواري طفلة لعلها بالرابعة من عمرها، فوَقَعَت، رفعتها مسمياً ونفضت ثويبها، وتأكدت بأنها بخير. حينما تحركت ماضياً قالت والدتها التي كنت أسمعها ولم أرها من خلفي: جزاك الله خير.
فكرت مباشرة، ماذا لو لم تفهم والدتها أني إنما أمسكت الطفلة شفقة، ونفضت ثوبها كما أنفض ثياب أطفال العائلة؟. ماذا لو أسائت الظن؟، فكرت بهذا وأنا أتذكر التشكك غير العادي الذي جعل الهيئة تأتي وتمنع كل العزاب عن الدخول، دون استثناء حتى لمن بعمري هذا.
إني أفهم بأن هذه مبالغة، في زمن الناس هذا، لكن بالمستقبل، مع الاستمرار بتقديم الشك والريبة في كل الناس، وتأكيد القدرة والحق بالحكم على أي أحد لحالته الاجتماعية أو شكله أو أسلوبه باللبس، ماذا يمكن أن يحدث؟. إنه لأمر مؤسف. قبل فترة، قبض على رجل تبدو عليه سيماء التدين، في سوق العثيم مول، كما أوردت صحيفة سبق على الانترنت، حيث يعمل هذا الرجل على قناة محافظة، ويقوم بأنشطة تثقيفية للأطفال بالسوق، أقول قبضوا عليه لكونه صار يستعمل الأطفال في عهدته جنسياً، وقد اكتشفوه حينما صاحت امرأة رأته يخرج بأحد الصبية، وقالت بأنه هو من استغل ابنها مؤخراً. يقال بأن الرجل انهار باكياً، وقال بأنه مُبتلى. لا شك لدي بأن مثل هذا الرجل كان سيدخل في المعرض الذي ردوا عنه كل من لا يرافق امرأة، دون أن يرده أحد، فقد رأيت هذا سابقاً بالأسواق.




هذا أغنية أحبها. بشكل ما، أجدها تعبر عن بعض أفكاري حول أمور معنوية وحياتية. أهديها للإزابيلات والفرديناندات في مجتمعنا. شق منهم سيسمع الأغنية بلا خلاف، وشق سيمتنع لأسبابه، فلا ينتمي هؤلاء القوم إلى فئة واحدة من المجتمع، إنهم ينتشرون في كل فئاته، يحاكمون، يرغمون، يفتشون عن العيوب، ويتظاهرون بالأفضلية.







حضرت زواج لقريب غالٍ مؤخراً، وكان في مكان قصي ومخفي إلى درجة ضياعي إلى حوالي الساعة قبل الوصول، وحينما يئست وكانت آخر محاولة أقوم بها قبل أن أعود أدراجي. 

رأيت هناك بعض الوجوه القديمة من الوسط الفني العائلي؛ فنانين باللطف والطيبة، وفنانين بالسخرية، وفنانين بالتمثيل، وفنانين بالنصب، وفنانين باللؤم والنذالة، وفنانين باللباقة والذوق، وفنانين بثقل الظل. بيد أنه ليس كل فنان موهوب وناجح فيما يقوم به.
لكني سعيد بحضوري، تقديراً للعريس وأهله، ولرؤية بعض من أقدرهم صدقاً من الضيوف الآخرين. سمعت مجاملات، في حين تفادى بعضهم السلام علي حتى حين، إلا أني لا أشقى بالأمر. وبالواقع، لا يتجاهل الجميع بعضهم عمداً، إن السلام على عدد كبير من الناس، وبالترتيب الملائم حسب الشروط الإجتماعية الدقيقة والاتيكيت المحلي، أمر مشوش حقاً. فقد يؤجلك البعض لأنك بالمكان أو الاتجاه الخطأ، أو لأنهم يتوقعون منك المبادرة والاقتراب، أو فقط لمجرد ضغط الموقف. لكن لا شك أن البعض يتجاهل أفراد معينين لأنه لا يريد السلام عليهم. تجاهلني أحدهم، ولم أسعى إليه، وهو دون شك لا يرتاح إلي ولا يحبني، لكني فوجئت به يسلم لاحقاً، ولا أدري لماذا.
رأيت قريب يأخذ رقم جوالي في كل مرة نلتقي، حتى لو لم تتح الفرصة لنا للجلوس أو الوقوف معاً والتحدث، مع وعد بالاتصال للتنسيق للقاء قريب، دون أن يحدث شيء. بدأت أجد الأمر مضحكاً. لكني بالحقيقة أحب رؤيته.
صادفت شاب من بعاد الأقارب من ألطف من عرفت في حياتي. قال بأننا لم نرى بعض منذ حوالي خمس عشرة سنة. لم أصدق، لكنه أوضح بأننا لم نرى بعضنا منذ زواج شقيقتي حينما تورمت يدي وآلمتني من تقديم القهوة. ضحكت لأنه تذكر الأمر بهذه الصورة، وتبين أنه محق. بالواقع، قدرت حساسيته وتذكره للمناسبة على هذا النحو، في حين أن قريب آخر كان قد غضب في تلك المناسبة لأني جلست أستريح حينما بدأوا بفرش السمط للعشاء، دون أن يفكر بأني لم أغضب لعدم مساعدة أحد لي بتقديم القهوة للجميع. بقيت يدي تؤلمني لبضعة أيام بعد تلك المناسبة، وبقيَت ليومين على وضع قبضة الدلة بالكاد أحركها. لقد بدأت بتقديم القهوة منذ العصر حينما جئنا حتى وقت متأخر من الليل.
سلمت على قريب من الأقارب الأعزاء بالقصيم، الذين يشبهون الهنود الحمر، وناديته بخلاف اسمه ممازحاً، لأن والدتي مصرة على أن اسمه عبدالسلام. أخبرته أن والدتي لا زالت تسميه بهذا الاسم. وبالواقع، سألتني بعد المناسبة إن كنت قد رأيت عبدالسلام، فهي تحبه.
قريب آخر قال مجاملاً بأنه في كل مرة يراني يجدني قد صغرت بينما هو قد كبر. قلت له ضاحكاً بأنه لابد يقصد العكس. لا شك.



سعد الحوشان