الاثنين، 9 يوليو، 2012

كيف يفزَع الورد وتَبكي التماثيل (المعتاد،قصيدة،مشتريات)

بسم الله الرحمن الرحيم








يقول الناس بأن أعمارهم تمضي دون أن يشعروا. لكن، هل هذا صحيح؟. لا يشغلني مضي العمر بذاته، بقدر ما يشغلني مضيه دون تحقيق شيء، مضيه وأنا في مكاني، مضيه بتعاسة.
لن أستيقظ فجأة لأقول: يا رب، هل حقاً بلغت من العمر كذا؟ كنت في الخامسة والعشرين البارحة. إني واع منذ زمن بعيد بمرور العمر، يوماً يوما. ليس هاجساً، فأنا مدرك لسنة الحياة، وما يشغلني هو ضعف الحيلة إلى حد بعيد دون الإنجاز.
أعتقد بأن من لا يدرك مضي العمر جيداً، هو من يمضي في حياته، ولا يتوقف، ينجز ويستمر بالانجاز وتحقيق الأشياء.
بعض الطيور تطير بأرزاقها.

لكن هل هذا مهم دائماً؟ إن الحياة عبر كما يقولون. مع ذلك، الإنسان يتسائل بطبيعته.

أهنئك يا صاحبي...
بينما أنا في صدري مفجوعٌ أصيح...
صيحة زحزحت تمثال في مكان ما...
واستدرّت من عينيه الدمع الشحيح...
وأيقظت ذاك المساء وردة مفزوعة...
من غفوتها الآمنة على كتف ضريح...





أحياناً، تتغير مواقف الناس باكتشافاتهم عنك، وهذا أمر مثير للاهتمام، لأن تغيرات الناس غير متوقعة. قد يكتشف مجموعة من الناس، زملاء العمل أو الأقارب مثلاً، أنك لديك أنشطة لا تتكلم عنها، أو ربما هوايات، أو حتى عمل آخر. إن الأمر يعتمد على مستوى تفكيرهم، أو جوهرهم، وتقييمهم لما تقوم به. بعضهم سيزداد احتراماً لك، وإن كان لا يظهر لك في السابق المودة أو الاحترام الكافي، وبعضهم سيتفاداك، ويحسب أن نظراته الغريبة ستكون مؤثرة، على نحو مثير للشفقة. الأمر هنا هو أنه لا أحد يريد أن يعيش حياته باستقلال ويترك الناس وشأنهم ليعيشوا كيفما أحبوا. يخاف بعض الناس من الموهبة والأداء غير المألوف لديهم، ويخشون الاستقلالية في الرأي والضمير، في حين أن بعضهم يقدرون هذا، وهم القلة في هذا المجتمع التائه، وليس الحائر، لأنه اختار أن يتوه، ويتفادى أي خيار آخر.

بعض الناس يقدرون حريتك فيما تقوم به بغض النظر عن اتفاقهم معك، طالماً أنك تمثل نفسك ولا تضر أحداً، وبعض الناس حينما يشعر بأن حياتك ورؤيتك للأمور غير مألوفة لديه أو تأخذ مسار لا يأخذه الآخرين بالعادة يعاقبك، أو هكذا يحسب، بأساليب مختلفة.

لا يراجع أحد نفسه بالإجمال ليحسب ماذا يكسب من تغير موقفه للأسوأ، أو ما شأنه بالأساس. ومن جهات أخرى، لا أحد يفكر قبل أن يقيم الآخرين أو يخاف منهم بأن يدع الخلق للخالق سبحانه وتعالى.






أخيراً، وبعد انتظار طويل (ليس ذنب أخي، على نحو غير متوقع)، وصلت أغراض طلبنا من أخي في أمريكا أن يشتريها لنا. بالنسبة لي كانت أشياء جانبية لكني أردتها بشدة. حذاء، تبين أنه أصغر من مقاسي وسيعاد ليستبدل، محفظة معدنية، قبعات، لعبة (يرقة آلية)، مشبك نقود، لواصق شعار كروم (لألصقها بكمبيوتر كرومبوك وربما بالجوال لاحقاً، أو أي جهاز أشتريه وله علاقة)، فقط. يوجد متعة بالانتقاء، والتجميع والاختيار، ثم انتظار الأشياء. خصوصاً حينما تكون أشياء لا يمكنك شراءها من هنا. أعلم بأن أخي لو كان يدرس في مكان آخر، مكان أكثر عراقة، لاختلفت طلباتي، وكانت أكثر تقليدية وإثارة للاهتمام. لا يخطر في بالي بسهولة أني سأذهب إلى حيث أحب، وأشتري ما أحب، ما أتخيله دائما بأني سأظل أوصي الناس. من ألمانيا، أحضر لي الدكتور قبعة تقليدية جميلة، وأحاول أن أقنعه أن يذهب إلى هولندا ليحضر حذاء خشبي تقليدي. أنتظر أحد ما ليذهب إلى تونس أو المغرب، لأوصيه على سلهام أو برنوس، البيرو أو الإكوادور، ليأتي لي ببونشو (مع أن هذا أمر غير وارد)، اليابان، للحصول على حذاء خشبي مرتفع، كورياً، لدمية خزفية أو حتى جرة، وأشياء كثيرة من أماكن مختلفة.

عموماً، أخي الآخر سيذهب إلى استراليا قريباً، لا أدري إن كان سيتمكن من شراء شيء من تذكارات السكان الأصليين لي. لكن ربما لن يكون لديه الوقت أو الفرصة لمثل هذا الشيء، فأخي في أمريكا لم أتمكن من طلب شيء مماثلة منه، فهم هناك بغرض الدراسة عموماً.
أنا سجلت للدراسة قبل سنتين تقريباً الآن، هنا في جامعة محلية، لكني لم أشتري لنفسي زبيرية مع الأسف.
صدقاً، ما أفكر دائما بأني أتمنى شراءه من هنا، هو عباءة تقليدية، أريدها بيضاء، وأريدها ثمينة وأصلية، ومصنوعة في الأحساء على يد أحد شيوخ المهنة. يا إلهي، يا لها من أمنية أثرية. وعلى قرب الأحساء، إلا أنها لم تتحقق بعد.
أتذكر أن خالي جاء لزيارتنا ذات مرة في زمن بعيد وهو يرتدي عباءة جميلة، بيضاء كما أحبها. وقد سيطرت على تفكيري، وأخبرت أمي بأني أتمنى واحدة مماثلة. أحرجتني أمي حينما أخبرت خالي عن أمنيتي هذه، لكني لم أحصل على شيء بطبيعة الحال.
الآن، أنا لا أريد مثلها، أريد أفضل؛ من الأحساء.
وهذا ما يخيل إلي دائماً، بأني سأذهب إلى الأحساء ذات يوم وأشتري واحدة، بمواصفات أحددها. كان لدي فروة بيضاء على شكل عباءة تقليدية، وكانت ذات فرو قصير وناعم من الداخل فليست منتفخة. كنت قد نزعت كرياتها الذهبية التي يفترض أن تمثل الأزرار عن أطراف المقدمة فصارت تتدلى، لأربطها كما أحب حينما أهم بالخروج.

أصبت منذ فترة بشره غير عادي تجاه شراء الأشياء، مختلف الأشياء، دون حساب كالمعتاد. بالعادة أنا أكثر تروي، فلا أشتري ما لا أحتاج. لكني لا أدري ما المشكلة الآن.

هذه صور لبعض المشتريات من أمريكا:

المحفظة:


مصنوعة من الألومونيوم، لهذا بطاقات الائتمان محمية في داخلها جيداً من الاختراق الالكتروني.

مشبك النقود:

القبعتين:
اليرقة الآلية (لعبة جذبتني حركتها الواقعية):
هذا فيديو صورته لها وهي تعمل. يعجبني مظهرها الواقعي وكأنها تزحف، بتداخل أجزاء الجسم و تمايل الذيل بانسيابية. كنت أفكر بأن منظرها الواقعي سيجعلها مفيدة في المقالب بالإضافة إلى إبهار الأطفال (كنت قد اشتريت صرصاراً يتحرك على عجلات متناهية الصغر، ويبدو كالحقيقي تماماً، لكني رميته بعد عدة مقالب، عاقبني الله بكابوس). ورغم أنها مبهرة اليرقة، لكن صوت محركها يجعلها غير عملية للمقالب. لكنها تظل متعة للنظر، وابتكار ذكي ولافت، خصوصاً بابتعادها السريع عن العوائق.








هذه نظارة، لكني اشتريتها من موقع تخفيض على الماركات هنا:






وجدت نفسي مؤخراً أتخذ مواقف لم أتخذها منذ فترة طويلة. ليس لأني كنت أتخذ غيرها، لكن لأن الظروف التي تتطلب الاختيار لم تتوفر منذ وقت طويل.
إن بعض الناس الأبسط فكراً يسيئون فهم اللطف ولين الجانب. قد لا تكون نواياهم سيئة، لكن عقولهم فقط ليست كبيرة بما يكفي. وجدت نفسي حائراً بأمر شخص تعرفت عليه منذ سنوات، وصرنا نلتقي كل فترة وأخرى، أحياناً بصحبة أشخاص تعرفنا عليهم بنفس الوقت. الأمر هو أنه صار يظهر الإزدراء تجاه ارائي ومعلوماتي عن الأشياء أياً كانت، رغم أننا لا نتناقش بأمور عميقة بالأساس. ينظر إلى على نحو لا يخفيه وكأني شخص غبي، لا أفهم. ولا أدري سبب هذه النظرة، ولا أدري كذلك لماذا الاهتمام بالتواصل معي رغم هذه الرؤية. لست أصطدم به، أو أحاول إقناعه بعكس أي شيء. ولا يبدو أنه يعي الإسائة. لكن هل من الضروري أن يعيها؟ إنه ليس بشخص مهم حقاً في حياتي، وقد لا يساوي الأمر الجهد. أمام الإستهانة والاستهتار الذي ينظر من خلاله تجاهي، وجدت أن الإلتقاء به والاهتمام ليس إلا عبث من طرفي على الأقل. في آخر مرة التقينا تجلى موقفه كثيراً. وبصدق لم أحزن أو أشعر بالجرح، فقد عانيت مع آخرين من هذه الأمور على نحو أسوأ بكثير، بمراحل، وبمستويات متعددة ورؤية أكثر تعقيداً، ولسنوات، مع أعز صديق لي في زمن غابر. لقد تعلمت الكثير. فكرت بأن أتجاهل التواصل معه فقط. فلا يوجد التقاء بالأساس من أي ناحية، سوا التجربة التي اشتركنا بها قبل سنوات. اتصل لسبب ما بعد لقائنا، الذي أشبعني به ازدراء، ولم أجب.

شخص آخر، لا زلت أكن له التقدير، صارت علاقتي به مجرد سلام من طرفي إذا ما كانت المناسبة مواتية. إذ وجدت بأنه كغالبية الناس يأخذ الكثير، ولا يعطي إلا القليل، وإلى ذلك، يتخيل أن الرفع من قدر نفسه يعني الحط من قدر الآخرين، لا يفكر كثيراً بما يقول، ولا يستوعب. إنه من أكرم الناس حينما يتعلق الأمر بالمادة، وإن قلبه من أطيب القلوب، لكنه ليس بشخص ذكي، أو واسع الأفق بأي شكل. إنه يعتقد بأني قاطعته وأني غاضب عليه بسبب خطأ قام به، لكني بالواقع كنت أقيم أمر علاقتنا منذ وقت طويل، وأسائل نفسي، هل يكفي حبي لروحه الطيبة أن أكون صداقة قد تكون بلا قيمة، وربما ضارة على المدى البعيد؟. خصوصاً مع كون تقدير شعور الآخرين ليس من مميزاته.
لكن بالواقع، موقفي مع هذا الشخص هو الأمر المعتاد، إن تقييمي لعلاقاتي حاضر معظم الوقت في بداياتها. يحسب بعض الناس أني حينما أقلص علاقتي معهم أن هذا علامة على غضبي منهم أو استعدائي لهم، لكن بالواقع أنا فقط أرتب الأشياء وأضعها في مواضعها.
لكن أحياناً، لا تدوم الأشياء في مواضعها التي اخترتها كذلك، أو، يتم تصحيح الأمر على نحو ما. إن استعادتي صعبة بعد خسارتي على ما أعتقد، لكن ليس السبب هو العناد أو أي خلق طفولي مرتبط به، لكن السبب هو أن خسارتي صعبة أيضاً، ولعلها أصعب من استعادتي.







قبل فترة، كنت أتسوق للمنزل في كارفور، فرأيت رجل كنت قد عملت في إدارته لحوالي ثلاثة أو أربعة أشهر. كان هذا حينما انتقلت من الجامعة قبل سنوات إلى وزارة. يمكن رؤية القصص كاملة في تدويناتي الأولى. كان هذا الرجل قد صعب الأمور علي بلا داع، وقد اتبع وكيل الوزارة الذي كان يعاني من خلل عقلي على ما يبدو، ثم لاحقاً تعرض هذا المدير لمشاكل كثيرة من هذا الدكتور المخبول، لكن لم يكن لي شأن بذلك. حينما كدت أن أغادرهم إلى قسم آخر، استوقفني هذا المدير وسلم علي، وكان في آخر الأيام فقط يحاول أن يصحح غلطاته، التي لم يكن لي أي ردة فعل تجاهها وهي تحدث، لم أرد أن تحسب علي أيضاً تلك الحركات الطفولية. أقول استوقفني، وسألني السماح؛ كان قد أدرك على ما يبدو أنه أساء إلي واضطهدني دون أي سبب، سوا استقلالية رأيي وعدم رغبتي بالعمل معهم، رغم أني لم أقصر بالعمل بأي شكل حتى بعدما طلبت الانتقال. رحلت بعدهم إلى قسم آخر، حيث عملت مع مجموعة من الناس، كان أحسنهم هو المسئول الكبير، وكيل تقريباً، وقد كان أفضل دكتور سعودي رأيته، وكان يبدو أنه حاز المنصب عن طريق الخطأ، إذ كان رجلاً ذكياً ومتواضعاً.

بعد ذلك بفترة طويلة، طويلة جداً، إذ كنت قد غادرت الوزارة برمتها عائد إلى الجامعة، صادفته في مكتبة جرير، وكان مع ابنه المراهق. رآني، وحاول أن يتظاهر بأنه لم يفعل. وحاول أن يثني كذلك ابنه من جره إلى حيث أقف، حتى لا يضطر للسلام علي. نظرت إليه فقط، ومحاولاته المثيرة للشفقة، التي كانت بلا داع كشأن الكثير من الأشياء التي قام بها في وقت قديم. كان يختلس النظر إلي كل لحظة وأخرى، بإحراج وارتباك بالغ لم أعرف ما سببه. بالنهاية، قررت أن أنهي معاناته، ورحلت ماراً بقربه، وقد التقت عينينا عدة مرات، فلم أحاول أن أتجنب النظر إليه.
أما في لقاؤنا الأخير في كارفور قبل بضعة أيام، رآني وقد كان وحيداً، ولم يبدو أنه تغير شكلياً. كنت قد سمعت أنه بعد مشاكله مع ذلك الدكتور قد حاول أن يذهب إلى أمريكا ليعمل لحكومتنا هناك في شأن تعليمي. ولعله نجح بالعودة لا أدري، حيث أنه يملك البلادة الملائمة. الغريب هو أنه حالما رآني تسمر في مكانه، ونظر إلي بتأثر غريب، ولم يشح بنظره أو يتظاهر بأنه لم يرني كما فعل سابقاً. لكن تسمره بدا لي مثير للاستهجان، شعرت بأنه جربوع سلط عليه ضوء كشاف قوي. نظرت إليه فقط وأنا أمضي، واستغربت من كونه لم يشح النظر حتى لو لم يكن لي تجربة سلبية معه، إذ أنه مهزوز بطبيعته بغض النظر عن المشاكل التي واجهتني لديهم. بدا أنه صبغ لحيته، وقد كان كالعادة كامل التأنق، وإن لم يكن ذو ذوق مميز. بعد بعض الوقت، رأيته مرة أخرى، وتجمد مرة أخرى بنفس الطريقة الجربوعية، وبنفس التعبير العجيب. نظرت إليه وقد أفسدت رؤيته مجدداً مزاجي هذه المرة. ولم أعرف أني كنت مكشراً إلا حينما ابتعدت، والتفت للخلف، فوجدته لا زال ينظر إلي وقد تثنت حواجبه الدقيقة، كحواجب المصريات في الأفلام القديمة، وكأنما يتحسر على أمر ما، فكشرت له أكثر. بالواقع، تكشيري على هذا النحو طبيعة متأصلة بي في مثل هذه المواقف. يحدث حينما أشعر بمراقبة أحد ما باستمرار، خصوصاً حينما يكون خلفي، فألتفت وأكشر في وجهه دون أن أوقف سيري، بيد أن هذا الفعل لا يأتي بنتيجة، مما يجعلني أفكر؛ هل أنا غبي بعدم تخلصي من هذه العادة، أم أنه لا يتابعني من الخلف غير الأغبياء الذين لا يفهمون معنى التكشير؟.








حدث أمر لم أتوقعه. لا أدري إن كان من أحد يتذكر الدرامي وقصصه معي في العمل، حيث كتبتها هنا قبل وقت طويل، ولكنه عاد إلى الحضور في قصة معينة، دون دراما. منذ فترة بالواقع ونحن لا نحتك ببعضنا، وبالحقيقة لم يحدث أن تعارفنا أصلاً أو تكلمنا كما يفعل الزملاء. بدأ الأمر في ذلك الوقت البعيد بضيق لم أفهم سببه من وجودي، لكني أعزو بعضه إلى سوء فهم، وبدأ كذلك بإظهار الإزدراء تجاهي دون سبب واضح كذلك، وبطرق درامية غير معتادة.
لكن بعد فترة توقفت هذه المواقف عن الحدوث، على نحو لم أفهمه أيضاً، على أني أخمن بأنه تعرف علي على نحو أفضل بشكل ما، ربما كان زميلي الملتزم الكبير قد أقنعه بأني لست شريراً، أو أحوك المؤامرات أو أضر الناس، أو أي كان ما تصوره عني. لا أدري صدقاً على وجه الدقة، على أني أخمن بعض الأمور. تلطف ذات مرة وسألني إن كنت أعرف للآيفون؛ للأسف لا أعرف، فأنا لا أحب هذا الجهاز. وتشاركنا كذلك كطرف واحد تقريباً في إشكال معين، حيث أثبت المدير مرة أخرى بأنه لا يستحق أي من أفكاري الطيبة عنه، ولا يستحق تلك المحبة المحضة التي كنت أكنها له كأخ وصديق دون أن يدرك ذلك. لكن لم يقربنا الأمر أكثر، أقصد أنا والدرامي طبعاً، كانت المسألة عملية.

لاحقاً، دخلت في إشكال مع نفس الطرف الثاني في المشكلة الأولى، ومرة أخرى أثبت المدير أنه لا يمل الأنانية ولوي الأمور والخداع مع الأسف. هذه المرة، لم يكن الدرامي طرف في الإشكال. ولم يتدخل حتى تم إقحامه للسؤال عن المشكلة الأولى. أخبرني بكل شيء، وقد أبدى اهتماماً فاجئني، وتعاطفاً متحمساً، ورغم أن المرء قد يخيل إليه أن كل هذا الحماس سببه ذلك الطرف الآخر الذي كان أيضاً ضدنا في الموقف القديم، إلا أني أعلم يقيناً أن اهتمامه وحماسه كان صافياً ورفيعاً، وإن أوضح احتقاره وغضبه في حق ذلك الطرف الذي يُطرد من قسم إلى آخر كما سمعت بسبب مشاكله. حاول الدرامي مساعدتي، زكاني بحماس، وذهب إلى أبعد مما ذهب إليه أي أحد -بالواقع، لم يحاول أحد مساعدتي، حتى مديري غير العادل- المهم أن الدرامي ذهب بعيداً في محاولاته، وقد هالني هذا، وبدا لي بأن الأزمة لها فائدة؛ لقد اكتشفت بأن هناك من قد يقف معي، حتى لو لم يكن له مصلحة، حتى أن الطرف الآخر كان قد رحل عن قسمنا منذ فترة ليست قصيرة.



أخيراً، اشتريت نبتة جديدة صغيرة للاحتفاظ بها في المكتب. الأولى ماتت منذ زمن طويل، إذ يبدو أن عمرها كان صغيراً، حيث أنها على شكل رأس ينبت الزرع فوقه كالشعر. أما هذه، فهي للزينة، عبارة عن قصب الخيزران، وهي معدة بحيث لا يطول القصب أكثر، لكنها تورق وربما تكثر أوراقها. اشتريت صحن مخصص لمثل هذه النبتة من دايسو قبل فترة طويلة.




هي الآن تحت رعاية زميلي الملتزم الكبير، حتى أعود من إجازة قصيرة قد أغادر بها الرياض لأمر مهم (ليس إلى القصيم). أسأل الله التيسير.





قبل قليل، دخل ثلاثة رجال إلى برقر كنق حيث أشرب جرعتي اليومية من الكولا، ألقى السلام أحدهم وهو ينظر نظرة فاحصة تجاهي، حيث أني الزبون الوحيد في المطعم. وحينما بدأوا بطلب الطعام، تبين أنهم من المنطقة الشرقية. كانوا صاخبين قليلاً، وقد أحدثوا جلبة عجيبة بطريقتهم الخرقاء، أطاحوا بكأس، ولم يعرف أحدهم من أين يأخذ الثلج، وسكبوا الكولا على طاولة. كنت أشعر بأنهم ينظرون تجاهي كل لحظة وأخرى، ليروا إن كنت قد تضايقت على الأغلب. كانوا يضحكون، لكن ليس بجنون. الغريب أنهم رغم إزعاجهم غير المقصود، وخجلهم منه، اختاروا الجلوس في الطاولة الوحيدة إلى جواري، تاركين كل طاولات المطعم الخالية من أي زبون على نحو مضحك وغريب. بيد أنهم خجلوا بعد قليل من ارتفاع صوتهم وضحكاتهم، وغيروا مكانهم وهم ينظرون إلي. انشغلت أنا بالقراءة ولم أنظر إليهم حتى لا أحرجهم. بالواقع، ليست أول مرة تختار مجموعة غير هادئة الجلوس بقربي رغم خلو كل الأماكن أو أكثرها، لكن الغريب هو أنهم أول من خجل وغير مكانه بعدما شعر بأنه مزعج.

وهذا موقف أعتبره كبيراً في مجتمع، بكل صراحة، وبكل أطيافه وحتى بأجانبه، لا يستحي عموماً. بالأمس أزعجني فلبينيين عن عشرة حينما اختاروا الجلوس قربي بمثل ظروف اليوم، من خلو المطعم من أي مرتاد آخر. وكانوا صاخبون، ولغتهم ليست حلوة على السمع. وهم رغم كل شيء ليسوا بأسوأ من مراهقينا الذين يشعرونني بأنهم أحضروا فجأة من غابة بعدما ربتهم قبيلة من البابون. لماذا يذهب الناس إلى عسير ويزعجون أهلها؟ عليهم فقط البقاء في مدنهم والتفرج على قطعان أبنائهم في الأسواق والمطاعم، رغم أنهم لن يقدروا إلقائك عليهم بالخبز أو الفاكهة مثل البابون هناك، إلا أن القاء بطاقات سوا مثلاً أو مشروبات طاقة ستسعدهم حتماً وربما قاموا باستعراض. وربما مع الوقت؛ سترى مراهق صغير متعلق ببطن مراهق أكبر وهو يمشي.

لكن لأقول الحقيقة، حدث أمر آخر أخذني بالذهول والصدمة قبل اسبوع، حتى أني حكيت لأهلي عنه حالما رأيتهم في اليوم التالي. جلس قربي مراهقون، والمطعم مزدحم، وأزعجوا بتفنن ومثابرة. ولاحقاً، وبلا حياء، أشعل أحدهم دخاناً، وصار يدخن وينفخ بطريقة تشعرني بأن قتله سيخفف من تلوث العالم إلى النصف. صرت أسعل رغماً عني، وأتنحنح أيضاً وأنا غير قادر على التنفس. التفت زميله إلي مرتين، ثم بدا عليه الارتباك، ثم الغضب العارم. ثم ضرب زميله ووقف بعصبية شديدة نقيضة للمرح الذي كان عليه أشد التناقض، وقال: قم امش دخن برا الله يلعنك يا شيخ!. تلكأ ذلك البليد ولم يكن يفهم ما الأمر، فصاح به صديقه فقام والحيرة تبدو على وجهه. خرجت الشلة بأكملها بهدوء نسبي وهم يتلفتون، وكانوا حوالي السبعة، وقبل أن يبتعد التفت إلي المراهق الغاضب، واعتذر بخجل وأسف شديد!!. كيف شعرت؟ شعرت بأن عقلي توقف عن العمل، ولم أدري بماذا أجيب، فأنا لم أستوعب تمام الاستيعاب أنه أخرج صديقه وكل الآخرين خجلاً مني إلا حينما اعتذر، لأني والله لم أنظر إليهم على نحو غاضب أو معاتب، لقد نظرت فقط إلى المدخن، الذي لم يلتفت إلي، بشكل خاطف، على نحو مُنهك. كم دخنوا الناس بقربي، وكم رأوا معاناتي ولم يعتذروا حتى، بل إن بعضهم قد يتضاحك حينما أغير مكان بعدما يطيلون الجلوس والتدخين، رغم تواجدي قبلهم بكثير.

لكني لا زلت لا أفهم، ما الحكمة من إسماع كل الموجودين في مكان عام كل كلمة تقولها؟ كل قصة وكل كلمة بذيئة؟.






قبل فترة، سجلت في نادي رياضي، بعدما وصل وزني إلى حدود مخجلة لم يصلها في حياتي. صار وزني مرتفعاً، وعلى حدود السمنة حسب مقياس الكتلة. في النادي، وجدت الأمر سقيماً إلى أبعد حد. ليس للأمر علاقة بالتعب هناك، لكني شعرت وكأني هامستر، محتجز لأجري في مكاني. لطالما أحببت المشي، وكنت أمشي كثيراً في السابق واشتهر بهذا. لكني توقفت أخيراً لأني صرت أمل من المشي وحيداً. لكن المشي في ممشى مع الناس يختلف عن المشي على سير متحرك، والجو غير المريح المحيط به. شعرت بأن الأمر في منتهى السخافة، لا أخفيكم. أعرف بأنه ليس سخيفاً بالواقع، ومفيد للكثير من الناس، لكن، ليس أنا. أتفهم حصول الناس على بعض الأجهزة في منازلهم، يستخدمونها بخصوصية، خصوصاً حينما لا يتاح دائماً الخروج للمشي أو التمرن، أو للحصول على نتيجة خاصة لا تأتي بالمشي باستخدام أجهزة مخصصة أو على الأرض، لكني ازدريت نفسي حينما وجدت أني أقطع مسافة طويلة بالسيارة، لأسير وحيداً كذلك في النادي، وبملابس أكرهها.
جربت السباحة، وكنت قد أخذت دورة، بذل فيها المدرب معي مجهوداً إعجازياً دون فائدة تذكر، وكان الأمر وكأنما لم أحصل على أي دورة. قد أعود مع ذلك لأجل المسبح فقط.

في أول الأيام من تسجيلي، جاءوا أبناء أخي بينما كنت قد لبست ملابس النادي وعلى وشك الخروج إليه. كان شكلي بالملابس جديداً، لم يروني هكذا من قبل. قال أصغرهم، ولقبه المحاسب لأن رأسه كرؤوس المصريين: والله يا عم شكل جنسيتك أمريكية!. ضحكت على التعليق الطويل لوصف مدى اختلاف هذه الملابس.

خرجت للمشي بسعادة قبل فترة مع زميل قديم من الجامعة، لكن، لديه التزامات، ولا يستطيع المشي على نحو دوري. أتمنى فقط أن أجد من يريد المشي والثرثرة.







قبل فترة، ذهبت والدكتور الألماني إلى مطعم، وقد صار يتجرأ معظم الوقت على دفع الحساب رغما عني. في المرة الأخيرة، قال بأنه لن يأكل شيئا لو كنت أنا من سيدفع. وأصر، وأبدى نوع من الانفعال، من باب الضغط. قررت أن لا أطلب أنا ما أشتهي، دون أن أقول هذا. لكن المشكلة أننا كنا في مطعم ياباني، وصعب علي جداً أنا لا أطلب روبيان التمبورا. فكان نصف عقاب. سألني بعدم رضا بعدما طلبت إذا ما كنت أعاقبه، إذ استقل ما طلبت، قلت لا، قلتها وأنا أشعر بالأسف. صحيح أنه الشيء الوحيد الذي طلبت مما أريد حقاً، حيث كان الطبق الآخر ثلاث لقم صغيرة من ماكي الخيار، إلا أني ضعفت أمام الروبيان. صار يتخيل أنه من الأفضل أن أطلب أغلى الأطباق حينما نذهب إلى مطعم، يتخيل بأن هذا يبهجني. لكن، لا يفهمني من هذه الناحية. إني مجهد مؤخراً، وهو يلاحظ هذا منذ فترة، ويجعله هذا يتخذ مواقف غير صائبة للمساعدة. في مطعم قبل فترة، فوجئت بأنه اختار لي أغلى طبق، دون مشورة. ماذا بوسعي أن أقول؟، لست أريد له الخسارة خصوصاً أنه كان سيدفع، ولست أريد أن أبدد مجهوداته. مع ذلك، لم يتمكن من فهم الحال والمشكلة، إن الأمر لا يتعلق بهذه الأمور.

عموماً تحدثنا عن الطبيعة في منطقته بفاريا، وسألت عن المياه الطبيعية فيها. حكى عن بضعة مجاري مائية، وحكى عن بحيرة يسبح فيها الناس عراة. أسمع عن شواطئ للعراة، لكن بحيرة للعراة، كان هذا جديداً، فلطالما ارتبطت البحيرات في ذهني بالأجواء العائلية البريئة. تسائلت باستغراب إذا كان هؤلا السابحين يستحون؟ قال بأنهم يستحون، فهم لا ينظرون لبعضهم، لكن يأتي بعض الأجانب للفرجة، قاصداً بأن هؤلاء الأجانب لا يستحون. تفهمت الأمر، وتخيلت جحافل من العرب، الخليجيين خصوصاً، على ضفاف البحيرة ينظرون ويعلقون، بلا حياء.

كان قد جاء بالشوكولاتة التي كانت تباع هنا وانقطعت، حيث سألني قبل أن يذهب عنها. أرسلت إليه صورة لغلافها. طلبت زوجته الشوكولاتة، ولكن للأسف لم تكن هي، أخبرته بأنها من نفس الشركة لكنها ليست هي. خاب ظنه كثيراً. أخبرته بأن هذه لذيذة أيضاً، لكني بالواقع كنت خائب الظن أيضاً. لكنها كانت لذيذة حقاً. تسائلت عن ثمنها، طالما أنه هو من لم يشترها فيجب أن أسدد. قال بأن زوجته اشترت لي الشوكولاتة من المال الذي يمنحه لها، قلت بأنها كانت تستطيع أن تصرفه على شيء آخر. قال بأنه لن يحمل معه مالاً حينما يعود، وأني يمكنني أن أعطيها المال حينما آتي معه إلى هناك وأراها. ضحكت. كان يعلم بأني لا أستطيع السفر، أخبرته بأنه يعرف بأني لا أستطيع السفر. ابتسم. نعم، يعرف.




ذهبنا قبل فترة إلى معرض التعليم العالي، أنا والدكتور. هناك، وجدنا الألماني الأصغر، ضمن العارضين لجامعات بلده. راقبناه من مسافة ونحن نتبسم، إذ كان غافلاً يسبح بأفكاره. رآنا فجأة فضحكنا، فجاء فرحاً ليسلم علينا. تكلمنا معه قليلاً، وعرفنا على بعض الناس. استدعى لي رجل يمثل معهد يعلم إدارة الأعمال، رغم إلحاحي عليه بأن لا يفعل. كان أمر محرج، فلم أكن لأذهب للدراسة في الخارج. جاء الرجل وعرفنا على بعض، وجاملني الرجل قائلاً بأن ساعتي تعجبه، فأسر له الألماني الأصغر بأني أكثر أهل الرياض رواقة (!!). كان الألماني الآخر الذي أتى به ذو شكل غريب. شديد الصهابة، ذو حضور بليد، له شفتين ضخمتين شديدتي الحمرة، وعينين فاتحتي الزرقة برموش شقراء، وشعر ذهبي غريب لا يكاد يتمايز عن جلده. لكن، معهدهم رائع جداً. شرح لي كثيراً، وراقب ساعتي حينما انشغلت بالكتابة، وعرفني على زميلته، وهي فتاة حسناء مترددة.

رحلنا أخيراً من عندهم، وأنا أشعر بالأسف على إضاعة وقت ذلك الرجل بلا فائدة.

كنت أريد أن أرى الدول الاسكندنافية، وفي الطريق مررنا بالجامعات الفرنسية، وكان ممثليها أناس غرباء ذوو نظرات فاحصة، لا تكف عن التحديق، لكن نظراتهم مع ذلك بسيطة ومسترخية، متأملة لكن من غير إبداء تعابير غير مريحة أو متحفظة، إنهم يتفرجون على الناس فقط كما يتفرجون عليهم، فأنا أعتقد أن غالبية الحضور ليس لديهم اهتمام بالتعليم، لكنهم يأتون للفرجة على هذا الكم من الاجانب. ثم مررنا قرب الجامعات الصينية، وقد أوفدوا حسناوات شديدات الملاحة من جامعة تسنقهوا، وهذا من لمحة صغيرة.

يعرف المرء بأنه اقترب من الجامعات الاسكندنافية حينما يرى الصوماليون يحومون حول المكان بكثرة. هناك، رأيت تخصصات أعجبتني. لكن، كان الصومالي الذي أجاب أسئلتنا أنا والدكتور غريب، كان لا يريد أن يقول بأنه صومالي الأصل، رغم أن المرء يعرف بأنه صومالي بمجرد النظر إلى وجهه، فللصوماليون سحنة واضحة وتكوين عظمي مميز. كانت تطغى هناك التسريحات الجريئة على الصوماليين والصوماليات، والحضور الواثق والسعيد كممثلين لجامعات سويدية. ظن الرجل الصومالي بأن الدكتور سويدي، ربما لأنه شديد الحمرة.

ثم، رأيت شخص أعرفه، وطلبت من الدكتور أن ينظر إليه، ويخبرني بما يعتقد عنه، كنوع من التفرّس. رأى الدكتور بأنه إنسان غير مريح، يبدو على وجهه البرود والقسوة، ويبدو وكأنه يخبئ شيئا عن الناس دائماً. كانت أوصاف دقيقة للغاية، رغم أنها لا تغطي كل أبعاد تلك الشخصية، التي ساهم المجتمع كثيراً بصياغتها أكثر مما صاغت نفسها، إلا أن لها أبعاد أخرى.

كنت دائماً مهتماً بإدارة الأعمال، لكن، أعتقد بأني يئست من نفسي قبل أي شيء آخر. أجد نفسي أكثر انجذاباً لتخصص يلائمني أكثر على ما أعتقد، قرأت عنه في جامعتين اسكندنافيتين.

مثلما كان الحال عليه في الثانوية، والاختيار بين تخصصين؛ كنت أعتقد بأني أريد دراسة الحاسب لبعض الوقت، فقط لأني أحب الألعاب على الأجهزة المماثلة على ما أعتقد، وكنت أفكر بأني لو لم أدرس الحاسب، فسأحصل على خيارات أكثر بأي حال لو اخترت المسار العلمي. لكن، فكرت لاحقاً على نحو أفضل وأكثر تركيز، وساعدني بهذا ما قالته أمي وأختي الكبرى، قلن بأن ميولي أدبيه. وجدت أني أفضل دراسة اللغة الانقليزية في الجامعة، وقبل كل شيء، أفضل دراسة المواد الأدبية على العلمية، بغض النظر عن تخصص الجامعة. المجالات العلمية مثيرة للاهتمام، لكن الأدبية أقرب إلى طبيعتي؛ وهذا الأمر شبيه بما فكرت به مؤخراً، وإن يكن بلا طائل على ما أعتقد؛ إدارة الأعمال مثيرة للاهتمام، لكن العلوم التي تهتم بالإنسانية وخير المجتمع تلائمني أكثر.






دكتور الصيدلة الأمريكي، الذي مشاكل راتبه لا تنتهي المسكين، كان معي لبعض الوقت مؤخراً ونحن نعمل على حل بعض الإشكالات. لدينا موظف في الرواتب، وهو من يعاني معنا من الأمر. لا أدري ما العلة، ففي كل مرة يحل المشكلة تعود في الشهر التالي على الأرجح. لكن هذا الموظف رجل لطيف جداً، هادئ جداً، وربما هذا أكثر ما يعجبني به، لكن للصبر حدود بالطبع؛ لهذا أعتقد بأنه سئم من رؤيتي، وليس بيدي حيلة للأسف، فكل ما أحاول القيام به هو مساعدة رجل عاجز عن التواصل. حينما اكتشف أن الإشكال في آخر مرة هو مسئولية موظف آخر، أرسلني إليه بارتياح. ولكني في اليوم التالي عدت إليه بحكم العادة؛ فنظر إلي بطريقة أقرب ما تكون إلى الغضب. نسيت! اعتذرت منه، وضحكت لاحقاً على نظرته. إن أفضل ما بهذا الرجل أنه لا يفقد تهذيبه أبداً، بالإضافة إلى هدوء الطبع والرغبة بالمساعدة. ورغم أني أكره قسمه، الرواتب، والقسم المجاور له، الحاسب، إلا أني أعتقد أن أهل القسمين هم الألطف والأكثر رغبة بالمساعدة. كراهيتي تعود إلى تعقيد الإشكالات المتصلة بهم، وطول الإجراءات هناك، فهذه الأمور فوق أنها تتلف أعصابي، وتقصر عمري على ما أعتقد، فإنها تجعلهم يبغضون رؤيتي مع الوقت. الأمر مثل ما يجري مع أبناء إخواني، مع فارق الحجم، فكثرة القُبل تجعلهم ينفرون من رؤيتي، غير أني أزعجهم بأسئلتي في القسمين المذكورين، ولست أقبلهم لحسن حظهم.

الأمريكي، وهو يفقد أعصابه على نحو مفهوم خصوصاً في رسائل الجوال، يشكو من مشاكل تتعدا قسمهم. سوء تدبير رهيب يحيط بأمر الرجل المسكين. ومن بعد ملاحظته قبل فترة التي ولدت توتراً بيني وبينه، ثم اعتذر كثيراً، صار يحاول أن يكون أقرب وأكثر حميمية. سألني عن أمي في آخر مرة التقينا، حيث أني أعتذر كثيراً حينما يرسل سائلاً المساعدة بأني بالمستشفى مع أمي، وسأل عن والدي. أوقعني أخي في حيرة حينما أخذ والدي إلى طبيب خاص وأصر على ن نتبع خطة ذلك الطبيب العلاجية، دوناً عن خطة المستشفى الجامعي. تخلينا حسب توصية المستشفى عن ما أوصانا به الطبيب الجديد من أدوية منذ فترة طويلة، والآن أخي مصر للعودة إليها لأن الطبيب الجديد يقول هذا. أخبرت الأمريكي بالإشكال. وطلب مني أن أرسل إليه أسماء الأدوية، فهو مختص بالصيدلة. أرسلتها، ورد سريعاً، موضحاً بأن الدواء الأخير الموصوف من المستشفى الجامعي خطير وغير ملائم أو ضروري لحالة والدي، مخاطرة مخيفة بالواقع، قال بأنه قد يسبب الوفاة بشكل ما. كنت ممتناً لإجلائه لحيرتي، والآن سأعيد الأدوية التي لن نستخدمها للمستشفى إن شاء الله.

إني أستغرب من بقاءه هنا، فمشكلة الراتب المتعثر ليست المشكلة الوحيدة، ولا أدري إن كان وجوده هنا يساوي تلف الأعصاب. حيث لا أعتقد بأنه يشعر بالارتياح في بلدنا.







أكتب الآن في مستشفى التخصصي، أكبر متاهة بالرياض. سمعة المستشفى مخيفة من حيث أنه مركز أبحاث غير ملتزم بالأخلاقيات كما كان يشاع قبل وقت طويل. لكننا لحسن الحظ هنا اليوم لإجراء فحص بالأشعة فقط لأجل المستشفى الجامعي الذي لا يملك بعض الإمكانيات. الناس هنا ألطف، ويمكنك رؤية أن وجود الموظفين الغربيين يحسن طبع زملائهم من العرب وخلافهم من أهل العالم الثالث. صحيح أن السعوديين بشكل عام على جانب من البرود و "موت الحيل"، إلا أنهم أفضل تعاملاً بكثير مما هم عليه في الجامعي. أما الممرضات والفنيين، فهم يميلون للتبسم واللطف وإلقاء التحية حينما يكونون في خدمتك. فني سعودي، ليس صغير بالسن، تطوع للقيام بإجراءات فتح ملف، فهو أسرع كما يقول لأنه موظف. كان لطف بالغ منه، لم أتوقع هذا التعاون والتقدير. خطه جميل جداً ما شاء الله، وبدا عليه الفخر والسعادة حينما أخبرته بذلك. إنه يكتب وكأنما يزخرف، ما شاء الله. 

لكن، لا شيء مثل مدينة الملك فهد الطبية هنا.





اقتربت إجازة اسبوعين أخذتها من الانتهاء. كانت اسبوعين من الراحة والاسترخاء إجمالاً. لكني الآن، شعرت بالندم على أخذها، رغم أني احتجتها حقاً. شعرت بالندم حينما تجمعت الالتزامات الحياتية القادمة، التي لا أدري ماذا سأصنع بها. مع ذلك، أشعر بأني ارتحت من الإرهاق الذي صارعته على كافة المستويات، ارتحت إلى حد بعيد، رغم شعوري بالأسى، الذي لم أشعر بمثله من قبل قط، لعودتي للعمل. لماذا الأسى هذه المرة؟ لأني لم أعد أطيق مكان العمل، والكثير من أهله. للمشاكل الأخيرة ومواقف الناس دور كبير. صحيح أن الدرامي وقف إلى جانبي، وهذا من المفترض أن يحقق بعض التوازن، لكن الدرامي واحد، وكان وقوفه معي مسألة أخلاقية بالنسبة إليه على ما أعتقد. إني أقدر وقفته كثيراً، لكن، لم أكسبه حقاً، ولكني خسرت مديري، إذ لم أعد أحب رؤيته، بعدما كان وجوده ورضاه حافز كبير، وخسرت تقديري للكثيرين كذلك.




لقد سافر أخي إلى استراليا، للدراسة مع عائلته. كنت أستفيد منه في الستة أشهر الأخيرة في مواعيد والدي، لكن الآن...





في الأشهر الأخيرة، صار الذهاب إلى العمل أمر مقرف، يجعلني أفيض بالنقمة والكراهية تجاه المكان وبعض أهله. أشعر وكأنما لا يوجد في العالم وظيفة أخرى يمكنني تجريبها، أو مكان آخر يمكنني العمل به، رغم أن هذا غير صحيح. لكن المشكلة؟ المشكلة هي حاجتي الملحة لمكاني الحالي، حاجتي الملحة لقربي من المستشفى والمنزل بنفس الوقت، وتفهم مديري لظرفي، ذلك التفهم الذي بت أتخيله يتأرجح بين الاستمرار والتوقف.
لكن من يهتم، إني لست من أهل النفاق، وحتى هو لا يجب أن يتوقع مني ذلك.

مع ذلك، شعرت بالشفقة أمس عليه. كان لتوه عاد من السفر، دورة أخرى يأخذها مع نفس الأشخاص المسنين دوناً عن أي أحد آخر، مثل كل مرة. كان الموظفين يسلمون عليه، وكان رده عليهم رد المعتاد والمتوقع لهذا السلام. لم يكن هناك أكثر من مجاملة. لم أكن لأسلم عليه، لذا، أتيت فقط حينما احتاج العمل إلى ذلك. لم أتوقع بنفس الوقت أنه سينتظر مني سلاماً. لقد رأيت شعور حزين، وخائب الظن في عينيه، وأنا أحدثه عن مشكلة موظف أجنبي معي أحاول مساعدته. كان تأمله تأمل شخص مدرك تمام الإدراك لموقفي، ولكن يبدو أنه توقع أن يخف، أو أن لا يصل لهذه الدرجة، مما أشعرني بالأسف. لكن، بقدر المحبة والتقدير القديم، يكون الجفاء والنفور على ما أعتقد.

يثير الأمر شفقتي صدقاً، محاولاته للتلطف، وإبداء الثقة، ونسيانه أحياناً للموقف الجديد، واسترساله بالحديث قبل أن يتذكر فيقطع ما يقول.











هذا طعام صحي يأتي من أمريكا الجنوبية، عبارة عن نوع من الحبوب المعذية، تسمى الكنوا، Quinoa، ويسميها البعض أرز الإنكا، حيث كانوا يتناولونها كما نتناول الأرز. من حيث الشكل، تبدو البذور غريبة بعد الطبخ، إذ تتفكك أجزاء منها، وتبدو الحبيبات كالأقراص المتناسقة الأبعاد، مع خيط قاس صغير ينقشع عن الحبة ويظل متعلقها بها بعد الطبخ. هو رغم أن تقديمه كالأرز أمر منطقي، إلا أن طعمه أقل حيادية بكثير من الأرز أو حتى الكسكس من المغرب، فيكون تجربة غريبة ولو طبخ بلا إضافات تذكر. له نوع من الحموضة، وليس له رائحة ملحوظة. يعجبني طعمه، وأعتبره تغيير، أمر جديد وغير مألوف. هذه صورة التقطتها مؤخراً من غدائي:





لم أره يباع إلا في التميمي، وبسعر مرتفع لكمية قليلة، ذلك أن ما يبيعه التميمي منه منتج بطريقة عضوية.


لدي مشكلة مزمنة في شفتاي تعود لسنوات، الجفاف والضعف، وهي مشكلة سائت مع الوقت. أكافح المشكلة بكل ما أستطيع، أتناول الفيتامينات، وهي تساعد قليلاً، وأضع مرطبات مختلفة وغير معروفة بحثاً عن الأفضل. مع ذلك، حتى حينما تكون شفتاي غير جافتين في لحظات قليلة، يكون الجلد الذي يغطيهما ضعيفاً إلى درجة أنه قد يتمزق وينزف حينما أبتسم في أحيان كثيرة. أعرف أن المشكلة الأساسية في الجو. حيث أني حينما ذهبت إلى الهند لم أضع مرطب الشفاة ولو لمرة واحدة، وزالت المشكلة من تلقاء ذاتها وكأنما لم تكن موجودة. كان شهر مريح من هذه الناحية إلى حد بعيد.

أمر الجفاف غريب، حيث أني أشرب الماء بلا انقطاع طوال اليوم. قد انهي خلال وقت العمل فقط لتر ونصف، خلافاً للشاي الأبيض أو الأخصر.
بيد أني منذ أيام اشتريت مشروباً جديداً، مستورد من أمريكا في التميمي، وقد أعلنوا عنه كمشروب صيفي جديد. هو عبارة عن شاي أخضر مع قطع حقيقية من الصبار، ويشرب بارداً. يوجد بنكهات، لكني أشتري النكهة الأساسية، أي بلا إضافات للشاي الأخضر والصبار. في البداية كان طعمه غريب، لكن سرعان ما أعجبني.
لكن ما أذهلني هو أنه بعد شربه زالت مشكلة شفتاي، زالت تماماً. لاحظت هذا بعدما وجدت أني لم أعد أستخدم المرطب. أتصور بأن قطع الصبار لها فائدة من هذه الناحية، لا أعلم، لكنه أمر رائع، وقد صرت أمطط (براطمي) باستمتاع حينما أتذكر أنها لم تعد تتشقق.
هذه صورة للمشروب الرائع. أنصح به بشدة، فلابد أنه مفيد:








الماء كذلك يشكل نوع من العبئ. يقلل الناس من أهمية نوعية الماء الذي يشربونه، رغم أنه يشكل جزء كبير من أجسامهم، فلو كانت نوعية المياه رديئة، فأجسامهم ستتكون من مادة رديئة. معظم المياه المعبأة محلياً رديئة جداً حسبما سمعت، بل إن بعضها لا أستطيع أن أشرب منه، مثل مياه صفا، التي تسبب لي المغص. أعتقد أن نوفا وأروى جيدتان.
ومشكلة المياه الاجنبية أنها غالية في معظم الأحيان. لكن مع بعض التدبير قد يصبح أمر شربها معقولاً.
يوجد أنواع جيدة منها وأنواع لا أشعر بأن طعمها مشجع. لكني لا أشعر بالارتواء مثلما أشعر به مع مياه متوسطة السعر لا تباع في غير كارفور، وحينما تنتهي الكميات التي لديهم أشعر بأن هناك أمر ناقص. لديهم نوعين من فرنسا، باسم محلهم مطبوع عليها. أحدها أعتبره رديء جداً. التي أحب اسمها فوبان، وهي ذات تغليف وغطاء وردي، أما الأخرى الرديئة فهي زرقاء، ودائما أجدها متوفرة. هذه صورة لفوبان:




مياه سويس ماونتن ممتازة جداً كذلك، على أني أفضل فوبان.





سافرت إلى مدينة الجبيل أخيراً، لمدة يوم تقريباً. ذهبت وأختي وأبناؤها إلى هناك. المدينة القديمة بسيطة، ولكن الغريب هو أن السعوديين بها ندرة، وأغلب المشاهدين هم عائلات هندية وباكستانية كما رأيت.

أما الجبيل الصناعية، فهي مدينة مزينة ومعتنى بها أكثر بكثير. لكن ما يهم هو شاطئها المشهور، شاطئ الفناتير. لم أذهب إلى شواطئ كثيرة، فقط جدة والدمام. لكن شاطئ الفناتير هو الأفضل على كل المقاييس. كان الكورنيش رائعاً، مجهزاً بزرع مسقي جيداً، وبأماكن مختلفة وأنيقة للافتراش والجلوس، وبعد الزرع يمكن للمرء أن ينزل درج يأخذه إلى الشاطئ الرملي، النظيف على نحو معقول. يمكن رؤية جهل الكثير من الناس الذين يتركون أماكنهم بأوساخها كالحيوانات. المياه صافية وجميلة. وكان الجو مقبولاً جداً، فرغم الصيف كانت تهب نسائم باردة في بعض الأحيان، وكانت الرطوبة أقل مما توقعت بكثير، ولم تسبب مشكلة.

لكن رغم طول انتظاري لرؤية بحر الجبيل إلا أني لم أذهل. لقد رأيت المحيط في الهند، ولا شيء مثل المحيط. بدا البحر تافهاً، أمر شديد العادية. حينما ذهبت إلى المحيط في الهند، فهمت ما كانت أختي تحاول أن تصف من شعور ورهبة أمامه، حيث كانت قد رأته في عمان.


لا أعتقد أن رؤية البحر هنا ستثير حماسي مرة أخرى. إني من أهل المحيط.


هذه إحدى الصور الفاشلة التي التقطها ابن اختي لي(محسنة):




وهذه صورة لامتداد الشاطئ (محسنة):





تقول أختي بأن شاطئ العقير في الأحساء أفضل.







فوجئت أمس وأنا أقوم بالتحويل للخادمة بأن التحويل للبلدان البعيدة أرخص بكثير من التحويل إلى دول الخليج. كنت أريد التحويل إلى مؤسسة أبو ظبي للإعلام، حتى أشتري كتاب عن اختراعات المسلمين منهم، وهو كتاب أريده منذ أشهر طويلة، حينما أعلن عنه، ولم أستطع الحصول عليه. الأمر السخيف هو أنهم لا يبيعونه سوى عبر البريد. بينما يوزعون المجلة في كل مكان. ولا يمكنك الدفع مباشرة عبر البطاقة الائتمانية، وكأن المؤسسة ليست في الامارات، ولا تنتمي لعصرنا الحاضر. الكتاب يكلف حوالي 170 ريالاً لمن خارج الامارات، ولا مشكلة لدي بهذا، لكن الحوالة تكلف 70 ريالاً على الأقل، وهذا أمر سخيف، فالحوالة إلى اندونيسيا تكلف 15 ريال. أرسلت إليهم من قبل أشكو الأمر، ولكن رغم استعراضهم لتقدميتهم عبر مقالات رئيس تحريرهم غير المريح، لم يجيبوا كأي عرب ناقصي الوعي والاحترام، وأعني هنا القائمين على المجلة. أما مسئولوا الاشتراك بالمؤسسة فقد أجابت موظفة متعاونة جداً منهم. أجابت على عدة رسائل أرسلتها للاستفسار وبسرعة.

حينما أرسلت كنت قد حاولت أن أرسل المال عبر حوالة عادية، من البنك الفرنسي والراجحي، فوجدت التكلفة غير منطقية، خصوصاً مقابل سعر الكتاب نفسه.
لكن لحسن الحظ، يتواجد أخي الكبير هناك لأيام، بعدما عاد من مؤتمر في الصين. اتصلت به، وزودته بالمعلومات اللازمة ليطلبه منهم، وسيكلف هكذا 110 دراهم.

جاء أخي بالكتاب، وبكتاب وخريطة من الصين. الخريطة للمدينة المحرمة في بكين، المكان الذي أتمنى زيارته. والكتاب عن الآثار هناك، وهي أشياء مذهلة.




هذه صورة لحديقة واسعة في مدينة الأمير سلطان الإنسانية، وهي حديقة جميلة، في مكان غير متوقع، يجري فيها قناة ليست بالقصيرة أو الضيقة. أذهلتني رغم أني لم أرها سوا من خلف الزجاج.










لا أدري لماذا، فجأة وجدت نفسي راغب بشدة بسيارة جديدة. رغم أني لم أفقد حبي لسيارتي الحالية. لكن هذا الإحساس يأتي على فترات متباعدة، ويذهب من تلقاء ذاته مع الوقت لحسن الحظ، فلا يمكنني أن أسرف وأنا لدي أولويات والتزامات أهم.

ربما لأني رأيت سيارة يمكنني أن أطمح إليها من رينو.

على فكرة، النطق الصحيح لرينو هو: رَنو.





شعرت بالأسف اليوم، ولم أتمكن من تجاهل أفكاري ومشاعري حيال ذلك. علمت أن والدتي كانت قد رجت أحد الأقارب أن يبلغها حال اجتماع أفراد عائلته، حتى تتم زيارة ووصل. اجتمع الناس، ولم يتم إبلاغ والدتي، كالعادة. حب والدتي وحسن نواياها يحطم قلبي. كان قد قيل لها من قبل فرد من تلك العائلة، حينما سألتهم أن يزوروها حينما يتواجدون، أنهم لا وقت لديهم، ولو كان لديهم وقت لزاروا قريب آخر. علمت عن هذا قبل فترة، وقد أدمى الأمر قلبي.

ماذا يضر الناس تناول فنجان قهوة، ومبادلة الاهتمام، مجاملة على الأقل لشخص يحبهم ويحرص عليهم.
لكن هذا سؤال غبي، خصوصاً مني أنا، وقد عانيت الأمرين من مثل هذه المواقف. تقبل على أناس فيحجمون عنك، دون تقدير، أو إحساس. ولا تدري ما العلة حقاً. إني لا أحقد على هؤلاء الأقارب، لكن، ماذا بوسعي غير الشعور بالألم. لكن من يعلم، لعل لديهم ظروف معينة لا أتخيلها.


بالمقابل، جئت قبل أيام من غرفتي لأرى والدتي، فسمعتها تودع امرأة وابنها من الأقارب. لم أعرف صوت المرأة، ولم أعرف صوت الأبن، أي أقارب هم؟ هكذا تسائلت. لكن سمعت المرأة تقول لأمي بلطف بالغ: يا حبيلتس. فعرفت بأنها قريبتنا التي زرناها في عنيزة، حيث أن كل أبنائها الذين رأيت يقولون هذه العبارة اللطيفة دوناً عن بقية الأقارب، باستثناء واحد منهم، هو الأقل لطف ورقة.
حينما دخلت والدتي بعدما غادروا، عرفت صدق تخميني. سألتها بحزن لماذا لم تخبرني حينما جاؤا لأراهم، إذ أن أحد أبناؤها جاء بها بينما جاء آخر ليأخذها. قالت بأنها نسيت الأمر. كانت خسارة كبيرة. شعرت بالامتنان الشديد لزيارتهم، أكثر مما أشعر به حينما يزورنا أقارب زيارات أداء واجب قد يضطرون إليها بشكل ما، رغم امتناني لهم كذلك.





قبل فترة، وخلال إجازتي التي استغرقت اسبوعين، رتب الدكتور الألماني لمحاضرة عامة برعاية كرسي الأبحاث الذي يعمل فيه. أخبرني بأن المحاضر سيكون استاذاً سويسرياً. وفهمت بأن المحاضرة ستدور حول مسئولية الشركات تجاه المجتمعات. حضرت في ذلك اليوم لأتواجد هناك، حيث كان الدكتور متحمساً للمحاضرة جداً، ومهتماً بسير الأمور على ما يرام. أتيت لأسمع ودعماً للدكتور كذلك. رأيت الدكتور يأتي بصحبة رجل وسيم وأنيق ربما في بداية أربعيناته، لكنه لم يكن أوروبي الملامح. افترضت بأنه ربما من الشق الإيطالي من سويسرا، رغم أن الناس هناك مثل شمال إيطالياً تغلب عليهم السحنة الأوروبية على حد علمي. علمت لاحقاً بأن الرجل مصري الأصل، وهذا لم يكن واضحاً.

قبل دخولي صافحت الدكتور وصديقه الذي يعمل معه وأعرفه جيداً، وهو رجل مصري من النوبه، فائق الكرم، رائع الذوق واللطف. وعرفني الدكتور إلى صديقه السويسري المصري بأني  سعد. صافحني بلا اهتمام، رغم حماس الدكتور.
مر طلاب أرغموا على الحضور من قبل الدكتور السعودي الذي يدرسهم. وكانوا إجمالاً صاخبون، صفيقون، بدائيون وكأنما أخرجوا تواً من عرين الجهل، أو أغلبهم على الأقل. مروا وعلقوا مازحين على نحو بلدي مع الدكتور الألماني وضيفه، دون أي تفكير بالانطباع الذي قد يخلفونه. وهم لا يعلمون بأن السويسري بالواقع مصري، ويعرف اللغة العربية جيداً بطبيعة الحال.
كثر هذر الطلاب في القاعة المدرجة. وقيلت مزحات سخيفة وتنم عن وعي واهن. التفت الدكتور الألماني إلى الخلف ليرى الحضور، فوجده كثيفا (جميعهم باستثنائي، وزملاء الدكتور، ودكتور الطلاب، ودكتور هندي، طلاب ضغط عليهم للحضور). ابتسم الدكتور الألماني بسعادة، وهز رأسه برضا وتشجيع. فعلق أحد الطلاب: تراه يحبني هذا الألماني!. يا للسخافة.
بدأت المحاضرة، التي تم الخلط فيها بين اللغة العربية والانجليزية، الأمر الذي يبدو أنه لم يعجب الدكتور الهندي بجانبي. السويسري يعمل في شركة سيمنس الألمانية، والتي تكثف حضورها هنا لأجل مشاريع النقل، وهو يعمل مسئولاً فيها. وكان يعمل في بي ام دبليو، شركة السيارات الشهيرة. كانت أمثلته تتعلق بهذه الشركتين، لكن لم يتحدث كثيراً أو تقريباً أبداً عن الشراكة مع المجتمع، وهذه الشراكة هي بالواقع محور اهتمام كرسي البحث الذي رعى المحاضرة.
كان الطلاب إجمالاً فاقدون للتركيز، والعجيب أنه كان لديهم رغبة كبيرة بالمشاركة ومقاطعة المحاضر حيثما لا يلزم، ولو كانت مشاركاتهم تأتي كيفما اتفق، وأفضلها صلته بالموضوع ليست وثيقة، وأسوأها وهو الأغلب الأعم لا صلة له بالأمر
أحدهم احتج فجأة، وبلا سياق، على حادثة قطارات من سيمنس وقعت في سويسرا، ولم تقع في الصين!. وانفعل ولم يرد أن يتوقف عن التحدث بالأمر الذي جاء دون أي سياق أو داع حتى يثبت شيء ما، ربما أراد أن يثبت بأنه عالمي الطابع، ومرتفع الوعي. كان المحاضر مهذباً جداً، وواعياً جداً، ولكن بدت عليه الحيرة وعدم الاستيعاب لسبب المداخلة العجيبة، والإنفعال المختلق، وعدم ترك المحاضرة تمضي لبعض الوقت. شعرت بالألم لهذا الغباء بصراحة، هل هي الدراما في التلفزيون التي توهم الناس بأن الوعي عبارة عن انفعال يظهر حول أي شيء وفي أي مكان؟. ورغم غباء بعض المداخلات وانعدام تركيزها، إلا أن هذه المداخلة كانت الأسوأ من كل النواحي، كانت دراما سخيفة جداً، وهذه سمة خلت منها باقي المداخلات. كانت هناك مشاركات مقبولة، وواحدة جيدة من حيث الفطنة وتذكر إجراء معين، ولكن ليس على المستوى الفكري في رأيي.
علق الدكتور الألماني تعليقاً، وسأل، وكان الأمر يتعلق بتجربة لديه، ومشروع مقترح. الدكتور السعودي كان يتابع باهتمام، ولم يجازف بمداخلة تذكر.
توالت بعض الأسئلة، بعضها مقبول نوعاً ما. رفعت يدي لأسأل، وكان المحاضر سيختارني، لكن الدكتور الألماني الذي يجلس أمامي سبقني بالتحدث. نظرت إلى شعره من الخلف، وكان كثيفاً جداً، وناعماً، فذكرني بوبر الألباكا، وهو حيوان قريب للاما والبعير، ولكن وبره الطويل يشتهر بنعومته الحريرية وغلاء ثمنه، حيث حسبه الأوروبيون الهمج حينما غزوا الإنكا حريراً حينما رأوه على الناس.
حينما انتهت مداخلة الدكتور، التي صارت نقاشاً مثيراً للاهتمام، رفعت يدي فاختارني مشيراً إلى، وهو يبتسم للآخرين وكأنما يعتذر، متمتماً بأني قبل الجميع. ابتدأت مقتبساً من محاضرته قوله بأن كل الشركات الكبرى مثل الشركة التي يعمل بها، سيمنس، لن تستمر دون العولمة، التي سينتهي من لم ينخرط بها من الشركات، كان يهز رأسه مصادقاً، سألت؛ ألا تعتقد بأن العولمة تتعارض مع المسئولية الإجتماعية؟. انفجر الدكتور الألماني ضاحكاً بصوت مرتفع، بينما التفت إلي الدكتور السعودي بسرعة، مما أربكني وأجفلني، إذ شعرت بالخوف من أني قلت شيئاً غبياً. ارتبك كذلك المحاضر، وتلعثم بعض الشيء. ولكن حينما أجاب عرفت بأني سألت سؤالاً مشروعاً على الأقل. شرح بأنه بالواقع ليس ضليعاً بالمسئولية الاجتماعية. وقال بأن الأمر يحتاج إلى نقاش موسع لتقريره، وأضاف مجاملاً بأنه سؤال جيد، وأنه سعيد بمستوى الوعي هنا. طال الموضوع قليلاً، ما بين استيضاح وأمثلة لاحتمالات، ثم شكرني مرة أخرى على السؤال، وأثنى علي. سمعت الدكتور السعودي يتسائل موجهاً كلامه للدكتور الألماني، يتسائل من أكون، وإذا ما كنت من طلابه؟ أخبره الدكتور بأني لست طالباً لديه، إنما أنا صديقه (الدكتور الألماني)، ردد الدكتور السعودي بتعجب، وكأنما الأمر مستحيل: صديقك؟!. أكد الدكتور الألماني ذلك. في ختام المحاضرة كان وجه الدكتور الألماني قد احمر كالجمر لسبب ما. قال لاحقاً لأنه كان سعيد بنجاح المحاضرة. حينما خرجت، استوقفني الدكتور الهندي، وعلى ما يبدو لم يعرف بأني الموظف الذي يراه على الأغلب حينما يقوم ببعض الإجراءات، فظنني طالباً. كانت لديه وجهة نظر في قولي، ورأيي بالمسئولية الاجتماعية الذي ناقشته على نحو طفيف للإيضاح، كان يريد أن يعرض وجهة نظره ويمضي بوضوح، أي أن يعلمني شيئاً فقط، لهذا ابتسمت له وشكرته، وقلت: صحيح. ما الفائدة من قول أكثر من ذلك؟ فوجهة نظري قلتها في المحاضرة.

في وقت لاحق سألت الدكتور لماذا ضحك على هذا النحو المفاجئ؟ فقال بأن السؤال أعجبه، ولأنه سعيد بأن صديقه هو من ألقى السؤال. أخبرني بأن سؤالي أعجب الدكتور السعودي كثيراً، وأنهم تناقشوا بالأمر.



مما قرأت مؤخراً، كتاب لمؤلفة كورية، أخذته بعدما لفت انتباهي عنوانه. عنوانه: أرجوك، اعتن بأمي. لفت انتباهي تمحوره حول الأم، الدور الحياتي الذي يتم تجاهله باستمرار، أو قولبته حال المرور به مرور الكرام.
ماذا بوسعي أن أقول عن الكتاب؟ إنه متوسط، بلحظات جيدة وأخرى غير ضرورية. بشكل عام، أشعر بأن الوصف الأجدى لمعظم الكتاب هو الترهل، ومتابعة أحداث أقل ضرورية، وابتزاز غير موزون للمشاعر. لكن، يوجد لحظات معبرة جداً، أو فصول كاملة. لعل الاجترار المتكرر لنفس الأفكار والذكريات، ومتابعة شخصيات أقل إثارة للتعاطف قد أسائت للكتاب بنظري. لكنه كتاب بهدف نبيل جداً، وهذا أمر شديد الندرة.
يدور الكتاب حول عائلة كورية غير مترابطة بشدة، ولكنها مترابطة بشكل ما، تضيع والدتهم وهي قادمة من الريف مع والدهم، حينما يستقل قطار أنفاق في سيول، العاصمة الكورية الضخمة، دون أن ينتبه أن المرأة المسنة لم تستقل القطار معه حتى يصل القطار إلى وجهته.
من خلال بحثهم الذي يبدو أنهم يعانون في تنظيمه مع حياتهم المشغولة، تطرح الكاتبة الذكريات وتناقش كل الدوافع التي جعلت من ضياع المرأة ممكن. لكن الذكريات أكثر من اللازم، وكثير منها غير ضروري. لكن النقطة الجميلة في الكتاب هي الوعي المتصاعد في ضمائر أبناء وزوج المرأة تجاه الخسارة الفادحة، والذعر الذي يتصاعد مع الوقت كلما ازداد اليأس، ليفصح عن مشاعر مؤثرة جداً في معظم الأحيان.
كعادة بعض الكتب، القيمة النهائية التي قد تجعلك لا تندم على قرأة الكتاب تكمن في معظمها في نهايته. لا شيء غير متوقع تماماً بخلاف العرض المكثف لمشاعر جديدة. دمعت عيناي اليوم أكثر من مرة في الصفحات الأخيرة، حتى صرت أعجز عن القراءة، في حين أثار الكتاب قبل ذلك مللي عموماً.
في رواية اسبانية قرأتها، تدعى رؤى لوكريثيا، كانت النهاية بالنسبة لي هي أجمل ما كتب في ذلك النص، كانت مؤثرة من حيث قيمتها الفلسفية والواقع العام والمحزن لعموم الحياة. لكن هنا، حيث يحكي الكتاب عن حالة أكثر خصوصية، ينبع التأثير في النهاية من الشعور العميق باليأس والضياع والندم.
إنها رواية نبيلة حقاً بغض النظر عن عيوبها.
 لفت انتباهي أن غلافها، وخلافاً للعادة، أتى أجمل بكثير وأعمق تعبيراً في النسخة العربية عنه في النسخة الانقليزية. حيث يعرض امرأة أسيوية ذات وجه معبر بطبيعته، تنظر على نحو يوحي بعمق التأزم والحيرة التي تعيشها. بينما في النسخة الانقليزية يعرض على الغلاف امرأة آسيوية حسناء، تصلح أكثر بنظرتها وحضورها للظهور على غلاف رواية عن المحظيات. بدا وكأن الغلاف الانقليزي صنع ليسوق على أمريكان بالمقام الأول، لكن لا يبدو الغلاف العربي وكأنه صنع ليسوق على عرب رغم ذلك.
وقد خطرت في بالي قصة حقيقية جرت بالرياض. جاء رجل مسن مع أبنائه من تبوك في أقصى الشمال الغربي لحضور زواج أقيم في استراحة (مكان بعيد غالباً البنيان، بغرف قليلة وساحة قد تحوي حديقة ولوازم الاستجمام والضيافة) وخرج الرجل المسن ليتمشى، ولكنه أضاع الطريق، ولم يكن يعرف شيئاً عن المكان، وتاه في جنوب الرياض، في منطقة مشهورة بالمخالفات والمشاكل. كان الناس يهربون خوفاً حين رؤيته، إذ كانوا يظنونه مدمن مخدرات لهيئته الرثة، إذ أضاع شماغه واتسخ ثوبه، وكان فوق هذا رجل أسود، ويشتبه الناس بالسود في مثل هذه الحالات مع الأسف. لم يكن لديه مال، فأعياه الجوع. وجده مراسل جريدة الرياض، واشترى له بعض الطعام، وأنقذه. كان أبناؤه يبحثون عنه لأيام، وأخذوه معهم. لكن كان الرياض يعيش أجواء قارصة البرد، فمات بعد وقت قصير في تبوك بعد أيام ضياعه. أتذكر صورة ابنه الصغير، وهو يقبل رأسه باسماً، كان الصبي ذو ١٠ سنوات على الأكثر. الأب كذلك كان مبتسماً وهو مستلق على فراش المرض.



إذاً، قد تم الاستغناء عن مدير الجامعة أخيراً، واستبداله بآخر على نحو مفاجئ. أشعرني الأمر بالراحة، رغم شفقتي على المدير السابق. المدير الجديد لم أتعامل معه كثيراً قبل ذلك. كان يعمل  في عمادتنا، وهو على ما يبدو أكثر اتزاناً من السابق، لكنه ليس ذكياً على ما أعتقد، لكني لا أنتظر ذكاء بالحقيقة ولا أتوقعه، لكن لعله أكثر حذراً بطبيعته وأكثر تأملاً، وهذه أمور إن لم يكن يتحلى بها بطبيعة الحال فيجب أن يتحلى بها الآن طالما سيجلس في مكان شخص تم الاستغناء عنه. عموماً كل ما أتمناه هو النزاهة والعدل والتواضع، وإعادة الجامعة إلى مسارها الصحيح؛ التركيز على الطلاب قبل أي شيء وأي أحد آخر.

التقيت بالدكتور الألماني قبل أمس، حيث أنه كان متحمساً من آخر لقاء لنا لدعوتي إلى مطعم ياباني جربه، ولم أجربه من قبل. أخبرني بأنه انتظر رؤيتي ليسألني عن رأيي بالأمر، أمر إعفاء المدير السابق واستبداله. هذا ما أخبرته به.




كان عشاء جيد، رغم أن لم أكن لأوافق لو علمت أن أسعاره مخيفة هكذا بما أنه كان سيدفع. كان مطعم فروساتو، وما تذوقته به أفضل من أي مطعم ياباني آخر، باستثناء أنه لا يقدم الكاتسو دون، أرز ولحم بطريقة خاصة، وهي من أطعم الأكلات التي تذوقت.
وكان الاتفاق هو أن نلتقي نهاية الأسبوع القادم، لكني سافرت، الآن أنا في الطائف، أخذت والدتي وأختي وبعض الأطفال، وسافرت قاطعاً أكبر مسافة وأنا أقود. هذه السنة سنة الأرقام القياسية. ألف محمد ابن أختي، الكبير في الصورة أعلى التدوينة، ألف أغنية جميلة، قبل أن ينبح عليه أخويه فيتوقف، فتوبخهم أمي وتتشكى من الناس الذين "يقمعون" الآخرين (تنفع وزيرة ثقافة وإعلام في مصر). وتحدثت ابنة أختي باللهجة التي تحب؛ اللهجة اللبنانية، ولو سمعتها لعرفت كيف يتحدثن "زعرانات" لبنان(مؤنث زعران).
اعتمرنا، وكانت عمرة يسيرة، سوا أن أحذيتنا سرقت، فيما نجت أحذية النساء ومغني الرحلة.



قبل فترة قصيرة، تعرضت لظروف جعلتني أعيد النظر على نحو لم أقم به من قبل. تمخض هذا عن قرارات عادية، بالنسبة للناس، نأيت بنفسي عنها منذ سنوات، لأسباب متعددة. إنها انقلابية نسبياً، بالنظر إلى حياتي وطريقتها. حينما أخبرت الدكتور بدا عليه الذهول، والفرح. قال بأن هذا ما كان يخبرني دائماً به. لقد كان يقول الحقيقة، لكن كان يجب أن تأتي ظروف معينة لأراها على هذا النحو.







سعد الحوشان