الثلاثاء، 27 مارس، 2012

صَبر الأرض (أحداث،قصيدة،فيديو لعبة،ألماني،أفكار)


بسم الله الرحمن الرحيم





نافورة




يغيب المرء لنفس المدة أحياناً، ولكن حين العودة يختلف الشعور بالمدة التي قضاها؛ بدت رحلتنا وكأنما قد استمرت لشهور بينما كانت لشهر واحد في الهند.
أما في القصيم، فهل مر يومين أو ثلاثة؟.
كانت رحلة جميلة، ورغم خروجنا مرتين في اليوم للعلاج كل يوم عدا الجمعة، إلا أنها كانت أشبه بإجازة، عدت منها مستعيداً بعض حيويتي. كانت تجربة جميلة، وهذا أمر جديد. كونت صداقات، وقضيت وقت جيد مع والدتي، رأيت أقارب وتعرفت عليهم، وهذا كان من آخر اهتماماتي، أما الآن، فأنا أريد أن أراهم مرة أخرى.
كان أكثر ما أثر بي هو استقبال قريب لي من طرف والدتي، وهو رجل مسن طيب. كان قد دعانا إلى منزله للعشاء، وبعد أخذ ورد، وبعض المراوغة ونصب الكمائن، أصبحت قهوة العصر وعشاء المغرب عشاء على ذبيحة.
كان استقباله لي هو أكثر ما أذهلني، أو حتى أدخلني في حالة من الصدمة. هل استقبلني أحد من قبل بهذه الحفاوة؟ هل تجاوز أحد من قبل كرم المادة والرسميات تجاهي، إلى كرم الشعور وحسن النوايا؟. كنا قد توقفنا في مكان غير بعيد عن بيته، على شارع عام، حتى يأتي ويقودنا إلى منزله الذي لا أعرف مكانه. كنت أتساءل عن شكله، رغم أني سأعرفه بالتأكيد لو رأيته. لم أره منذ سنوات الطفولة. وكان هو قد أخبرني عبر الهاتف بأنه يفكر كيف سأبدو؟ حيث أنه يتذكرني في طفولتي. وأنا الآن، ما أنا؟ كم عمري؟ ليست السنوات التي عشت، لكن، الوقت في قلبي.
توقف أمام سيارتنا، ونزل، وبدا ضئيلاً. نزلت للسلام عليه. توقعت سلاماً لطيفاً ثم تجاهل لي للوصول إلى الأهم؛ أمي، التي تربت على يدي والده ووالدته رحمهما الله. لكنه احتضنني بحرارة بقدر ما تسمح به جلافتي بالمقارنة، وطبع على خديَّ الاثنين ما أخمن أنه ست قبل على الأقل. ذهلت، بدوت لنفسي كابن ضائع عاد أخيراً. لم يطبع والدي على خدي قبله على ما أتذكر قبل أن يمرض ويفقد اتزانه في السنة الأخيرة.
سلم على والدتي ورحب بها بحرارة، وتبعناه إلى منزله، حيث فتح لنا المرآب لندخل سيارتي. هناك، أخذ الحلوى التي أتت بها أمي، وأعطاها لزوجته التي لا أراها طبعاً، ثم عاد وسحبني من يدي، وضمني جانبياً ليقودني إلى قسم الرجال من المنزل. وكان يعدني بالقصص التي سيحكيها، ويستوقفني لينظر إلى وجهي وهو يعلق على فضوله تجاه كيف سأبدو. ليتني بدوت أفضل، أطيب، أجمل، أبرأ، ألطف وأرق،  فقط لأجل عينيه، لكن، لست إلا رجل عادي، وربما غريب الشكل.
في المجلس حكى حكايات لا تُمل، وكان يضحك طوال الوقت. حتى جاء ابنه مع أحفاده، وهو رجل أتذكر رؤيته في منزل قريب آخر في الرياض حينما كنت صغيراً. بدا أنه لم يتغير أبداً عن ذلك الوقت ما شاء الله. كان مختلفاً عن والده، ولم يكن يمكنه المنافسة على الاستحواذ على الاهتمام أو لفته بالمقارنة. كان الوالد أكثر حيوية ولحظية، روح شابة على سجيتها، أما الابن فكان أكثر ميلاً للتأمل والاستشفاف، على أنه أقل صبراً بوضوح من والده على ما أعتقد. بدا لي أن لديه شيء من الفضول الذي لم يحب إظهاره، مع ذلك لم ينجح، فهو لم يكن من النوع المتصنع، رغم أن طبيعة صوته المداهنة، وهدوئه المبدأي، قد يخدعان المرء. فهو حينما يرتاح ويرى بأن الأمور أبسط لا يظل هادئاً على نحو غريب، وتفقد بالتالي النبرة غير المقصودة في صوته معناها، إذ يتضح بأنها طبيعة سطحية، غير نابعة عن خلق معين أو طبيعة نفسية. يذكرني هو بأقاربي، وأقاربه، في الرياض من نواحي عديدة، لكن أثار اهتمامي اختلافه عنهم كذلك، فهو غير متصنع، ومتواضع، وغير ساخر بريح من الشعور بالتفوق مثلهم. لم يبدو أنه يحتكر معلومات تافهة عن نفسه وحياته، ولم يبدو أنه يرغب بمعرفة أكثر مما يرغب بأن يُعرف عنه، فبقدر ما يسأل يجيب، ولا يلوي الأسئلة ويتخذ طرق غير مريحة حينما يريد معرفة أمر على جانب من الخصوصية، إنما يسأل بتهذيب ومباشرة، دون أن تشعر بأنه يحاول خداعك أو استغفالك، على عكسهم أيضاً. وكان لا خلاف لديه على إبداء الاهتمام والملاحظات الجيدة واللطيفة دون نفاق أو مبالغة، ولا يشعره هذا بالخطر والخوف من إبداء استحسان قد لا يعود إليه مثله، وأن يشعر الآخرين بأنهم أفضل منه، فمثل هذه المشاعر تتطلب قدر من التكبر وحسن الظن الزائد بالذات، وهو أبسط من هذا بكثير، أيضاً؛ على عكسهم.
أعتقد بأنه مدرك بشكل ما لوضعه أمام والده، لذا اقترح على والده الدخول إلى قسم النساء من المنزل للجلوس مع ابنة عمه، والدتي. حينما خرج الوالد، لا أكذب إن قلت بأني شعرت وكأنما قد أُستفرد بي. شعرت بالترقب؛ ماذا هناك؟. هل أتوقع سلوك ملتوي غير مباشر؟ أم نظرة منتقدة أو مزدرية أو غير راضية في أقل الأحوال؟ مع اصطناع العكس طبعا، السلوك الذي يضايقني في حضور أقارب آخرين.
بدأ ودوداً، وكنت أعلم منذ أن دخل وألقى نظرة معينة، وجلس وراقب على نحو محدد، ولم يجد فرصة جيدة للتحدث، بأنه كانت لديه أسئلة ومواضيع. سرعان ما فهمت بأن ذلك الود غير نابع عن تصنع، فهو لم يكن وداً فياضاً ومشبوهاً، إنما كان معتدلاً وعفوياً، ولاحظت بأنه متواضع، ويقبل الأخذ والرد في وجهات النظر، مع أخذ ما يقول جليسه بجدية، وهذه سمات تنسف كل المثالب التي تصورت بأنه قد يعاني منها مثل الأقارب في الرياض. إنه فقط عانى من صنع الانطباع الأولي في ذهني، ربما بسبب تحفزه الواضح تجاه وجودي، أو التحفز الذي توهمته إن كنت مخطئاً، وهو بوضوح لم يكن مدركاً لما كان يدور في ذهني من توجس وترقب لما تتمخض عنه طبيعته. وهذا التحفز الذي أبداه أو توهمته لم يكن غلطة منه أو عيب فيه، لكنه عيب فيني على الأغلب، إذ أني تخيلت بأنه قد صنع صورة سطحية نهائية عني منذ أن رآني، وأنه سيكون مثل الأقارب الآخرين. لكن، هيئته وتعابيره الباردة، ونبرة صوته اللافتة للانتباه، بمثاليتها المريبة من حيث خلوها من النشاز أو الرنة، هي أمور قشرية فقط. ولعل هذه السمات إنما لفتت انتباهي لحضوره غير العادي في تلك المناسبة الصغيرة، وأعني بحضوره: وحي وجوده، فهو بغض النظر عن كل شيء، عن أوهامي بخصوصه وحقيقتها، رجل مختلف.
تكلمنا حول مختلف الأمور، وكانت محادثة جيدة ومثرية، وكان مثيراً للاهتمام، وأسئلته تقول الكثير، وقد تعرفت عليه من خلال أسئلته على وجه العموم، إذ سألته بدوري عن بعض الأمور، لكني لست مثله، لست محدداً أو فطيناً أو أسأل عن أمور مهمة.
عمله مختلف عن المعتاد، فهو يدرب الناس على الطرق الأمثل للعمل. وكان ذكياً وملماً، وكان من الواضح أنه تفكر مسبقاً بمختلف وجهات النظر حول ما يقوم به، وأعتقد أن هذا ينم عن موضوعية وإن يكن على المستوى المهني على الأقل. أما على المستوى الفكري فهو مطوع؛ وسيكون من الجيد لو أخذ وأعطى في وجهات النظر المختلفة في الجانب الفكري، لكني لم أستكشف هذا المستوى بنفسي، فلست أهتم عموماً.

عاد والده، ولكن كان الابن قد سيطر على زمام الحديث، ولعل الوالد قد اكتفى بالجلسة الداخلية مع النساء، وعاد يقلب ما قيل هناك في ذهنه.

كانت النار تشتعل في مكانها، الوجار، وكان الرجل الكبير يقلبها من حين لآخر. لكن في لحظة معينة، كان الملقاط، الأداة التي تستخدم بالتقليب لتفادي لمس الحرارة، بعيدا لتغير مكان خالي، الرجل الكبير. فبدأ بمحاولة تقليب الحطب بيده بحركات سريعة سببت لي الفزع، إذ خفت بأن يحرق يده. حاولت ثنيه لكنه لم يسمع، إذ كانت طبيعته تتجاهل التوجيه. قمت من مكاني، وقد كنت متوتراً، وثبّت التشادر الأبيض الذي كنت أتلحفه بيد على صدري ويد على جنبي، وخطوت من فوق الوجار لأحضر الملقاط، مدركاً بأني قد لا أحفظ توازني هكذا جيداً. هل كان تصرفي صفيقاً؟ أو غير مهذب مني كضيف لأول مرة يحل لديهم؟ هل تصرفت وكأني أعرفهم كثيراً رغم أن هذا لم يكن واقعاً؟ الواضح أني قمت بأمر غير متوقع ومفاجئ بالتأكيد. كان الابن ينظر إلي بذهول على ما أعتقد، وأنا ذاهب، و وأنا عائد بالملقاط. وسمعته يتمتم بشيء، ثم كرر على مسامعي بأننا، أنا وهو، "خكاريا"، لا قبل لنا بما يقوم به والده، أو كما فهمت. أعطيت الملقاط للوالد، الذي أخذه بعفوية طفولية جعلتني أحبه أكثر.

لاحقاً، دخلنا للعشاء، وكان خروف كامل، عكس ما وعدنا به الرجل الطيب، حيث قال بأن العشاء سيكون من طعام المنزل المعتاد. كان تقديراً لمقام أمي، وقد قدرت هذا كثيراً، لكني بصراحة لم أحب التكلف في الأمر، وكنت أعتقد بأن وجودنا سيكون أخف وأقل تكلفاً. لم يعجب خالي تعليقي على الأمر على أي حال.

بعدما فرغنا من العشاء، علق الابن الكبير على التشادر الذي أرتديه، ووصفه بأنه جميل. كان هذا لطف منه، في حين قد يجده الآخرين على الأغلب شيء مضحك أو غريب، جعلني هذا أفكر بأننا ربما نتشارك شيء من الذائقة، لكن المهم هو أنه علق على نحو لطيف، وامتدح شيء لدي، وقد أفرحني هذا، خصوصاً في شيء لم أتوقع امتداحه، ناهيك عن الامتداح بعفوية وصدق. سرني أنه علق على شيء أعجبه، وهذا أمر مفقود في المجتمع المحيط بي على وجه العموم، لذا، عزز هذا من شعوري باختلافه ونباهته إلى ما يسر الناس، ورغم صغر هذا الشأن ظاهرياً، إلا أنه يقول الكثير عنه، وفي هذا ما يبهج.

جلسنا لبعض الوقت بعد العشاء، ثم مضينا بوداع لطيف ورقيق. في السيارة، امتدحت أمي زوجة خالي وابنتها كثيراً.

فكرت بالاستقبال الذي حضيت به وأنا أقود السيارة، بالقبلات والحفاوة، بالفرحة. شعرت بالدمع يدفئ عيناي، شعرت بأشد امتنان يمكن للمرء أن يشعر به.

تقول أمي بأن ابنتهم استغربت من كوني أتذكرها، وقد زادتها أمي بأني أتذكر أختها الكبرى أيضاً، وأمتدح لطفها. كيف لا أتذكرهن؟ فالأولى كانت أكثر طفل يحب الصراخ ويتقنه رأيته في حياتي، مما كان يغضبني جداً، فهي كانت تجده شكل من أشكال اللعب. كانت لطيفة قليلاً حينما كانت صغيرة، ومضحكة جداً. لكن في آخر مرة رأيتها فيها، كنت صغيراً في بيت خالي الأكبر، في تجمع ضخم للأقارب، وكانت تجلس في حلقة مع الفتيات الأخريات استعداداً للعبة معينة، لكن كان ينقصهن مشبك شعر (وهذا يقول الكثير حول الشك في أنوثتهن)، وكنت أمر بالقرب، فسألت ساخرة، تريد إضحاك بقية الفتيات، قالت، وكأني أسمعها الآن: سعد معك مشبك؟، وقد خرجت مشبك من فهمها وكأنها تقول ببلادة: بشبك. ضحكن الفتيات، في تحامل بطبيعة الحال، ولم أعرف كيف أرد الإهانة على نفس المستوى، إذ أُخذت على حين غرة.


أما أختها الكبرى، فهي في عمر أخواتي، أي أكبر مني بسنوات، ولا أتذكر رؤيتها إلا لمرة واحدة في منزل قريب في الرياض، حيث كنت أذهب للعب أحياناً هناك حينما كنتُ ربما في الثامنة أو التاسعة من عمري، وقد أعدت الفتاة كيك تتوسطه قطعة من خلية نحل (فارغة طبعاً). كانت لطيفة جداً، وطلبت مني أن أبلغ سلامها لأختي.

كان خالي، والد هؤلاء الفتيات ومضيفنا الكريم، قد قال لأمي مازحاً على الهاتف، حينما سألَته إن كانت ابنته الكبرى ستأتي حينما نحضر، بأنها حامل ومتعبة لقرب الولادة، ولكنها قد تأتي رغم أن قدم الجنين تتدلى بالخارج. حينما قالت أمي هذا لي بعد المكالمة، صحت بجزع وغطيت وجهي بيداي بقوة لا إرادياً، إذ صدّقت! كم أنا غبي. ضحكت أمي من غبائي وطمئنتني بأنه كان يمزح.


لكن أخبرتني أمي لاحقاً بأمر حقيقي، أشعرني بالأسف الشديد، والغضب. إن إحدى قريباتهم آذت يدها بشدة وهي تستخدم فرامة اللحم الكهربائية. كم أتألم لأجلها. قاتل الله فرامات اللحم المنزلية كم أكرهها. إن المنزل ليس ببيئة صالحة لهذه الآلات الخطيرة، حيث يتواجد الأطفال، ولا تكون ربة المنزل خبيرة أو مدركة لخطرها بما يكفي. لو كان لي من الأمر شيء لمنعت هذه الآلات عن المنازل، ومن احتاج إلى فرم اللحم فليذهب إلى الجزار. أرجو أن يهون عليها الله ويشفيها تلك المرأة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.






بعد الدعوة التي تحدثت عنها أعلاه، جائتنا دعوة من الأقارب الذين زرناهم كما ذكرت في التدوينة السابقة، الذين يشبهون الهنود الحمر، وكانت الدعوة للعشاء. كانوا مصرين جداً، وكنت ممنوناً لاهتمامهم، طبعاً، الإصرار والدعوة ككل كانت أمور موجهة لأمي. ذهبنا، واستقبلني في البداية خالي، ابن عم أمي وصاحب المنزل. كان استقباله طيباً، لا حفاوة خاصة، وهذا مفهوم، فهو لا يعرفني، ولا يتمتع بنفس طبيعة مضيفنا الأول، وهي طبيعة خاصة نادرة جداً، لا يمكن توقعها من كل الناس. أتساءل، إن كان والدهم كانت له نفس الطبيعة الخاصة هذه، والدهم الذي أثر بوالدتي كثيراً، حيث أنه عمها الذي رباها، وبتأثيره بوالدتي، بقصائدها، بروحها، بحياتها ككل، وبالتالي؛ أثر بي أنا.
استأذن خالي حينما جلسنا بأنه سيعمل على شيء معه. بالطبع، لا خلاف لدي. جاء ابنه الذي جلست معه في المرة الفائتة، وهو شاب ملتزم، يصغرني كثيراً، ويدرس الطب. دخلنا في محادثة حول أمور مختلفة، يبدو أنها أثارت اهتمام الأب، فدخل مقصياً ابنه إلى حد بعيد؛ وهذا أمر أشعرني بالحيرة.
كان نقاش جيد عموماً، ومستمر بلا انقطاع. تحدثنا حول أمور مختلفة، وقد أعطاني فرصة جيدة للتحدث والأخذ والرد. كان الواضح أنه لم يعتد على سماع وجهات نظر مختلفة، لكنه لم يكن يمانع أن يسمعها؛ إنه فقط معتاد على أن يكون الجهة الموجهة على ما يبدو. دارت النقاشات حول مختلف الأمور، ولم تتوقف. دخلنا للعشاء، ولحسن الحظ لم يكن هناك مفطح أو ذبيحة، كان عشاء لذيذ ومتنوع وبلا إسراف مبالغ فيه. تناقشنا على العشاء حول الإطلاع، واتضح أن خالي يطلع على ما يهمه من خلال أشرطة المهذارين من شاكلة السويدان. تناقشنا حول هذا الشكل من الاطلاع، وحول السويدان ومن لف لفه. إني أتمنى لو أنقذت خالي منه.
بعد العشاء، أذهلت خالي ببرنامج أستخدمه كثيراً بالجوال، يعمل مثل الماسح الضوئي بكفائة عالية جداً، أستخدمه لكل الأشياء المهمة مثل تقارير أمي ووثائقي الشخصية. شعرت بأني على الأقل قدمت شيئاً مفيداً لهم.






لقد أوقفت التقارب، أو الصداقة إن جاز القول، مع مديري منذ فترة طويلة الآن. حدث موقف أضاف الكثير للتراكمات. إني لست بحاقد عليه أو كاره له. إني أتساءل أحياناً إن كنت رغم موقفي لا زلت أحبه وأقدره كثيراً. لكن سائني أني لا يمكنني الاعتماد عليه، والالتواء الحاصل في مواقف مهمة تستحق ردة فعل مختلفة، مما أشعرني بأنه أناني جداً في ظروف معينة، وغير كفؤ إدارياً. وهذه ربما المرة الثالثة على التوالي. كان قد حصل موقف مع شخص غير سوي نفسيا، للمرة الثانية. وللمرة الثانية، كذب المدير وخدعني، مما خيب ظني كثيراً.
وضعني ذلك في موقف سيء كان من المفترض أن يكون المدير هو من يقاسيه. لكن ماذا بوسع المرء أن يفعل.
عموماً، لا شيء جديد بالنسبة لي؛ يتغير الأشخاص والموقف نفسه.







هل الحياة، عبارة عن دورات حياة صغيرة؟ هل هذا الذي دفع شخص ليقول بأن الحياة: يوم لك ويوم عليك؟. هل نولد كل بضعة سنوات، بعدما يميتنا سوء حظ بشكل ما؟ معنوياً؟ نموت ونحيا بلا خيار منا، كالحياة والموت الحقيقيين، إنما على نحو متكرر.
يخيل إلي بأني وصلت إلى نهاية دورة من دورات حياتي.
لكن، كم عمر دورة الحياة المعنوية الواحدة، داخل الحياة الحقيقية الممتدة؟ لعله أمر يختلف من مرء إلى آخر، ولعله مثل أعمار البشر المختلفين؛ يختلف في كل مرة كما يختلف العمر لكل أحد. وربما كان للبشر كالدورات الكبيرة لعمر الأرض والأمم. حيث يقال بأنه كل بضع ألفيات يعيد التاريخ نفسه بشكل ما، ولو على المستوى الطبيعي. بناء على هذا، هل يصح أن أقدر دورات حياتي المعنوية؟.
لعلي أموت وأحيا كل أربع سنوات أو خمس. زد قليلاً أو انقص قليلاً.


صبراً يا أرض...
فلِتُعس الحظ بقية...
ولا زالت الروح تتقلب في النفس الشقية...
أسهُم يا أرض متأملاً امتداداتك الأبدية...
وأتساءل بأي أرض تترك الروح المطية...
صبراً يا أرض الفناء...
فلا زال في الصدر تنهدات أبية...
ولا زالت المآقي بدموعها ندية...




قبل فترة، أعلنت وزارة الخارجية عن رغبتها بتوظيف أشخاص بمؤهلات تنطبق علي كملاحق خارجيين. فكرت بأن هذه قد تكون بداية لحياة أفضل، بعيداً عن ظروف كثيرة. لكن، رفضت أمي قطعاً المغادرة معي فيما لو تم قبولي، ورفضت حتى مناقشة أي حل آخر. عرفت بأني لا يمكن أن آمل بهذه الفرصة. حثني أكثر من شخص على التقدم. خصوصاً الدكتور الألماني. كان يأمل ويتخيل توظيفي في ألمانيا، حيث سأكون قريب منه لو غادر بلدنا، وصار يضع الخطط والأفكار. لم يستوعب بسهولة الموقف، أو استوعبه ولكنه حاول أن لا تضيع الفرصة بأي حال.
كنت في القصيم حينما حان موعد التقدم للوظيفة. أرسلت طلب الالتحاق مع المؤهلات المطلوبة، لأرى إن كان أصلاً للآمال أساس أم كانت كاللبن المسكوب. بعد فترة، وصلني قبول مبدأي لأدخل الامتحان. تساءلت إن كنت سأتأهل إلى مرحلة أعلى، ذهبت إلى الامتحان من باب الفضول. وأديت إلى جانب ربما العشرات ممن يتنافسون ضمن اختصاصي. كان الناس يتذمرون من صعوبة الامتحان، وكان امتحان معلومات عامة. أما أنا فلم أشعر بالاستياء لأن الأمر لا يعني لي شيء. أجبت عن بعض الأمور على نحو جيد، وبعضها لم يكن لدي فكرة عنها. بدا أن من كتب الأسئلة ينتمي إلى جيل غازي القصيبي رحمه الله.
كان امتحان آخر مجدول في اليوم التالي، لكني لم أذهب. شعرت بأن الأمر سيرسل رسالة خاطئة لوالدتي لو استمر.
لكن الدكتور الألماني كان له وجهة نظر في الأمر، وكان مغتاضاً إلى حد بعيد من تجاهلي للفرصة. حاول أن يستفزني لأستمر بالأمر، لكن لم يكن هناك جدوى. قال بأنه كان علي على الأقل أن أستمر وحتى إذا قُبلت التحقت بالدورة، ثم لا أدري ماذا قد يكون قد تغير حينما أنتهي. قلت بوضوح، وأنا لا أريد أن أتخيل افتراضاته، بأني لا أريد أن أنتظر حدوث أمر سيء. صمت عند هذا الحد، وبدا عليه شيء من الغضب.







قبل أيام، ذهبت أنا ووالدتي إلى موعد في المستشفى، حيث أصرت على الذهاب رغم أني أردت أن نكتفي برؤية الطبيب الألماني في عنيزة، ونترك الطبيب الفاشل في المستشفى الجامعي. لكننا رأينا طبيب متدرب من عمان، وكان هذا شيء جديد. في البداية حسبته يمنياً، ولكنه أوضح بأنه عماني، وأن الناس يخلطون لتشابه اللهجة. كان ودوداً جداً، لطيف ويستمع، على عكس الطبيب الفاشل الذي يتدرب لديه الآن، وهو سوري. خرج بنفسه ليرى أشعة والدتي، إذ تعطل النظام ولم ينتظر. قلت لوالدتي حينما خرج بأنه لطيف، قالت شارحة سبب اللطف بأنه غير سعودي. معها حق، إجمالاً الأطباء السعوديون قمة بالسوء والفظاظة، ولا يختلفون عنهم السوريين والاردنيين. وهذا في المستشفيات الحكومية طبعاً، أما في الخاصة حيث يدفع المرضى رواتبهم فهم "أليفون".
تحدثنا مع الطبيب عن الرعاية الطبية في عمان، إذ لطالما أذهلني وأعجبني أنها فازت قبل سنوات بأفضل رعاية طبية في العالم، وهذا لا يعني بالطبع بأن لديهم أكفأ الأطباء، لكن ربما أكفأ الأنظمة والتجهيزات والرعاية. هذه معلومة قديمة لدي، لكني كنت أريد أن أعرف آلية العمل هناك، لماذا نظامهم مميز؟ لا يوجد لديهم عمل بالورق، هكذا قال، التحويلات سهلة بين المستشفيات، ويكون التعامل على ثلاثة مستويات، المراكز الأصغر، ثم المستشفيات الأكبر، ثم العاصمة، اعتماداً على تعقيد الحالة. وتتم الأمور بسهولة حسب وصفه، حيث لا يضطر المريض للعمل لأجل التحويل، لكن يتم الامر بالحاسب وما على المريض إلا انتظار رسالة بالموعد على جواله.
لكنه أوضح بأن الأطباء العمانيون قلة، عكس السعوديين (الذين لا بركة فيهم، أنا أقول هذا). وقال بأنهم في أول خطواتهم الآن تقريباً، لا زالوا في البداية. دعت والدتي بالعز والبركة لعمان وأهلها، وبأن يجدوا كفايتهم في أنفسهم، أمّن الطبيب على دعاء والدتي بتأثر.
أخبرته عن علاجنا في القصيم على يد الطبيب الألماني، وعن رأي الطبيب. وأخبرته باعتقادي بأن أمور أمي ساءت بسبب الطبيب هنا. لم نرى الطبيب السوري، سوا في النهاية حينما وقف في الباب، وبدا برأسه الذي يشبه حبة الكبّة من الأمام.
سألت الطبيب إن كان يعيش في حينا؟ حيث يوجد الكثير من العمانيين، الذين أعتقد بأنهم دبلوماسيون. لكنه كان يعيش في حي آخر قريب.
لهجته غريبة وصعبة الفهم عموماً. لكن أعتقد بأننا جميعاً نواجه مشكلة في التواصل بعيداً عن اللهجة البيضاء.
رأيته مرة أخرى حينما أتيت بابن أخي بعد لقاؤنا الأول بأيام، وقال بأنه يتذكر رؤيتي في مكان ما. أخبرته فتذكر، وأخبرته بأن أمي تدعو له. لقد ترك بالفعل انطباعاً ممتداً في نفسها. وربما غرابة التجربة ساهمت أيضاً، فمن النادر رؤية العمانيين، ناهيك عن التواصل معهم. فعمانيو حينا ليسوا بالواقع في نفس منطقتنا، فهم بعيدون وأعتقد بأنهم منطوون كذلك.
أتذكر حينما كنا في الهند رؤية شقيقين عمانيين في الأربعينات ربما بصحبة والدهم المسن. وكانا قليلا التواصل مع الآخرين. بيد أني كنت ألفُت انتباههما لسبب ما، وحينما ألتقيهم كانوا يلقون بالسلام بنظرة فاحصة غالباً، دون ابتسامة. لم أرى والدهم، فقط سمعت عنه، وأنه أصيب بمشكلة خطيرة في المركز، ونقل إلى مستشفى حيث نوّم، وكان الآخرين متعاطفين جداً مع مشكلتهم.
كان كذلك أهل الامارات منطوون، ولا يميلون إلى مخالطة البقية، في حين يكون الكويتيون وأهل البحرين والسعودية معاً دائماً، وكان هناك يمني، حضرمي جاء بوالده، وكانوا يرتدون ملابسهم التقليدية، وكان الوالد مصاب بجلطة ولا يحرك جميع أطرافه، ولا يستطيع التحدث جيداً، لكنه مع ذلك تمكن من مصافحتي، وقبلت رأسه. كان حاله وابنه مثير للتعاطف، وكان الابن شديد التهذيب والهدوء.







افتتح معرض لوقت قصير لأجل كشافة الجامعة. كان جيداً إلى حد بعيد، وكانوا الشباب العارضين مهتمين جداً ومتحمسين. شدت انتباهي أعمالهم اليدوية باستخدام الخشب والحبال، وهي نماذج مصغرة لما يمكنهم صنعه والاستفادة منه حسب الظروف، مثل هذا الجسر الرائع، الذي أخبرني بأنهم بنوا مثله بالفعل:



كما شرح لي أحدهم طرق رائعة للقياس التقديري لمختلف الأشياء، المسافات والطول وخلافه. وتحديد الاتجاهات باستخدام الشمس. كانت طرق مذهلة جداً.





قبل أمس، شعرت بالنعاس في العمل، فذهبت في وقت الصلاة إلى كلية الآداب كالعادة، وحاولت شراء قهوة بالفانيلا من المكينة التي أشتري منها بالعادة. لكن ما جرى، وفي مفاجئة جديدة من مفاجآتها السخيفة، أخرجت لي كأس فارغ، ولم تملأه بشيء. شعرت بغضب، ليست أول مرة أدفع ولا أستفيد أي شيء، فمثلاً، أخرجت لي مرة أو مرتين ماء ساخن عكر، يبدو أنه ممزوج ببقايا قهوة. ومرات أخرى لا تخرج شيئاً، وأغلب المرات في السابق كان الكأس يخرج بلا ملعقة لتحريك السكر. وفي كل مرة أتصل بالشركة المنتجة يطلبون رقم المكينة لإصلاحها، لكن يبدو أنها مصنوعة أساساً للغش. لما أتصلت هذه المرة رد رجل يبدو أنه من عرب الشمال، ربما أردني. أخبرته بالأمر، وقلت بأني ربما خسرت على مكينتهم أكثر من 15 ريال على مر الأيام بلا فائدة. قال: لكنها مجرد آلة!!. يا له رد غبي. قلت: أعلم بأنها آلة ولا يوجد أحد في داخلها يعد القهوة، لكن هل إذا كانت آلة ترضون بأخذ أموال الناس وسرقتها من خلالها؟ هل تغشون الناس لأنها آلة فقط؟ وطلبت منه أن يتخيل بأنه دخل دكاناً ودفع ثلاثة ريالات ورفض البائع أن يعطيه شيء بالمقابل، كنت أحاول أن أعزز وعيه بهذه المقارنة. قال بأنه لا يوجد طلاب في هذا الوقت! لأنه إجازة يقصد، فبدا أنه ميئوس منه. قلت إذا لماذا تبقون على الآلة تعمل؟ هل هذا لتأخذون الأموال من الناس فقط؟ فأنا موظف متواجد بالجامعة دائماً، وكان المفروض أن يفصل الكهرباء عن الآلة طالما لن تعطي قهوة، إلا إذا كنتم تريدون غش الناس فقط. قال بأنهم دائما ما يعوضون الطلاب. قلت بأنه لم يعوضني أحد من قبل على كثرة اتصالاتي. 
اعتذر، بعد تعليقاته البليدة وتملصه وتغابيه لي بطريقة لا تليق إلا بنا كعرب صدقاً. قال بأنهم سيرسلون الفني وسيعطيه رقمي ليرضيني ومن هذا الكلام. لاحقاً اتصل مصري، وسألني أين أكون. أخبرته بأني خرجت من الكلية منذ زمن بعيد. وطلب مني الاتصال به حال تواجدي هناك، واعتذر أيضاً. صح النوم.








كنت أمازح ابنة أخي كالعادة، وأشبهها بما يظهر بالتلفاز. ردت بأني أشبه ذلك الولد القصير ذو النظارة والشال حول رقبته، الذي يظهر دائماً حاسر الرأس، بشعر مهمل، في مسامير، المسلسل الذي قاطعته لعنصرية صاحبه مالك نجر وإجحافه (اسم الشخصية عقيل بعد البحث، إن كان بحثي دقيق بما يكفي). حلَفت بأني أذكرها بتلك الشخصية دائماً، وحلف شقيقها الأكبر بالمثل، قائلاً بأنه كلما رآه تخيل أنه أنا. وتلك الشخصية هي التي يفترض أن تمثل الاتزان والذكاء والثقافة، وبالتالي، حسب منطق مختلقها، التورط مع الشخصيات الغبية النمطية من المجتمع. على أني أجدها ذات طبيعة مفتعلة، متفلسفة وغير عفوية أو مريحة، وربما لهذا خطيرة بشكل ما.

كان خبر أني أذكر أحد ما بها خبر سيء.






حينما أذهب مع والدي إلى المستشفى، كان الأطباء دائما ما يتساءلون إذا ما كان جدي. ليس لأني أبدو صغيراً، ولكن، لأن والدي مسن حقاً. كان هذا في البداية يشعرني بالضيق، أو الإحراج بعبارة أدق، لأني لا أحب أن أشرح أنه والدي وليس جدي، خصوصاً أمامه.

لكن مؤخراً، بدأ هذا الأمر يجعلني أنظر بتوسع تجاه وضعي، أو، على نحو أدق، أستعيد توسع قديم قدم العمر، افتقدته لبعض الوقت. لطالما شعرت بأن والدي مختلف عن آباء الأقران لأنه مسن. وكنت أتساءل إذا ما كان رجلاً مختلفاً حينما كان أباً شاباً لأكبر إخواني (يكبرني بأكثر من عشرين سنة).

لماذا أكذب؟ إني أعتقد بأنه كان عليه أن لا ينجب بالسن الذي أنجبني به، ولا أن ينجب هذا العدد من الأبناء.

يقلب هذا الأمر في ذهني مؤخراً الكثير من الحوادث التي تبدر من أناس مختلفين. حيث لم أذهب مع والدي إلى المستشفى منذ فترة الآن، إذ حصلت على معونة اثنين من إخواني في أمره. زارنا أقارب من القصيم، وحاروا في أمري فسألوني، هل أنا سعد أم فلان؟ (ابن اخي). كان والدي جالس، لكنه لا يجمع الأمر أو يستوعبه تماماً. الخادمة الحبشية لا زالت مصرة أن أخي هو والدي. يجعلني هذا أشعر بأن الأمر غير طبيعي.

يوجد الكثير من الناس مثلي في هذا المجتمع، وربما من جيلي هم نسبة لا يستهان بها، لكن هذا لا يجعل من الأمر سليماً.








شاهدنا أنا والدكتور الألماني قبل يومين فيلم بابل، وهو فيلم أمريكي يحكي قصص شخصيات مختلفة تماماً بمسارات متوازية، وبروابط فيما بين بعضها. الفيلم جميل، وهو مشهور كذلك، وقد صدر قبل سنوات قليلة. ربما من أحد جماليات الفيلم هو حكيه عن تلك الشخصيات المتباينة بمآسيها المختلفة، حيث ستعجبك في أقل الأحوال قصة مجموعة من الشخصيات، إن لم تعجبك كلها.

كنت قد شاهدت الفيلم قبل سنوات، وقد اشتريته ليراه الدكتور خصيصاً، خصوصاً أن سعره مخفض.
يدور الفيلم في أربعة مناطق من العالم، أمريكا، حيث سافر منها lلرجل وزوجته في رحلة وتركا طفليهما الصغار تحت رعاية الخادمة المكسيكية المسنة. المغرب، حيث ذهب الزوجين، وحيث توجد العائلة المغربية البسيطة التي تعيش في الصحراء الصخرية على رعي الأغنام، واليابان، حيث تعيش فتاة صماء بكماء مع والدها، الذي سبق أن زار المغرب، وبعد رحلة صيد أعطى الدليل، الذي لا يمت للعائلة المذكورة بصلة قرابة، بندقيته كهدية، حيث يصفه بأنه رجل صالح.
الزوجين هاربين من مأساة عائلية؛ توفي طفلهما الرضيع، وهكذا دخلا في أزمة لم يخرجا منها، وهي مشكلة سطحية وتافهة مقارنة بما يعيشه الآخرين. وبالواقع، يميل أصحاب الحياة المثالية إلى خلق المشكلات لأنفسهم وإضفاء الدراما إلى حياتهم المستقرة بالأصل والأساس. في المغرب، يعطي الرجل المغربي ابنيه البندقية التي اشتراها من المغربي الآخر صديق الياباني، ليطردا الثعالب عن قطيع الماعز الذي يرعونه. الصبيين ربما في الثامنة والعاشرة، بينهما غيرة وتنافس. يبدو الأصغر أكثر قبولاً لدى الجميع، فهو مليح وفطين، ويصوب البندقية على نحو أدق من الكبير. يخرجان للرعي، ويبدآن بالعبث بالبندقية، وتحدي بعضهما إلى أين ستصل الرصاصة وماذا ستصيب. يرون حافلة سياحية تسير في الوادي، فيطلق الأصغر تجاهها طلقة. بعد قليل تتوقف الحافلة، فيعلمان أنهما أصابا شيئاً، فيهربان. لقد أصابا زوجة الأمريكي بالواقع. وبطبيعة الحال ظن القوم في الحافلة بأنه هجوم إرهابي (فهم في بلد إسلامي)، وكانوا في وسط الصحراء وأقرب مستشفى على بعد 4 ساعات. فينزل الرجل وزوجته في قرية الدليل الذي يرافق الجميع في الحافلة، وهي قرية بدائية فقيرة. ويحاول أهل القرية مساعدتهم.
الصبيين المذعورين يبدآن بانتظار خبر، ويسمعان من والدهما بأن سائحة أمريكية قد قتلت. ويدور النقاش البسيط والعفوي في كوخهم البسيط بين الأم والأب. يوجد علة تربوية في المنزل؛ الأخت الكبرى تسمح للصبي الصغير أن يراها وهي تستحم، مما يثير اعتراض الكبير.
في أمريكا، المربية المكسيكية لم تكن تتوقع غياب الأهل إلى هذا الحد، وقد أخبرها والد الأبناء بما جرى، وألزمها بالبقاء معهم، رغم علمه بأن زواج ابنها قريب جداً. كانت الأم المكسيكية في ورطة. وحاولت أن تجد من يرعى الطفلين ليوم العرس، لكن لم تجد، فقررت أخذهم معها، حيث أخذها ابن أخيها إلى المكسيك بسيارته. لم يتم التدقيق في أمرهم في الذهاب. حضر الطفلين العرس، وكانت مشاهد الزواج توضح الفوارق الثقافية والنفسية بين الشعبين. هذه المكسيكية امرأة أمومية وأمينة جداً، وترعى الطفلين بأمانة. كما يعرض الفيلم علاقتها ببناتها وابنها، في مشاهد رائعة. وعواطفها، في سنها المتأخر، تجاه رجل معين أرمل مثلها. لكن حين العودة، يتم التدقيق بأمر الطفلين. كانت التعامل مهيناً رغم عبارات التهذيب، حيث يعرف الأمريكيون كيف يستفزون بالنظرات ونبرة الصوت، وحتى استخدام الكشافات الضوئية، فيتخيل المرء معاناة القادمين عبر الحدود من المذلة المريرة وضعف الحيلة. يهرب الشاب الخائف والمُستفز من تفتيش الحدود، ويخترق البراري وسط بكاء الأطفال وعمته. وينزلهم حتى يضلل شرطة الحدود ويعود إليهم لاحقاً، وكان الوقت متأخراً في الليل. جاء الصباح، وأصيب الأطفال بالإعياء. وبدأوا مع المربية يمشون بحثاً عن مساعدة على غير هدى. حتى تركتهم قرب شجرة لتبحث عن مساعدة وتعود إليهم، وذلك من باب الشفقة والرحمة. لكن سيارة الشرطة التي وجدتها، أو على الأصح وجدتها المرأة، ألقت القبض عليها وكبلها قائدها الشرطي، ولما قادته إلى مكان الأطفال لم يجدوا لهم أثراً. كانت المرأة في حالة صدمة، وتهذي. وجدوا الأطفال لاحقاً، وخلال التحقيق معها لم يسمح لها بالسؤال عنهم، لأن أمرهم لا يعنيها. قالت بأنها ربتهم منذ أن كانوا صغاراً، كأبنائها، لكن قيل لها بأنهم ليسوا أبنائها. ولم يسمح لها حتى معرفة مصير ابن أخيها، الذي لم يستطع تقبل الإهانات فتسبب بكل هذا. وقيل لها بأن سيد المنزل غاضب جداً من تركها لهم وسط الصحراء، لكنه لحسن حظها رفض أن يلاحقها قضائياً. كان مشهد مؤلم جداً، وله وقع خاص في نفسي، لأنه لا يوجد شعور أسوأ من أن تجد أنه أسيء فهمك، وأسيء الظن بك إلى أقصى حد بناء على سوء الفهم، لا يوجد أسوأ من أن لا تستطيع أن تشرح وتبين حسن نواياك، ويظل الآخرين على سوء فهمهم القاسي والمجحف، الذي أتى رغم خيرية قلبك ونواياك. قيل للمرأة بأن الدولة قررت ترحيلها نهائياً، لأن وجودها أساساً غير قانوني. كانت تعيش هناك منذ 12 سنة، وقد أسست حياتها هناك. كان استجدائها مثير للشفقة، ومن ثم طلبت أن تستعين بمحامي، بأقصى ما تستطيع من ثقة، بمحاولة جائت مثيرة للشفقة، من امرأة عجوز وحيدة ومغلوبة على امرها. لكن المسئول نصحها بأن ترحل لأنها هكذا ستأخر المحتوم فقط. فدخلت بنوبة بكاء مرير.
يأتي المشهد لاحقاً عند منفذ الحدود، وهي تجلس على الرصيف من جهة المكسيك، والسيارات تعبر حولها، والفستان الذي حضرت به الزواج في حال يرثى له، ووجهها المرهق بكحل عينيها المنتشر على أجفانها يعبر بوضوح عن عجزها وضعفها ومسكنتها. يأتي ابنها، بملابس العرس من الليلة الفائتة، وتقف بهدوء وتثاقل، وكأنما تضاعف سنها مرات، وتحتضنه باكية ببؤس ويأس يفيض من وجهها، في مشهد يقطع نياط القلب.
هذه القصة تمس قلبي، لأسباب عديدة. فهي امرأة حسنة النية، أخطأت على نحو ساذج بأخذ الأطفال، كما لم يقدر مستأجرها ظرف الزواج، ولا يستطيع المرء لومه كثيراً لسوء ظروفه. قصتها ككل مؤسفة بكل تفاصيلها. لكن لعل ما يشعرني بخليط من المشاعر هو سوء الفهم الذي تعرضت له؛ حيث ينقلب كل شيء، ويبدو حسن نيتها جرماً. إني أشعر بأني مررت بموقف مشابه، وليس الوحيد الذي أسيء فيه فهمي أو الظن بي، لكنه المشابه من حيث المبدأ، ومن حيث المرارة والتدمير. كان شخص عزيز على قلبي جداً، كان الأعز في ذلك الحين، قد فسر حسن نيتي في حادثة معينة على نحو سيء. اتهمني بأني مزيف، بعبارة تفضي في النهاية إلى هذا المعنى. أتذكر لهاثي حينما قال هذا، وأنا أقول بأن هذا غير صحيح، وأنه فهمني على نحو خاطئ، وأن نيتي كانت طيبة. لكنه لم يكن يسمع، كان مصر على ما يقول، بقسوة أليمة، في حين أني كنت قد جئته من باب التقدير، إذ أحضرني إعزازي له في ذلك اليوم. كنا بالواقع نتناقش على نحو حاد في إشكال معين، وكل ما أتذكره عنه هو قسوته البالغة ولا مبالاته في تلك اللحظات. رغم أنه حاول بشكل ما في البداية أن لا يجعل الأمر يسوء جداً، إلا أنه بالواقع على جانب كبير من الغباء بطبيعته، ولم يقم بالأمر على النحو الصحيح. مما أفضى بالنهاية إلى قطع كل طريق. من أحسن تجاه من؟ هل هو من جاء إلى الآخر مقدراً ومحاولاً تحسين الأمور؟ أم من حاول أن يجرح، بحسنة وحيدة؛ أن يجرح على نحو يسير في البداية؟. لكن هذا خارج الموضوع، إني أتحدث عن سوء الفهم والظن.

في قصة أخرى مؤثرة في الفيلم، قصة الفتاة اليابانية الصماء البكماء. يبدو عليها التمرد والغضب المكبوت، والتطرف في التعبير والتوقعات. إنها حسنة المظهر، من حيث أن وجهها معبر ولافت للانتباه، وهذا بشكل ما يشكل ضغطاً على المرء حينما لا تكون قدراته التي يأخذها الناس بمحمل المضمون بنفس القدر من الكفاءة، أو، خصوصاً حينما تكون قدراته كذلك، حيث أنه دائماً ما يشوب الصورة المثالية للإنسان حسن المظهر نقص خفي ما، لا يرضى الناس بوجوده، ولا يتجاوزون عنه. تظهر في البداية في مباراة كرة طائرة للطالبات ذوات الإعاقة المشابهة. يتم طردها من المباراة لاعتراضها العصبي على حساب الحكم نقطة ضدهم في حين أن الكرة وقعت خارج ملعبهم. كان والدها يتابع المباراة في المدرجات، ويبدو عليه الإرهاق وخيبة الأمل بعد ما قامت به ابنته وتصعيدها للأمر. يأخذها للمنزل، ويسألها بالإشارة أين تريد أن تتناول معه الغداء؟ فتخبره بالإشارات أيضاً بأنها أخبرته مسبقاً أنها ستلتقي صديقاتها. وهي تتصرف معه بطريقة فظة وعصبية، حيث تخبره بعد ذلك مباشرة بأنه لا يلقي بالاً لما تقول، بينما أمها كانت تبالي. كانت تحاول عكس صورة سيئة عنه أمام نفسه. أخبرها بهدوء بأنه يفتقد والدتها مثلها. ينزلها حيث أرادت أن تلتقي صديقاتها، وتمضي معهن إلى مطعم أو نادي. هناك، يغص المكان بالمراهقين الذين يلبسون أحسن ما لديهم، ويحاولون لفت انتباه بعضهم البعض. يبدو للفتيات أن شاب وسيم يتطلع إليهن، فيتضاحكن بدلال وشقاوة المراهقات. لكن، حينما يقترب الصبي لاحقاً للتعرف إليهن في موضع آخر، يكتشف بأنهن معاقات سمعياً، إذ تطلب صديقة الفتاة منه أن يتحدث ببطئ حتى يفهمن ما يقول، تقصد من خلال قراءة الشفاه، وهذه الفتاة تتحدث قليلاً بصوت غير واضح، ومن تعامل مع الصم والبكم يمكنه التخيل. لكن الصبي كان مصدوماً، وتركهن عائداً إلى رفاقه محرجاً مما جرى. تأثرت الفتاة، البطلة، كثيراً. ولاحقاً استعرضت مفاتنها بفجاجة أمام شاب آخر، في رد فعل على ما جرى مع ذلك الشاب.
تظهر الفتاة تمشي في ساحة الرقص المزدحمة، بصوت الموسيقى العالي جداً، ويعرض المخرج الأمر من منظورها؛ إنها ترى الأضواء فقط، والناس يتقافزون، لكنها لا تسمع شيئاً. هذا يشبه فقدان التواصل الذي يعانيه منه حتى بعض الأصحاء. بشكل ما، بمستطاعي تفهم الأمر ومقارنته بجوانب من حياتي، الغربة القسرية التي لا فكاك منها، ولا خيار يمكن اتخاذه ليحلها.
لأن والدها أعطى البندقية للرجل المغربي قبل سنوات، وقد تم إطلاق النار منها على المرأة الأمريكية بعدما باعها لوالد الصبيين المغاربة، جاء محقق ليرى الوالد، وأعطى للفتاة بطاقته حتى تعطيها لوالدها ويتواصل معه، إذ أن البندقية مسجلة باسمه. المحقق رجل في الثلاثينات على ما يبدو، ذو وجه معبر، وأدب وحس واضح. في وقت لاحق، تجعل الفتاة بواب المبنى الذي تسكن به يتصل بالمحقق، قائلاً بأن الفتاة تريد أن تطلعه على أمر ما فيما يخص والدها. يحضر المحقق، ويدخل الشقة، وتحضر له الفتاة شاياً. كتبت له في دفتر ملاحظاتها بأن والدها لا علاقة له بوفاة والدتها، إذ أنها رأتها تقفز من الشرفة. يحار المحقق بالأمر، ويشعر بالعطف تجاه مأساة فتاة رأت والدتها تقفز إلى حتفها. ولكنه يسألها إن كانت قد قالت هذا للشرطة؟ فتجيب بأنها فعلت. فيخبرها بأنه بالواقع يريد والدها لأجل أمر آخر. تنظر الفتاة على نحو مثير للشفقة، معبر عن صعوبة التواصل والفهم. وتطلب من الشرطي أن ينتظر قليلاً. بعد قليل، يعرض الفيلم وصول الأب، وخروج الشرطي في نفس الوقت من المبنى، وهو في وضع متوتر، ورأى وجه الأب وعرفه، حيث رآه في صوره المعلقة في شقته، لكنه لا يستوقفه. إلا أن البواب يوقفهما ويخبر والد الفتاة بأن هذا المحقق جاء وسأل عنه سابقاً. يخبره المحقق بما حدث بالبندقية، بعدما يتثبت بأنها أصلا مسجلة باسم الرجل الياباني، فيسأل والد الفتاة إذا ما كان حسن، المغربي الذي أهداه البندقية، بخير؟ لا يعلم الشرطي شيئاً، يسأله الشرطي أن يأتي في اليوم التالي لتسجيل أقواله فقط في مركز الشرطة. ثم يخبره بأن الفتاة أخبرته بأنها رأت والدتها تقفز من الشرفة، يذهل الأب، ويخبر الشرطي بأن الأم قتلت نفسها بمسدس، وكانت الفتاة هي أول من وجدها. وطلب منه بفظاظة أن لا يزعجوهم مرة أخرى في هذا الموضوع. الشرطي رد بضعف وتقدير بأنهم لن يفعلوا، واعتذر، هذا على الرغم بأنه لم يسأل أصلاً عن الأمر أو يسعى فيه. وهذا مشهد أثر بي، بمقارنته بما يجري في المغرب تجاه الناس في الفيلم من قبل الشرطة، التي لا تقدر حياتهم ولا تقدر كرامتهم، مثلما يجري في سائر الأقطار العربية.
حينما يصعد الأب، يجد ابنته تقف في الشرفة المذكورة، عارية. يفهم المرء بأنها حاولت أن تغوي الشرطي، الذي هرب محرجاً. يقف إلى جانبها، فتلتفت إليه، وتقبض كتفه وتحتضنه بألم، وبكاء صامت.
كان مشهد مؤلم، السعي للحصول على الحب والتقدير حتى هذا الانحدار، بسبب الحرمان والشعور بالوحدة والعزلة.
لا يحتاج المحرومون إلى أن يعانوا من إعاقة ما حتى يرتمون بيأس في حضن ما، يفرضون أنفسهم رغبة بصداقة ما، أو يبحثون عن نوع من التواصل الإنساني بفجاجة، مخاطرين بكرامتهم. إن الحرمان المعنوي أشبه بالجوع الذي يتعوذ الناس منه. قد لا تكون أصماً، لكن ما تسمع لا يعني لك شيئاً، لأنه ليس ما تريد أن تسمعه، ولا يضيف لك شيء. قد لا تكون أبكماً، ولكنك عاجز عن قول شيء مهم، لأنه لا يوجد من يسمع. حينها؛ قد تحاول أن تسأل أحد ما أن يسمعك ما تريد أن تسمع، أو تحاول أن تقول شيئاً لأحد لا يريد أن يسمع.

القصة الأخرى تتعلق بالمغاربة البسطاء. بعد إطلاق الناس على الأمريكية وجريان التحقيق بسرعة (لأن النفس الغربية لها حرمة خاصة)، يهرب الأب بأبنائه في الصحراء الصخرية. بينما يذهب محقق مغربي قاسي الملامح للبحث عنهم والتحقيق مع القرويين الضعفاء. يصل إلى صاحب البندقية الذي باعها على والد الصبيان، ويشبعونه وزوجته ضرباً ومهانة. يأخذون الزوجة العجوز بطريقة مهينة تنم عن حقارة وانعدام الاحترام لأي شيء يخص هؤلاء الضعفاء، قابضين على حجابها من الخلف حتى السيارة، لترشدهم إلى مكان الرجل الذي باعه زوجها البندقية.
في الطريق، ترى الرجل وابنيه فوق جبل صخري، وتبلغ المحقق. ينزل هو وجنوده ويبدأون بإطلاق النار. لا أهمية لحياة هؤلاء الناس. يصيبون الابن الأكبر في ساقه، ويهرع إليه والده، بينما يتناول الأصغر البندقية ويطلق النار على الجنود ويصيب أحدهم، ثم يصيب أحد الجنود شقيقه في ظهره، فيموت، وسط صراخ الأب المفجوع. يستسلم الصبي الصغير ويكسر البندقية، راجياً الشرطة أن تترك أخيه. يهز المحقق رأسه بأسى لا فائدة منه. أما الصبي، فيسهم ناظراً إلى البعيد بحزن، وعينين ممتلئتين بدمع يائس، متذكراً لعبه وشقيقه فوق الجبال التي يرعون عليها البهائم، وهم يوازنون ثقلهم، مادين أيديهم ومائلون عكس اتجاه الريح القوية، ضاحكين بسعادة طفولية.
هذا هو الحال، إننا لا نرى قيمة ولا كرامة لحياتنا، إن أول من يهيننا ويقتلنا هو واحد منا، واحد لديه الصلاحية ببساطة. ثم، نتحدث عن قسوة الأجانب، ونشكوا ظلمهم.
يمكن رؤية حب التسلط الذي تحول إلى غريزة هنا في عين كل من يجد في نفسه القوة ولو على شخص واحد. أنظر إلى من فحص عذرية الفتيات في مصر إبان الثورة، أو القتل والتعذيب الشنيع وغير المفهوم في سوريا الذي يتم على أيدي سوريين، ضد سوريين. يمكننا حتى رؤية أحوال السجون والتحقيق التي يشيب لقصصها الولدان. أو سحب الجنسيات ببساطة من الناس، ولو كانت قبيلة كاملة كما حدث في قطر. يمكن أن يقال ويقرر بأنك لست بإنسان، ولن يكون بيدك حيلة.

في القصيم قبل فترة، التقيت رجل لم أره منذ أيام طفولتي. وتناقشنا حول مختلف الأمور. كان لديه وجهات نظر جيدة حول بعض الأمور، لكن كغالبية الناس، لم يكن مهتماً كثيراً بالاستماع، أو تبادل وجهات النظر على نحو متكافئ. قال شيء لافت للانتباه، وإن يكن غير جديد؛ كان يتحدث عن سورياً، وعن قلة أهمية الخسائر وموت الناس ومعاناتهم كلها أمام الهدف الأسمى، ليمت الآلاف حسب وجهة نظره، فهذا ما يجري في مثل هذه التحولات. لم تصدمني وجهة نظره، فقد سمعتها من قبل. لكنها دفعتني للتأمل في عدم الإحساس بقيمة الحياة والكرامة، في سبيل الحماس لما يظنه المرء هدف سامي. أي شيء أسمى من الحياة، والله سبحانه هدم الكعبة حجراً حجرا أهون عليه من قتل مسلم حسب الحديث. لقد كان رجلاً مطلعاً، يحاول التفكير والمتابعة، لكن قيمة الحياة وتقديرها أمور لا يبدو لي أنها تزيد مع الاطلاع بالضرورة، ولا بالمسئولية بطبيعة الحال؛ فقد قال مشعل المسئول من حماس، حينما هاجمت اسرائيل غزة قبل سنوات، دع الناس يموتون، المهم أن ننتصر. أي انتصار يسعى إليه هذا، والكثير من الناس؟ إن الانتصار في نظري هو أن يقدروا حياة الناس، وكرامتهم، وإحساسهم، ويقيمونها جيداً، فليس الأمر مجرد أرحام تدفع وأرض تبلع. لم أتمكن من مناقشة الرجل بوجهة نظره، فقد كان علينا الذهاب، ولكني لا أشعر بالأسف، لأني لا أعتقد بأني كنت سأتمكن من إقناعه بأن موت الناس وانتهاك كرامتهم أمر كبير ومحزن، مهما كانت القضية.

عودة إلى موضوع الفيلم، كنت أريد أن أعرف أي القصص أعجبت الدكتور أكثر. يبدو أنها كلها أعجبته، لكنه أحب قصة المغرب، ربما لحبه لنوعية الناس الذين ظهروا. تناقشنا حول كل القصص، وأخبرته بما أعجبني. فيما يخص العجوز المكسيكية؛ قال بأنه يعرف حال الناس في تلك الحدود، وأنه يحاول دوماً أن يبعد قصصهم المؤلمة عن ذهنه. أخبرته بأنه لا يجب أن يفعل ذلك. بدا من الصعب إفهامه علة سوء الفهم والظن الذي تعرضت له العجوز، سألته: هل أسيء فهمك من قبل تماماً؟ بحيث قمت بأمر تقصد به شيء حسن، لكن، ظن أحدهم العكس بك تماماً؟. بدا أن الدكتور أخذ على حين غرة، إذ بدا عليه التشوش وهو يستعيد ذكرياته. شعرت بأنه لم يعاني من أمر مشابه إلى حد مؤثر. قال بأنه عانى على المستوى المهني من الأمر. أوضحت له مرارة الأمر على المستوى الشخصي والإنساني.
تحدثنا عن الفتاة اليابانية، وقلت بأن رؤيتها فتحت في ذهني أبوابا حول أمر هؤلاء الناس الذين يعانون من نفس الإعاقة، الذين لا ينظر إلى معاناتهم غالباً بما يكفي من التفهم. قال بأنه شعر بنفس الشيء. أخبرته بوجهة نظري حول الحرمان، لكن على نحو ضيق.
أما حول المغاربة، فقد بادر هو قائلاً بأنه يعرف لماذا أحب قصتهم، لأني أخبرته من قبل بأن من يجعلنا نقاسي بالواقع هو أحد منا، وحول الكرامة والتقدير.






أمر مؤسف حول الدكتور الألماني؛ لقد تعرض إلى حادث سيارة سيء جداً، هو وصديقة المصري النوبي وزوجة صديقه وطفلهما الصغير. لم أعلم بالأمر. كنت قد اتصلت يوم السبت لأرى إن كانوا قد عادوا من رحلتهم من المنطقة الشرقية، لكن الدكتور لم يجب. في يوم الأحد، وقد تملكني القلق لأنه لم يجب حتى على رسالة أرسلتها. رد، حكى عن الحادث الذي حدث لهم بسيارة مستأجرة، إطارها القديم انفجر فجأة، وانقلبت السيارة بهم. الحمد لله، لم يصب أحد بمكروه، باستثناء آلام بسيطة في ظهر المرأة الألمانية، التي أرجو أن تتحسن قريباً. كان هناك عاصفة رملية، وقد وقفوا بالطريق لا يدرون ما يصنعون. ساعدهم رجل ما، وساعدتهم الشرطة. إن أسوأ ما يعانون منه الآن هو الصدمة، ويبدو على صوت الدكتور الإرهاق والاكتئاب، وهذا أمر أعرفه جيداً.







أسعد فضة حقي:




لا أدري إن كنت سأعيش حتى أحلف عليه يسمي ابنته نورمان. 



مواهاهاها








افتتح مطعم تاكو بيل قبل فترة، لم أعلم سوا من الصديق الألماني الأصغر، حيث دعاني إلى هناك حينما عدت من القصيم، ليعطيني لعبة طلبت منه شرائها لي. إني في حوالي الثلاثين من عمري، لكن لماذا أكذب؟ أحب بعض الألعاب وأحب أن أقتنيها. وقد اشتريت له بدوري قبعة كاسكيد زرقاء كهدية، وقد فرح بها على نحو فاجئني.
عودة إلى المطعم، كان هذا المطعم قد افتتح في الرياض حينما كنت صغيراً، وأغلق لأنه خسر، حيث أعتقد بأن ثقافة الناس لم تكن قد انفتحت بعد على مأكولات لا يعرفون عنها شيئاً. هو مطعم أمريكي يزعم بأنه يقدم وجبات مكسيكية سريعة. وهو من حيث الجوهر يقدم بالفعل العناصر الأساسية، من ناحية مثلا خبز الذرة والشكل الذي تعد به السندويتشات. لاحظت بأن الناس يطلبون الكساديا، وهي تشبه أكلة عربية نسيت اسمها، أعتقد العرائس أو شيء من هذا القبيل. يقال بأن طعمها جيد. عدت للمطعم بضع مرات، وهو جيد بصراحة، وأسعاره معقولة جداً. جربت عدة وجبات وليس كلها، لكني أجد بأن الأفضل والأطعم هو تاكو التشالوبا باللحم. حيث أن خبز الذرة يكون هشا نوعاً ما. وجبة رائعة حقاً ولا تُفوت.

عند المطعم رأينا مجموعة كبيرة من الناس، وكان المطعم قد افتتح منذ أيام، وكانوا يرتدون ملابس سائقي الدراجات النارية الساقطون في الغرب، ويسمون أنفسهم هِل آنجلز، أي ملائكة الجحيم. وهم على حد علمي يختلفون عن سائقوا دراجات هارلي ديفدسون، الأكثر رقياً، لكني أعتقد بأنهم كلهم غير مريحين. كانوا رجال ضخام الجثة من غير صحة بالضرورة، يربطون رؤوسهم بخرق بالية إلى حد ما، ويرتدون ملابس تلك العصابة التقليدية. وكان معهم رجل غربي معتدل البنية وحسن الشكل، لكن لديه الكثير من الوشوم على ذراعيه تجعل الناظر يشعر بالاشمئزاز منها.
كانوا بوقوفهم أمام المحل ومعهم دباباتهم الضخمة يتخيلون أنفسهم في أمريكا ويعيشون جواً مختلفاً على ما يبدو.

بعد المطعم ذهبنا إلى مقهى جافا تايم، وتناقشنا حول بعض الأمور. كان متحمساً للنقاش حول كشغري، الشاب الذي أساء الأدب تجاه الله سبحانه ورسوله عليه السلام. كان يعتقد بأن ردة الفعل مبالغ بها، ولم يستطع أن يفهم مكمن الإساءة لفارق الثقافة وثقافة اللغة نفسها. وبما أنه صار مسلماً، صار يعتقد بأنه لديه حرية الانتقاد للمجتمع هنا وغضبته تجاه الأمر، وكان ساخراً جداً، محتقراً جداً، حتى تجاه الدعاة. احتد النقاش، ولن أقول احتد قليلاً، ولكن انتهى النقاش وهو مقتنع بأن كشغري يستحق العقاب بالفعل، ورغم أني لا يهمني أن يقتنع بأنه يستحق العقاب، إلا أنه كان يهمني بشدة أن يبدي احتراماً وتفهماً للناس هنا، وقد انتقدت ازدراءه بشدة وعصبية، مما جعله يرمقني بنظرات مزدرية لأول مرة منذ أن عرفته، دون أن يرد، وقد أصبح هو عصبياً إلى حد ما. كان يتخيل بأن الرجل سيقطع رأسه حالما يعود، فانتقدت تخيلاته هذه بأنها أشبه بأفلام الكرتون، وأنه بقي معنا لسنتين دون أن يتعلم شيئاً، مما استفزه بشدة. أخبرته بأن ما أتمناه هو أن يعاقب هذا الرجل بشكل ما، لا أتمنى له الموت، لكن حينما يفعل المرء شيئاً عليه أن يتحمل مسئوليته، وإن عبئت بأمره وأن لا يُقتل فهذا لأجل والدته المسكينة فقط. وأوضحت له مع ذلك أن قتله لن يتم بسهولة شرعاً لأن هناك خطوات ومحاكمة واستتابة.
في النهاية، وعلى نحو فاجئني؛ اقتنع. قال بأنه يرجو بأن يجلد هذا الرجل بضع جلدات، لكن أن لا يقتل.
غيرت محور النقاش، ولكنه عاد إليه، ولكن لم يكن هناك إضافات.
حينما خرجنا، كنا نضحك، حيث كان يعلق تعليقات مضحكة. مشى معي حتى سيارتي التي أوقفتها في مكان بعيد، ثم اكتشفت بأنه أوقف سيارته قرب المقهى لكن أراد أن يمشي معي، فأخذته بالسيارة إلى حيث أوقف سيارته. حينما نزل، أطل في نافذة سيارتي وسألني إن كنت غاضب عليه؟. فاجئني هذا، قلت بصدق بأني لست بغاضب. لكنه كرر السؤال بقلق واضح وسألني أن أكون متأكداً، مما أضحكني، أكدت له بأني لست بغاضب، وتساءلت باستغراب بأنه كان دائما يحب أن يغضب الناس، فما الامر الآن؟! قال بنبرة تنم عن حسرة بأنه يعلم هذا، لكن حتى هو لا يدري ما الذي تغير. ضحكت وودعته ماضياً.


أما اللعبة التي طلبت منه إحضارها، فقد كلفتني حوالي 300 ريال، وهي عبارة عن حشرة تطير بالرفرفة بأجنحتها، ولها أرجل صغيرة لتمشي وتقلع من الأرض أو تمشي فقط، للأمام والخلف. ويتحكم بها المرء عن بعد. وهي ممتعة جداً ورائعة الشكل وهي تطير، وتحتاج إلى براعة في التحكم. الجيل السابق منها كان ذو شعبية جارفة، خصوصاً في أمريكا، وتوجد الكثير من التسجيلات على يوتيوب لأناس يتفننون باللعبة القديمة ويقومون بالحركات الرائعة. الجيل القديم أقل تطوراً ولا يملك أرجل للمشي. والجيل الثاني لم يصدر في أمريكا.
خرجت مع صديقي لاحقاً إلى حديقة، وهو زميل في العمل، وجربنا اللعبة. كانت ممتعة لكن كان تعلم التحكم بها يتطلب بعض الوقت، كما أن القطط نكدت علينا كثيراً، إذ تجمعت في الحديقة وصارت تحاول اصطياد اللعبة. كاد زميلي أن يدخل اللعبة في قصر مجاور، وبالكاد تمكن من إعادتها، ورغم أنه لم يعرف كيف يتحكم بها، إلا أنه فاجئني بهبوط مثالي.

هذا فيديو من مقاطع سجلها ابن اخي للعبة وأنا أتحكم بها في حديقة في حي الصحافة (أصوات الأطفال لصبيين وفتاة حينما رأوا اللعبة لازمونا وجربوها):

ُ




في الأسبوع الفائت، ذهبت إلى المدير في مكتبه، وحالما رآني أُغلق الباب خلفي بعدما دخلت، وهذا ما أقوم به بالسابق دون استئذان حينما يكون لدي أمر مهم، أشار بحماس لي بالجلوس. أنا لم أعد أجلس تلقائياً منذ أشهر الآن، وشعرت بأنه ربما كان علي الاستئذان برسمية قبل غلق الباب حتى لا يفرح. مع ذلك، جلست، وحكيت ما حاك في صدري؛ كان الأمر يتعلق بموظف بسيط في قسمنا. لم أعد أحتمل المزاح الحاط من الكرامة الذي يتعرض له باستمرار، ويتقبله كشيء لا مفر منه، بسبب ضعف قدراته وخلفيته. حاول المدير إطالة النقاش، وطلب مشورتي بما يتوجب فعله. على أني أعتقد بأنه يعلم جيداً ما هو أفضل حل. توصلنا إلى أنه سيكلم رئيس الوحدة التي يتعرض بها الرجل إلى ذلك النوع من المزاح، حتى ينبه موظفيه. سألني إن كان عليه أن يتكلم مع الموظف نفسه؟ أخبرته بأن لا يفعل، فلن يأتي الأمر بنتيجة إيجابية،  وذلك بمعرفتي بالرجل. قال المدير بأنه واعي بحال ذلك الموظف، وأنه لطالما حاول تعزيز ثقته بنفسه ودفعه للأمام. أعتقد بأن هذا صحيح.
لم أكن أريد التواصل على هذا المستوى والطول مع المدير، لكن كان يجب القيام بشيء تجاه المشكلة. حينما أردت المغادرة أخبرته بأني سأغادر العمل في اليومين التاليين وأعود، لأجل مواعيد أمي. سأل عنها، وتساءل إن كانت قد تحسنت، وقد دعا لها.












عاد البريطاني الذي تحدثت عنه في التدوينة السابقة. لم أكن أعلم حينما نادوني له بأنه هو، فنظرت مبتسماً على نحو تلقائي تجاهه، ثم صددت بسرعة بعدما أدركت أنه هو. أخبرته سريعاً بما يجب عليه القيام به بتوجيه من زميلي المسئول عن الأمر، وإلى أين يأخذ أوراقه. لكنه عاد غاضباً، وقال بأنه لم يتمكن من فعل شيء، ولماذا لا نقوم نحن بإيصال أوراقه؟ وأن هذا جزء من عملنا. قلت بصرامة، وكنت على استعداد لتوبيخه، بأن هذا عمله هو، وليس عملنا، وأننا نعرف ما هو عملنا وما هو جزء منه، ولا ننتظر منه أن يخبرنا بما علينا القيام به. صمت ونظر بعيداً، كعادة الغربيين، وكان من الواضح أنه يتميز غيضاً، إذ لم يتوقع هذا المدلل رداً. ثم حاول أن يتكلم بإنفعال إلا أني تجاهلته وقد أخذت أوراقه، وكلمت زميلي دون أن أنصت إليه حتى مل وصمت، فحينما يريد من الناس أن ينصتوا يجب أن يتحدث باحترام. كنت أريد أن أتأكد من زميلي بأن ما قلناه له صحيح، وقد كان صحيحاً.  أخبرته ببساطة أن يلقاني عند الباب، ومن هناك ذهبت معه، ومر الأمر كما أخبرناه، لكنه كان قد صادف موظفاً جديداً لم يفهم المطلوب في البداية فقط. والبريطاني لم يحاول الفهم أكثر، فقط قفل عائداً بعدما ذهب إلى قسم آخر لا علاقة له به.
لو كان هذا البريطاني هندياً، لما كان فقط أكثر تهذيباً، لكن لتدبر أموره على نحو أفضل بكثير.
إني معجب بالهنود على وجه العموم. لديهم عيوبهم ككل الناس، لكنهم قوم رائعون، بكافرهم ومسلمهم.











قبل قليل، جاء شاب سوري كان قد أعطاني انطباع غير جيد في السابق، حيث كان ساخراً في تعامله ويبدو عليه الازدراء، رغم أنه لا يسيء الأدب أو يرفع صوته، وهذا من مراقبتي له حينما يأتي، وليس لأنه يتعامل هكذا معي، فلم يسبق أن تعاملنا. ولسبب ما، يخصني بالابتسامات، وأجد أنه ينصت لما أقول حينما أترجم للناس. جاء اليوم ورآني قائلاً بأنه يريدني شخصياً، وقد كنت خارجاً من قسم آخر بصحبة رجل هندي أساعده في شأن من شئونه. قال بأن مديري أخبره بأن يبحث عن مترجم ليترجم له إخلاء الطرف، حيث سيغادر الجامعة (وإذا كان مديري لم يوجهه إلي مباشرة، فهو قد أعطاه انطباع سيء، وكان هذا الرجل قد أعطى المدير انطباع رديء قبل فترة بالفعل). عموماً، رحبت به، إذ جاء بتهذيب بالغ، وبإثارة غير مفهومة. قال بأنه لا يعرف أحد يتحدث الانجلش سواي، وإخلاء الطرف بالعربش. أخبرته بأن ما سأقوم به هو كتابة الترجمة، في حينم سيذهب به هو إلى ناسخ معين، إذ أني ليس لدي نماذج للطباعة في الجهاز. ترجمت له الورقة، وأعطيتها له ليوصلها إلى الناسخ في قسم آخر، مخبراً إياه بالاسم. لكن طال الوقت دون أن يعود، وكان النص قصير جداً في حان أن الناس ذو كفاءة عالية ما شاء الله. ذهبت لأرى ما الأمر، كما أفعل في مثل هذه الحالات، ولم أجد السوري في طريقي، وأبلغني الناسخ بأنه أرسله إلي بالفعل. الغريب أنه لا يوجد طريق آخر. وجدت الرجل حينما عدت يحادث دكتوراً سعودياً، كان حينما جاء للجامعة حالما حاز الدكتوراة رجلاً لطيفاً ومتواضعاً، ثم بعد فترة قصيرة صار لا يجيب السلام حتى، ويتظاهر بأنه لا يعرفني رغم أننا جمعتنا جلسات مطولة حينما كنت أقوم بترجمة بعض أوراقه الخاصة بقسمنا. أخبرته بأني كنت أبحث عنه. ووجدت في الورقة بعض الإشكالات، إذ نسيت توجيهها، ونسي الناسخ حذف كلمة في النموذج المستخدم. أخذتها لأعيدها، فقال السوري بأنه سيعيدها هو، رغم أن الناسخ قد كرهه. ضحكت، وأخذت الورقة بنفسي. كنت أفكر إذا ما كان قد استفز الناس بكلمة معينة أو بأسلوبه. فعلى العكس من أسلوبه معي، أجد بأن تعامله مع الموظفين الآخرين لا ينم عن تقدير، إنما عن استهتار واستخفاف. حينما عدت، شكرني، وسألني لماذا أنا متحمس للعمل وأتحرك كثيراً؟ قلت بأن هذا عملي الذي أتقاضى أجري عليه، فقال بأنه عمل الآخرين كذلك، لكنهم "مبزوطين". قلت بأنهم يعملون جيداً على مكاتبهم، لكنهم لا يغادرونها، فليست فكرة واردة هنا. لكنه عاد وسألني إذا لماذا أغادرأنا مكتبي؟؟ كانت أسئلة عجيبة. ماذا أقول؟ قلت لأني مترجم. لعله ظن أن الخدمة خاصة به؟. بقيت الورقة معي لأحصل على ختم مديري وتوقيعه، وأعطيتها له. كان سيسافر كما قال إلى فرنسا. أتصور بأنه سيهاجر. ربما لهذا هو منشرح الصدر.















يوجد معرض للقطع الأثرية المستعادة، وهو يقام في متحف الملك عبدالعزيز الوطني. يجب أن أذهب قريباً إن شاء الله لأراه.
كان قد أبلغني منذ سنوات زميل من الجنوب، عن أقاربه الذين وجدوا تمثالاً ذهبياً مدفونا. وماذا فعلوا؟ ذهبوا إلى جده وصهروه! يا للأسف، يا للخسارة التي لا تقدر بثمن. أعتقد أن أثار كثيرة تعرضت لمثل هذه المعاملة الجاهلة. سمعت عن كنز وجد في القصيم قبل سنوات كثيرة، أثرى بعض الناس على نحو مفاجئ من بيعه سراً. تشغل بالي دائماً حينما أتذكر هذه الفرضية طبيعة الكنز، ماذا كان؟ وأين ذهب؟ هل ظل على حاله أم تم صهره؟ هل خرج من البلاد؟.
وقد سمعت عن تمثال لبقرة تحلبها امرأة ويلعب طفلها إلى جانبها، يفترض الناس أنه عقاب أصاب المرأة فتحولت وما حولها إلى حجر. على أني لا أعتقد هذا، إنما أعتقد بأنه تمثال خلفته حضارة ما. يقال بأن التمثال قد حُطِّم، رغم تفاصيله الدقيقة وجودة صنعه التي جعلت الناس يشتبهون بأنه كان ينبض بالحياة في يوم ما.
إن أكثر ما يعجبني في المتحف هو آثار قرية الفاو. أتمنى معرفة كل شيء عن ذلك المكان وأهله الرائعون. رأيت تمثال وكأنه من الأعمال اليونانية من أعمال أولائك القوم، حيث كانوا على اتصال بالعالم لأنهم على طريق مهم للتجارة.








لا أشعر بالحماس تجاه الذهاب إلى معرض الكتاب. لقد بدأت بفقدان حماسي تجاهه منذ سنوات كثيرة. صرت أشعر بالقرف من النصب والغش من معظم دور النشر العربية. ربما انحسر الأمر لا أدري، لكني لا أشعر بأني أحتاجه بشدة طالما يمكنني الطلب عبر الانترنت ما لم أجد ما أريد هنا. كما أني صرت أكره الزحام الشديد، المبالغة الشديدة بالتجمع في مثل هذه المناسبات، حيث لا أشعر بأن غالبية الموجودين لديهم توجه حقيقي للقراءة، أو حتى الإطلاع الخفيف.

ومثل الحال أصابني تجاه الجنادرية. الزحام غير الطبيعي جعلني أترك الذهاب منذ سنوات طويلة، ولا يبدو أن غالبية الحضور قد جائوا للتأمل والاستفادة، ومن جاء لهذا السبب فلن يستفيد، فالزحام والإزعاج لن يعطيه فرصة. الجدل المقرف حول الحدثين كذلك جعلني أنأى عن الذهاب عموماً، وإن ذهبت إلى معرض الكتاب لا أطيل المكوث.
قرأت عن رجل سعودي ضربه أحد أفراد الأمن في الجنادرية لأنه حاول أن يمر من مكان معين، فأغمي عليه أمام زوجته وأطفاله لقوة الضربة. لسوء حظهم كان هذا دكتور، والدكتور صوته مسموع، وكرامته فوق كرامة البشر هنا، فوصل الأمر إلى الإعلام، وأعتذروا منه. لكن ما يشعرني بالانزعاج من قبل هذه الحادثة بوقت طويل؛ لماذا هذا التسلط؟ لماذا الاستخفاف بكرامة الناس؟ ولماذا الهمجية؟.
بالمجمل، لا أكذب إن قلت بأني لا أحب رجال الأمن منذ زمن بعيد، حيث لطالما شعرت بأنهم أجلاف ولا يحسنون التعامل، متكبرون ومستخفون وغير أذكياء. لذلك لا أقدر مزحاتهم حينما يحاولون التلطف في نقاط التفتيش، وأحاول أن أمضي بسرعة. ربما الاستثناء الوحيد كان لشرطي لطيف وشديد الأناقة رأيته من قبل. ورغم صغر سنه إلا أنه كان برتبة عالية، عرفت هذا لأنه يأمر الآخرين وله مكتب كبير ومستقل، فافترضت بأنه متعلم جيداً. عرفته حينما حدثت مشاكل مع خادمة لأقارب فأخذت خادمتنا لتعطي شهادتها هناك، وكانت تُدين الخادمة الأخرى محل الإشكال، إن كان هناك من "تـ"تفكر بمآل الأمور.
وآخر قبل سنة تقريباً أوقفني في يوم العيد، وقال بأني تعديت السرعة المحددة. أخبرته بأني إن كنت قد تعديتها فقد تعديتها لثواني بسيطة، إذ أني لدي رقابة ذاتية. لم يفهم معنى رقابة ذاتية، وربما حسبها إهانة إذ تغير وجهه. لكنه سأل عن معناها بعد لحظة قصيرة فشرحته. سألني إن كنت متأكداً من أني لم أتعدى السرعة، وحاول مناقشتي وإطالة الموضوع، كان يسأل بلطف وهدوء، إلا أنه يطيل التأمل الغريب بين الأسئلة. تركني أمضي لاحقاً.













اليوم عند نهاية وقت الدوام، جاء رجل أمريكي جديد نسبياً. وهو شاب قصير بالمقارنة بالبنية الغربية التقليدية، هادئ بشكل عام، لكنه شديد الوعي بما حوله، ويبدو عليه الحذر واستقراء كل الحركات والسكنات. ويبدو لي أنه من النوع الذي يسيء الفهم بسهولة، وليست إسائة الفهم الدارجة لدى قومه، إنما يسيء الفهم على نحو أكثر حساسية وأقل غباء. أعتقد بأنه ظن ذات مرة أني إنما أدخلت يداي في جيبي حتى لا أصافحه، لكنها عادة عفوية أفعلها أحياناً حينما أمر سريعاً وأنا أنوي إلقاء التحية ماشياً، فبدى أنه يتفاداني بعد ذلك. لم يضرني الأمر، فهو بأي حال مسئولية زميلي المترجم الطيب من الأردن بشكل عام، نظراً لمسماه الوظيفي. لكن حاجته كانت في قسمنا اليوم. شرحت له ما يجب عليه القيام به مترجماً عن الموظف المختص، وكانت لديه ملاحظات ذكية حول بعض التفاصيل التي لم يفطن إليها أحد من قبل أمامي على الأقل. ما يتعلق بقسمنا أخبرناه به، وكان عليه النزول إلى الإدارة المالية لسأل عن بقية الأمور، وهذه الإدارة عبارة عن غابة موحشة مليئة بالمفترسات، وبالكاد تجد من يتفهم مشكلتك ويحاول مساعدتك. كان يجب أن أمضي، إذ أن ابن أخي الذي أجرى عملية مؤخراً قد سمح له بمغادرة المستشفى، ويجب أن أذهب لأخذه بمغامرة قد تستغرق حوالي الساعة. لكن، بدى على الرجل القلق والتردد، وهو يشكرني ويمضي ببطء ماشياً للخلف. أشفقت عليه، فسألته إن كان يحتاج إلى مساعدة في في تلك الإدارة. انفرجت أساريره وسألني أن أساعده. حينما خرجت حاملاً أغراضي في كيس بعدما أغلقت الجهاز ووقعت للخروج، متأخراً بالفعل عن الوقت المحدد، وعلى ابن أخي بالتالي، وجدته ينتظرني بالممر، وسألني عن اسمي، ماداً يده للمصافحة، ومخبرني باسمه الذي قرأته قبل قليل. اسمه ديفيد، وفي إقامته يكتبون: دافيد، وهذا الخطأ قرأته كثيراً، وفي كل مرة لا أدري لماذا أتخيل المكتوب: تفيدة.
نزلنا على الدرج، وفاجئني أدبه حينما فتح الباب لي وتنحى جانباً، وهذه لفتة تراها من شعوب أخرى بالعادة. مضينا إلى القسم، ولحسن الحظ كان الموظف الذي نحتاج المعلومات منه رجل لطيف جداً ومتفهم، على غير عادة الموظفين هناك، وكان واسع البال.















كنت خارجاً أدندن بأغنية، حاملاً حقيبتي لأذهب لشرب الكولا والقراءة والكتابة ككل ليلة، بعدما ودعت والدتي وابناء إخواني. إلا أني شعرت بصدمة حينما وجدت، في تلك الليلة الباردة على نحو مفاجئ، أن باب المنزل الخارجي غير مقفل. قفلت راجعاً أهرول سريعاً إلى داخل المنزل، وأنا أصيح بهلع واستفهام: يباه! يباه!. جرى ابن أخي تجاهي، وطمأنني مهدئاً إياي بأن والدي خرج مع أخي الكبير. لقد أصبح باب المنزل هاجساً. حيث أن والدي يحاول الخروج دائماً، وهو مصاب بمرض الزهايمر.
لا يتعلق الأمر بحال والدي وحده، ولا في هذا الوقت، إنما الأمر عائد لسنوات كثيرة؛ إن أعصابي تالفة، مثلما تتلف الأشياء فنستبدلها، سوا أن أعصابي لا تستبدل، وغير قابلة للإصلاح.
كيف يشخص المرء تلف أعصابه؟ أعرف بأن تغير صوتي في بعض الظروف، كالظرف السالف الذكر، هو مما يجعلني أتأكد من الأمر.







سعد الحوشان