سِجل المدونة

الخميس، 20 يونيو، 2013

أجنّة مَلَكية في رحم الأرض (المحطة الثانية بالبيرو،قصيدة،جهاز،أحداث)



بسم الله الرحمن الرحيم






لا يبدو لي وكأنما مر أكثر من شهر الآن على عودتي من البيرو. إني أتغير كذلك لألائم مكاني الآن، لقد كنت أفضل حالاً هناك، أتغير رغماً عني لأصبح أقل حيوية، وأقل إقبالاً على الحياة، فماذا يوجد هنا؟.

لكن بوسعي أن أقول بأني حيّ على مختلف الذكريات الجيدة، سواء من البيرو، أو الصداقات الجيدة التي حضيت بها؛ إذ إلى جانب مشاعري الطيبة من البيرو، أعتاش حالياً على مراسلاتي مع الدكتور الألماني، حيث نتراسل بانتظام، وهو يحرص على ذلك رغم أن المراسلة الجيدة، والمواضبة عليها، ليست من عاداته المتأصلة، لكن لعلي زرعت فيه هذا، ربما.
لا أصدقاء لمقابلتهم على نحو دوري أو غير دوري، ولا أرى الوضع يتغير قريباً.


حدث أن صادفت شخص عزيز مؤخراً، عزيز وإن لم نعد أصدقاء. تكلمنا لبعض الوقت، وكان التقارب من جديد ممكن. لكني فكرت لاحقاً، ووجدت أن سبب نهاية صداقتنا قابل للحدوث مرة أخرى، إنه أمر يتعلق بطبيعة المرء، ولم يعد بي طاقة لمواجهة مثل تلك المواقف غير الضرورية.




توقفت في التدوينة الفائتة عند رحيلي من تروهيليو. وصلت إلى تشيكلايو بالحافلة، واستقبلتني امرأة في أربيعناتها ترفع اسمي على لوحة، قالت بذهول حالما عرّفتها بنفسي:" لكنك لست مسناً!"
اتضح بأن كارلا اتصلت لتوصي علي، وأخبرتهم بأن يعتنوا بأمري لأني أمشي بصعوبة، وأني كثير النسيان فيجب تذكيري بالأمور دائماً ومتابعتي (!!). انفجرت ضاحكاً. هذه أمور حقيقية؛ إني كثير النسيان، لقد نسيت كاميراتي في ليما، في حقيبتي الكبيرة، ولي سوابق أخرى كذلك. استشفت هذه المرأة الطيبة من التوصيات أني شيخ مسن، إذ أن كارلا سألت بأن يرفقوا بي لمشكلة في قدمي، وأن لا أترك لأمشي طويلاً.
اسمها ماقي، وقد يحسبها المرء مصرية، مصرية جميلة. وهي بالإضافة إلى عملها السياحي تعطي دروس في الجامعة المحلية، وتواصل تعليمها العالي كذلك. ومثل معظم البيروفيات اللائي التقيت؛ هي امرأة أنيسة وحسنة الحضور، محافظة ومتدينة لكنها منفتحة على غيرها، وليس الحكم المسبق من سماتها. قالت بأن فندقي بعيد جداً، فقلت سعيداً بأن هذا جيد، أريد أن أتمشى وأرى المدينة. ضحكت وقالت شيء للسائق، ثم أخبرتني بأن فندقي بالواقع خلف محطة الحافلات بمسافة قصيرة. دخلنا الفندق، ورتبت أموري معهم، واتفقنا على اللقاء مبكراً في اليوم التالي.
في الصباح جائت مع سائق آخر، ذو مظهر غريب جداً في ذلك المكان. اسمه قوادالوب، وهو رجل فارع الطول، شديد البياض على بعض الحمرة، وذو شعر ذهبي ناعم وعينين زرقاوين، ولم يكن يتحدث الانقليزية. ذكرني مظهره بصديقي الدكتور الألماني العزيز، فبينهما شبه لا تخطئه العين، فقوادالوب وسيم جداً كذلك. أفهمتني ماقي أن قوادالوب يأتي من منطقة قريبة من الأدغال، وأشكال الناس هناك هكذا. عرفت لاحقاً بأن جالية كبيرة من ألمانيا والنمسا قد جائت لاجئة إلى البيرو بعد الحرب العالمية الثانية، وقد منحتهم الدولة أرض ليستقروا بها. لعل الرجل من هناك.
ذهبنا إلى منطقة غريبة، تحوي جزء مما يسمى بالغابات الجافة، وهي غابات نادرة تعيش على القليل من الأمطار. وخلف الغابات توجد آثار، أو ما تبقى منها، لحضارة قديمة تسمى الموتشي. وهي عبارة عن اهرامات أو ما يبدو كجبال الآن بعدما طالها الإهمال والتخريب. على طول الطريق، يرى المرء كسر فخارية هنا وهناك، متروكة رغم عودتها لقرون خلت، وربما أكثر. قالت ماقي بأنها غير مهمة لأنها مجرد كسر، بينما لديهم الكثير من الآنية والأدوات المكتملة، فتترك هذه لطلاب الآثار.
يوجد شجرة هناك لدينا الكثير منها هنا، يبدو أنها بشكل ما جلبت من هناك، كما جلب النخيل من هنا إلى أماكن أخرى. لا أعرف اسمها، لكنها تثمر ما يشبه الفاصوليا او البازيلا، حبيبات يغلفها غشاء، وسرعان ما تجف وتقع. نراها في بعض الشوارع في مواسم معينة تملأ الأرض هنا، ولم أكن أحسب لتلك الثمار فائدة. لكن هناك، يصنعون منها بعد جفافها شراب ثقيل غامق اللون، يشبه الكاكاو أو القهوة، وله كذلك طعم يقارب الكاكاو. هذا الشراب اللزج والحلو يضاف إلى مختلف المأكولات والمشارب، كنكهة يمكن فهم تفردها حينما يذوق المرء نقطة من السائل اللزج، فهو ذو طعم مركب حقاً وغير عادي. قيل لي أنه مفيد، وسمحت لي عجوز طيبة أن أذوق شيء مما صنعت منه، حيث تعبئه في قوارير وتبيعه على زوار المنتزه. ليتنا نستفيد مما لدينا. حينما أجدها سأرسل إلى المرشدة العزيزة ماقي لأرى إن كانت تعرف كيف يصنع الشراب.







كان يوجد الكثير من تلك الجروف العظيمة، الأشبه بالأهرامات، التي كانت تستخدم للطقوس الدينية ولسكنى علية القوم، لكن للأسف، كانت الأرض مملوكة لشخص طماع، اسباني الأصل على الأغلب، وقد جرف معظم الأهرامات بعدما علم عن امكانية وجود مقابر قديمة تحوي الكثير من الذهب فيها. وقد كانت كذلك. لم توقفه الحكومة إلا بعدما قضى على معظمها. كما أن الزمن لم يرفق بها، فقد يحسبها المرء جبال طبيعية لفرط التعرية التي أصابتها.
على نحو ربما يختلف نوعاً ما عما شعرته في معبد الشمس في تروهيليو (راجع التدوينة السابقة)، شعرت بشيء غريب في ذلك المكان كذلك، أمر غير مريح، قابض للنفس وربما مخيف على نحو غامض. صعدنا على أحد الجروف، وتكلمنا لبعض الوقت عن التاريخ ومحيطنا وحتى عن الحياة الآن. بعدما نزلنا ونحن نأخذ الطريق الذي قطعناه سابقاً، سألت ماقي إن كانت قد سمعت أو عاشت أي قصص غريبة بالمكان هذا؟. قالت بأنها تسمع الكثير، لكنها بالواقع لم تعش سوا واحدة؛ رافقت سائحة اسبانية بالمكان، وبعد بعض الوقت بدا الارتباك على السائحة وكانت تسأل إن كانت ماقي تسمع أصواتاً. لم تسمع ماقي شيء، وكلما تقدموا زاد ارتباكها حتى لم تعد تتحمل، وانتابها الفزع وطلبت العودة فوراً إلى السيارة. حينما عادوا لم تعمل السيارة لسبب ما، وخط الهاتف الأرضي كذلك، يبدو أن هذا حدث قبل سنوات طويلة. مشوا مبتعدين عن المكان والمرأة تبكي فزعة، حتى وجدوا شخص أعادهم بسيارته إلى المدينة. اتصلت بها ماقي في وقت لاحق لتطمئن عليها، فأخبرتها بأنها بعد سماع الأصوات المُعذّبة بدأت ترى وجوها حولها، وأشخاص فوق الجروف.
يقيم بعض السكان الأصليون طقوس علاجية بالغة القدم في المكان نفسه كذلك، لعلها تتعلق بالسحر كذلك، كما يعطى المرضى أو المتعبون مادة تستخلص من السبار المحلي تسبب الهلوسة، تستخدم منذ قديم الزمان وإن كانت ممنوعة الآن، إلا أنه يغض الطرف عن هذه الأمور الثقافية.
كنت قد قرأت حينما كنت صغيراً، ربما بالثامنة أو التاسعة، عن معالجين هنا، من فئة الشامان (شعبيين بطاقات روحية غالباً)، يستخدمون حيوان الكوي (الخنزير الغيني، أو ما يسمى لدينا خطأ بالوبر) بطريقة عجيبة. إنهم يدعكون الحيوان الحي على مكان المشكلة في جسد المريض، ثم يذبح الحيوان ويفتح جسده بالسكين، ليتم الإطلاع على العضو المقابل، حيث سيجدون المشكلة نفسها أو ما يشير إليها بالداخل، بدلاً عن فتح جسد المريض. أخبرت ماقي وقالت بأنها تعرف هذا، لكنها لم تخضع شخصياً لهذا النوع من العلاج ولا تصدق به، وتعتقد بأنه نوع من السحر، لكنها قالت بأنها متأكدة بأن هناك حالات مثلاً حينما فتح الحيوان وُجد في أعضائه التي يعاني في مثلها المريض بقعة سوداء دالة.
ماقي امرأة متدينة كشأن الأغلبية وبالمقياس السائد هناك، وهي ليست من السكان الأصليين أو مرتبطة بثقافتهم.




بعد ذلك، ذهبنا إلى المتحف، وتكلمنا كثيراً بالطريق حول مختلف الأمور، وسألتني عن العرب والعربية والإسلام. في البيرو يسود جهل مطبق حول الإسلام خصوصاً، والعرب كذلك. سمعت أسئلة، بعدما أقول بأني عربي، من قبيل: ما هي لغتكم؟ حتى أن امرأة سألت إن كانت لغتنا الدنماركية. يتسائل البعض إن كان الناس في السعودية نصارى؟ الدين مهم بالنسبة إليهم إجمالاً، ويبدو أنه يصعب تخيل دين غير النصرانية. كارلا سألتني ذات مرة، وكأنما لتؤكد معلومة لديها: أنت "مُسلَمَان"، صحيح؟.
كانت ماقي مهتمة جداً، ومهذبة. يقال لي في أحيان كثيرة أن أقول شيء بالعربية. غالباً ما أشرح أصل اسم فاطمة المنتشر كثيراً هناك ويحسبه الناس اسبانياً، فأخبرهم بأنه بالواقع اسم ابنة نبينا عليه الصلاة والسلام المفضلة، أو أخبرهم كيف نقول مريم أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، وأشياء من هذا القبيل. وأجد التأثر والاهتمام بهذه المعلومات.
حدثنا قوادالوب عن ابنه، وهو صبي في الخامسة عشر من عمره وينافس في مسابقة رقصة المارينارا على مستوى الدولة، وهو سيخوض قريباً المنافسة، ويبدو أن الكل مهتم بنجاحه، فهم يأخذون الأمر بجدية كبيرة. تقول ماقي بأن الكل في المكتب الذي يعملون به يتابع المنافسة ويسأل عن ابن قوادالوب، الذي يحضر له والده مدرب متخصص، ليدربه هو ورفيقته بالرقصة، فتاة في الثالثة عشر. أراني فيديو قصير، وكان الصبي محترفاً، خفيف الخطوة، ورقصه جميل مع رفيقته الصغيرة.

وصلنا إلى المتحف، وهو متحف جميل، كانت أمامه مظاهرات أثارت ضحك ماقي، لاستخدام المتظاهرين أغنية حب، تتذمر من الحبيب وتصفه بالجرذ القذر لخيانته، في إسقاط على بلدية المدينة المنتخبة.
كان المتحف يعج بالذهب، المصوغات الذهبية المذهلة والعجيبة، حيث احترفت حضارات الشمال صياغة الذهب والفضة، وترصيعها بفن يعز مثيله بأشكال معبرة، ومشاهد كاملة من حياتهم. لكن للأسف، كان المتحف مظلماً لتركيز الإضائة على المعروضات اللامعة، وكنت قد نسيت كاميرتي بالعاصمة، وأستخدم جوالي فقط في الشق الأول من الرحلة. كانت الصور من داخل المتحف سيئة.
رأينا الكيفية التي يدفن بها ملوك المنطقة والحضارات المتعاقبة موتاهم، وكلها أساليب تعكس إعتقادهم المؤسف بعودة الملوك إلى الحياة. أم أنهم كانوا يفكرون بنوع من الآخرة، كالبعث لدينا؟ أي في دنياً أخرى؟. الله أعلم. الكل تقريباً يدفن محنطاً بإتقان بوضعية الجنين في الرحم، بعضهم يوضع مقلوباً رأس على عقب، وكأنما يوشك أن يولد، بينما يضاف إلى بعضهم أضاح من فتيات وكأنما هن على وشك الولادة، مع أخريات للمساعدة.
لا يمكن للمرء إلا أن يتأمل بأمر هؤلاء القوم الغرباء، آملهم ورؤاهم للحياة وما بعدها. ذلك الأمر، أو حتى الخوف، الذي يرافق الإنسان من حياة تالية، إذ يستعد لها ما استطاع، بما يعتقد أنه سينفعه، أو ما يعتقده أهله.

صرخة مولود...
لم ينجُ من ملحمة...
بطلها الدود...
حينما دفنوه كجنين بحزن...
أعدوه وكأنما سيعود...
وكأنهم لا يعلمون...
أن في هذه الدنيا مامن خلود...
وأن الأرض وإن كانت أماً...
فلم تكن يوماً رحمٌ ولود...


بالطبع، ما يوجد في العرض هي تماثيل متقنة. لكن الذهب والمعروضات الأخرى هي حقيقية. يوجد مجوهرات عجيبة وبالغة الجمال، وقد شرحت لي ماقي بأن بعض المجوهرات غير موجودة في البيرو، إنما أتى بها أهل ذلك الزمان بالتجارة على الأغلب من أمريكا الوسطى، وهذه دلالة على الاتصال بين تلك الحضارات. وقد شرحت لي ماقي تعقيد صنعهم للخلائط المعدنية للوصول إلى نتائج معينة، وهي عمليات بالغة التعقيد، وتبدي دون شك علمهم بالكيمياء والفيزياء على نحو شديد التطور.
يلبس أهل ذلك الزمان، في مختلف الحضارات في البيرو، ملابس جميلة جداً، للجنسين، وساترة، كيفما اختلفت من حضارة إلى أخرى، وهي تنم عن ذوق معقد وواعي لدلالات حسن المظهر والحضور. هذا فضلاً عن المجوهرات التي تزدان بالرموز وما يشبه القصص، وهي أيضاً تتحدث عن الذوق الرفيع آنذاك.
المتحف كان جميل جداً، ممتع جداً، بثراءه بالمعروضات الحقيقية، وإتقان تشكيل المقابر الملكية وطريقة تنظيمها ووضع الميت فيها، بكل ما يحوي الترتيب من رمزية بالغة.
استخدم الملوك والرهبان في الزمن القديم في الشمال قفازات ضخمة محلاة، لتقديم القرابين إلى ما يعبدون، وهي غالباً الشمس. حيث أن اليد البشرية أصغر وأحقر من أن تمد القربان. وتقول ماقي بأن بعض القفازات قد تحوي ميكانيكية معينة ليتمكن مرتديها من تحريك الأصابع والتحكم بها، ذلك أنه من المستحيل أن تدخل يده في أماكن الأصابع فعلياً.
ويرتدي الملوك والنبلاء وعلية القوم الكثير من الذهب على ثيابهم في المناسبات، لتعكس الشمس أمام الشعب وتظهر المرء بأبهة وتقرب من تشابهه بالآلهة. كما يرتدي بعض الشامان حلقات أنفيه ذهبية كبيرة وبأشكال مختلفة، تغطي الفم بقرص وأحيانا تمتد لتغطي على نحو أنيق جزء من الخدود. الغرض منها مختلف عليه؛ يقترح البعض بأنها لإعطاء عمق لصوت لابسها، وآخرين يعتقدون أن الغرض منها إظهار الحياد والعدل، بحيث لا يرى الناس تبدل تعابير الوجه، فلابسيها قد يكونون قضاة.


في نهاية المعرض، يوجد تماثيل متحركة في غرفة، تظهر ملك وحاشيته بملابسهم الأصلية، والعازفين والقادة الحربيين، لإعطاء فكرة عن حضور اولائك القوم. وهي تطلق أصوات عالية من الأدوات الموسيقية وصيحات الحاشية وضربات أسلحتهم على الأرض. أحد الأطفال اختبأ خلف أهله بسم الله عليه. بالواقع، كان وجود التماثيل والأصوات المصاحبة وحركتها مخيفة إلى حد ما، لتظهر مدى الهيبة التي تمتع بها علية القوم ربما في سالف الأوقات.

كمعظم المتاحف، ينتهي المتحف بمحل لبيع التذكارات. دخلنا وسألت عن بعض الأمور بمساعدة ماقي، ثم تركتني أتفرج كما يحلو لي وخرجت لتتحدث وتضحك مع بعض العاملين بالمتحف. يعرف المرشدين غالباً العاملين بالمتاحف والمواقع الأثرية معرفة وثيقة. كانت البائعة بالمحل امرأة كبيرة بالسن، رمادية الشعر، من السكان الأصليين، وهي ذات ملامح جميلة وحضور مريح، وكانت بنيتها كبيرة، أكبر من المعتاد، على الرغم من أن أهل الشمال عموماً ليسوا صغار البنية. اشتريت بعض الأشياء، وخرجت إلى ماقي، حيث اشترينا ماء لنا ولقوادالوب. وحينما هممنا بالخروج كانت البائعة بالمحل تنظف الرفوف العليا بطريقة مضحكة بالمكنسة، فعلقت ماقي باللغة الاسبانية فضحكوا، سألت ماذا قلت لها؟ قالت ماقي بأنها سألت إن كانت تؤدي طقوساً سحرية بهذه المكنسة. قلت: آه، يعني بروخا؟ (بروخا تعني ساحرة باللغة الاسبانية) ضحك الجميع وماقي التي قالت نعم، بروخا. قلت لكنها  بروخا جميلة جداً، فضحكت ماقي كثيراً وأخبرت الجميع بالاسبانية بما قلت فضجوا بالضحك، وضحكت السيدة المسنة وودعتنا شاكرة.

بعد المتحف، أخذنا قوادالوب للغداء في مطعم جميل، وقد اختارت لي ماقي، حيث طلبت منها ذلك، طبق أرز كانت قد وصفته لي. إنه يطبخ بنفس طريقة طبخ الكبسة النجدية، لكن بمكونات مختلفة، وطعم مختلف كذلك، وهو من أكثر المأكولات شعبية، خصوصاً في الشمال والوسط، حيث يكثر استهلاك الأرز. بالواقع، الأرز في البيرو من أطعم ما تذوقت على الإطلاق، وهو بالشمال غذاء يومي كما هو لدينا، لكنهم يزرعونه بكميات كبيرة، ولا يستوردونه، وفي رأيي جودة الأرز هناك لا تضاهى، وهو من النوع الذي أحب (لا أحب الأرز ذو الحبة الطويلة الذي يحبونه الناس لدينا). ذهبت ماقي ثم عادت وسألتني إن كنت أسمح لها بالجلوس معي إلى الطاولة. فوجئت بالطلب وأصررت أن تجلس، وتسائلت باستنكار لماذا حتى تسأل؟ قالت أن بعض السياح لا يحبون أن يجلس معهم المرشدون، ووصفت فعل بعضهم الأشبه بالطرد، وقد بدا على ملامحها الرقيقة الجرح والاستياء. يا له من أمر مؤسف، لماذا يأتي الناس إلى بلدان أخرى ولا يريدون أن يتعلموا من أهلها وعنهم شيئاً، ويتعاملون بفوقية كذلك. تكلمنا كثيراً حتى جاء طعامنا. كان الأرز الذي طلبته لي كما وصفته؛ أخضر اللون، بقطع دجاج تتخلله مثل الكبسة الحقيقية. كان رائعاً فوق الوصف. أخبرتها بأن الكوكاكولا رائع في البيرو، أفضل حتى مما تذوقت في مطار أمريكا وطائراتها، أعتقد أن السر يكمن في جودة السكر، حيث يضيف الأمريكان شراب الذرة كمحلي، لكونه أرخص فهم ينتجونه بكميات ضخمة، عكس السكر، أما في البيرو، فالسكر صناعة مهمة وبجودة عالية. قالت ماقي بأن السياح من أمريكا يقولون بأن الكولا أفضل في البيرو كذلك. إنها مثلي، عاشقة كبيرة للكولا، لكنها تحاول التقليل منه. وقد واجهت مشكلة كبرى حينما حملت بأبنها الوحيد، حيث توحمت على الكوكاكولا، وحدث أن تعبت في حملها فتركها زوجها لدى والدتها لتعتني بها، فكانت والدتها حازمة في منعها للكولا، مما كان يجعلها تبكي بالنهاية، وحينما يأتي زوجها من العمل ليراها يحضر لها قارورة.
غادرنا بعد الطعام إلى الفندق، لأرتب أغراضي حتى أمضي مساءاً إلى محطة الحافلات لأغادر تلك المدينة. بالمحطة لم تكن ماقي معي، ولا قوادالوب، أنزلني نفس السائق الذي استقبلني مع ماقي بالمحطة، حيث واجهت بعض الصعوبة في البداية حيث لم يتحدث أحد الانقليزية، قبل أن يُكتشف أمري بأني قلق ولا أعرف الاسبانية، فتعاطفت معي موظفة الاستقبال، واتصلنا بكارلا التي أخبرتها أني لا أدري متى تحل حافلتي بالضبط ولا أفهم النداء. فاعتنت بأمري. ولما جائت الحافلة أخذني شيخ يعمل بالمحطة وأراني مقعدي، وفتح لي منفذ التكييف في الأعلى وشرح لي بأنه الذي يقول: سس سس. جزاه الله خيراً، كم قدرت هذا اللطف.

غادرت الحافلة إلى محطتي القادمة، في جبال الانديز، حيث كان يجب أن أولد.


هذا ما لدي لهذه التدوينة، فيما يخص الرحلة.


اشتريت جهاز كمبيوتر، كرومبوك بكسل Chromebook Pixel، يعمل بنظام كروم من قوقل، مثل جهازيّ السابقين، سوا أنه الأعلى تكلفة ومواصفات. ورغم أني صدقاً لا أحتاج إلى مواصفات عالية، إلا أن خراب الجهاز السابق دون أن يكمل سنة جعلني أريد جهاز أقوى بنية ومكونات. لم أتمكن من شراؤه من متجر قوقل الرسمي، لكن هذا كان لحسن الحظ، حيث أن نسخة انترنت الجيل الرابع التي أردت كانت تكلف 1450 دولار، بينما وجدت رجل حصل عليه على ما يبدو من مؤتمر قوقل، حيث وزعته على الحضور، وكان يريد بيعه وهو لم يستخدمه أو ينزع تغليف المصنع، وقد باعه لي بـ1150 دولار. حالياً، يعتبر الجهاز صاحب أنقى شاشة في لابتوب يباع بالسوق، وشاشته عجيبة من حيث النقاء، وهي تعمل باللمس كذلك. له هيكل معدني أنيق، ومفاتيحه تضيء نفسها حينما تقل الإضاءة بالغرفة تلقائياً. وله خط مضيء خلف الشاشة، وجوده مجرد إضافة جمالية للجهاز، يضيء بألوان مختلفة، وهو لا يفيد المستخدم لكنه يجعل منظر الجهاز جميلاً ولافتاً للنظر، وربما جاذباً لبدء المحادثات مع الآخرين.








أما بالعمل، فالأمور إلى حد ما أفضل بالنسبة لي مما كانت عليه قبل سفري إلى البيرو، ارتحت في ذلك البلد واكتسبت بعض الإيجابية، لكن إن شئت أن أكون أكثر رضاً، فلا بد من العيش هناك، وهو ما لن يكون.
وجدت أن مواقف البعض تغيرت كذلك، ولا أدري ما السبب، لكنها تغيرت للأفضل.

لكن ما لم أعد أحتمله هو بعض المراجعين من النوع السيء. وبصراحة، معظمهم من الباكستانيين البنجابيين. يا إلهي، كم أجد احتمال بعضهم صعباً، الإلحاح، الكذب، التذاكي، المخادعة، رفع الصوت، المواقف الطفولية، كل هذه المساوئ تجتمع بهم على نحو عجيب، فهم ينقصهم الرشد إلا من رحم ربي. قد يقول أحدهم بأن ورقة قدمها، ضمانه، لم يرى فيها الموظف مشكلة قبل يومين، لماذا ترفضونها اليوم؟ يحاول المرء أن يشرح بأنه لا يوجد ختم ولا شعار والورقة غير مصدقة أو موقعة بأي شكل، مجرد ورقة مطبوعة يمكن لأي كان كتابتها، وأن الموظف، إن كان هذا صادقاً، كان مخطئ بقبولها، يتصرفون كالأطفال، مطالبين بأن نقبل الورقة العجيبة هذه، بكل مسئولياتها المالية والأدبية، لأنهم يدعون أن موظف من هنا لم يخالف عليها وهذا الرجل الباكستاني يعتقد أنه لهذا غير مسئول عن هذه الغلطة!. هذه النظرة الطفولية تجاه الأمور تجعلني أفهم لماذا دولتهم فاشلة، لأن هؤلاء مع الأسف هم المسيطرين على الأمور هناك، فنحن في نعيم من حيث العقول بالمقارنة.
وآخر، يساعد صديقه الذي يريد إصدار تأشيرة للخروج النهائي، وأخذ نسخة عنها (هي بالأساس مجرد ورقة مطبوعة، فلا يختلف الأصلي عن المنسوخ لأن المهم هو الرقم) دون أن يفي بالمتطلبات، فقط لأنه لا يريد ذلك. ثم يبدأ، المرافق، وليس صاحب الشأن، بسب النظام، والجامعة، ورفع صوته. أرى بوضوح بأن الكثير أنظمتنا فاشل، وأن الغالبية العظمى من الناس الذين أرى، الأجانب، لا يستحقون هذا العذاب بالإجراءات المعقدة، وليس القوانين بحد ذاتها، لكن بمواجهة مثل هؤلاء، أشعر بأن البعض لا يستحق أفضل من هذا.
كان صاحب الشأن هادئاً، وقد ترك كل النقاش للآخر، وهو ملتح متدين على ما أفترض. أخبرته بهدوء بأن هذا ليس أسلوب للتعبير عما يرى، قد لا يكون النظام عادلاً في رأيه، لكن الانتقاص من الناس والجامعة أمر سيء، وأني أقترح أن ينتبه لما يقول ويختار كلماته على نحو أفضل. علماً بأني كنت أترجم بينه وبين الموظف المختص، ولست أعطيه معلومات من عندي.
في اليوم التالي، جاء صاحب الشأن وحده، وقد أوفى بالمتطلبات في حالته، التي صدقاً ليست صعبة الإيفاء في الظروف العادية، وظروفهم كانت عادية ولكن كان ذلك المرافق يريد أن يفرض رأيه فقط ويقوم بالأمور حسب طريقته. ناداني زميلي، حيث طلبني صاحب الشأن، وقد حصل على تأشيرته وانتهى من الأمر، سلم واعتذر عن اسلوب زميله معي أمس، من رفع للصوت وتعبير سيء، وقال بأنه ما كان يجب أن يتصرف على ذلك النحو، لكنهما كانا مشدودان لعملهم على إنهاء الإجراءات المختلفة منذ ستة أسابيع. قلت بأنه لو كان أهدأ فقط وظهر بموقف أفضل لربما كان يمكنه سماع الرأي وفهم الدوافع خلف المتطلبات. اعتذر مرة أخرى، وودعني راحلاً. قدرت اعتذاره كثيراً، لأنه كان سيرحل وغير مضطر لهذا.
وعلى أي حال، لا يجب الخلط بينهم وبين الباكستانيين المألوفين، الذين يعملون بالمهن الحرفية هنا، من ذوي الأجسام الكبيرة، فهم مختلفون، هؤلاء الضخام من البشتون، وهم أفضل بكثير من البنجاب.
يوجد بالطبع استثناءات رائعة، عرفت أناس منهم من أروع من عرفت، دكتور في كلية الهندسة، ذو لحية كبيرة وعيون يكحلها بالاثمد، كان رائعا، رغم أنه انتقل للأسف إلى حائل، كما أني أشك بأنه من البنجاب. وبعض الدكتورات كذلك. وفي واقع الأمر، النساء دائماً أفضل من الرجال، أو في معظم الأحوال والاجناس.





اليوم، رأيت دكتور اردني بالمصعد، في عملي بالجامعة. كان المصعد مزدحماً، وكان يقف في آخره، بينما أنا أمام الباب الذي أوليته ظهري، حتى أواجه الآخرين احتراماً. كنا قد تناقشنا قبل وقت طويل، وللحظة فقط، حول أمر يتعلق باللغة العربية، ووعي الناس بها. لا أتذكر ماذا قلنا، لكن، أتذكر بأنه بعد تعليقي ورأيي، نظر بطريقة غريبة وأنهى النقاش مودعاً. بدا بأنه لم يتوقع أن يسمع رأياً، أو ربما استعدادي للتعليق على رأيه، حيث أتذكر بأنه أبداه بعدما علق على كوني الموظف الذي يتحدث الانقليزية، قد أجفله بشكل ما. أثار الأمر استغرابي في ذلك الوقت.

حينما خرجنا من المصعد، سلم علي وصافحني فجأة، قائلاً بأني أأدب شخص بالجامعة، داعياً لي بالتوفيق. ثم سألني إن كنت متزوجاً؟ قلت لا، فقال بأنه لو كان لديه بنت لزوجني.
قدرت ذوقه اللطيف كثيراً، رغم أني لا أفهم صدقاً كيف كوّن الانطباع، حيث أني بالمجمل أعمل غالباً مع غير العرب، لحاجتهم إلى مترجم.
مثل هذه اللفتات التي تأتي بلا مقابل هي معروف حقيقي بالنسبة لي، معروف لا أحصل عليه إلا فيما ندر.




أفكر بشراء دراجة قريباً إن شاء الله، وأريد أن أزودها بمقعد خلفي حتى أوصل والدتي عليها إلى مواعيدها بالمستشفى... أمزح، تخيل. لا، أريد أن أحمل أبناء أخواتي وإخواني الصغار بجولات عليها. لقد كنت أتمنى دراجة منذ زمن طويل، وقد حان الوقت.





سعد الحوشان

هناك تعليقان (2):

  1. اخي الكريم دائما بمشاعره / سعد

    استمتعت برحلتك وسعدت جدا لحرفك
    وادام الله عليك الصحة واساله

    عبدالعزيز

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزي عبدالعزيز،

      إن كان من كرم فهو منك، من تابعني ودعمني على مدى سنوات، منذ مدونتي الأولى، في حين يظهر الناس ويختفون بسهولة وبلا أثر. لا زلت أحتفظ برسالتك الأولى في بريدي. جزاك الله عني خير الجزاء.

      أتمنى أن ألتقيك في يوماً ما.
      دعواتي لك أخي الحبيب.

      حذف

ما رأيك بالقول؟