سِجل المدونة

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

رحلة قلبية إلى توانتنسويو (سفر،أحداث،قصيدة)

بسم الله الرحمن الرحيم







كانت مهمة أخذت أكثر من نصف سنة إعداداً، هذه الرحلة، وقبلها سنوات قراءة واطلاع، حتى جاء القرار الأول من نوعه.
كنت سأذهب إلى البيرو. عدت الآن، ولكن بروح مقسومة، وبذهن عاشق آسف وسعيد بذات الوقت؛ لقد عشقت ذلك البلد، عشقت تاريخه البعيد، عشقت أهله الأصليين، عشقت وجودي هناك، عشقت امنياتي التي تحققت فيه. إنه حديقة صنعها الله سبحانه، وزينها بكل نعيم دنيوي.

لأهلها الكرام انقلوا عني سلامي...
وغلّظوا عن عودتي وعدي وأقسامي...
وإن سبق القدر أيماني...
ففي حمى واديها المقدس ادفنوني...
وازرعوا نخلة في جواري...
تؤنس وحدتي في طول مقامي...
وبجذورها الطاهرة تواسي منامي...




(يحوي موسيقى)

اشتريت التذكرة في نهاية 2012، قبل سفري بحوالي 6 أشهر، بعد بحث وتمحيص لأفضل الخيارات. لحسن الحظ، كانت التذكرة رخيصة نظراً لطول الرحلة. أما البرنامج هناك، فقد كان أمره أكثر تعقيداً. كنت أخطط للقيام بكل الحجوزات بنفسي، لكني خلصت في النهاية إلى أني سأضيع الكثير من الوقت والجهد، وسأخاطر كثيراً براحتي ومالي بهذه الطريقة. قررت الاستعانة بشركة متخصصة من ذلك البلد الذي لم أتمنى زيارة مكان أكثر منه في حياتي. راسلت شركة سياحية معروفة، بنموذج بسيط على موقعهم، يسأل المرء عن اهتماماته، ماذا يريد أن يرى ويفعل، وكم سيمضي. فكرة الشركة هي بناء برنامج بمشاركة العميل، وبتخصيص موظف لكل عميل للعمل معاً. سرعان ما ردت امرأة لطيفة، وزودتني بعرض مبدئي، وذلك على صفحة مخصصة لي على موقعهم، تحوي كل بيانات برنامجي ومدفوعاتي وأي تفاصيل أخرى، بحيث يمكنني التعليق على الصفحة والبريد، والبدء من هذا النموذج. كان البرنامج تقليدياً، وبسعر معقول، أو حتى مغرٍ جداً. سأبقى هناك لشهر كامل، ولدي ميزانية محددة.
كنت قد قلت بأني أريد أن أرى الطبيعة، والآثار ما قبل الاحتلال الاسباني، والثقافة. البرنامج الذي أرسلته الموظفة كان ما يسمونه طريق القرنقو على ما أعتقد، وهو الاسم الذي يطلقونه على الأمريكيين عموماً. لم يشمل كل ما أريد رؤيته، فقط الأشياء التي يعرفها السياح بالعادة، ويسهل عليهم الوصول إليها بخط رحلة غير مكلفة. كان هناك الكثير مما أريد رؤيته ومعايشته ولم يكن البرنامج يأتي على ذكره، على نحو مفهوم.
ربما استغرق العمل على البرنامج حوالي 4 أشهر من المراسلات المستمرة والتعديل، حتى وصل عدد العروض إلى تسعة.
بالنهاية، توصلنا إلى اتفاق جيد، وكانت المرأة، واسمها كارلا، صبورة إلى حد مذهل، فأنا بصراحة مزعج من حيث الاهتمام ببعض التفاصيل بهوس، وكثرة الأسئلة التي تجيبها إجابات وافية ومستهلكة للوقت. وكانت الأماكن التي أريد رؤيتها على بعض التناقض مكانياً، فكان التخطيط لزيارتها متعب لها. وبعض الأماكن التي تهمني كثيراً اتضح انها غير معروفة إلى درجة أنه لا تذهب إليها مجموعات سياحية، رغم أنها اماكن أثرية مذهلة، فكان الذهاب إليها أصعب، خلافاً لاستنزافه للوقت. كنت أعتذر منها كثيراً على أمور كثيرة، حيث أني بطيء الاستيعاب بطبيعتي، وأحتاج إلى قراءات مستفيضة حول أي اقتراح، وهو ما يتمخض عن نقاش ممل على الأغلب بالنسبة إليها. وكنت أفكر، بعد تلك المراسلات الطويلة، كيف لم تسأم؟ وكيف لم تلمح أو يخطر في ذهنها أني غير جاد، وقد أكون مضيعة كلية للوقت والجهد؟. إنها مذهلة بصدق.
بعد الاتفاق على برنامج، يشمل رحلة على ثاني أعلى قطار بالعالم، اتضح أن الشركة المشغلة أوقفت القطار، الذي سيأخذني بالواقع إلى منطقة لا تهمني كثيراً، لكن تجربة القطار بحد ذاتها ذات أهمية قصوى، نظراً للأماكن المميزة والتي نادراً ما تُرى من الأجانب. مشكلة القطار، أيضاً، أنه غير مشهور جداً بين السياح، فقلة من يذهبون عبره أو يهتمون لأمره، ربما لطول الرحلة التي تصل إلى 11 ساعة، وهو قطار سياحي مجهز بكل أشكال الرفاهية. سيعاد تشغيل القطار بعد شهرين أو ثلاثة من عودتي من ذلك البلد. لا أخفيكم أن هذه المفاجئة كان لها أثر محطم. حاولت تعويضي، واقترحت الذهاب بسيارة، وهي لن تمر بالأماكن التي يمر بها القطار بطبيعة الحال، ولن تكون نفس التجربة، خلافاً للوقت الذي ستستهلكه. أخبرتها بأن رحلتي لتلك المنطقة كانت لأجل القطار فقط، فكان علينا أن نغير الخطة.
على الأقل، أتيح لي الآن الذهاب إلى بعض الاماكن التي تخليت عنها مكرها، لضيق الوقت. فهذا البلد من أكثر بلدان العالم تنوعاً من كافة النواحي، إنه يحوي كل التضاريس والاجواء، أشكال مختلفة من الحضارات الغابرة والبديعة. اخترت الذهاب إلى بحيرة مشهورة، مقدسة لدى السكان الأصليين، وتجربة برنامج مميز هناك.
بعد أيام، اتضح أن كارلا قد أشفقت علي، وظلت تفكر بالأمر كما قالت، أي أمر القطار الذي ألغي، وقد أحزنها أنها لم تتذكر أن تقترح قطار آخر، لم أعرف عنه بصراحة، وهو غير معروف على وجه العموم لغالبية السياح، لأنه لا يظهر على مسار القرنقو. بالطبع، وافقت سعيداً، ودون جدال. كان القطار حتى يسهل علي الرحلة، حيث لن أخرج عن طريقي. وقد انخفض السعر الإجمالي على نحو جذري حتى، فقد وفرت أكثر من ألفي ريال.
كنت شاكراً إلى أقصى حد. وكنت قد وعدتها، حتى قبل التطورات الأخيرة، بالإتيان بهدية من هنا لها ولابنتها الصغيرة، وسألتها أن تختار ما تريد. وبالواقع، اشتريت لها أكثر مما اختارت، لأنها تستحق.
لكن، واجهتني لاحقاً مشكلة تحويل الأموال. كنت أريد أن أرسل المال عبر وسترن يونيِن، وهو مكان مزحوم وفوضوي، أحول من خلاله بالعادة لأهل الخادمة نيابة عنها. لكن بسبب المشاكل، وأخطاء بالتسجيل من قبل وسترن يونيِن، وضيق الوقت بسبب هذه الأخطاء التي اتضحت بشكل متأخر (حيث ان المرأة الطيبة قد دلتني على خطة سداد أحصل بمقتضاها على خصم جيد من شركتها، بعد حوارات حول ميزانيتي). بالنهاية، كلفني التحويل المستعجل الكثير، ثم حولت الدفعة الأخيرة عن طريق بنكي، الفرنسي، ويا ليتني فعلت ذلك من البداية، رغم أني واجهت هناك مشكلة كذلك، على أن مدير الفرع الرائع، اسم عائلته فهيم، وهو اسم على مسمى، تفهم انزعاجي وقام بكل الأمر لأجلي.
كان يجب أن تعود إلي الدفعة التي أخطأوا وسترن يونين في تسجيلها، لكن ما حدث هو أني تلقيت رسالة من الموظفة، تخبرني فيها أن تلك الدفعة قد وصلت إليهم بالنهاية، وإن تكن قد تأخرت كثيراً، وهكذا، أكون سددت لهم أكثر من حقهم بكثير، وستعيد إلي المال الزائد حالما أصل إلى عاصمة البيرو؛ ليما. حيث أنه من سياسة شركتهم أن يلقاك الموظف الذي ساعدك على تخطيط الاجازة بعد وصولك بقليل، ليرتب معك التفاصيل النهائية، ويعطيك نسخة نهائية عن البرنامج، بالإضافة إلى التذاكر والكروت التي ستستخدمها بالمواصلات، والتأمين الصحي وخلافه. أعجبتني هذه الأمانة والمباشرة. إني أثق بهذه المرأة أساساً.
كان من الممكن أن تكلفني الرحلة أقل بكثير، حتى عن طريق الوكالة السياحية، لكني شئت أن لا أبخل بشيء على ما يهمني رؤيته والقيام به، ورغم أني لم أتدخل بالسؤال عن الفنادق، طالما أنها من فئة مقبولة، إلا اني اخترت فندق واحد قرأت عنه، هو من المباني العتيقة التي بنيت على أسس مباني الانكا البادية من الخارج، وكنت قد قررت منذ البداية ترك أي يوم زائد لقضائه هناك، في مدينة كوزكو، عاصمة الإنكا قديما، التي خربها الهمجيون الأسبان.

وهكذا، تشكلت الأمنية، التي أسأل الله أن تكون خير لي.
كان خبر سعيد جداً لعدة أشخاص، قراري بالذهاب إلى هناك في إجازة، فقد ظل البعض يلح علي بالسفر وقضاء وقت لنفسي منذ سنوات، أهمهم وأكثرهم إلحاحاً الدكتور الألماني، وقد كان الأكثر سعادة بالخبر، إلى حد أنه أصر كثيراً على المساهمة بتكاليف الرحلة، وللقاءات كثيرة، وهو ما رفضته بالطبع، رغم تأثري الشديد باهتمامه.
لعل الأكثر تعاسة في هذا الشأن هو أمي، رغم أنها حاولت جاهدة أن لا تقنعني بعدم الذهاب، لكنها كانت أحياناً لا تقاوم، فتقترح ذلك فقط، قائلة: "أغديك بس ما تروح؟". تحول الأمر بالنسبة إليها بالنهاية إلى شر لا بد منه، وبدأت تعطي الوصايا التي يجب أن ألتزم بها هناك، وإن أتيت بزوجة معي، وإن لم تكن مسلمة، حتى الكتابية ستكون كابنتها كما وصفت، على أن تكون امرأة محترمة أهلها طيبون، أقول إن أتيت بزوجة معي، فستكون سعيدة. على أن أحد أخواتي تجد في فكرة إحضاري لزوجة من هناك أمر مثير للامتعاض.
كما يجب أن أهاتف أمي كل يوم من هناك، كان هذا أشبه بشرط.
وبالواقع، لست أدري ما رابط الزواج بالرحلة بالنسبة لأمي، حيث أني حينما أريتها صورة الموظفة الطيبة كارلا مع ابنتها الصغيرة، في سياق حكيي عن خدماتها ومساعدتها لي، أوصتني أمي أن أسأل إن كان لها شقيقة أصغر لأتزوجها! فقد أعجبتها، وفي وقت لاحق، حتى ابنة عم لها ستكون جيدة.


أما الدكتور، فقد رحل. ذهبت إليه، في بيت صديق له حيث يقيم في غرفة، وهي مقتطعة من المنزل نفسه بمدخل مستقل، لآخذه للمطار قبل أيام. صديقه رجل لم أرى أطيب منه بخلاف الدكتور نفسه. هو مصري بجنسية ألمانية، ومتزوج من امرأة ألمانية طيبة، ولديهم ابن مليح ما شاء الله، يذكرني بابن أخي في أمريكا. كان حضوري مبكراً، لذا طلب مني الدكتور الدخول لنجلس قليلاً، فقد أرهقه تحزيم الأمتعة وتجهيزها للشحن لاحقاً، وكان الهواء أروع ما يكون، على نحو نادر، فجلسنا بالحديقة. كنت قد أحضرت معي انبوبيّ كحل طبيعي، من النوع الذي تحبه أمي وتستخدمه لكونه صحي ولا يتعب عينيها، ذلك لعلمي بوجود والدة صديق الدكتور المصري في زيارة إليه.
لم أرها من قبل، لكني كنت قد أرسلت إليها عطراً كهدية، تقديراً لحسن تربيتها لابنها، ولما سمعته من الدكتور عن طيبتها ورقيها رغم بساطتها، فردت بأن أحضرت لنا هدية من مصر، حلويات أطعم بكثير مما يباع لدينا، بعلبة كبيرة وأنيقة جداً.
أعطيت الكحل لابنها، ليعطيه لوالدته وزوجته. بعد قليل جاء ليخبرني بأن والدته تريد السلام علي، فقمت معه. كانت امرأة كبيرة بالسن، فليس عمر ابنها بأقل من الأربعين، وكان لها وجه من أجمل الوجوه ومن أكثرها بعث للطمئنينة، وهي، كابنها، سوداء اللون، حيث يبدو أنهم من النوبة أو جنوبها، ولديها وشوم قبلية جميلة تزين وجهها، تزيده تعبيراً وتميزاً.
كانت تعتب بذوق على إتعابي لنفسي، وتسألني عن حالي وعن أمي، وسألت إن كنت متزوجاً، فرددت مازحاً: على يديك ان شاء الله يا خالة. ضحك ابنها، قالت بلطف بأنه يسعدها خدمتي " يا ابني".

جاء صديق ثان للدكتور، واتفقنا على أن نلتقي بالمطار، أخذت الدكتور معي. هناك، ساعدناه بإنهاء إجراءاته، ووقفنا أخيراً بعدما لم يتبقى سوى أن يذهب عبر مكاتب الجوازات إلى صالة الانتظار، فسلم على كل من صديقيه واحتضنهم. كنت قد رأيته كثيراً يحتضن أصدقائه، ويقبلهم كما يقبل العرب ببعضهم عند السلام، لكن لم يحدث أن سلمت عليه سوا مصافحة من قبل. مددت يدي لأصافحه، لكنه تجاهل يدي وأحاطني بيديه، واحتضنني بقوة، ومطولاً. شعرت بأن الموقف بات أصعب، وكدت أن أبكي.
كانت أضلعي قد بدأت تؤلمني حينما أفلتني، وذهب. لوح إلينا حينما أنهى الإجراء الأخير، ومضى داخلاً الصالة.

"إنها صداقة غير عادية يا سعد، لن تنتهي بذهابي، إني أعلم هذا الآن"


يريد أن يعلم عن رحلة البيرو، كيف ستجري الأمور؟ لقد تابع الإعداد لها منذ البداية. قال بطريقته التي يفصح بها عن مكنونات نفسه؛ بأنها ستكون البداية فقط. أوضح بأني بعد ذلك، سآتي إلى ألمانيا، لا بد أن آتي، وأنه لديه الكثير من الخطط لأجل هذا الأمر.



الآن، أكتب بعدما عدت من البيرو بفترة. ولم تكن نيتي أن أتأخر بالكتابة، أو أن لا أكتب إلا بعد انتهاء الرحلة؛ حيث كنت أخطط لكتابة تدوينتين على الأقل في الرحلة نفسها. لكن؛ فسد كمبيوتري الكرومبوك في بداية الرحلة تقريباً، ولم يكن هناك مجال للتدوين عبر الجوال بالنسبة إلي، فطريقتي بالكتابة لا تسمح بهذا، وتصورت بأن كتابة مقتطفات بالغة الصغر أمر غير مجد، ولن يكون له معنى.
سأصلحه لاحقاً إن شاء الله وأتصرف به، بينما اشتريت آخر مؤخراً سيصل قريباً إن شاء الله.


بعد بعض الأخطاء الفادحة والمخجلة لشخص لم يتعود على السفر، وصلت إلى البيرو. كنت مذهولاً، وغير متواصل مع المكان تماماً، غير مستوعب بشكل ما. أعتقد بأن الطيران على وجه الخصوص يسبب صدمة لبعض الناس حينما يتغير المكان فجأة.
بالمطار، كانت فتاة من الجوازات تتأكد من جواز سفري، حينما صاحت بذهول: أرابيا سآوديتا! (السعودية) ونظرت إلي متأملة وهي مبتسمة بذهول، ثم صاحت بزميلاتها عن السعودية، فأطلين من مكاتبهن، وتأملنني للحظات، وقد تركتهن ينظرن ملئ فضولهن، ثم سُمح لي بلطف بالمرور. لم أقابل شخص هناك رأى عربي من قبل. ورغم معرفة الكثيرون بوجود جالية فلسطينية بالعاصمة هناك، إلا أنهم كانوا ينظرون إلي على نحو مختلف.
استقبلتني امرأة لطيفة بالمطار، خفيفة دم على نحو غير عادي، اسمها الزابيث، وعرفتني بالسائق ميقيل. كانت لها ملامح مخلوطة بين الآسيوية والمحلية للسكان الأصليين، بينما يشبه السائق ممثل مصري قديم اسمه محمود عبدالعزيز بعينيه الشفافتين. كانا لطفاء جداً، وبالواقع، بدت الإثارة عليهما لرؤية شخص عربي لأول مرة. وهذا أمر استمر كثيراً على مر رحلتي عبر تلك البلاد.
ونحن في الطريق إلى الفندق، رأيت بضع فتيات حسناوات، وإحداهن تهرب من الشرطة، بينما استوقفوا اثنتين. تسائلت ما أمرهن؟ فقالت الزابيث بأن هؤلاء هم رجال منحرفون بالواقع، يبيعون المتعة. صفقت يدي على فمي لا إرادياً، فضحكوا. ليس الأمر أني لم أتوقع وجود مثل هؤلاء الناس، لكني حسبتهم بالفعل نساء.
كانوا يسألون كثيراً عن السعودية، والإسلام، وكيف يعيش الناس، ويتأملون بشكلي باستمرار. ميقيل لم يكن يتحدث الانقليزية، لكنه كان يفهم ما أقول على ما أظن بشكل عام. وقد طلب من الزابيث أن تسألني عن البرقع. أخبرتهم عن أمره، وأن الناس يختلفون في رؤيتهم له واستخدامه، وأن عائلتي عائلة ملتزمة، يغطين فيها النساء وجوههن عن من لا يسمح لهم برؤيتها. تسائلوا إن كنت أرى وجوه أخواتي، بالطبع أفعل، أخبرتهم بذلك.
بعد الكثير من التحدث، والنكات والضحك، وصلنا إلى الفندق، وتركت لأرتاح، حيث في اليوم التالي صباحاً سأعود إلى المطار لأسافر إلى الشمال. لكني قابلت كارلا هناك، حيث حضرت حينما علمت أني وصلت. ويالها من امرأة فاتنة، لقد أُخذت بجمالها، حيث لم توفها صورها على الموقع والوتساب حقها. وهي ذات ملامح عربية، بحيث يسهل على المرء أن يحسبها من المنطقة، بل ربما قد يجنح المرء ويقول بأنها عتيبية خليصة.
كان السفر في اليوم التالي لوصولي أمر زاد من غرابة الأمر في نفسي، كنت أتسائل إن كنت في البيرو حقاً. إنه حلم ذو عمر طويل، لا يصدق المرء أنه تحقق بسهولة.
في الطائرة، تذوقت مشروب غازي يعتزون به كثيراً، اسمه إنكا كولا، وهو ذو لون أصفر شفاف مائل للذهبي، وهو من المشروبات القليلة بالعالم التي لم تتمكن كوكاكولا من التغلب عليها بالمبيعات والشعبية، حتى اضطرت إلى شراء الشركة في النهاية واتخاذها كموزع لكوكاكولا بالبيرو. ورغم وصف الناس الأجانب له دائما أنه بطعم العلك، لم يكن هذا سوا سمة بسيطة فيه. هل تعرفون شاني؟ المشروب القديم لدينا بلونه البنفسجي أو الأحمر؟ (لا أعرف ماذا يسمى لونه). إنه بذات الطعم، لكن وكأنما معه نكهة علك بدون نكهة محددة. لم يكن سيئاً، إنه مثل شاني تماماً، فإن كنت تحب شاني فستحبه.

بالشمال، استقبلني بالمطار سائق ذو ملامح تميل لأهل الأرض الأصليون أكثر من سواهم، اسمه خوان، وهو أب في أواسط عمره لبضعة أبناء. كان السائق لا يتحدث الانقليزية، لكن، له وجه وحضور أبويّ مطمئن على نحو غير عادي، ولعلي لم أرى مثله من قبل، يمكن للمرء أن يخمن طيبته وحسن نواياه، وهذا سحر خاص ببعض الناس، وإن يكن من النادر أن يكون حضور المرء بجمال حضور خوان الهادئ والمريح. أخذني إلى المدينة، وهي تسمى تروهيليو، وكان يريني المعالم بقدر ما يستطيع من إيضاح في طريقنا. المدينة تقع في الأطراف الصحراوية من البيرو، أي على ساحل المحيط الهادي، لكنها مليئة بالمزارع، والآثار البديعة.
وصلنا إلى ساحة من ساحات المدينة، وهي الساحة الرئيسية على ما يبدو. مدنهم وقراهم كلها تتميز بهذه الساحات الرائعة، حيث تتمركز غالباً مرافق المدينة أو القرية الحيوية، ويتواجد حديقة ونصب تذكارية غالباً، وتجد الناس العاديون يتمشون هناك، يلتقون، ويتواصلون اجتماعياً، بكل فئاتهم. وتقام كذلك الأنشطة العامة في هذه الأماكن غالباً.
نزلنا من السيارة، وأشار علي خوان بأن أتمشى هناك وألتقط الصور. كنت مرتبكاً إذ مشيت، فما إن ابتعدت قليلاً حتى التفتُّ للخلف لأنظر إليه، فأشار مشجعاً بيديه على نحو أبويّ أن أذهب، فهو هنا.
كانت ساحة بديعة، محاطة بالمنازل والمباني الأثرية المجددة، هذه بعض الصور:



مر بعض الوقت حينما لمحت خوان يتحدث مع امرأة في اواسط العمر، فذهبت إليهم، إذ خمنت بأنها مرشدتي في هذه المدينة. سلمت على المرأة، وعرفتني بنفسها، اسمها جوديث، وركبنا السيارة ذاهبين إلى معبدي الشمس والقمر؛ معبدين أثريين يعودان إلى حضارة الموتشيكا. وكانت الطرقات مميزة في تلك المدينة الهادئة، إذ ترى سواقي وقنوات صغيرة خلفتها الحضارات القديمة ولا يزال أهل المدينة يستخدمونها في أمورهم بعد تعديلها على ما يبدو لتناسب شوارعهم، يسقون بها مزارعهم الجميلة، ويغسلون بها بيوتهم، وهي تمر أمام البيوت وخلفها في بعض الأماكن. هذه القنوات عمرها 800 سنة على الأقل، أي قبل حضور الاسبان بكثير، يغذيها نهر ينزل من جبال الانديز في الشرق من المكان، وفي مواسم الأمطار وبعدها يجلب النهر معادن وطمي يزيد من جودة الزرع:






لا يزال المعبدين تحت التنقيب والعمل، وبالواقع، معبد القمر لا يوجد حتى الآن ما يرى منه سوا ما لا جدوى من العناء لأجله. في الموقعين يوجد علماء الآثار والمنقبون، وتوجد ورشهم، ويبدو شكل المكان عموماً بأنه لا يجدر السماح للسياح بالقدوم إليه لهشاشته، سوا أن تخطيطهم وعنايتهم ممتازة، فالمسار محدد، ولا يمكن للسياح أن يفسدو المكان، بالإضافة إلى أن معظم السياح أصلاً لا يعرفون عنه، أو حتى عن الشمال الثري بكل شيء جميل أي شيء، إلا فيما ندر. حينما جئنا لم يوجد سوانا، وجائت لاحقاً مجموعة صغيرة من السياح الأوروبيين المسنين، ربما خمسة، مع مرشدتهم.
والمكان على وجه العموم رغم انبهاري به كان قد سبب لي بالعمق شيء من عدم الارتياح؛ شعور غريب بشر المكان، شر يجعلك تشعر بأنك ربما لم يكن يجدر بك أن تكون هناك لو علمت أكثر. وكنت أعلم مسبقاً أن الموتشيكا من الحضارات التي اعتادت التضحية بالبشر، لكن هذه الحقيقة ليست بحد ذاتها ما جعلني أشعر برهبة ووجود أمر خطأ؛ إن المكان نفسه يبث شعوراً غير مريح. هل لأن طقوس التضحية المعقدة كانت تتم في معبد الشمس حيث تمشيت وتفرجت؟ الله وحده يعلم. وقد يكون شعور خاص بي، لن يخامر سواي.
وعموماً، حسب علمي، توقفت التضحيات البشرية بالمنطقة، ربما بعد انهيار هذه الحضارة حتى، حينما امتدت حضارة الإنكا وضمت الدويلات في الشمال، حيث لم يكن الإنكا من المؤيدين للممارسة بشكل عام. وكان أمر هذه الحضارة مؤسف، في عبارة عن دويلات متجاورة، ومتناحرة رغم تشابه الديانة والثقافة وأسلوب الحياة.

قلت لجوديث بأن نقوشهم بالمعبد، والجو العام، يذكرني بحضارة المايا في أمريكا الوسطى، يوجد نقاط التقاء قوية لا يمكن تجاهلها، وأشرت إليها مفصلاً؛ حيث أنه خلافاً للشكليات والطابع العام وبعض السمات الثقافية، الأسلوب بالبناء فوق الأبنية بدون هدمها، أي إضافة طبقة جديدة للجدران، إشارة لتغير الحقبة الزمنية أو احتراماً لملوك وقوم سابقون، هي من سمات المايا. ابتسمت جوديث ونظرت إلي وكأني تلميذ أصاب أمراً، وقالت بأن هذا صحيح، وأنه يُعتقد بوجود اتصال ثقافي بين الحضارات شمال البيرو وأمريكا الوسطى. وربما كان، حسب بعض الأساطير، من بدأ هذه الحضارات شخص، أو قوم، قدموا إلى أهل تلك المناطق من أمريكا الوسطى عبر البحر.
ترى على النقوش صور للآلهة، وهي ذات وجه حي ومخيف، وما يزيد الأمر غرابة هو تصورهم لوجه الآلهة بمختلف التعابير، رغم تكرار النقوش وتشابهها. كذلك، يوقع الفنانون أحياناً عملهم على الجدار، برسم شعار صغير، إذ لم تكن الكتابة ضمن ميزات حضارات أمريكا الجنوبية، على عكس حضارات أمريكا الوسطى.
والمعبد عجيب، حيث أن علماء الآثار قد كشفوا عن عدة طبقات، وكلما تعمقت بالطبقات كانت الزخارف محفوظة على نحو أفضل، بل على نحو مذهل، بألوانها وكأنها طليت منذ عهد قريب.
ويشتهر الناس هناك بفنهم بالأواني الفخارية، وهم مبدعون إلى أقصى حد، بتصويرهم لحياتهم وأحداثها، وطقوسهم، وطرقهم بالعيش على نحو مؤثر. بعضها أشبه بالتماثيل المجوفة على شكل آنية، وبعضها مرسوم عليها بفن وحرفية قل نظيرها، وهي ذات شكل معتاد، كما يرى المرء من آثار اليونان، وإنما على نحو أكثر حرفية؛ ربما لأنها أسلوب التعبير الأكثر فاعلية، نظراً لغياب الكتابة.

ثم مشينا إلى المتحف القريب، ورأينا أشياء رائعة، أعجبني تمثال لغزال على وجه الخصوص.


بعد ذلك، أخذنا خوان إلى هرم يقع في وسط المدينة. المدينة مريحة، بأشجارها وهوائها الطيب، ولطف أهلها وحسن لقياهم. لاحظت بأن القوم أيديهم صغيرة على نحو لم أتعود رؤيته. بحيث أن يديّ متوسطة الحجم، المائلة للكبر والانبساط، تبدو عملاقة أمام أيديهم، ويصبح الأمر مضحكاً حين المقارنة مع أيدي النساء، التي تبدو كأيدي الأطفال، وهي أياد جميلة حقاً.
وبوجه العموم، أرى بأن الناس جميلون في شمال البلاد، وقد خلب لبي على وجه الخصوص جمال السكان الأصليون، أعينهم جميلة، كحيلة غالباً، ومميزة، برموش كثيفة. بشرتهم خمرية، على بعض الحمرة أحياناً، ولكن ليسوا بحمرة أهل الجبال، خصوصاً أهل الجنوب، الذين لهم نوعية خاصة من الجمال كذلك. إني أحب البشرة الأغمق من بشرتي غالباً. وحينما تكون من درجة لم أرى مثلها من قبل أو لم أعتدها فإنها تأسرني.
لاحظت كذلك بأنهم يتميزون بأنوف قوية، جميلة وتوحي بالصلابة. وأهل الشمال من السكان الأصليين لهم نظرات معبرة ونفاذة.


الهرم كان وسط حي سكني، وهو أقرب لمبنى منه لهرم معتاد، واهرامات أمريكا الجنوبية ليست بإبداع اهرامات أمريكا الوسطى، فهم مبدعين بالمباني الأخرى والطرق والهندسة على نحو أكبر.
وهو محاط بجدران عالية، لا تزال قائمة، ومزود أصلاً ببطحاء تصعد إلى قمته المستوية. بالقمة؛ نظرت إلى البيوت الكثيفة المجاورة، وتعجبت من الوضع. ذلك المكان القديم، النابع عن حضارة قديمة، وهي حضارة التشيمو، وسط هذه البيوت الحديثة، وكأنه أكثر مكان عادي.
قبل خروجنا توقفنا لدى بائعة، وهي صديقة لجوديث، امرأة في أربعيناتها من السكان الأصليين، جميلة الملامح. تكلمنا معها قليلاً وتمازحنا، يميل الناس هناك للمرح والبهجة. ورأينا لدى حارس الهرم بضع كلاب بيروفية أصيلة، وهي كلاب متوسطة الحجم، عجيبة السمات غريبة الحضور. لم أسمعها تنبح قط، وقد قرأت بالفعل أنها لا تنبح إلا فيما ندر في حالات خاصة، حيث أنها من أكثر الكلاب هدوءاً، وهي سوداء فاحمة تكاد تخلو من الشعر، سوا أن بعضها لديه القليل على رأسه، وبعض الشعر يبدو بلون شبيه بالذهبي. وهي تتميز كذلك عن سواها من الكلاب بدرجة حرارتها العالية، أعلى من المعدل الطبيعي للكلاب، ربما لافتقارها للفرو الذي يدفئها في مختلف البيئات هناك، وهي حارة إلى درجة أن البعض ينام محتضناً إياها حينما يعاني من البرد والمرض، وهذا أمر من طبهم الشعبي على ما يبدو.




كانت قدمي مجروحة بشدة من قبل مجيئي للبيرو بأسابيع، وكان الجرح لم يلتئم رغم مرور حوالي اسبوعين على نحو غريب. وقد بدأ يؤلمني بشدة. سألت بخجل حينما عدنا إلى السيارة، بعدما اشترينا بعض الماء ومازحنا البائعة الجميلة، وهي صديقة لجوديث، سألت إن كان بالإمكان أخذي إلى مستشفى أو عيادة لأجل قدمي. أخذنا خوان بسرعة إلى مستوصف يقع أمام ساحة جميلة، بأشجار جميلة، يستريح تحتها بعض الناس، وتلعب الكلاب قريباً منهم، والقوم هناك يحبون الكلاب أيما حب.





كنت خجلاً من إقحام خوان وجوديث بالأمر، فهو ليس ضمن الخطة، وليس ضمن ما يتلقون رواتبهم عليه، لكن الألم بات لا يحتمل، كما أن الجرح بات يفرز سوائل غريبة وسوداء، وقد تورم سطح قدمي واحمر وصار جلده رقيق وكأنما تعرض لحرق.
نزلت معي جوديث، وقامت بكل شيء لأجلي، اهتمت بتسجيل المعلومات، وتقديم تأميني الصحي، الذي زودتني به وكالة السفر، ويغطي حتى ألفي دولار. رأت قدمي طبيبة، وجاء طبيبين آخرين ليطلعا عليها. اتفقوا على أنها مصابة بالتهاب حاد، عدوى بكتيرية تحتاج إلى مضادات حيوية قوية. كانت أمي قد أعطتني دواء شعبي يسمى الصبر. قالت الطبيبة بعدما فحصت آثاره بأنه ممتاز، لكنه غير كاف لوحده نظراً لسوء العدوى. أوصت الطبيبة بأن لا أسير كثيراً، وأن لا آكل السمك في البضعة أيام القادمة، وأن أبقي الجرح مغطى دون أن أضغط عليه بحذاء مغلق. كتبت لي بعض الأدوية، وذهبت مع جوديث إلى الصيدلية في العيادة لأخذها. أعطوني عدة أنواع من الحبوب، وكريم، وشاش طبي وأشرطة لاصقة، وقيل لي بأن التأمين سيتحمل كل التكاليف.
كانت الطبيبة تسأل وهي تنظف الجرح عن مختلف الأمور، لماذا اخترت البيرو؟ وكم سأمكث؟ وماذا أعمل؟ كان التنظيف مؤلماً جداً، بل إن مجرد تذكر التنظيف يشعرني بالألم الآن، حيث كانت الطبيبة تقص الخلايا الميتة في الجرح وتسحبها. لغتها الانقليزية متوسطة، وتجمع جملتها بصعوبة أحياناً، فكنت أبسط ردودي كثيراً. جاء طبيب وأراد أن يستملح نفسه عارضاً أن يترجم، ولم يكن هناك حاجة لهذا، ولم يبدو عليها التقدير لهذا التدخل. أشفقت عليه بصراحة.
شكرنا الطبيبة ومضينا. اعتذرت من خوان وجوديث، قال خوان بأن الأمر كان ضرورياً، ولا يجب علي أن أعتذر، إنما كان يجب أن أخبره منذ البداية ولا أعاني بصمت. سرعان ما اتصلت كارلا، التي نسقت برنامجي في الوكالة في العاصمة، وهي مسؤولة عني حتى أعود إلى بلادي، وسألت جوديث عن الأمر. كان قد بلغها من شركة التأمين أني ذهبت إلى عيادة. أوصت جوديث علي كثيراً، وجعل هذا من جوديث أكثر صرامة. ذهبنا إلى تشان تشان، أكبر مدينة طينية بالعالم، رغم أن جزء كبير منها متهدم، وهي من أهم المحطات التي خططت لرؤيتها بإصرار. قالت جوديث بأنه من غير المسموح أن أسير كثيراً، لهذا سنلتزم بالخطة فقط ولن نذهب إلى مختلف الأماكن كما أريد، أي كما فعلت في الموقعين السابقين، ويجب أن أتكلم حالما أشعر بالألم.

كانت المدينة بديعة، لا، إنها تفوق الخيال، إنها قصة مروية، أسطورة، لكنها موجودة ببساطة وقابلة للمس والرؤية بعين الحقيقة، وليس الحلم والتخيّل، شأنها في هذا شأن الكثير، إن لم يكن كل، ما في هذا البلد الساحر، ولست أتخيل بلد يجمع كل شيء مثله؛ لقد أعطاه الله من وفي كل شيء جميل حق.
جدران المدينة فائقة الضخامة، طولاً وعرضاً، وبذاتها ومن الخارج تنم عن ابهة غير عادية، وقدرة على الإذهال حتى باستخدام الطين للبناء، رغم تغيرها عن ما نواه أهلها، بفعل الزمن والريح والمطر، مع أن مجهودات الترميم تسير على قدم وساق، وبإتقان وعناية وخبرة قل نظيرها، ليتنا نستفيد منها في مدننا الطينية، ما المانع؟.
من الداخل تملأ الزخارف العجيبة، أسماك وحيوانات متكررة كزخرفة، وأشكال هندسية متوازية، ويصعب على الفهم تخيل كيفية سير الأمور في تلك المدينة العجيبة. الكثير منها تحت الترميم، أو ما يمكن ترميمه منها، إذ أنها للأسف ومع طول الإهمال سابقاً عبث بها المطر، والمطر يصعب الأمور كثيراً، فكلما نزل كان عليهم الانتباه. وفي سابق العهد وقبل قدوم الاسبان الهمج كانت المدينة مقسمة على نحو دقيق إلى أحياء، حي ملكي، وحي إداري، وحي للأعمال، وهكذا. وكان الناس يؤدون ضريبتهم إلى الدولة بطرق مختلفة، بتوفير الطعام، وبالبناء وصنع الأشياء، وبأداء المهام.
حينما وصل الأسبان كانت المدينة قد خلت على عروشها، إذ يُعتقد بأن أهلها حملوا كنوزهم وفروا متفرقين، حيث وصل خبر الاسبان قبل وصولهم أنفسهم؛ بأنهم يبيدون الناس ويحطمون مدنهم في سبيل الذهب. ولعل فرارهم أحكم ما قاموا به أمام اؤلائك الوحوش. حضارة أخرى قريبة ظنت الاسبان آلهات نزلت لتنقذهم من حكم الإنكا، فوقفوا إلى جانبهم متسببين بانتهاء دولة الإنكا، أو تحديد مصيرها على الأقل. ولما عاد الاسبان أحرقوا مدينتهم، أو القلعة حيث يقيم علية القوم.

تمشينا داخلها، وقد أصرت جوديث على العودة إلى السيارة عند حد معين، فرجوتها أن نكمل قليلاً. كانت قد رأت الجرح، وقد كان بشعاً ويبدو خطيراً، مما جعلها تشعر بمسئولية تجاه الأمر. وصلنا إلى العين التي تسقي المدينة، وهي لا زالت تنضح بالماء الصافي، وقد نمت عليها الحشائش المائية. كان هناك بعض الطيور المائية فيها، وكان أمر مذهل أنه بعد هذه القرون لا زالت العين تسقي المكان الخالي. فهمت لاحقاً بأن أهل هذه الحضارة قد برعوا بهندسة مصادر المياه، وقد استفاد الإنكا بعد ضمهم إلى مملكتهم من خبرات التشيمو، بعد دمجها بخبراتهم، في مختلف بقاع الامبراطورية، إذ كان استيعاب الثقافات والخبرات والعلوم لدى الثقافات والحضارات الأخرى من أهم ميزات الإنكا. لكن ألا يذكركم هذا بشيء؟.
كان بوسعي من هناك شم المحيط في ذلك النسيم العليل، وحتى سماعه، إذ كان قريباً، وكان أهل تلك المدينة يعيشون على صيد الأسماك، إلى جانب الزراعة.




خرجنا من ذلك الجزء من المدينة إلى السيارة، وأخذنا خوان إلى مطعم يطل على المحيط. هناك، ساعدتني جوديث بالطلب، ومضت قائلة بأنها ستعود، لكنها لم تعد، إذ ظلت بالأسفل مع معارفها وخوان. كان الغداء ضمن الجولة، فلم أدفع شيئاً، وربما لأنها لا ترد شراء الغداء لم تعد، كما خطر لي لاحقاً. كان النادل شاب ظريف، اسمه لويس، ولم يكن يتحدث الانقليزية إلا لمما. أحضر لي مشروب شعبي لديهم، لونه بنفسجي، وهو يصنع من الذرة. سألت إن كان يحوي كحولاً أو يدير الرأس، فأكد لي بأنه لا تأثير له من هذا. وكان المشروب لذيذاً. لم أمتلك الخبرة بعد لأعرف أنه أنواع مختلفة، ويعرف المرء المسكر منه بلونه الأصفر أو الشفاف، وكله يصنع من أنواع الذرة، ولديهم حوالي 4000 نوع من الذرة، فهي جائت من الأمريكيتين أصلاً، ومثلها البطاطا، التي تأتي بأشكال وألوان، ولها نكهة تشعر المتذوق بأن ما يباع لدينا إنما هي تلميحات عن طعم البطاطا، وليس طعمها الحقيقي، والبطاطا أصلها من البيرو حصراً. وكثرة الأنواع عائد إلى الجهود العلمية للإنكا والحضارة التي ورثوها؛ الواري. إذ كانوا يدرسون النباتات ويهجنونها في أماكن خاصة يصممونها لتحاكي مختلف الاجواء، حتى يتمكن الناس من أنحاء الامبراطورية التي تغطي كل الأجواء من زراعة مختلف النباتات.
كان الغداء رائع على نحو غير عادي، تذوقت أرز من أطعم ما تذوقت في حياتي. وهم يزرعون الأرز إذ جاء به الاسبان، لكني لم أتذوق مثله. ولديهم أكلة من المقبلات يسمونها كاوسا، وهي عبارة عن طبقتين من البطاطا المهروسة شديد الصفرة، وبين الطبقتين دجاج او سمك مدقوق ومخلوط بصلصة تقليدية، وهي من أطعم النعم التي تذوقت في حياتي. هناك في البيرو، تذوقت نكهات جديدة، لم أتذوق مثلها في حياتي، وشممت روائح رائعة، لم أعرفها من قبل.
كنت أتناول غدائي على الشرفة، وأطالع المحيط، وأنا أفكر بنوع السعادة الذي لم أعرفه من قبل؛ إنه شكل جديد علي. كان على الشاطئ أناس يتمشون، ويسبحون، ويلعبون، ولم يكونوا كثيرون على نحو منفر، كان منظر يسر القلب ويحييه. حينما فرغت من تلك الوجبة الرائعة، نزلت ومضينا تجاه المحيط. ترى شكل من الشباب هناك، وحول كل البلد تقريباً، يخيل إليك بأنك ربما حينما تعود إلى الرياض فستجدهم يتسكعون في شارع التحلية، لفرط الألفة التي تجدها في أشكالهم، فهم يشبهوننا تماماً، وهؤلاء على ما أتخيل هم من الأسبان ومن جائوا بهم معهم من المورسكيين؛ عرب وخلافهم. وبالطبع، تجد الكثير من المخلطين، بل يقال إنه يندر أن تجد صافي العرق هناك، لكنك تعرف الأصليين من أشكالهم وعاداتهم بطبيعة الحال، مهما خالطهم من دماء مختلفة.

على الشاطئ، رأينا القوارب التقليدية المصنوعة من نوع من القش، وهي قوارب نحيلة لشخص واحد، خاصة بصيد السمك، لا يركبها الصياد إنما يمتطيها كما يمتطي المرء الحيوان، رغم أن المرء يخمن حينما يرى تجويفاً في نهايتها أنه مكان الصياد، لكن التجويف خاص بجمع السمك. ولا تدوم القوارب أكثر من شهور، حيث يأكلها ملح البحر، فيتوجب على الصياد صنع قارب آخر أو شارؤه، وهي تصنع منذ قديم الزمان، قبل وصول الأجانب.



أخذني خوان وجوديث إلى محطة الحافلات، حيث سأسافر إلى مدينة أخرى قريبة نسبياً، وإن طال السفر لبعض ساعات. بالمحطة، أخبرتهم جوديث، بما استطعت فهمه مما تقول، بأني عربي، وأني لا أتحدث الاسبانية ولن أفهم النداء وقد تفوتني حافلتي، وأن قدمي مجروحة على ما يبدو. نظروا إلي بفضول وابتسامة عريضة، وأخذت موظفة لطيفة جوازي لمطابقة بياناتي مع التذكرة. وكانت تخبر زملائها، ممن لم يحضروا مؤتمر جوديث، بأني عربي من السعودية، وتريهم إياي. كانوا قد طلبوا مني أن أجلس قريباً منهم، حتى يعتنون بأمري. ودعتني جوديث، وكنت قد ودعت خوان الطيب مسبقاً.
نادوني لاحقاً قبل الجميع، للتأكد من أني سأركب الحافلة الصحيحة. ومضيت إلى المدينة القادمة.



ما لاحظته هناك، بعد رحلتي التي امتدت شهراً، أن الناس هناك يتعاطفون معي كثيراً حينما يرون بأني لا اتحدث الاسبانية، وهم دائماً ما يفترضون مبدئياً أني أتحدثها، ربما يحسبونني من البيرو، أو سائح لاتيني، أو حتى اسباني كما قيل لي كثيراً. تعاطفهم يبدو واضحاً لكوني عربي كذلك من السعودية، فلسبب ما، يجدون في الأمر سحر على ما أعتقد، أو ربما لأنهم لأول مرة يرون عربي كما أسلفت، فهم لا يعرفوننا أو لم يعتادوا علينا. أعتقد بأني عموماً حظيت بتعامل أفضل مما يحصل عليه الأمريكان من حيث حسن النوايا واللطف العفوي، أو في أسوأ الأحوال نُظر إلي بعين التعاطف أكثر مما ينظر لأمريكي بنفس الظروف على ما أعتقد.
فنحن على سبيل المثال؛ قد نهتم لشأن صيني أكثر مما قد نهتم لشأن اندونيسي له نفس الظروف.
وبشكل ما، وجدت أنهم ينظرون إلى ملامحي على نحو مختلف، فيبدأون بتأملها وتحليلها، حتى عندما لا يبدو أنها كانت مهمة قبل معرفة أني عربي. سمعت تعليقات كثيرة هناك على شكلي وحضوري.



(يحوي موسيقى)




سأكمل إن شاء الله في تدوينة لاحقة.



سعد الحوشان

هناك 8 تعليقات:

  1. مرحبا ..
    وتحققت امنيتك :)
    سعيدة جدا لذلك ، واشاهد سعادتك تنبعث من حروفك .. وكالعادة امكنني تخيل ماشاهدت من خلال دقة وصفك الذي يجعلني ارى لا اقرأ.

    كنت انتظر مع بداية قرائتي ردود فعل الناس هناك لكونك سعودي حتى وصلت لجزء موظفات الجوازات الذي اضحكني ماقمن به .

    انهيت الجزء الاول من الرحلة
    واكيد سأجد الوقت لأكمل ، خاصة بعد تقصيري الكبير هنا .

    ردحذف
    الردود
    1. لم أصدق عيناي حينما بلغني البريد بتعليقك. أين اختفيت بلا أثر؟. سعيد بردّك صدقاً.
      كانت ردود فعل أهل البيرو دائماً إيجابية، شعب متحضر حقاً. القليل من السياح الأجانب لم يكونوا بذلك اللطف.

      لم تقصري أبداً، كنت دائماً صاحبة المعروف استثناء، فلا يمكنني إلا شكرك، خصوصاً على ردك الآن وطمئنتي عليك.
      لولا أني خفت أن أزعجك، لتواصلت لأسأل، كما أفعل مع من أقدر كثيراً من الناس. اختفائك واختفاء مدونتك على ذلك النحو الغريب أشعرني بأنك قد تنزعجين من السؤال، فلأول مرة تختفين هكذا.
      لا تعودينه.

      حذف
    2. الله يسعدك يارب ..
      حالياً ليس لدي نية لأعادة المدونه ، ولا اعلم لاحقاً مالذي سيطرأ .
      لكن هذا لايعني اني لن اتواجد هنا حتى لو اطلت الاختفاء .

      :) تذكر مره تحدثت عن مستخدمي تويتر وفكرة تدويناتهم القصيرة والتي لا تجذبك .. انا الآن منهم :) واكتب هناك فقط .

      ليتك تجربه ، فأكثر الاشخاص شعبية هناك ويحب الناس مايقولون ليسوا بأفضل كتابة وافكاراً واراءً منك .

      لا يمكن ان نتنافش من صاحب المعروف على الآخر ، فالله وحده يعلم .

      حذف
    3. تصورت ذلك، كنت أشعر أحياناً بأن المدونة كانت تشكل عبئ عليك بشكل ما.

      الكثير من الناس هجروا التدوين، وبالواقع، كنت أقرأ أمس مقال طويل عن اضمحلال التدوين منذ عام 2010 ، وكون أدوات التدوين تحولت بالواقع إلى أدوات مواقع ذات مبادئ مختلفة عن فكرة التدوين المؤرخ.
      يوجد أسباب كثيرة بالتأكيد لهذا التحول، وبعضها فردي، وأعتقد أن التدوين أساساً لم يكن يوماً أمر كبير بالمنطقة، ولعل التدوين المصغر، تويتر، أكثر ملائمة لطبيعة الناس هنا، وربما في كل مكان في هذا الزمن.
      نصحني شخص آخر بتجربة تويتر. فكرتي هي أنه قد يكون مفيداً بالنسبة لي لمتابعة أخبار بعض الجهات التي تهمني، من شركات ومنظمات، لكن ليس للتواصل والالتزام الاجتماعي، ولعل هذا بتعارض مع الغرض الواضح من تويتر، فأنا أخاف أن يستنزف وقتي، وأعصابي، فأنا لا أتماشى جيداً مع المجموعات الكبيرة صدقاً، وعلى أني أقدر كثيراً رأيك الطيب حول كتابتي وأفكاري وآرائي، إلا أني أرى أنك كاسمك "استثناء" في هذا الأمر، فأنا غالباً أواجه المشاكل لرؤيتي للأمور، أو العداء المزمن من البعض للأسف. وبكتابة نصوص طويلة، لا يقرأها سوا "الاستثناءات" من ذكور وإناث، التي يبدو أنك أكثرهم استثنائية، هذا ما يكفيني، ولعلي أهدف إليه.
      صدقيني، تويتر لا يصلح لي، ولا أصلح لأكون من أهله. المجتمع نفسه صار تويتر كبير بالنسبة لي، أرجو أن يقويني الله لأتحمله، أو يبدلني بخير منه.

      الله سبحانه أعلم بالطبع، لكن هذا شعوري :-).

      شكراً جزيلاً، وأعتذر عن التأخر بالرد، كانت الظروف مختلفة.

      حذف
  2. كنت متحمسه جدا للصور لكن لم تُعرض لي كلها ، ربما 4 فقط !
    لا اعلم اين المشكلة لكن غالباً اظن انها من جهازي ، سأجرب متصفح اخر او اراها لاحقاً من اللابتوب .

    ردحذف
    الردود
    1. أتصور أنها من المتصفح. حيث أنها عبارة عن ألبومات مضمنة.

      حذف
  3. اهلا سعد
    سعيد جدا بوصولي الى هنا ..! وان كنت لست من عشاق المدونات لكن حديث البيرو اتى بي الى هنا ( والبركه في العم قوقل). الحقيقه سبق لي زيارة البيرو في عام ٢٠١٠ .. اقمت شهر هناك. اتفهم سعادتك الموجوده في ثنايا حديثك. فعلا كانت رحله مختلفه ومميزه وكانت هي المدخل الى أمريكا الجنوبيه بالنسبه لي حيث اتبعتها بالبرازيل وبوليفيا.

    اتمنى لك التوفيق. شكرا على التدوينات الرائعه
    احمد

    ردحذف
    الردود
    1. أنا سعيد بوصولك إلى مدونتي، بناء على اهتمام مشترك أثير جداً لدي، وأقدر تعليقك كثيرا.
      أتمنى أن رحلتيك إلى البرازيل وبوليفيا ممتعتين بنفس القدر. ما أرجو رؤيته في أمريكا الجنوبية بعد البيرو هي تشيلي، لرؤية باتاقونيا والطبيعة بشكل عام، والإكوادور وكولومبيا، أو كولومبيا على وجه الخصوص، لرؤية جبال التِبوي.
      لكن ما لابد من رؤيته هي البيرو مرة أخرى، ولو قيل لي هذه آخر رحلة لي إلى ذلك الشق من العالم لعدت إلى البيرو مرة أخرى. لا يمر يوم لا أفكر فيه بذلك البلد.
      شكراً مرة أخرى على مرورك يا أحمد.

      حذف

ما رأيك بالقول؟