بسم الله الرحمن الرحيم
لم أعرف ما أقول…
إنه عجز أعرفه معرفة النفس، حيث أنه كل ما أشعر به الآن. وقد طرأ العجز كثيراً منذ فترة طويلة، وتزايدت مناسباته المؤلمة عبر العمر حتى تكاثر تواترها مؤخراً وبدأت تغلب أي قدرة، إلا القدرة على الرجاء والأمل. والآن، لا يوجد سوى العجز. لقد خسرت ما أعيش لأجله.
لا يستطيع أحد أن يمنع الموت، إنه مشيئة الله واختياره. لقد حسبت دون وعي مني أني أكافحه مكافحة الوحش، لكني ساذج. إنه كائن ناعم شفاف، يشعر باقترابه المرء ممن يحب، لكنه يظل يأمل. بالنهاية يتسلل دون أن تدري عنه.
كنت أفكر ونحن نعود من رؤية والدتي بالمستشفى بعد وفاتها رحمها الله، وأنا أنظر إلى المستشفى الآخر حيث ظلت تعاني فيه لفترة قبل أن تتحسن، حيث بذلت كل اللا شيء الذي بيدي وأنا أنتظر أمام الباب بعجز إلا عن الأمل واليقين، حتى يُسمح لي برؤيتها إما عطفاً علي او مع الداخل يدخل لتوه وصل في الوقت المحدد، فأكلمك وأخبرك بأنك حياتي، وأنك حبيبتي، وأنك كل ما لدي في هذه الدنيا، وأنك بخير، وأن لا تخافي، وأنك ستعودين معي إلى المنزل، وبين كل عبارة وأخرى أُذكرك؛ أنا سعد، أنا سعد يمه…
كنت أنظر إلى ذاك المستشفى وأفكر بطبيبها هناك وتفانيه وعمله الدؤوب حتى تحسنت والدتي، وهو يتفهم الأمل الذي أشعر به، فكرت؛ حتى أنت لا تستطيع رد الموت.
لقد نُزعت قطعة كبيرة من جوفي انتزاعاً، لعلها كل ما فيّ، وكأنما بيد قاسية لا مبالية، لا تدري أني كائن حي حتى، وكانت القطعة التي تبقيني أتنفس وأنا حي. الآن كلما خلوت إلى نفسي الجوفاء، تذكرت بأني ميت.
يحسب الناس أن أمي ماتت، حتى أكبر محبيك لن يفهموا ما تشعر به تمام الفهم، ولن يفهموا ما تعتقد. إن من ماتت كانت أمي، وكانت ابنتي في ذات الوقت، هكذا صنع بنا العمر. كيف يدفن المرء حبيب بهذا الحجم المهول في قلبه، ويتركه ليُترك في حفرة جانبية، يقع بعضه بزلة ذراع؟. أي قسوة هذه؟، إني أختنق، وأغص، وأتلوى كالمبطون.
هل تريد أن تعرف كيف أعيش حينما أفطن؟، وأنا وحدي حينما أستطيع، كما سأعود قريباً في معظم وقتي؟. مدد جسدي برفق وأنت جذل، وأنا صامت، ليّن كالخرقة البالية، ثم ارفع ثوبي واكشف عن جذعي حتى صدري، ثم ابقر بطني بسكين مثلم، وأنت تنظر إلى عيناي لترى، فتجدني أنظر إليك بصمت من طرف جفني الأسفل، وأنا أتنفس بصبر، وكأنما لا أتألم. ثم أدخل في القطع كلتا يديك تجاه صدري، وأبعد ما يُبعد من أعضائي وأشقق ما يُشق، حتى تكاد أن تختفي ذراعيك في جوفي، ثم تحسس حتى تجد قلبي وهو ينبض، وحاصره كالعصفور وأقبض عليه بكلتا يديك، واضغط بقوة وثبات ولا ترخ قبضتك، وانظر إلى وجهي في ذات الوقت، لتراني لا زلت أتنفس بصبر وأبادلك النظر بلا تعبير. لا تيأس، واصل واقض على كفاح قلبي واكبت نبضاته وانت تتمعن في عيناي، حتى يتوقف، فترى الموت يغشى وجهي، ثم وكأنما بعبث وجذل دلك قلبي بيديك بإصرار، حتى يعود لينبض، وأنت تنظر إلى وجهي، وترى الحياة تعود إليه، ولكن بلا تعابير، وبلا مبالاة، وتعود الأنفاس بقلة الحيلة نفسها. ثم كرر فعلتك، أسكت قلبي، فأعده للحياة، وأنا أنظر بصمت وبلا حركة. قد تمل قليلاً وتذهب لشأنك، ثم سأفطن أنا، وأقول في نفسي؛ أين ذهب؟، وأنتظرك على حالي، بصبر، وأنسى قليلاً، وربما ابتسمت ساجّاً أفكر، حتى تعود، وتبدأ من جديد، لكن البطن ينتظرك مبقوراً هذه المرة.
بدأَت التساؤلات غير المفهومة تسيطر على أفكاري منذ وفاة خالتي رحمها الله قبل أقل من سنة، حيث كنت اقول لنفسي خلال أيام العزاء؛ هناك أمر خاطئ. لا أدري ما هو، لكني لم أنفك اتسائل. ربما لو عدت مبكراً من العزاء وبقيت في المنزل وحدي لأفكر، لما صادفت هذه الحيرة، إنه أمر متعب، أن تعتقد بوجود خلل لا تراه ولا تدري عن تأثيره لكنك تعلم بوجوده، ولا زلت أبحث عن الجواب، لا زالت الحيرة المؤلمة والقاهرة قائمة منذ وفاة خالتي.
هذه المرة كان سؤالي؛ كيف ماتت؟ وليست الكيفية التي اتساءل عنها، لكن كيف حدث وماتت؟، ما كان يجب أن تموت. هنا، انا اعرف ما الأمر الخاطئ، العلة، لكن لا أعرف كيف حدث. وهذا التساؤل غير المنطقي يتردد في قلبي أكثر مما يتردد في ذهني على ما يبدو، أشعر بأني أفكر به بقلبي، أشعر بقلبي ينبض على نحو لم أجربه حينما يخطر هذا السؤال. إني لا أفهم السؤال نفسه لكني أبحث له عن إجابة، أمي راحت، لكن كيف حدث؟ وكأنما غفوت فأُخذت من أمامي، ربما دُفعت بعربتها بهدوء ونحن ننتظر في موعد لها، لأني غفوت مرهقاً وغفلت لثانية او اثنتين، ولما فتحت عينيّ لم أجدها أمامي؛ لا يمكن أن يكون من أخذها قد ابتعد، مع ذلك لا أثر له، كيف اختفى بأمي؟ كيف انتزعها من قبضتي؟، هل خاتلني حتى غفوت لوهلة؟ هل كان يتبعنا؟. لا يشبع أي افتراض جوعي لحل هذا السؤال، لأن السؤال غير مفهوم لي اصلاً، وغير منطقي، لكنه لحوح وموجود وحقيقي.
أشعر أحياناً، وكل يوم أقل من ذي قبل، بأن الأمر مؤقت، كالحزن على مسافر سيطيل السفر لكنه سيعود؛ سأراك عند الطاولة تتلين القرآن بترتيل نجدي، سألمحك تسيرين بخطواتك الخفيفة القصيرة الصامتة ثم اتابعك حتى تتوسطين الصالة كما كنت قبل قليل في عافيتك، سأمشي إلى غرفتك معك لأغطيك وأقبلك قبل ان تنامين. من سأقبل الآن كلما رأيته؟، على من سأحنو وبمن سأعتني؟.
الآن وأنا أكتب، أدركت أن خطواتي الخفيفة القصيرة الصامتة التي تحرجني ليست بالواقع مشكلة.
أعلم بأن والدتي عانت الكثير، في السنوات الأخيرة زادت معاناتها، وفي الشهور الأخيرة حطمت قلبي بكسور وشروخ لن تبرأ طالما أنا حي، إن وفاتها الأمر الفاصل في حياتي لا يمحو ولا يغطي ما سبقه من ألم على حالها. لكن لم يكن بيدي إلا أن آمل أن تتحسن وأنا أبحث عن العلاج وأُجهد، كنت أريدها أن تعيش معي ولا تتركني، وأن لا أرى معاناتها المتصاعدة في نفس الوقت.
وفي أسوأ الأيام كنت اغيب عن العمل، لأتصرف سريعاً عند الحاجة، وكنت آمل أنه في حال دنت المنية وتبين أني سأعيش أكثر، أن يتوفاها الله وهي في حضني، متكئة على صدري أحدثها، حتى لا تخاف.
ماذا سأصنع الآن؟، لا أريد شيئا، لا يوجد شيء لأقول باقٍ لأجله. مهما عدد الآخرين، مهما تعهد الآخرين، لا جدوى من شيء. إن بقيت فسأعبث فقط واضيع الوقت، لأني لم أعد إلا تافهاً.
لا أجحد أي مما أصبت في حياتي، أذكر نفسي دائماً بأني عشت أكثر من سواي مع والدتي، حتى صير يُعتقد بأن أحدنا لا يتواجد دون الآخر، وكانت هذه هي الحقيقة. أذكر نفسي بأن الله استبقى لي والدتي رغم أزماتها كثيراً، ولطالما أعتقدت أن هذه كانت رحمة بي من الله. لكن الآن، كانت الرحمة لوالدتي، إني أفهم أنها كانت تعاني كثيراً، وأفهم أن رحمة الله أوسع، وأن الله أعلم. مع ذلك، آسى وآسف وأتمنى، لا أقوى نفسي ولا أصبر.
اختفى القلق، وليته لم يختفي.
حينما أروني إياك يا أمي، قلت من بناظر الحين يمه؟ لكنك لم تجيبي، انتِ حياتي، انتِ حبيبتي، ليس لدي غيرك في هذه الدنيا… ثم أخذوك.
كان فراقنا قصيراً، التقينا مرتين بعدها، حتى جلست لا أفارقك إلا حين يأتين المُسلّمات. بالنهاية، كان لا بد من أخذك للصلاة، لا أقوى على تحمل رؤيتك لمرة أخيرة كلما تذكرت. يا لقسوة الحياة الدنيا.
ليته كان لي من الأمر شيء، ليدخلوني معك ويسدوا علينا بالبلاط، وأنام.
سعد الحوشان