الخميس، 4 مارس 2021

مجد المغلوب (نعي،المعتاد،قصة قصيرة،قصائد)

  


بسم الله الرحمن الرحيم
















في يد اقبض سارية عاجية...

تعلوها مروحة ملونة من ريش...

اهدته لي طيور الفردوس الغينية...

وفي يد صولجان ذهبي مُحْمَر...

صبغته دمائي القانية...

يعلوه قلبي الخاشع...

قرمزي بشفافية ياقوتية...

أقوم عن عرشي الوثير في الغابة...

اتدثر بعباءة صفراء، وبيضاء، ووردية... 

نظمتها باقة مقلوبة من زهور اوركيد... 

قطفتها من سفوح الأنديز البيروفية...

اغطي بها جذعي العاري...

وأُحكم إزاري بدبوس لؤلؤة سوداء تاهيتية...

أخرج من بين أشجار الجكرندا والسيبا...

فتحييني حاشيتي من الطيور الطنانة الزمردية...

بقبل على يديّ ووجهي...

ثم تتبعني لتشرب من زهور عبائتي النديّة...

إذ أقصد شلال نبع جوار نخلة...

أتيت بها رفيقة من نجدي العذية...

فتبكي نخلتي فرحاً برؤيتي...

رطيبات جنية سكرية...

تملأ قفتي مبروكة...

وأنا أشرب من المياه الزلال النقية...

سائغة كزمزم خالطه ماء ورد...

حتى تنتعش زهور عبائتي البهية...

أمضي لأصل منحدر بخضرة مُسوَدّة...

تزخرفه جداول كالنقوش السلتية...

أسفله أرى أطفالي العشرين...

سودُ وشعورهم خويتمات ذهبية...

يدورون حولي بفرح إذ نزلت... 

يغنون لي ترانيمهم الميلانيزية...

حتى أجلس على حجر اتوسطهم...

فتتوسد اصغرهم حجري بحنية...

أمسح على شعرها الذهبي...

فترجع إلى إخوتها سعيدة رضيّة... 

أمد يديَّ أدعوهم...

فيتزاحمون على أحضاني الأبوية...

يقبلون ندبة حديثة في صدري...

حب غير مشروط رغم عيوبي الجلية...

لا يكبرون ولا يتغيرون...

قد عاهدوني بمحبتهم الأبدية...

يتناولون ساريتي بأيديهم الصغيرة...

ويلوحون بها تجاه السماء بضحكات طفولية... 

فتلمع الشهادة بيضاء عليها... 

فأسبح ما شاء الرحمن خالص النية...

اتكئ على صولجاني وأقوم...

وأعطيهم ما جادت به نخلتي السخية...

أمضي أقود أطفالي وهم للسارية رافعين...

وكأنما أقود جيش لا يعرف الحرب ولا الأذية...

عبر مرابع خضراء تجاه سفح...

يطل على محيط بزرقة لازوردية... 

من فوق السفح نرى الحيتان وترانا...

فتلطم لنا الأمواج بفرحة وحشية...

أحيي صداقتها رافعاً صولجاني يزينه قلبي...

وترفرف لها عبائتي وتموج ملوحة بالتحية...

يتكسر ضوء الشمس على وجهي...

 أحمر إذ نفذ عبر سويداء قلبي البلورية...

أتأمل قلبي المنزوع الهاجع...

مشروخ مثلم كآنية ثمينة أثرية...

فتغرورق عيناي بأسف...

كأسف واعظ يشهد اثر عقوبة إلاهية...

أشيح بوجهي نحو المحيط...

متفكراً بالحياة الجديدة الهنية... 

بلا عشق ولا آمال لن تتحقق... 

فأحمد على هذه النعمة رب البرية...














تداهمني تعابير والدتي ورؤيتها للحياة في مواقف كثيرة، رؤاها الحكيمة التي سقتني إياها، سواء على المستوى المعنوي أو الدنيوي، أمور فهمتها في حينها، وأمور لا زلت اكتشف معناها، وأحياناً اجد اني اعيشه ولم اكن اتخيل كيف يكون حينما أخبرتني به، أشياء قالتها لي في طفولتي، وأشياء بعدما شبيت عن الطوق، وعبر العمر.

بعد سنوات عديدة، واتت الفرصة للقاء صديق عزيز من الصين، لطالما تساءلت إن كنت سأراه مرة أخرى، أم سيختفي من حياتي بالتدريج أو فجأة ككثير غيره. بيد أننا لم نتوقف عن التواصل من وقت إلى آخر. وكان آخر مبلغي عنه أنه تزوج حيث بشرني بذلك، وسافر وزوجته إلى اليابان للتنزه. كان صديق مميز من نواحٍ كثيرة، ميزات جميلة ليست في سواه، ولم أرى منه ما أكره قط.

فرحت أيما فرح حينما أبلغني بأنه سيزور الرياض ضمن وفد لبضعة أيام. تحمست كثيراً وظللت على تواصل مستمر لأعرف جدوله ووقته وأحاول أن أرتب لرؤيته بأي شكل، رغم محدودية حركتي أنا الآخر بسبب الظروف. بعد عدة محاولات فاشلة للقاء، ذهبت أخيراً إلى الفندق الفخم حيث يقيم بعدما آوت والدتي إلى الفراش. حالما دخلت صالة الفندق أرسلت إليه وحاولت لفت انتباهه باتصال. لم أعلم بأنه يقف خلفي. لا أدري لماذا التفتْ، هل ناداني؟ لا أدري، إلا أني شعرت بصدمة وشعور جياش بالحنين بذات الوقت، سحبت نفس المُفاجأ المصدوم، وكأني لم آت بقدميَّ لرؤيته، وكأني لم أصدق أني فعلاً سأراه، واتجهت إليه واحتضنته بشدة، وأطلت وأنا أشعر بالامتنان. كان يضرب برفق على ظهري. وبعد طول عناق تباعدنا وانا غير مصدق، وشعرت بدوخة وأن قدماي غير قادرتين على حملي إذ انتفضت ركبي بشدة، وبالكاد تراجعت لأقع على المقعد وقوعاً. جاء وجلس إلى جواري، وبدأنا السؤال عن بعضنا البعض، أسئلة لم نسألها أو لم نجبها بصدق خلال تواصلنا البعيد؛ عن أحوالنا واسرتينا وحياتنا. تقدمت حياته على نحو جيد وجميل لحسن الحظ، وهو لا يزال يتقدم. سألني عن والدتي، فأخبرته بأنها بخير، وأني بجهاد لأجل صحتها وسعادتها. أخبرته بوفاة والدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، فتأثر كثيراً وتألم. والديه على ما يرام، وزوجته كذلك، وكذلك اخته التي هي بالواقع قريبته من جهة الأم، حيث لم يكن مسموحاً بإنجاب أكثر من طفل واحد هناك. كان مرهقاً بشدة، فأيامه هنا تبدأ من الصباح الباكر ولا تنتهي قبل حوالي التاسعة مساء، وكان سيغادر غداً ليكمل رحلة العمل.

أخبرني بأنه ذهب إلى مصر قبل فترة قصيرة، وامتدحها من حيث أن لها تاريخ، وبها مناطق جميلة، لكنه لم يكن راضياً. بدا غير قادر عن التعبير عما لا يعجبه بخصوصها، ولعله كان مُحرجاً، إذ بدا شيء من الاشمئزاز على وجهه، فسألت إن كان يجدها غير نظيفة؟. فقال بارتياح نعم، وكأني قلت ما كان يشعر به. قال بأنها بلد عربي وإسلامي، لكنه لم يشعر بذلك هناك. وقال بأنه حالما حط بالرياض، شعر بأنه بالواقع يعود إلى بلده، وشعر وكأنه حمامة تعود إلى قبة المسجد. وصف شعوره هنا بتأثر، حنينه وحبه للمكان والناس، وكيف يستشعر الإسلام هنا.

تكلمنا عن البرنامج الذي أتى به، مناقشة ضمن خطة التوسع بتعليم اللغة الصينية هنا. هو دكتور الآن، ولا زال يعمل بالأبحاث، لم يتوقف كالأصنام التي تقبع في جامعاتنا ومعاهدنا بامتيازات لا يحلم بها همام، صديقي هذا. شمل البرنامج زيارة الكلية التي تخرجت بها، وعمل بها همام وشياو حينما جاءا إلينا قبل سنوات بعيدة. لا أعرف الكثير من الأساتذة بها الآن، فقد تغير الكثير بعدما تخرجت، لكن من يتواجدون الآن ممن أعرف لا يرفعون الرأس ولا يشرّفون صدقاً. وكان همام يشعر بالحنين للكلية نفسها، وحالما دخل ساقته مشاعره الصادقة وحنينه إلى الإسراع لمصافحة دكتور سعودي استقبلهم، وأخبر الدكتور أنه همام، وسأل إن كان يتذكره؟. لكن الدكتور تجاهله باحتقار ومضى إلى رئيس الوفد. هذا الدكتور الحشرة هو من ترسبات الماضي بالكلية، لم يرحل بعد، ولما يرحل؟، إذ لا يقع القراد عن قفا البعير قبل أن يموت امتلاءاً. بالطبع، لم يقل شيئاً همام، ولم يذم الرجل حتى، لكن جرحه وخيبة أمله كانت عصية على التعبير إذ بدت على وجهه، الوجه الذي أعرفه وأفهمه جيداً. أخبرته بمعرفتي المسبقة بوضاعة هذا الدكتور، وأخبرته بفلسفتي؛ في بلدنا هذا، لا ينجح إلا النذل أو الغبي، وإن كان المرء نذلاً وغبياً في ذات الوقت فسيصبح عميداً لكلية أو ملحقاً ثقافياً في الخارج، أو مدير جامعة أو حتى وزيراً، والاستثناءات لا حكم لها. ضحك همام، وشرح لي تشابه الوضع في الصين، مع فارق واحد، لديهم يكون النذل والأناني. إنه لأمر مخجل أن ينجح الغبي هنا على نحو عصي على الشرح، لكل لعل الغباء إذا ما اقترن باللؤم هنا يكون سبباً للنجاح والوصول.

بالواقع، وجدت أن أكثر من ينجح بخداع الآخرين هو الغبي، لأنهم لا ينتظرون منه أكثر من البساطة وسلامة النية.

كان همام يسجل بعض الكلمات التي أقول، وهو يخبرني بأنه يتعلم مني الكثير في كل مرة كنا نلتقي؛ كانت الكلمات التي سجل حتى الآن هي نذل، وتوالت الكلمات لاحقاً، منها الصفيق، وهو يوقفني ليسجل، حتى ضحكت وأنا أقول كلها كلمات سيئة!. كان أمر مؤسف، لكن لعله تعلم كلمة جديدة طيبة على الأقل مما قلت، فهو لطالما وجد الكثير من مفرداتي غير مألوفة وجديدة. بالواقع، كان لي صديق مصري عزيز في المتوسطة، وكان يضحك على طريقة كلامي، إذ كان يقول بأني اتكلم ككتاب.

أخبرت همام بندمي الشديد على عدم خروجي معه بما يكفي قديماً، وأني أتمنى أن يعود لأعوض. قال بأنه يرجو أن يعود، وهو يحاول، وقال بأنه يتمنى أن يعمل بالقصيم، ولكني قلت له بأني لا أسمح، فإن عاد فليعد إلى الرياض. هو من عشاق القصيم، ونجد على وجه العموم، وكان قد زار القصيم واستمتع كثيراً بزيارته. سألته عن استاذته الثمانينية، وهي من اختارت له اسمه العربي. استغرب من أني أتذكرها بالاسم؛ سحاب، وقال بأنها لا زالت تعمل بنشاط في الجامعة ما شاء الله. دعاني إلى زيارة الصين، وهو يرغب بتقديمي إلى طلابه. أخبرته بدوري عن أحد أبناء أخواتي، من أكبر عشاق الصين، وهو ضليع ما شاء الله بتاريخها وثقافتها وأوضاعها وسياستها. سألني أن أرسله إليه في الصين حيث سيعتني به جيداً.

تبادلنا الهدايا، كنت أعلم بأنه سيتكلف بشيء مميز كعادته. أتى لي بشاي أحمر فاخر من الصين، في علبتين معدنيتين أنيقتين جداً، كان قد أخبرني قديماً بأنه تذوقه ذات مرة كضيف، إذ كان أغلا من أن يشتريه في ذلك الحين. أعطيته هداياي له ولأهله، وقال بأني تكلفت كثيراً، أخبرته بأني لو كان بيدي لأهديته نجد كلها، وهل هناك أغلى من نجد؟.

كان الإرهاق الشديد واضح عليه، فقررت أن لا أطيل أكثر. شيعني حتى مدخل الفندق، واحتضنني وأطال، وسألني معروفاً؛ أن أعتني بنفسي جيداً، فأنا أخاه. كان كلينا متأثر جداً، حبست دموعي، فلا أدري ما تصنع الحياة بنا بعد ذلك، هل سنلتقي مرة أخرى؟. لم أكثر التحدث، ولم أطل الوداع أكثر مما طال، لقد خفت أن أبكي وأحرج نفسي، فمضيت. وكلما التفت وجدته ينظر إلي، فيلوح بيده مودعاً، ولما وصلت درج ينزل للمواقف المنخفضة زفرت وتأوهت وسالت دموعي غزيرة.

تذكرت قول أمي عن هذه الدنيا باستصغار وعدم ثقة حينما يموت أحد، أو نتذكر شخص متوفى أو فرقتنا عنه الدنيا؛ "ماذا قد يراد من هذه الدنيا؟". إنها تُفرق، تجمعنا لتفرقنا. خيل إلي أني لن أعرف الرضا مرة أخرى، ذكرى عزيزة ستنضم إلى بقية الذكريات بحلاوتها المرة.

همام، اخي في الصين، إني انا أهلك هنا في السعودية، إن الدم فيما بيننا لا قيمة له. من كان ليتخيل بأن رجل من قلب الجزيرة العربية، سيجد أخاً في رجل بالصين من بكين أقصى الشرق، أنا، من كان جده ووالده يقطعان الصحاري على بعير بين مزرعتهما والمدن، للتجارة وطلب العيش الشحيح، رحمهما الله وأسكنهما الفردوس الأعلى.























لطالما شعرت بأني أقدر بسهولة على التفاعل مع الأجانب، في حين لا أستطيع ذلك مع العرب من أينما كانوا، سوى مستمعاً ومجاملاً بأسئلة تترك لهم فرصة الاستطراد، أو متحدثاً بشكل محدود وحذر على غير سجيتي بنوع من الافتعال، في ذعر مسبق من ارتكاب خطأ، أو اللا مبالاة فيما أريد قوله. يوجد حالات استثنائية، أو كان يوجد، لكني كنت غالباً ما أكون مستمعاً مع ذلك، لذلك لا أندم كثيراً على تغير الحال وتقلص دور هذه الاستثناءات من حياتي؛ لقد تعبت من الاستماع. مع ذلك، يوجد استثناءات من نوع آخر، استثناء واحد فقط من الأقارب؛ حينما نلتقي بالكاد أمسك لساني وأسكت، لا أدري لماذا أحكي كل هذا الحكي بلا فائدة حينما أراه، وكأني كمن تاه في صحراء ووقع على الماء أخيراً، وهو يستمع ويضحك ويجامل. سرعان ما أندم لاحقاً، لأني أكثرت من الهرج غير ذي القيمة وأزعجته بكل تأكيد. لذلك، صرت أقلل من حكيي وأتماسك، إن لم أصمت وأرد بالمجاملات فقط.

في مناسبات حضرتها مؤخراً عشت هذا الوضع، رغم امتناني لمن اهتموا بالتواصل معي والتحدث، إلا أني عجزت وفشلت بقول ما أريد قوله، حتى بالسلام والتحية على النحو اللائق، ناهيك عن التحدث عما يهمني حقاً حتى في سياق مواضيع الحديث، وجدت نفسي أحاول المساهمة في جعلهم يستطردون، وحاولت التمحور حول اهتماماتهم وهمومهم. ظننت أني سأتدرب على التحدث معهم كما اتحدث مع الاجانب بعفوية، مع ذلك لا أعتقد أني حققت أي تقدم. لعل الإشكال هو شعوري بأني ليس لدي ما يهمهم سماعه حقاً، أن ما قد أحب الحكي عنه لا قيمة له ولا أهمية في نظرهم، عكس ما أجده لدى الأجانب، أعتقد أن الأمر يتعلق بالتجربة؛ وهي بالعموم تجارب فردية، فليس كل الأجانب طبعاً يخضعون لنفس الرأي، ولعله يختلف بحسب ثقافتهم، فالآسيويين كالهنود والباكستانيين مثلاً مثلنا إلى حد بعيد كعرب من هذه الناحية، وينطبق الأمر وإن يكن على نحو أخف على الجنوب شرقيين.

لم يعد من أجانب عموماً يمكنني التحدث معهم وجهاً لوجه، إلا اللهم صديق واحد أراه من وقت إلى آخر. صار يحرص مؤخراً على رؤيتي أكثر من المعتاد. هو الأستاذ اليوناني الباقي في السعودية، بينما الآخر الأصغر سناً فقد غادر إلى بلده، وأصبح تواصلنا متقطعاً حتى توقف تماماً لانشغاله، مع اننا كنا الأقرب والأكثر تواصلاً. أقدر كثيراً اهتمام الدكتور اليوناني هذا، خصوصاً في الشهور الأخيرة، على أني لا أفهم التغير التدريجي ولكن السريع والملحوظ على تفاعله معي. لقد بت أرى نوع من التعاطف في تعامله، رغبة عارمة بسماع أخبار جيدة من طرفي، واهتمام بصالحي وسعادتي الحياتية. لا يوجد مفاجآت تسره للأسف، لكني لا أكثر الحديث عما قد لا يعجبه، وأحاول أن أغيره إلى ما يهمه وأعيد المحور إلى حياته. في آخر المرات قبل ذهابه بالاجازة، حيث يناديني بعدما يأتي إلى البهو قرب مكتبي، كان مشغولاً بظروفي في المكتب على نحو غير معتاد، بقدر انشغاله واهتمامه بحياتي في المنزل. يتسائل كعادته عن حياتي خارج العمل وما أفعل، لم أكن أفعل الكثير، لكنه في كل مرة يسأل بأمل. يسأل كثيراً كذلك عن والدتي. أفتح مواضيع جديدة معه، ونتحدث عن اليونان وأهله، وأحاول أن يكون هذا أغلب حديثنا ليكون لزياراته جدوىً له، وأحاول أن نفترق وقد كان هذا محور حديثنا، في حين يزداد حماسه في كل مرة لترتيب رحلة لي إلى هناك. إلا أن المرة الأخيرة كان منقبضاً نوعاً ما، وبقدر ما نتحدث عن حياته وعن اليونان ونشاهد صور جميلة لبلده، بقدر ما يعود إلى وضعي وحياتي على نحو متزايد، وقد صار هذا ديدنه على نحو متصاعد في زياراته الأخيرة. حينما قمنا لنودع بعضنا قبل أن يذهب، حيث لن أراه قبل نهاية الإجازة، مددت يدي له مصافحاً كالعادة، صافحني وفاجأني باقترابه واحتضانه لي برفق وقبلني خد بخد كما نفعل بالسلام، وهو يطلب مني أن أعتني بنفسي جيداً.

لطالماً كان رجلاً صلباً حاد المزاج، إلى درجة أني كنت أحمل هماً حينما يزور القسم لعمل له، قبل أن أعرفه على نحو أقرب.


بعد فترة ليست بالقصيرة، وصلتني رسالة من رقم أجنبي وأنا في مكتبي، أحدهم يسأل إن كان لدي الوقت ليراني ويسلم علي وربما نشرب القهوة قرب المكتب. لم تكن رسالة غريبة، لكن لم تصلني من قبل من رقم لا أعرفه. ظننت أنه أحد الأساتذة الجنوب آسيويين الذين قلصت من التعامل معهم على المستوى الشخصي منذ فترة، حتى كاد أن ينقطع الآن؛ فهم إما أصحاب مصالح فقط، ينتظرون احتياجهم لك، أو متمحورين حول الذات يريدون التحدث عن أنفسهم وحياتهم وكأنما إلى مسجل، وأنا مللت من الاستماع لهذا الصنف من الناس، خصوصاً من ليس لديه مواضيع تهمني وأستمتع بها، وكأنما يجرني جراً لينفرد بي ويهذر، بينما القلة القليلة ممن أحرص على السلام عليهم ليسوا من هذه الفئتين، فالحالات الاستثنائية منهم لم يسبق أن حاولت لقائي بشكل خاص، إلا اللهم دعوة لحضور محاضرة كان أحدهم يظن أنها تهمني خصوصاً، وكان سيقدمني كنموذج لموضوع تلك المحاضرة. أقول رددت على الرسالة بأني مشغول بالواقع. فقال ربما مرة أخرى إذاً. كنت غبياً إذ لم أفطن للبحث عن مفتاح الرقم الدولي كما أفعل بالعادة، لعله لتعودي على القوم سالفي الذكر، ولما فطنت بحثت فتبين أنه من اليونان. خمنت أنه استاذ يوناني صديق لصديقي الذاهب في إجازة، فسألت وتأكدت، وأخبرته بأني لدي الوقت بالطبع، وأضفت بصراحة أني حسبته شخص آخر. عند اللقاء، أخبرني بأنه لطالما أراد دعوتي لشرب القهوة، لاعتقاده بأني ساعدته كثيراً. أخبرته بأني أقوم بعملي فقط للجميع. جلسنا لنتكلم، وكان يشابه شخصية صديقي بشكل غريب، ليس متطابق، لكن لو حدثك الاثنان عبر جهاز محايد الصوت لما تفطنت أنهما شخصين مختلفين حتى يمر وقت طويل.

كان لقاء لطيف، أريحي وعلى جانب من التفصيل والعمق. كان من الواضح أنه يعرف الكثير عني، بينما لا أعرف عنه سوى الواضح، ذلك أنه صديق لصيق لليوناني الآخر، وصديق كذلك لليوناني الذي عاد إلى بلده، وقد عرف عني الكثير من خلالهم. لكني اعتدت على ذلك، ولا خلاف لدي، فبعض الناس يعرفونني من خلال المدونة أكثر مما أعرفهم بكثير، لكن يكون الأمر سيئاً حينما يحسب الناس بالمقابل أني أعرفهم بذات القدر، أو حتى ربعه.

بعد فترة، تلقيت رسالة من صديقي الأول منهم يبشرني بترقيته التي طال انتظارها. فرحت له بصدق وقلت بأننا يجب أن نلتقي ونحتفل بعشاء. لم يتيسر في نهاية ذلك الأسبوع، حيث ان فرصتي الوحيدة للخروج باكراً هي يوم الجمعة دائماً، لكنه ارسل ظهر الجمعة التالية يسألني إن كان يمكنني ان اراه؟، أخبرته بأني سأتأكد من الظروف، ثم أخبرته لاحقاً بأني سأراه، وسألت إن كان رفيقه سيأتي، وهو الرجل الذي يسكن معه وتواصل معي من رقم لا أعرفه كما أسلفت، فقال نعم. كالعادة، طلب اللقاء في مكان مكتض بالناس، ولكنه قرب منزلي، ومنزله كذلك. وصلت مبكراً أكثر من اللازم كما هو شأني منذ فترة طويلة الآن، باستثناء الذهاب إلى العمل، وانتظرت في ساحة المجمع، روبين بلازا، حتى ظهر هو وصديقه وصديقين آخرين. أحدهما طبيب من جنسه يعمل في الخرج لكنه يزور الرياض باستمرار، وكنت قد جلست معه قبل فترة وكان غاية باللطف ورقة الطباع. الآخر رجل ذو مظهر صبياني ظريف، ممتلئ الجسم له ملامح غربية تقليدية أكثر من البقية. أما الرفيق المشترك الذي زارني مؤخراً، فكان كالعادة متجهم جداً، حتى حينما يضحك. لم نجد مكان لنجلس به بسهولة، وقد بدأوا بالتفرق، صديقي الأول ذهب إلى جرير، واثنين إلى دورة المياه، أما المتجهم فبقي معي لنبحث عن مقهى لنجلس به. اقترحت الصعود إلى أعلى، ووجدنا مكاناً، وتأكدت بأنه غير مخصص للنساء، وإن جلست فيه بعض النساء لابسات النقاب في طرف. جلسنا وحجزنا مكاناً جيداً. وصل البقية إلينا بسهولة، وأرادوا تغيير المكان لكني قلت لصديقي بأنه لا يجدر بنا الجلوس بالقرب من النساء حتى لا نضايقهن، وقد انتقلنا لاحقاً إلى حيث نريد بعدما غادرن المكان. كان أسعد الجميع برؤيتي هو الطبيب، ولكن أكثرهم فضولاً كان الرجل ذو المظهر الولّادي إن جاز القول، وهو أصغرهم كذلك، ولا يصدق المرء أنه في بداية الخمسينات، أصنفه ببداية الاربعينات. وأهل اليونان مما لاحظت لا خلاف لديهم على السؤال ببساطة عن أمور يتحرج الناس عن السؤال عنها هنا عادة بسهولة، أو حتى في سائر الغرب مما رأيت، وقد يفاجئونك بهذا، لكنهم يتوقفون عند حدود الذوق والسؤال عن المتوقع أن اجابته ليست محرجة على المدى الطويل.

كان من الواضح أن الطبيب هو متنفس النكتة للجميع، خصوصاً للدكتور المتجهم، وهذا الأخير خفيف ظل بوضوح، وسريع بديهة على نحو أتساءل معه إن كان هذا ينفعه في باقي شؤون حياته أم يحفظه للنكتة فقط. كانوا لا يعرفون الكثير عن البلد والمجتمع رغم وجودهم هنا لفترة طويلة نسبياً، وكانوا يريدون السفر لرؤية أماكن مختلفة خلال الإجازة القصيرة القادمة. قدمت عدة مقترحات، وكانوا يريدون القصيم لسبب ما لكني اقترحت الانتظار حتى يتحسن الجو.

تكلمنا عن عدة أمور، وأكثر من تكلم معي بشكل خاص كان اليوناني فتي الشكل، وبالطبع، كانت تركيا وأهلها موضوع مشترك لا يمكن تجاهله. كان اليوناني الصغير من أهل شمال تركيا الأصليين، حيث أنها كانت منطقة يونانية قبل أن يأتي الأتراك إليها، وقد تم طرد قوم هذا اليوناني قبل قرن في سياسة تبادل السكان بين تركيا واليونان، بعد تخييرهم بالتخلي عن الدين واللغة. فوجئ هو قبل فترة بإيجاد رجل تركي هنا من منطقتهم بالأصل، ممن قبلوا الدخول في الإسلام للبقاء في أراضيهم، وكان يتحدث اللغة اليونانية بلهجتهم الأصلية القديمة، إذ احتفظوا باللغة رغم المنع، والرجل التركي هذا صار يعتقد بأنه تركي ولم يعد يونانياً، أي لا ينتمي لهم. بدا أن رفيقي اليوناني سعيد مع ذلك بهذا اللقاء، وبنجاة اللغة هناك في قرية معزولة على الأقل. أخبرته عن خلاصة تجاربي مع الاتراك، وهي في معظمها بالغة السوء، فالطيب نقي السريرة منهم نادر، ومن قد يطيب لك خلافه وتطيب له لا يلبث إلا أن تغلبه طبيعته، فالطبع يغلب التطبع، وتخرج عقد نقص دفينة للسطح، كانت قد عُولجت بالرؤية العنصرية والتفوق الوهمي بلا اساس يُحتج به أو يؤخذ به ويرد، فلا تاريخ ولا حاضر إلا بالردايا، مما يثير القرف والازدراء، كشأن مواجهة العائل المستكبر.

لم أتمكن من لقاء المجموعة مرة أخرى، رغم دعوتي عدة مرات، إذ أن الظروف لم تكن مواتية في أي منها. لكني فهمت بأنه كان يتم السؤال عني، وهو ما قدرته كثيراً، رغم أننا لم نطل الجلوس كثيراً في تلك المرة.

لاحظت بأن الدكتور الثاني المتجهم قد بات أقل تجهماً معظم الوقت، وقد بدأت الاختلافات تتضح أكثر بينه وبين الآخر مع الزمن. صار أكثر حرصاً على رؤيتي، ويبدي اهتماماً شديداً، لكنه قليل الصبر إلى حد ما، ويصعب عليه فهم ظروفي، وإن لم يقل شيئاً، ولكن الصمت في سياقات معينة بليغ جداً. لقد اعتدت على عدم فهم بعض الناس لظروفي، ولا خلاف لدي على هذا. كما تبين بأنه بالغ الحساسية على عكس ما يظهر من حضوره، قد تسوءه تفاصيل صغيرة من سوء الفهم او الهفوات، لكنه مع ذلك يثابر لأجل التواصل والتمسك بالتقدير حتى حينما يكون استياءه واضحاً، ورغم ان خطر جرحه بلا قصد يظل قائماً، إلا ان التفاصيل الصغيرة جداً التي قد لا يدري عنها المرء قد تدخل السرور البالغ إلى قلبه، وهو امر لاحظته مؤخراً فقط، بعد ملاحظتي لوجوب الحذر من جرحه بأدق التفاصيل بفترة طويلة. هو رجل كبير بالسن، ومراعاته الشديدة أمر مبرر بالنسبة لي، وليس بالصعب صدقاً، لكنه لا يسلم رغم حرصي من سوء تدبيري او تعبيري احياناً مع ذلك. ربما لأني بت مؤخراً أكثر ميلاً لتوكيد ذاتي؛ واكثر تحميلاً للطرف الآخر لمسؤولية الفهم والتفهم لما أقول واتخذ من مواقف.

دعاني إلى مطعم يوناني، وفوجئت بأن المطعم مكلف جداً، وقد أخجلني هذا بشدة. كان يعرف الشيف، وقد جاء إلينا الشيف عدة مرات، وكانت لدي أسئلة دائماً، وكان الدكتور كذلك يريد أن يعرف إن كان تخميني للمكونات غير المألوفة التي لا يتفق معي في تواجدها ببعض الأطباق صحيحاً، وقد كان صحيحاً دائماً. الشيف شاب صغير نسبياً على ما يبدو، ولو رأيته بالشارع لحسبته تركياً ممن نرى صورهم بالإعلام، لكن الواقع هو أن أولائك الأتراك هم من يشبهون اليونانيين، بينما الأتراك العاديين أو صافيّ العرق أشكالهم مختلفة. كان الطعام طيباً جداً، لم أتوقعه هكذا، وجبن الفيتا الذي تذوقته يجعل جبن الفيتا الذي نجد في الأسواق أشبه بتلميح للطعم الحقيقي، إذ أن كل المكونات المهمة يتم استيرادها من اليونان في المطعم، حتى بعض الخضار والورقيات، وقد جاء بها لي لأراها وأتذوقها. لكني شعرت بالامتلاء بسرعة، إذ أن وزني نقص حوالي 6 كيلوات خلال فترة الحجر المنزلي، ويبدو أن معدتي قد تقلصت، إذ أصبت بتعب في تنفسي وصداع حينما عدت إلى المنزل بعد الوجبة.

كان في المطعم بعض اليونانيين ونساؤهم، وهن فاتنات على نحو عجيب. سلم علينا أحد أصدقاء الدكتور اليونانيين كذلك، يعمل هنا بمهنة رفيعة، وقد حسبني أحد طلاب مضيفي من الجامعة لفارق العمر على ما يبدو. في خارج المطعم، توجد شجرة زيتون معمرة، 150 سنة، جيء بها من اليونان، وقد كانت غاية بالجمال. وشجر الزيتون حسبما أفهموني يضعف انتاجه كثيراً مع العمر، لكنه يزداد جمالاً. ضيّفنا الشيف كذلك بأيسكريم صنعه بالمطعم، ولم أكن متحمساً رغم تقديري للّفتة، ذلك انه ايسكريم فتسق، وأنا لم أحب هذا الصنف في حياتي. لكن حينما تذوقته وجدته من أطيب ما تذوقت.


بعد فترة ليست بالقصيرة، اتصل بي أول معارفي منهم، وأخبرني بأن الجميع يريد أن يسافر داخل المملكة، أخبرته بأن الجو ملائم لغرب المملكة حالياً، فقال موضحاً بأن الجميع يرغب بالسفر معي. فوجئت، وأخبرته بأني بالواقع أرتب لهم جميعاً رحلة قصيرة تجاه بعض المعالم القريبة من الرياض كما أخبرته سابقاً. رد بأنهم بالواقع اتفقوا على انهم يريدون السفر معي لعدة أيام، إلى القصيم ربما، بالتحديد يومين أو ثلاثة على الاقل. فوجئت، أنهم حددوا رغبتهم بهذه الدقة، وفوجئت صدقاً برغبتهم بالسفر معي تحديداً. لكن بعد التفكير، وجدت بأن رغبتهم بصحبتي منطقية، ومطمئنة لأجانب لم يسافروا كثيراً داخل المملكة، ولعلي الخيار الوحيد المريح ممن يعرفون، فهم دكاترة، صداقاتهم الأخرى بالتأكيد هي مع دكاترة سعوديين، ومن يريد السفر مع هؤلاء. لطالما أخبرني بأنه يريد أن يسافر إلى القصيم، فله صديق من جنسه كان يعمل هناك لفترة طويلة، ويبدو انه سعيد بحياته هناك.


























مرهق أبداً...

مثقل الجفنين...

اسأل عن النوم...

أود لو غبت في كل حين...

لأتجاهل إلحاح قلبي...

حتى سئم الأنين...

وما عاد يطمح...

ولا يطلب...

ولا أدري حتى...

إن كان حزين...

لم أعد اشعر بوجوده...

ولا بالأمل...

ولا بالحنين...

أصحو من النوم...

ولا أكف عن النعاس...

لأنتظر نهاية اليوم...

فأهبط على وسادتي...

هبوط السحاب على الجبال...

وأغوص في أحلامي الهامشية...

غوص الضباب في الوديان...























أتذكر والدي رحمه الله كل يوم، أكثر من مرة، ولم تعد وفاته أمر غير قابل للتصديق؛ لكن حياته باتت ما يشغلني لسبب ما.

أحياناً أتذكره لأني أرى صورته في مكان ما، حيث لا زال بعض إخوتي يضعون صورته في ملفاتهم الالكترونية، وأحياناً تداهمني ذكراه عند حديث قد لا يبدو ذا صلة، لكن الذكرى تجد طريقها إلى ذهني لسبب جلي، كأن أتذكره بذكر محاولات الإنعاش القلبي، أو بذكر طريق أو بلد تحدث عنه لنا أيام صحته. في حال الصور، أشكر للأمر أنه ذكرني لأدعو له بالرحمة، رغم الألم. وفي حال وجدت الذكرى سبيلها إلى ذهني التفافاً، فإنها تلتف على جوفي عاصرة إياه ليؤلم ويعذب أكثر من الحالة الأولى. لا أدري لماذا يختلف الشعور بالطريقتين، ولكون النوع الثاني من التذكر مؤلم على نحو لا يحتمل. لا أجد الجَهد لمحاولة معرفة الفرق، حيث أجد نفسي أفكر بحياته سواء فيما يدور حول ما ذكرني به في تلك اللحظة، أو أقفز مباشرة إلى يوم وفاته، ثم أعود لأفكر بحياته الطويلة، واختفاؤه رغم ذلك؛ رغم كل تلك القصص والأحداث والمعاناة أو الرضا والراحة، لا أحد مخلد على وجه الأرض.

لا أدري لماذا بدأت فجأة أشعر بقرب وفاته خلال فترة بسيطة من حدوثها، فقد كان على نفس الحالة منذ مدة طويلة، لكن مع ذلك بدأ شعور قوي يراودني بأنها قادمة بعد فترة، ولكن خيل إلي أنه سيبقى حياً لأشهر مقبلة على الأقل، ربما لذلك لم أصدق بالبداية بأنه توفي، ولم أبدأ بالشعور بأن الأمر قد ينتهي في لحظة إلا بعدما بدأت بمحاولة إنعاشه بفترة، فرفضت التوقف أو إعطاء أخي فرصة ليكمل عني حتى لا أقطع محاولة الإنعاش، رغم نصيحة موظف الصحة بالهاتف رفقاً بي. تلك اللحظات من الأمل كانت دليل يضاف إلى أدلة كثيرة في حياتي بأن المثابرة قد لا تؤتي ثماراً، يمكنك القيام بكل ما تستطيع، ألّا تذخر وسعاً، مع ذلك يكون الأمر قد انتهى وحُسم ربما وأنت لا زلت تحاول، وربما قبل أن تحاول حتى.

ذلك المجهود النهائي، والأسى بعده، هو لا شيء، لا شيء إطلاقاً مقابل أسى والدتي التي قضت عمرها معه، بعد سنين قليلة مع أهلها، وأسى ومجهود أخي الذي تعهد والدي بالرعاية على مدار اليوم في أضعف حالاته، رغم معاناته الشخصية وآلامه. لم أكن سوى ومضة صغيرة تافهة قبل أن تشتعل النار اللاهبة الحقيقية من الحزن والفجيعة في كل هذا، ومع ذلك، لفتت هذه الومضة الانتباه أكثر من النار بالنسبة للبعض، ونلت تعاطفاً لا أستحقه.

وفي حياته، ما أنا؟، ألم أكن سوى ومضة كذلك؟. لم يكن مني نفع يذكر، وكنت أقل من عاشره بحكم كوني الأصغر. حينما أفكر بحياته، أفكر تلقاءاً بحياته قبلي، قبلنا كلنا ربما، وأفكر بأهله، وتضحياته التي لا تحصى، وأفكر بوالدته، جدتي رحمها الله. إني أفكر بها كثيراً، رغم أني لا أتذكر بأنها كلمتني بأكثر من الطلب مني لأنادي والدتي، وذكرى أخرى بلا معنى علقت في بالي منذ طفولتي المبكرة لسبب ما، ربما كان عمري سنتين أو ثلاث بحد أقصى، خلافاً لهذا كنت مُراقباً فقط؛ فما أنا؟.

أعود لأفكر بوالدي بعد ذلك في طفولتي المبكرة، حينما كان الوضع أفضل نوعاً ما، ويمكنني أن أحدد على وجه الدقة متى تدهورت حياتي بسرعة، في طفولتي كذلك، أتجاهل حينما أصل إلى هذا الحد بانزعاج، وأقفز لمسافة طويلة إلى فترة متأخرة، أقفز سنوات لأصل إلى نقطة أخرى أفضل أن أتذكرها رغم تعاستها، لكني أفضلها مع ذلك، لا أطيل البقاء، إنما هي ومضات ضعيفة من الذكريات التي تشاركناها، ثم أقفز مجدداً إلى زمن أقرب.
























زرني بأحلامي...

بلا دعوة ولا سياق...

زرني وتكلف...

فلستُ مع الزمان في سباق...

ولا تجزع إذ لم أبالي...

فقد زالت اسباب الاشتياق...


أسير سير الحاج عبر أيامي...

غير معني بقصتنا السخيفة...

التي لن تكتمل يوماً...

كم كانت سنوات الشباب سفيهة...


تتمنى ان تقبّلني للحظة...

إذا ما داهمك ما يشبه عطري...

وربما عَجبت من نفسك...

كما اعجب من نفسي...

إلا انها لا زالت تحدثك...

هل فات الأوان؟...




















كان تكييف سيارتي قد بدأ بالتدهور منذ سنتين، وكنت أتصبر في الصيف، وأحاول أن أقوم بما يلزم ليعمل، مثل الضغط على المكينة أكثر. في النهاية، فسد التكييف تماماً، ولم يعد يضخ إلا حرارة تسلخ الوجه. انتظرت الصيانة الدورية وقد اقترب موعدها، واخترت مركز خلاف للمركزين الذين اعتدت، ظناً بأنه أقل ازدحاماً وأقرب، إذ لشركة رينو ثلاثة مراكز للصيانة في الرياض، رئيسي وفرعيين. ولكن سرعان ما اكتشفت أنه فرع فقير على نحو مُجزع، لا صيانة كهربائية للتكيف ولا مهندس لمشكلة تتعلق ببويب البنزين. اقترح الموظف أن أرى أحد المركزين الآخرين، إذ يتوفر بأحدها على الأقل صيانة للتكيف، والآخر الرئيسي البعيد كل أشكال الصيانة بالطبع، ولكن الوقت كان ضيقاً فلست أريد زيارة أي مركز في غير يوم السبت حيث لا عمل. لحسن الحظ، تولى ابن اختي المسألة مشكوراً، وذهب بموعد بنصف الاسبوع إليهم، بينما اخذت سيارته أنا للعمل. هناك، تبين أن الكمبرسر تالف تماماً، ويحتاج إلى تغيير يكلف خمسة آلاف ريال، خلافاً لليد العاملة ورسوم الفحص، فيصل المبلغ إلى حوالي الستة آلاف. حينما اخبرني ابن أختي أخبرته بأن يغادر، إذ سأحاول أن أجد حلاً آخر، ربما قطعة غيار مشلحة. لكنهم أخبروه بأنه بما أني لا أفوت أي موعد للصيانة حسب الواضح في نظامهم، فهم سيتكفلون بسعر القطعة (٥٠٠٠)، لكني مطالب بدفع قيمة الفحص واليد العاملة بمبلغ ٨٠٠ ريال، وفي النهاية لم يطلبوا سوى ٥٦٠ تقريباً. لا زلت لا أفهم لماذا تحملوا هذا المبلغ الكبير، خصوصاً أن الضمان انتهى منذ فترة طويلة، ولا التزام عليهم. إنه ليس بالمبلغ البسيط ليقول المرء بأنه لنشر سمعة طيبة، لكن ربما. سألت ابن أختي عما جرى لأحاول الفهم، ولم يكن لديه أكثر مما سمعت قبلاً. وكانت الفاتورة لا تعطي أي مبرر. في المرة المقبلة، سأسأل عن الأمر، رغم بعد هذا القرار عن الحكمة، لكن أريد أفهم كيف تم الأمر ولماذا، فلم أعرف بوكالة سيارات تتصرف بهذا الكرم، رغم أني بصراحة أحصل على خصوم غالباً، لكن كشأن الوكالات الأخرى، لا أكثر. التكييف ممتاز الحمد لله، وأنا أدعو لابن أختي كلما شغلته في الصباح. كان ابن أختي الآخر قد أخذ سيارتي فيما أخذت سيارته لأذهب وأمي إلى القصيم لحضور مناسبة، وكاد أن يموت حراً، حتى أنه جاء ووالده مع ابن أخي في سيارته لحضور المناسبة في ليلتها.

بعد إصلاح المكيف بأكثر من شهر، بدأ قير السيارة بالتوقف عن العمل فجأة للحظات، مع إظهار رسائل تطلب فحص كمبيوتر القير. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى توقف عن العمل كلياً، إلا اللهم لبضع ثوانٍ خلال كل عشر دقائق أو أكثر. تواصلت مع الشركة، ودلتني على شركة لتساعدني على سحب السيارة إلى مركز الصيانة. كانت سيارتي قد تعدت فترة الضمان بكثير، ولم يكن لدي اشتراك مع شركة المساعدة هذه، لكنهم ساعدوني مشكورين بإيصالي بسائق سطحة متعاون معهم، ولم يكن الرجل طماعاً أبداً فيما طلب، كما كان مجتهداً بحضوره باكراً بالصباح، حيث توقفت السيارة في الجامعة، وكنا نريد تفادي زحمة الطلاب.

بعد فحص السيارة، قيل لي بأن البطارية يجب أن يتم تغييرها، لعلها تكون المشكلة فلا أضطر لتغيير شيء. بعد أخذ ورد، قيل لي بأنه من الضروري أن أغير البطارية إلى بطارية رينو، وهي تكلف 750 ريالاً. وحينما اقترحت أن آتي ببطارية بنفسي، وافق الموظف، لكنه عاد واتصل قائلاً بأن المهندسين يقولون بأنهم لا يضمنون أن تكون البطارية ملائمة من حيث الامبيرات، وأنهم يواجهون مشكلة بقراءة نتائج الكمبيوتر بسبب البطارية الحالية، التي ركبت قبل سنة من خارج الوكالة، وأنه من المحتمل أنها لا توصل الكهرباء بشكل كافٍ لكمبيوتر السيارة وكمبيوتر القير. شرح لي المهندس الفلبيني بأنها لو كانت الموديل الأقل لكان الأمر أبسط، لكن سيارتي، وهي الموديل الأعلى بالفئة، ينقسم القير فيها إلى نصفين، نصف قير عادي، ونصف عبارة عن كمبيوتر بأجزاء ميكانيكية يتحكم بالتغييرات، أي أن أن القير ليس مجرد قير عادي ميكانيكي، حسبما شرح لي. أخبرني بأنه في حال اضطررنا إلى تغيير كمبيوتر القير، فسيكلف لوحده حوالي 6000 ريال، عدى عن تكلفة التركيب وتكلفة البطارية الجديدة. شعرت بإحباط شديد، لكن لم يكن هناك بد من الموافقة على تغيير البطارية كما يقترحون، والدعاء بأن يكون الخلل منها. لاحقاً اتصل، وأخبرني بأنه تمت إعادة برمجة الكمبيوتر، لكن لم يكن الأمر مجدياً، بعد محاولة الإصلاح مرتين، وأنه يجب تغييره. لكنه قال بأن الشركة ستتحمل 70% من قيمة القطعة، لأني لم أفوت أي صيانة دورية للسيارة لديهم، فلي معاملة خاصة، وهذا سيجعل السيارة تكلف حوالي 3000 ريالاً. أفضل بكثير من فوق 7000 بالبداية، فوافقت، وكنت ممتناً جداً، فهذه المرة الثانية التي يتعاونون فيها إلى هذا الحد الكبير، ولا أدري لماذا لم ينطبق الأمر على كمبرسر السيارة الذي تحملوا قيمته كاملة على نحو لم أفهمه، ولم يحملوني جزء منه مثل الحاصل مع الكمبيوتر هذا، وكنت ولا زلت ممتناً جداً. طال بقاء السيارة لديهم، لأن الكمبيوتر سيأتي من الخارج. وفي الاسبوع الثالث، جاء الاتصال بأن السيارة جاهزة. وعند الحضور للاستلام، فوجئت بالمهندس الفلبيني يخبرني بأن المبلغ بالواقع سيكون 2000 وليس 3000، ذلك أن الشركة أعادت حساب التكلفة دون النظر إلى القيمة السوقية. لم أفهم صدقاً ما الأمر، رغم أني استفهمت وشرح لي، لكني بطيء الفهم حينما يتعلق الأمر بهذه الأمور العملية والأرقام (وربما كل شيء)، لكن لعله كان يقصد قيمة التكلفة، وليس سعر البيع. فرحت جداً بهذه المفاجأة الجميلة، وشكرته. كان يمكنهم حسابها كيفما شاءوا، دون اخباري بشيء وزيادة نسبة ربحهم، لكنهم لم يفعلوا.

لا زلت لا أدري صدقاً ولا أفهم لماذا تلقيت هذه المعاملة، خصوصاً أن ضمان السيارة انتهى، وتم خصم الكثير لي، فأنا لا أتوقع بأنهم يقومون بهذا كثيراً، لأن ابن اخي عانى كثيراً معهم وتكاليف سيارته الرينو الصغيرة قبل أن يتخلص منها، وقد كانت من شركة داتشيا الرومانية المملوكة لرينو بالواقع، ويبدو ان صناعتهم رديئة. ربما كانت هذه المعاملة لالتزامي باداء الصيانة الدورية لديهم، وربما كان لتفادي القول بأن سيارتهم مكلفة الصيانة وأن قيرها عرضة للتلف، رغم أني أفهم بأن المسألة مسألة حظ، وجميع السيارات بلا استثناء عرضة لمفاجأة تلف القير كما لاحظت قبل سنوات، وكما عشت مع الديهاتسو اليابانية كذلك، حبيبة القلب التي لم تقصر بخدمتي. وقد قال لي المهندس صراحة بأنه لم يصادف عطل مشابه في قير موديل سيارتي، لكن بعض موديلات فلوينس، سيارة أخرى من رينو ولكن من صناعة القسم الكوري، بقطع نيسان، تأتيهم أحياناً بمشاكل بالقير. لدي اعتقاد بأن تغييري للبطارية ببساطة قبل حوالي سنة قد يكون من أسباب تلف الكمبيوتر، ربما كانت السيارة بالفعل تحتاج إلى نظر أكثر دقة عند تغيير هذه القطع الاستهلاكية. أعتقد بأن هذا ينطبق على السيارات ذات القير المشابه ربما، لعله يسمى قير تبترونِك؟، حيث يمكن التبديل من قير تماتيك إلى عادي أثناء القيادة. وربما كان مجرد حظ، كما حدث مع الديهاتسو، الأكثر بساطة.

يستغرب الجميع من هذه الخصومات، وأنا استغرب كذلك، لكني أحمد الله وأشكره، إذ لكانت الفاتورة قاصمة في الوضع الطبيعي.

لاحظت بعد تغيير القير اختلاف كبير بأداء السيارة. أصبحت التغييرات الداخلية أكثر سلاسة، فلا أشعر بشيء أبداً، وأصبحت أفضل أداء من قبل بكثير. كما أن صرف الوقود الذي كان ممتازاً بالأصل، أصبح أفضل بما يقارب الضعف، فما كان يستهلك في اسبوع أصبح يستهلك في اسبوعين. يظل البنزين مكلف، لأنها لا تقبل الفئة الأقل والأرخص منه للأسف، ولا أدري لماذا خصوصاً أنها سيارة عادية وليست فخمة، واعتبر هذا من عيوبها، في ظل قيمة البنزين الحالية.


حاول ابن اختي، وهو يفهم بالسيارات أكثر مني، إقناعي ببيع السيارة وشراء أخرى، ولو بالتقسيط، فهو يرى بأنها ستستمر بالتلف الآن، وستكلفني الكثير، فقد سأل عن رينو وقيل له هذا الكلام. أخبرته بأن رينو بالواقع تصنع في أماكن مختلفة من العالم، بقطع مختلفة، وربما انطبق هذا على فئات دون أخرى، مثل داتشيا. أصر بشدة على تغيير السيارة. السبب الآخر هو أنه ربما، مثل البعض الآخر، يرى بأن سيارتي لا تليق بي، ربما يرى ابن اختي العزيز بأني أحتاج إلى برستيج خاص، وهو أمر اقترحه اكثر من شخص بعدما اشتريت سيارتي هذه بفترة. سألت ابن اختي؛ ماذا أشتري؟، واقترحت أنا سيارة يابانية صغيرة اسمها أتراج، وهي ذات كفائة عالية بصرف الوقود، وسعرها يعتبر رخيص بالمقارنة. لكن وجهه تمعر وكأني خيبت أمله، وقال بأن لا أفكر بهذه السيارات الصغيرة التي "لا تواجه"، أي أنها ليست بقدر المقام، وقال تخيل بأنك تزوجت، لن تقبل زوجتك بهذا ولا أهلها!. من الواضح انه تعب بإفهامي. مع ذلك، أفهم ان ابن اختي العزيز هذا يريد الأفضل لي دائماً، وفي أمور أخرى حتى، ويبدو أني أرفع ضغطه ببلادتي، وهو أمر يبهجني بصراحة؛ أن يهتم أحد لأمري إلى هذا الحد. أخبرته بأني أحب سيارتي الحالية كثيراً، وأني أرى فيها انعكاساً لشخصيتي، وهي مسألة مكلفة كذلك، فليس من السهل الالتزام بالتقسيط، بينما أنا أملك سيارة تعمل بالفعل وأحبها، فلماذا التكلفة والمعاناة. بالطبع؛ كنت سأقترح سيارة أغلى بكثير من اتراج لو كانت احوالي المادية تسمح، لكني أعيش وفق قدراتي.

لا زلت أحب سيارتي -التي لا تخلو من عيوب- كثيراً. وأنا بطبيعتي أحب الجمادات بسهولة حينما تكون جيدة ومعقولة، وأتعلق بها. لا زلت أملك بعض الأشياء الصغيرة والتافهة منذ أن كنت في الصف الثالث الابتدائي. وما الضير في هذا؟، إنه خير من حب بعض الناس، وربما كلهم إلا قليل.



موجة من محيط بعيد...

زرقاء يعلوها بياض الزَبَد…

تنزلق على خد نجد الرغيد…

كدمعة غلبت كبريائُها بكَبَد…

فنزلت ترصد مجدها التليد…


أنا صاحب الرينو إذ أشرَفَت…

وهَبَطَت نحو الغاط المجيد…

دار خؤولة بمكارمها قد اغدقت...

وبَنَت للمروءة حصن عتيد...

وإذا بالشمس عن الغاط قد أغربت…

فاسقطت جنّاته ظل مديد…

كرِمش حرة نجدية تبسمت…

تجير برمشها الريم الشريد...

فتتبين الرينو المرام إذ تهيجت…

فأسوسها سَوس الجَموح الطريد…


تشق الرينو النفود صوب القصيم...

تحملني برفق الأم بالطفل الوليد...

إذ تغفو الشمس خلف السديم...

فأحلم عنها معروفاً بالفجر الجديد...


أتهادى بالرينو وسط الكثب...

بحرص الربان في بحر يميد...

كمصباح يتمايل بين السحب...

أعرفه بدراً ويعرفني فكلينا وحيد...

نتطلع لما بالكثيب يحتجب...

كسيدة عفيفة غانية تأنف الزهيد...

إذ تتكشف لابنها البار المقترب...

فأشكر خالقي اني قصيمي فحظي سعيد...
























قصة قصيرة، تنتهي عند الخط الأحمر:






"مجد المغلوب"



هناك كلمات ينتظر كل الناس سماعها، لعل بعضهم يفني عمره بالانتظار، بعضهم يسمعها ويفرح، بعضهم يسمعها ويتجاهلها، حسب قائلها، ويكمل الانتظار، وبعضهم يموت منتظراً، دون أن يسمع همسة.

الكل ينتظر ليسمع ما يريد، لكن المتحدثين الكرماء قلة. وبالنسبة لكلمات بعضنا، يحسبها الأغلبية أقل أهمية وليست جديرة بالسماع، ربما لأنها منا بالذات، إنها كلمات نريد أن نقولها، لكن لا أحد ينتظر سماعها، لا أحد يهتم، ولا أحد يريد أن يعرف، مهما كانت صادقة؛ نعرف حينها أننا بهذه الهامشية، أقرب للقاع في ماعون البشرية المستعر، الأقرب للاحتراق، والأضحية غير المهمة ولا المطلوبة.

إنها كلمات تظل معلقة في قلوبنا، وشفاهنا تتحفز لقولها طوال العمر، وقد نحسب اننا وجدنا من يستحق سماعها، فيتبين بأنهم لا يرون في تقديرنا امتيازاً؛ قد يستفيدون منا، من تقديرنا وحبنا، لكن لا أحد يريد أن يسمع.

 

إستيقظ على ضوء النار يتراقص حوله، وزيوت الحطب تفرقع ما بين لحظة وأخرى، وظل يتأمل ويستوعب وضعه، بينما النعاس ينسحب على مهل. جلس أخيراً وهو يواسي أسمال تغطي بعض كتفيه  وصدره، حتى تتجمع بكومة صغيرة بين فخذيه، ولا يُدرى إن كانت تستر عورته في حال وقوفه تمام الستر.

كان في كهف على بعض السعة، وبدا مكانه كممر تلمع جدرانه بضوء النار. لم يكن معه سوى مؤونته وما خف من متاع لا قيمة له، أهمه كان شعلة منطفئة تتكئ على الجدار أمامه، وبينه وبينها النار. كانت مصنوعة كيفما اتفق من حطب سميك، وقد لف أعلاها طبقات يسيرة جديدها فوق قديمها من قماش كتاني متسخ، أو لعله طلاه بدهن حيوان ما فتشربه. كان جسده خامل مجهد، وكأنه لأول مرة يصحو من النوم، لكنه يعرف هذا الشعور ولا يُجفله. لم يكن بوسعه الوقوف تلقاءاً، كان عليه أن يفكر وأن يعين جسده؛ وضع يديه على الأرض وواسى جذعه حتى صارت إليته على كعبيه،  ثم مال أماماً على يديه ودفع نفسه فوقاً بتثاقل، وهو يمسح برجليه الأرض، إذ تقدمت غريزياً تجاه يديه، فكان يجلس على قدميه توازنه يديه على الأرض. وجعل يدفع نفسه بيديه وبكل عضلات جسمه إلى قدامه وإلى الأعلى، حتى وقف وتأمل ما حوله، وحرك قدميه يجربها ويضرب بها على الأرض، فسمع لها صفيقاً، إذ كان قد أضاع حذاءه في بداية رحلته. لم يدرِ كم نام، إذ استغرق بأحلام لا عد لها، عن معارفه الأحياء منهم والأموات، ورغم أن فكرته عن شكله هو لم تعد واضحة لطول انقطاعه عن السطوح العاكسة والضوء الجيد، إلا أنه تذكرهم كما كانوا عليه، إذ احبهم أكثر من نفسه. كان لديه شعور مشجع بقرب الوصول إلى حيث يريد، إلى خارج الكهف من الجهة الأخرى، ليرى. أخذ الشعلة وأضاءها بالنار المشتعلة التي أطفأها سريعاً، وحمل الحطب القليل الصلب من أطرافه، حتى يبرد ويضعه بالكيس. مشى يكمل طريقه وهو يسمع ماء يخر على مبعدة. لم يكن يشعر بالملل، ولا بالتصميم كذلك، كان أبسط من ذلك ذهنياً، تفكيره خطي لا عمق يذكر فيه، يكاد أن يكون فارغاً. كان يمضي ببساطة وتؤدة ليصل، ولا يفكر بالمسافة وما قطع وكم مضى، كان سيصل في النهاية فقط، ويفكر بما سيجد على الجانب الآخر، وتأخذه الأفكار إلى الماضي حتى دخوله الكهف المظلم. قيل له بأن من دخل لم يعد، رغم ادعاء البعض بأن ما على الجانب الآخر هو أرض معجزات لا تعاسة فيها. لم يدر أحد ما الحقيقة، ولعل من دخلوا قبله لم يصل أحد منهم، فقد أحصى بعض هياكل الأموات بعدد من سمع بدخولهم واكثر بقليل، وكان قد قيل له بأن يحصي الجماجم حتى يعرف على وجه الدقة، وكأنه سيعود من بين الأموات ليخبر أحبابهم.

هل يمكن أن يتحول الإنسان من شخص إلى شخص آخر، بانقطاع تام عما كان عليه؟، حتى الفراش، على عظم تجربته كشرنقة، وتسيّل اعضائه وتحولها، يتذكر ما كانت حياته عليه قبل أن يصبح شرنقة، ففراشة. لكن الناس ليسوا بفراشات، وقلما يصبح حالهم أحسن مع التقدم بالعمر. كان حتى قبل سنوات قليلة رجل ذو عقل راجح واعتبار، يحترمه مجتمعه المحيط ويقدر عنايته به. لم يكن زعيماً، ولم يكن أبداً قيادي الطباع وإن كان صاحب مبادرة، لكنه كان ذو نظرة حلم وتأمل، فكان القادة في حاجة رأيه الشامل علوي النظرة، والعامة في حاجة انتباهه الفذ وحسه المرهف ونزاهته، وقدرته على تصور حال من هم دون منه. كان عمله وسيطاً للتفاهم والحلول والاستقصاء قد عزز من مكانته لدى الجميع، من مجتمعه شبه المعزول حتى زوارهم الخارجيين القلة.

مع ذلك، لم تكن كل حياته تتمحور حول الآخرين وحاجاتهم؛ كان يبحث عن حاجاته. وإذ كان قنوعاً من الدنيا راضياً، كانت حاجاته معنوية تمس روحه وقلبه، وعند جوع الروح والقلب وتململهما يندر للعقل أن يجد موضعاً ملائماً، فتحدث الأخطاء، وتوضع الثقة حيثما لا يجب أن تكون. كان ذلك المدخل الذي أفقده اتزانه، الخيبات والخيانات الصامتة؛ من أبسط الناس وآمنهم جانباً، الاستغلال والاستنزاف ممن مبادئهم لم تُمتحن من قبل، لأن حسن الظن بالذات كان أمر طاغ لدى الأغلبية، حيث لا تبدو مراجعة الموقف أو التفكر بالحق والخطأ على المستوى المعنوي أمور مألوفة، وكان عدم الالتزام كافياً للأخذ دون الرد والعطاء، للاستدراج حال قوتك وقدرتك، ثم الاهمال في أشد حالاتك ضعفاً. 

لم يحتج الأمر لأكثر من ثلاث خيبات ليبدأ الترنح، ثم الصمت المطبق والهيام على الوجه.

كان يسير في الكهف لا مبالياً بما أفسد حياته بالواقع، لم يكن يتذكره باستيعاب كامل، ولم يكن يحركه، كان يبتسم ويضحك مقهقهاً أحياناً وهو يتذكر أوقات أقدم وأسعد، وكان صدى ضحكاته الرنانة يتردد في الكهف العميق النائم بأنفاسه الندية الباردة.

رأى نوراً أمامه في مكان يضيق من الكهف، بنوازل حادة رطبة قريبة على نحو خطير من طريقه. كان النور آتٍ من السقف، بفتحة لو شاء لنفذ منها ببعض الجهد وتسلقها إلى الخارج، لكنه وقف تحتها فقط، ينظر إلى النور، مضطرب الشعور بابتسامة واسعة، وكأنه يرى ما جاء إلى هذا الكهف من أجله بالأساس. لكن لم يكن هذا هو الحال، كان فقط على استعداد للفرح والضحك الفارغ، وقد ازدادت حالة عقله ضعفاً مع توغله وانقطاعه الطويل بالكهف المظلم.

أكمل دربه وابتسامته الواسعة لا زالت تزين وجهه، وكأنه قد التقى صديقاً من طفولته لتوه، وسمع منه عن ذكرياتهم الظريفة. كان يحمل في يمينه الشعلة عالياً، ويساره تثبت من فوق كتفه كيساً جلدياً كبيراً بقوة واضحة، ويمشي الآن كرجل راشد منتصب الجسم، متأمل مهيب، لكن النور الذي تركه خلفه ظل يضيء ردفه المكشوف، وشيء من أسمال ثوبه يتدلى فوقه، حتى ابتعد. كان قد بدأ بتمزيق ثوبه الكتاني منذ فترة الآن.


كان من الواضح أنه وصل إلى حيث لم يصل أحد من قبله؛ لقد اختفت كل الجماجم منذ فترة طويلة.

حينما قرر الدخول للكهف كانت فكرة طارئة، وحل لوجوده؛ حل بالنسبة إليه، إذ لم يفقد إدراكه بالكامل، وحل بالنسبة لمجتمعه؛ لقد بات عبئاً نفسياً على الجميع، لا يحب الناس أن يروا ضعفاً بعد قوة، أخيَر الناس لا يحبون هذا، فهم لا يشمتون، إنما يحزنون ويأسون، وكان مجتمعه بعمومه خيِّراً، لكن للتحمل حد، وحينما يقدم الحل نفسه تصعب مقاومته. لاحظ البعض سيره تجاه الجبل، حيث الكهف على طرف القرية، وكان يسير يوتيرة متعجلة على خلاف العادة، وكأنه مصمم على أمر ما، فارسلوا بسياقه بعض الصبية الصغار ليروا ما يصنع، حتى استوقفه الصبية بالصياح قبال مدخل الكهف شعوراً بالمسئولية، وقبضوا على يديه، فلم يتحرك أو يسحب يديه منهم، وإن ظل واقفاً يطالع المدخل، فلم يتوقع أحد أنه ذهب ليدخل، وعاد بعضهم مسرعين ليخبروا من أرسلهم. كان الأمر محيراً، فهو لا يتكلم، ولا يتواصل، ولا يدري المرء هل فهم ما قيل له أم لم يفهم، لكن اقتضت الأمانة إعادة التحذير إليه عدة مرات، ثم بعدما تبين أنه سيدخل الكهف لو أفلتوه، أعطي الكثير من التوصيات وأعيدت عدة مرات، ولكن لم تقتض الأمانة رده بالقوة عن الدخول، رغم أن البعض اعترض وشدد على منعه، إلا أن البعض الآخر قال بأنه لا يمكن أن يبقى سجيناً لدى أحد، وأنه يعيش راضياً منذ زمن طويل دون أن يؤذي نفسه، وإن كانت تسعده المغادرة لوحده فلترك لشأنه. سارع الجميع للتشاور بما عليهم صنعه، وبادر البعض بفطنة؛ إذ أتت امرأة بثوب جيد وجديد كان محفوظاً لزوجها فألبسه إياه بعض الرجال، وأمرت عجوز حكيمة بجلب كيس جلدي كبير من منزلها وقربة تشرب منها وكأس وطبق، وجمع ما يجدونه في بيوتهم من خبز ودهن وملح ما يملأ الكيس، وبدأت بذر القليل من الملح على الخبز ورصه طبقات بعضه فوق بعض، ووضعت قربة صغيرة من الدهن فوقه، وجائت امرأة بقليل من فاكهة جافة ووضعته بالكيس، ثم رُبطت قربة الماء الممتلئة على الكيس بحبل جيد، أما الرجال فقد نزع احدهم حذائه الجديد وألبسه اياه، وجاء آخر بحجر صوان و جذع متوسط من حطب خاص يحتفظ به في بيته للشتاء، لا يحترق سريعاً ويدوم، وآخر بشعلة مستخدمة ولكن مزيتة حديثاً، ولفت انتباه الرجل ليعيد تزييتها بالدهن كلما جفت تماماً. لكنه لم يكن جاهلاً بسبل العيش، فلم ينس، إلا أنهم لا يدرون، كانوا يتكلمون معه دون ربط بما كان عليه قبل بضع سنوات فقط. كان اصدقاؤه القدامى من علية القوم قد عرفوا ما هو مقدم عليه، إلا أنهم أبوا الحضور تأثراً بعد تردد، وتركوا الأمر للعامة مع ارسال توصياتهم، بعدما فشل التواصل والاقناع بالبقاء من العامة، وحاولوا استقاء الخبر بتواصل.

أرسله القوم وكأنه سيسافر في درب معروف، مصحوباً بالدعوات وكأنهم سيرونه بعد أيام معدودات، إلا أن بعض النسوة عجزن عن التظاهر بغير ما يشعرن، فبكين بحزن وعجز، ونظر بعض الرجال بأسف وضياع حيلة من مسافة دون تدخل.


لم يعد للضوء الذي أبهجه من السقف أثر حينما وجد بعض الماء في حوض ضحل، يلتف من حوله الدرب، وقعد إليه ليشرب. كان بارداً ومنعشاً، ورغم أنه لم يصادف عطشاً لغنى الكهف بالماء، إلا أنه لم يشرب أبرد ولا أحلا من هذا، فاستزاد باستمتاع بالغ، وكان يشعر بالماء يمرق عبر جوفه بارداً، فتنتشر البرودة عبر صدره حتى كتفيه، وأسفلاً تجاه جنبيه، وكان زغب جسده وشعره يقف بتدرج وهو يشرب حتى وقف كله وصولاً إلى قمة رأسه، وعينيه تحملقان على اتساعهما وكأنما وقع على كشف أو لقية لم يتخيلها. ثم بدأ الماء البارد يفيض كما هو من عينيه وهو يشرب، فتغرقان به قبل أن يتصبصب، إذ يثج منها بغزارة ويلمع كالبرق الذي لا ينقطع فيطغى على نظره، وقد استمر يخر صاقعاً رقراقاً على وجهه بلا انقطاع. كان يشعر بجسده يحيا وينشط وهو يشرب على نحو لم يشعر به من قبل.

بعدما روي وملأ قربته، ظل جالساً أمام الماء حتى ركد تماماً، وانحنى ليرى انعكاس شكله، لكنه لم يميز شيء، كان يرى شعره يحيط وجهه، لكن لم يكف النور ليتبين وجهه، ولم يهتد لحمل الشعلة، فلم يكن شكله مهماً؛ كان يدرك ذاته، لكن التفاصيل لم تكن تهمه.

التفت وكأنما استشعر شيئاً، فوقعت عينه على طالع في الحوض غير بعيد عن الحافة، غريب التكوين محدب غير حاد، وكانت قمته أكبر من قبضة الرجل بقليل. كان اسطواني قمته مستديرة بغير انتظام، كنهاية مستهلكة ليد النجر الخشبية، ذكره هذا بامرأة رعته بقدر ما استطاعت، فابتسم.


كان بعض الناس يعامله بعدما فقد اتزانه وكأنه لا زال كما كان عليه لبعض الوقت، لم يكن أحد يريد أن يصدق ما آل إليه أمره، بعد حضوره الرزين النظيف الأنيق بطبيعته. أول من سلم باختلافه وتدهوره كانت عجوز وحيدة، مات عنها جميع أهلها، وعُمّرت هي.

كانت تبحث عنه وتناديه، وكان هذا العطف يضايق الجميع لأنه يشعرهم بالحقيقة التي عليهم تقبلها؛ لم يعد هذا الرجل الجليل عاقلاً. كان قد بدأ يترك بيته، ويهيم على وجهه معظم الوقت، وينام أينما أصابه النعاس، ورغم أن البعض كان يوعز للصبية بإيقاضه باحترام وأخذه إلى بيته، إلا أنه لم يعد يدخل، لقد كان يستلقي وينام أينما تركوه، ولو تم إدخاله إلى منزله، كانوا يجدونه لاحقاً نائماً في مكان آخر.

لو لم تنتبه له العجوز ذلك الانتباه اللحوح الذي لا ينفك، لربما طال به الجوع والمعاناة، ولما أدرك الناس سريعاً أنه لم يعد يتدبر لنفسه الطعام.

كانت الفطرة العتيقة السليمة والثابتة التي لم تُمتحن هي ما هدى العجوز الطاعنة لملاحظة حاله منذ البداية، وكان استيعابها لضعف الإنسان بعد عمرها الطويل هو ما جعلها تتقبل حقيقة ما آل إليه بسهولة، دون أن يبدو عليها الأسى، وكان ايمانها الثابت بالقدر يحد من التساؤل غير الضروري، فما كان العقل في نظرها سوى شعرة ضعيفة قد تنقطع بمسّة غير متوقعة. كان أمر قد حدث ببساطة، وكأنما رُزقت بطفل أو وُضع حفيد في رعايتها، على أنها دفنت أهلها جميعاً، أشقاء وشقيقات، زوج وأبناء وأحفاد، على مر السنين.

بعدما دفنت آخر حفيدة ماتت لمرض ألم بها، اجتمع الأعيان بطلب من الرجل نفسه لينظروا بأمرها، وكان قد طلب الاجتماع مباشرة، وهي لا زالت تتقبل العزاء برعاية نساء بعمر أبنائها وأحفادها. لم يكن عليه أن ينتظر معاناتها لينظر في أمرها؛ كان يجب أن يعتني بها أحد. وهكذا كان، وُوزعت المسؤوليات، وتعهدت خيرة النساء بالانتباه لها، وضمان أن لا ينقصها شيء، من رعاية وطعام وصحبة. كان القوم ينظرون له بإعجاب في ذلك الموقف، ويشعرون بالامتنان لوجوده، والاطمئنان لضميره الذي لن ينساهم وقت الحاجة. ولم تكن العجوز تعلم بأي من هذا، ولا عن معروف الرجل وانشغاله بأمرها، وقد تم تضليلها حينما تسائلت عن اختفاء بعض النساء عن مجلس العزاء لحضور ذلك الاجتماع، حفظاً لشعورها. لم يكن يظهر الحزن على وجهها، كان هناك الهدوء والتأمل فقط، إلا أن الدموع لا تنفك تسيل على وجنتيها، إما تمسحها هي أو امرأة أو طفلة بالقرب.

أدرك الناس أنه لا يأكل إلا حينما تأتي له العجوز بما تيسر، وأحياناً بعدما تضعه بيده، فصاروا يحاولون أن يكفوها العناء ويبحثون عنه لإطعامه، أو تستوقفه النساء حال مر قرب بيوتهن لإعطاءه شيئاً، ولو كان الماء، وكان يتجاهلهم حينما يكون شبعاً مرتوياً. لكن العجوز لم تنفك تذكر الجميع به، وتسأل أين هو، وكأنه طفل صغير. وتُفقد أحياناً لأنها خرجت تبحث عنه، ومن النادر أن تجده، إنما يجدها القوم ثم يبحثون عنه ليأتوا به إليها. وفي الليالي الباردة التي تخشى عليه العجوز فيها من المرض، يؤتى به فيوضع في حجرة دافئة في أقرب منزل من مكانه وهي ترى غالباً، ويغطى ببطانية، ونادراً ما كان يخرج قبل الصباح، لأنه يجد الدفئ.

كانت تُحرج الرجال أحياناً بطلباتها الضرورية، وما كان لهم بد من تلبيتها مع إدراكهم لضرورتها، إذ تطلب تحميمه أو إلباسه.

كانوا قد وجدوها مرة تجلس إلى جانبه في جال الطريق، وتمسك بشعره بقوة وحزم، وتمشطه وتتفحصه فاليَة، وهو منحني الرأس، يمسك برسغيها برفق لا يريد أن يؤذيها ويريد الفكاك، بعدما لاحظت قملاً في رأسه، وكانت عيناه تدمعان لقبضها القوي على شعره.

ألمَّ بالعجوز مرض مفاجئ، ولم يذخر القوم وسعاً برعايتها، ومحاولة علاجها، لكن بدا جلياً أنه الموت. كانت تسأل عنه وعن حاله، وهل انتبهوا له، كانت تخشى أن يُشغلوا بها عنه فيجوع. جيء به إليها كلما سألت عنه، وكان يطيعهم حينما يجلسوه إليها وهي على فراشها على الأرض، فتمد يدها فيأخذوا بيده ويضعوها بها. فتلمسها وتضغط عليها، وتفلتها تعبة. كان يمكث قليلاً ثم يخرج ليهيم على وجهه، دون أن يبدو عليه الاستيعاب أو التأثر.

نادوه ذات مرة باحثين عنه، ثم جاء صبية صغار وأخذوا بيده بعدما ظهر، وكان يسمع عويلاً. أدخلوه فرأى العجوز مغمضة العينين، وقد فغرت فاها، وبان سنها العنبري الوحيد في فكها السفلي، طويلاً ومستديراً وغير مستدق. أجلسوه إلى جانبها، وكأنه أحد أبناءها، وكان هذا ما بات يحضر في أذهانهم تلقاءاً منذ فترة طويلة. نظر إليها بتأمل ولم يشح بنظره، أطال النظر، حتى سكت من كان يبكي باستغراب وترقُّب. انحنى ببطئ وطبع قبلة طويلة على خدها، ثم انتقل إلى جبهتها وطبع قبلة ورفع رأسه، وكانت هناك دمعة تتدلى من اهداب عينه، رغم خلو وجهه من أي تعبير. قام ومضى يهيم بعيداً تجاه الحقول. فقدوه في ذلك اليوم رغم بحثهم الطويل والمضني، كان من الواضح أنه اختبأ. ولأن العجوز توفيت شعر الأعيان بالخوف من أن يصيبه مكروه دون أن يعلموا، فخرجوا بأنفسهم ليبحثوا عنه. كان الجو دافئاً، فكان هذا مطمئنا إلى حد ما، فكفوا بعد يأس، على أن يكملوا البحث تحت ضوء الشمس صباحاً. حينما أصبحوا وجدوه يتناول الطعام مع اطفال أرملة، وجدته يتسكع بالقرب فأدخلته إلى فناء منزلها لتطعمه. وكان قراره بالرحيل تجاه الكهف بعد أيام معدودة من وفاة من تبنته برعايتها وحنانها.

ظل ينظر للطالع في الماء، ومع تأمله الطويل خبت ابتسامته، وكان ضوء الشعلة قد جعل من الطالع الطويل غير معتاد الشكل عنبري اللون. دنى منه ووضع كفه على قمته الصلبة المستديرة، ومد جسده إلى أبعد ما يستطيع فوق الماء، ورشفه رشفة صغيرة، أقرب للقبلة على صفحة الماء.


كان المحيط قد بدأ يبرد حينما مضى ليكمل طريقه، وهبَّ بخفة تيار هواء مقبل من امامه يبدد ركود جو المكان، وهو ركود نسبي لم يكد يتغير منذ أن دخل الكهف. بدا أن شكل الكهف قد بدأ يتغير كذلك؛ كان يتحول من حاله الهش ظاهرياً والخطير، بطوالعه ونوازله وجدرانه الخشنة والتكلسات  الحادة، إلى الانتظام والنعومة والتواسي على نحو تدريجي سريع، وكأن انسان ما قد وصل في عمله على تهيئة الكهف للبشر من الطرف الآخر إلى هذا الموقع، وتمت مقاطعته فتوقف، أو انه لم يرَ جدوى من الذهاب إلى ابعد والوصول إلى الطرف المقابل، الذي دخل منه الرجل، فقفل عائداً فلم تُمس الجدران من بعده. كان نور شعلة الرجل يرتد ويتكسر على الجدران والسقف والأرضية التي لم تنتظم تماماً بعد، وهي تكاد أن تكون كالمرايا، وكانت الجدران تضيق شيئاً فشيئا حتى وصل إلى مدخل مستطيل، جميل منحوت مؤطر بزوايا بخطوط مستقيمة، كأنه مدخل داخل مدخل، تضيق عارضتيه تجاه الأعلى حتى تصل إلى قمة قصيرة مستقيمة، بثلث طول أرضيته وفوق منتصفها تماماً، فيما يستمر الممر من خلفه منتظماً، بسقف مستوٍ وجداران ممتدان وأرض منبسطة، وبدا أن المدخل وُجد ليفصل بين ما قبله وما بعده تمام الفصل، وقد نُقش على حوافه كتب عجيب، وحتى لو حضره وهو في تمام عقله لما استطاع أن يقرأه. لم يشغله ما هو مكتوب، إذ نفذ فقط عبر البوابة.

شعر بنسيم جميل، يحمل رائحة عشبية وزهرية، وشعر غريزياً أنه اقترب من المخرج، من الوصول أخيراً إلى وجهته التي لا يعلمها. كان يجري الآن، وكان يجري ضاحكاً فرحاً، لكن مع تقدمه بدأت البهجة تخفت، وتتحول إلى تصميم وتَفكُّر. توقف قليلاً بعدما لاحظ أخيراً أن الجدران تغيرت، حيث أصبحت صقيلة تماماً، لم ير مثل تماثلها من قبل، حتى المرايا في قريته لم تكن صقيلة إلى هذا الحد. وكانت الجدران تعكس ضوء شعلته في المكان، فكان يرى العديد من صوره بعضها خلف بعض، ولما نظر إلى أرض الممر وهي تعكس صورته خيل إليه للحظة أنه يطفو بالهواء فاهتز كيانه وجفل فاقداً اتزانه. وكانت شعلته تلمع في الانعكاسات وكأنها آلاف النجوم حوله. قعد على الأرض متربعاً، ينظر حوله بذهول، وبدى أن كيانه قد بدأ يضيع منه، وينفك وعيه الضعيف عن ذاته، وهو يتوه بين ما خيل إليه أنه سماء عجيبة. لكنه عاد فجأة؛ بعدما وقعت عينه على وجهه في الانعكاس إلى جانبه، وآلاف الوجوه خلفه، وقد استدار رأسه وهو ينظر إلى عينيه بالانعكاس، وكأنه تعرض لصدمة دوخته، وتساءل بقدر ضعيف ولكن متزايد من الوعي الذاتي؛ ما قد يكون هوَ؟. تذكر دخوله الكهف، وما جرى عليه فيه، لكنه لم يستطع أن يحصي مرور الزمن، وقد تذكر نفسه قديماً، قبل أن يفقد الاهتمام بهذه النفس الماثلة، ولم يكن هذا حاله؛ كان يبدو الآن أصغر عمراً مما كان عليه في آخر لحظات وعيه القديمة. بدا جذاباً كما كان وقت الشباب المبكر، حلو حزين التقاطيع، ذو حضور متحفز ويائس بذات الوقت؛ لم يكن ما مر به في ذلك الحين هيناً، تذكر أنه فقد والديه في ذلك العمر، أحدهما بعد الآخر بيومين، أب احترق ليلاً، في حقل جاف في سنة مجدبة، وأم مريضة في وباء مشهود، كانت تحتضر وهي تقبض يده، وقد دفن وجهه إلى جوار وجهها رغماً عن الجميع، وهو ينتحب بعجز ويتأوه ألماً ودمعه يهل مدراراً، حتى شعر بآخر زفراتها الباردة على خده وهو يقبلها، إذ فاضت روحها، فسحبه الناس الآسفين بعيداً، لتدفن إلى جوار بقايا والده. رغم ذلك؛ لم يرد أن يصبح عبئاً على أحد، وكان هذا واضحاً إذ لم يُتعب أحداً بمتابعته ممن تعهدوه، حتى بدأوا يعاملونه كواحد منهم، من الكبار الأكفاء، باعجاب كبير بصبره وبَذله الذي لا ينقطع. كان قد فُقد خلق كثير في تلك السنة، وكان مهماً ومفيداً لقريته منذ ذلك الحين.

فرت دمعة ولمعت على الجدار العاكس حيث ينظر، وخلفها آلاف الدموع على آلاف الوجوه الجميلة، فابتسم رغم حزنه، ورأى أسنانه التي كانت مثلمة وبعضها مفقود، قد عادت بيضاء جديدة تامة الصف، بينما لم يعد شعر وجهه أكثر من شعر خفيف أقرب للزغَب. 

قام بسَكينة حاملاً الشعلة، ولما استقام ليمشي لاحظ وجهه مرة أخرى، وسره شكله، لطالما خيل إليه أن شكله المجهد من أسباب سوء حظه، التغير السريع الذي طاله بعد البؤس المفاجئ، فكان أقل جاذبية، بعدما كان أوسم الصبية، واستمر يتدهور مع العمر. جذبه حسنه المستجد فاقترب من الجدار يتأمل تفاصيله، لكنه لاحظ بطرف عينه انعكاس النار في الشعلة التي أبقاها بعيدة بيده، كان اللهب يميل تجاهه. استغرب وتحسس اتجاه الهواء، فكان قد سكن. تذكر ما قيل لهم حينما كانوا صغاراً مجتمعين حول نار؛ أن النار تميل تجاه أجمل المحيطين بها، فكان تنافس بينهم وتدافع وضحك. ابتسم للذكرى، وقد نسي ما رأى لتوه لبرهة، ولكن ما إن وقعت عينه على النار وجدها تميل تجاه وجهه حقاً، ضحك بتعجب واستعرت النار اكثر وازدادت ميلاً، وكأنها تستجيب لضحكه. لم يستوعب ما يجري، وابتسم بتردد.

خطى خطوتين فهاجت النار واستعرت كانفجار اجفله مصدوماً، ومالت تجاهه ففر بوجهه زاعقاً بصوت صبي بلغ الحلم لتوه، لكنها مالت أماماً وهي تسحب الشعلة معها، وذراعه يستجيب راغماً. ترنح إلى الأمام منحنياً وكأنما هناك من يسحبه وهو يصيح بصوت لا يألفه. ثم نفثت النار لهبها تجاه الأرض وكأنما لا تريد للشعلة أن تقع، فارتفعت به عالياً وقد سحبت ذراعه بشدة كادت أن تفك مفصل كتفه، واستدار راغماً مذهولاً ورأى نفسه المروعة لبرهة على الجدار الصقيل، وكأنه يطير، وانعكاس ألف منه يطير خلفه، والنار كالمذنبات يتردد انعكاسها من نهاية شعلته، وهي تهيج طائرة وكأنما في فضاء واسع، فحاول أن يفلت الشعلة إلا أن يده أبت، وثبتت أصابعه وكأن مفاصلها تحجرت منقبضة، فصاح اكثر واعلى مفزوعاً، وارتدت النار تجاهه على صياحه وكأنما فطنت له، وذراعه تستجيب لها بعجز، لكنه التف بكل قوته ووقع أرضا منبطحاً، وقد ارتطم رأسه وارتد. لم يتحرك، وقد ظل ما بين يقظة وغياب، حتى بحث بعينيه عن الشعلة فوجدها لا زالت بيده، وقد هدأت النار، لأنها باتت تزحف عبر الشعلة تجاه يده، وقد بدأت تمسها. ففز ساحباً يده القابضة على الشعلة، ولكنها ظلت متمسكة بها، وكانت يده ثقيلة وكأنها ميتة، إلا أنه كان يقوى على رفعها بالكاد، ويشعر بها على نحو ضئيل. لم يخفف ضعف الألم الذي يشعر به من فزعه، إذ وقف وجرى مترنحاً نافضاً ذراعه من عضده، وهو يصيح بصوت صبياني حاد، إلا أن النار ظلت تأتي بهدوء على الشعله، وتشوي يده بحثاً عن موضع تبدأ منه. تحول جريه إلى مشي، وصياحه إلى نحيب يائس، وكان كلما نظر إلى النار وجدها قد أتت على المزيد من يده، فكان يصيح وينفض ذراعه بلا جدوى، كطفل يحاول أن يفلت من كبير يمسك به ليعاقبه، ثم يستسلم ويكمل المسير منتحباً، مبعداً النار عن جسده، وقد ثقلت ذراعه اكثر واتعبته، وبدأ شعوره بحرارة النار يزداد ويصل إلى الحد الواقعي من شعور المحترق.

وكأن النار قد وجدت ضالتها فجأة، تهافتت منتشرة حالما مست اسمال ثوبه البالي وقد وصلت أخيراً إلى عضده. كان يشعر بها وكأنها حيوان ذا كتلة، وهي تسحب الثوب، وكأنما تجر نفسها متسلقة تجاه كتفه، فتنفس وشاهق بوجل وهو يرفع يده الأخرى وينزلها، يخشى أن تنتقل إليها النار لو نفضها بها، حتى أطلق صيحة مجلجلة يائسة رجت أضلعه بعدما أيقن المصير. أبعد وجهه عن النار وهو يتابعها مذعوراً بطرف عينيه المغرورقتين بدمع غزير، بينما تحركت النار تغطي ثوبه برفق، خشية أن تأتي على الثوب قبل أن تجد مستقراً على جسده الغض. لكن الهلع والاستسلام للمصير لم يوقفا جسده عن المسير، وكأنما كان يعيش بإرادتين. انتشرت النار التي لا تشبع كما شاءت، وبدأ لهبها يستقر على جلده ويزداد توهجاً وقوة، وكأن النار أيقنت البقاء أخيراً. أتت على ثوبه من فوق منكبيه فسقطت البقية الباقية من ثوبه ارضاً، فتجاوزه رافعاً خطوته باستسلام، مكملاً سيره بعجز. كانت النار تأكل وجهه بتأنٍ كأنه التلذذ، وكان بالكاد يرى من خلالها، وقد توقفت الدموع عن التدفق بعدما كانت غزيرة، بينما انقطع صوته بعدما انكشفت حنجرته. كان يسير مع ذلك، كان ممزق الفؤاد حزناً، ولكنه لم يعد مذعوراً إذ سلم بالأمر رغم الجزع، بينما إرادته، إرادة جسمه، أبقته سائراً باعتدال، بالاتجاه نفسه. انقطعت الجدران الصقيلة العاكسة، حيث منعه التوهج الشديد المتعاكس عن الرؤية، وبدأ الكهف يعود سريعاً إلى صورته الطبيعية، كما كان حينما دخله، فبدأ يرى ضوء ابيض خافت امامه بالبعيد، وشعر بأنه اقترب من وجهته، وزاد هذا من عزيمته. مع ذلك، كان هذا الضوء هو آخر ما رأى، وقد تسارعت حينها دقات قلبه، قبل أن تنفضخ عينيه، ويسيل مائها ويسيح ببياض غزير منتشر، إذ زمجرت النار فجأة واتجهت لتلهب مقلتيه، فهي ترى ما يرى، وتعرف بما يشعر. لم يكن بإمكانه أن يحث الخطى، لكنه ظل يسير رغماً عن عماه، ورغماً عن لهيب النار، التي بدأت تزداد التهاباً بجزع محاولة إيقافه. كان بعض لحمه قد بدأ بالانسلاخ والتساقط بعدما نضج تمام النضج، وقد انفكت عضلة ساقه اليسرى من اسفل ركبته، ومالت بليونة واقعة إلى الخلف، حيث جرها لخطوات بعقب قدمه حتى انفصلت، بينما تهدلت إليته اليسرى مقلوبة فوق فخذه، حيث حاولت النار حثه على تغيير اتجاهه لتُضيِّع جهوده. كان دهن جسمه يفرقع وبعضه يقطر على الأرض من أماكن عدة، ولم يعد من اثر لشعر او حتى جلد، وكانت شفتيه قد انكمشتا، مفرجتين عن اسنان ظلت جميلة لامعة، فبدا بمفارقة وكأنه يضحك سعيداً، بينما هو يتعذب محترقاً بلا قدرة على الصياح والاستنجاد.

لم يكن يرى، إذ كان قد خرج من الكهف، واستمر يمشي على جادة منحدرة تحيط بها أجمات الخزامى البرية الكثيفة، وكانت الشمس قد غربت لتوها، و كان بالكاد يشعر، لكنه شعر بهواء عليل ندي يحمل الحياة ذاتها، وكاد النسيم أن ينزع النار عنه، إلا أنها زأرت بجنون وتوهجت كالشمس، ودارت حوله وتضخمت، فبدا كوردة نارية تسير على الأرض، بتلاتها تذوي وتنبثق وكأنها أبدية النمو خالدة. تهافت عليه من بعيد سرب من الفراشات وترامى، فاحترق حوله كالنجوم، يتساقط كالشهب يكاد يتلاشى قبل أن يمس الأرض. وقد علم في قرارة فؤاده بأنه وصل وجهته، فرفع يديه امامه مستنجداً، كطفل باكٍ أضاع أمه، وقد وجدها أخيراً. لكنه ظل يسير، ويديه أمامه. كانت النار تشتد اسفل رأسه، وقد استحال زئيرها صياحاً مجنوناً حاداً كالصفير. شعر برقبته تضعف، وشعر برأسه يتأرجح اماماً وخلفاً، وتشتتت خطواته، فرفع يديه أعلى تجاه رأسه ببطء هو كل ما استطاعه، وكان ابطه يتمزق، كاشفاً عن لحمه الدهني الناضج. إلا أن رأسه وقع من بين يديه وقبل أن تصلا، وتدحرج سريعاً على السفح، وانهار جسده مباشرة وتقلب على السفح حتى استقر على ظهره، وكان آخر شعوره هو السقوط، سقوط أبدي حر كحلم النائم، إلا أنه لم يستيقظ على فزع الارتطام بالأرض، إذ تلاشى وعيه وهو بعد يسقط.

كانت النار تمتد بخط ضعيف من صدره، عبر بطنه، فعانته التي فقدت معالم جنسه، حتى أصابع قدمه اليمنى، حيث اشتعلت على بعضها بهدوء، كل اصبع على حدة، لا تقوى على جمع نفسها، إذ كانت تحتضر أخيراً، مسلِّمة برضا وطمئنينة، بعد جهد جهيد وخشية من فشل محدق. انقطع خيط النار، فانطفأت الأصابع، وخبت توهج ياقوتي داخل الصدر، وعلا الدخان، وبدأت الأرض تتشرب الدهن.

أما الرأس فقد ظل يتدحرج بسرعة، متقافزاً على الجادة المنحدرة، يمس أغصان الخزامى للحظات فيعود إلى طريقه، حتى انبسطت الأرض، وتوقف حيث كادت ان تنتهي الجادة.
أضاءت نقط خضراء، متوهجة في الظلام المحيط، كل نقطة توازي اخت لها، من بين شجيرات قريبة، واقتربت منه برفق واثق، وكانت عيون غزلان ريم تستوطن المكان، وقد رأت ما يجري أعلا السفح، وانتظرت. اقتربت إحداها، وتشممت الرأس، وقد استوى لحمه حتى نشف، وتكشف بعضه عما تحته، وكان وجهه الضاحك ابداً متوجهاً نحو السماء. حركت الغزال شفتيها فوق الاسنان البيضاء الجافة، تتحسسها، وذهبت، فيما اقتربت الغزلان الأخرى تتشمم الجسم الغريب، حتى عادت الأولى، وانحنت تجاه الفم، والصقت فمها على الاسنان بما يشبه القبلة، وتسرّب ماءٌ زلال حملته بفمها من غدير قريب، من خلال الاسنان المنظومة المطبقة، إلى جوف الجمجمة. ثم جثمت الغزال وقد جعلت الرأس بين قائمتيها المثنيتين، ورمرمته بشفتيها كما تصنع الأنعام بمواليدها، ثم تواست فهبطت برأسها إلى جانبه، محيطة اياه برقبتها، ونامت.

حينما استيقظت بلا جفول، وجَدَت الندى يحيط بمحجر العينين، ويجتمع بعضه فيتسرب كالدموع من جانبيها. ذهبت إلى الغدير لتشرب، وعادت لتسقي الرأس كما فعلت البارحة، ثم مضت تعتاش مع قطيعها. حتى عادت حينما غربت الشمس، وتشممت الرأس، ولعقت الوجه وتحسست الاسنان بشفتيها، ثم تقافزت نحو الغدير وعادت بالماء لترويه مرة أخرى، ونامت كما فعلت البارحة، محيطة به برقبتها ورأسها، ويحيط بها بعض من قطيعها. حينما استيقظت، وجدت الندى كما وجدته امس، فلعقت بعضه، ومضت لتأتي بالماء، وبعدما مررته عبر الاسنان مضت تتبع شقيقاتها، ولكنها توقفت، فتوقف سواها، وعادت إلى الرأس وجثمت، تشممته وهو بين قوائمها، ولعقته قدر ما شاءت، إلا انها لم تقم. اصطكت اسنان الرأس المطبقة للحظة، ثم انفتح الفك على اتساعه، ولو رؤي ولم يُسمع، لظُن أنه أطلق صيحة مُروعة، إلا أن ما خرج كان صوت عميق، أقرب للزفرة الطويلة، زفرة رضا وارتياح، وشيء من استسلام وتسليم، ومغفرة، وقبول، بعد فقدان أمل وانهاك طويل. ظهرت نبتة في قعر الرأس، تنمو ويكاد نموها يُشهد بلحظته. قامت الغزال جذلة، ومدت خطمها بين الأسنان تشم النبت اليانع، وتعهدته بالسقيا كما انشأت تفعل، ولم يطل الوقت، أيام وظهرت شجرة جكرندا مزهرة عظيمة، ولم يبق أثر للرأس. كانت زهورها البنفسجية تنمو ولا تذبل، إنما تمطر وتطير بالريح وتنتشر وينمو غيرها في لحظات، وقد انتشرت فروع الجكرندا العظيمة وتهدلت فروعها مثقلة بالزهور، حتى بدت من بعيد كغانية حسناء، تهلي وترحب بالضيوف المقبلين، وأردان ثوبها الراهي متدلية تغطي كفيها.

ماتت الريم إذ عوّدت بعد زمن، وهي مسندة رأسها على جذر ظاهر للجكرندا، وسرعان ما تشربتها الأرض وزال أثرها من عليها. وقد وُلدت تحت هذه الشجرة الطيبة غزلان وماتت، إذ لطالما عادت إليها، لتستريح، لتلد، ولتموت.
كُتب ألّا يستظل تحت هذه الشجرة بشر، وكُتب لاعتراف صادق بالحب ألّا يُسمع.



_______________________________
























أحياناً تبدو لي الحرية شكل من أشكال مواجهة الخوف الذي لا يذهب أبداً، في عملية مستمرة من الخوف الواعي، فالحرية في الوعي نفسه، وهكذا، لعل الحرية هي ضرب من ضروب المعاناة. لا يمكننا ان نتحرر كلياً، الحياة مجزأة، زماناً وجوانب. بات يخيل إلي ان الحرية تبدأ كفتح ذهني، أن تعرف بأنه يمكنك أن تتحرر من مسألة ما، وهناك درب واحد إلى تلك الحرية؛ إنه سفح أمامك، في وادٍ ستموت قبل أن تبلغ نهايته، لكنك تقفز مع ذلك، ويخفق قلبك خيفة وهلعاً، والحرية تكمن في مواجهة هذا، في الوعي بوجود الهلع والخوف والتفكر بهما، ومصارعتهما؛ سيظلان رفيقاك طالما كنت حراً، ففي النهاية، ما الحرية سوى سقوط مُروع، كنت بائساً قبله، ولعلك لا زلت بائساً خلاله، إلا أنك حر.

أعتقد أني جربت هذه الحرية أخيراً.



البحر من ورائي...

أواجه مخاوفي أمامي...

بلا هوادة تدفعني..

وبعجز أقاومها...

حتى أحس بالبحر يلمس أقدامي...

يمسها برفق كحبيب مشفق...

وكأنما يقول لتقع في أحضاني...

أغمض عيناي مستسلماً...

أكشف نحري وأفرد ذراعاي...

أستقبل نحر وطعنات القدر الثائر...

لأسقط حراً على ظهري...

فيسحبني اليم العطوف سريعاً...

أجر من صدري ذيل من دمائي...

كشهاب يرحل سريعاً كما جاء...

طالما نور الشمس يسطع على وجهي...

ينطفئ إذ أختفي في ظلمة المحيط الحنون...

أحلم كالنائم أجمل أحلامي...

ما أجمل الراحة...

ما أجمل النوم...

حينما يغيب الأمل...

فينطفئ الشهاب...
























كنت أراسل صديق يوناني رائع، غادر بلادنا على نحو نهائي. يسألني عن أخباري، يقول بأنه يستمتع بما يقرأ في رسائلي، ويحثني على فتح مدونة باللغة الانقليزية، حتى يقرأها اليونانيين الذين يعرف.

وجدت نفسي أكثر قدرة على مفاتحته بما يجول في خاطري حينما بات تواصلنا بالكتابة، أحياناً يجد ما أقول مضحكاً، لكنه يلتقط المهم ولا يجده مضحكاً. يحب أن يسأل عما كتبت، أخبرته بأني صرت أكثر تركيزاً في الكتابة.

لقد كانت صداقة جميلة ومميزة رغم قصرها؛ له روح بريئة ورهيفة كروح طفل مهذب قليل المخالطة، رغم أنه أكبر مني بفارق سنوات ليست بالقليلة.

لقد تقبلت نهاية هذه الصداقة، حالما رأيت الإشارة. إنها مثل اللحظات العابرة في مجمل الحياة؛ كانت إغماضة من الراحة والبراءة والهدوء.

هذه الذكريات، البقية الباقية من شيء أكثر جوهرية وتجسيداً، تجعلنا نتذكر أن الأمور الجميلة، مهما طال بقاؤها معنا أو قصر، إنما هي أمور عابرة وضئيلة في مسيرة الحياة. وهي متفلتة لا يمكن القبض عليها، إنها ليست بيوتاً تؤوينا، حيث يمكننا أن نأمل أن تدوم لنا، إنما قد تكون قلوبنا وعيوننا بيوتاً لها، فتختار هي أن تغادرنا، أو قدرها أن تغادرنا، كأنما تنتظر ساعة رملية لتفرغ، أو وكأنها تبدأ بالمغادرة حالما تدخل، كالقبض على الماء أو الرمل، ولا يجدر بنا تخيل أننا سنبقي على شيء في كفوفنا حينها، خلا بعض الأثر، إننا نعجز عن القيام بشيء. لذا، نتركها تمضي رغم كل مشاعرنا ورغباتنا، في استسلام للحتمية.


























أتساءل أحياناً، كيف تشعر أم جيراننا التي كانت تزور والدتي كثيراً، حينما بيع بيتها، وهُدم سريعاً في ظرف يوم أو يومين من مغادرتها؟. لا يمكنني سؤال امرأة مسنة إن كان البيت يمثل ذكريات جميلة ومميزة، لكن لعلها تخبرني بشيء يوماً ما في أحد زياراتها.
لقد شعرت بالألم والصدمة كثيراً حينما رأيت البيت وقد شرع ملاكه الجدد بهدمه مباشرة بعد مغادرتها له. إنها عاطفة تجاه شيء لا نعرفه جيداً، لكنه يذكرنا ويعيدنا إلى الواقع، والحياة التي تسير قدماً. لقد تذكرت سرير والدي رحمه الله، والدولاب الصغير والأغراض في الصندوق في صباح وفاته، حينما فجأة لم نجدها في مكانها وقد أزيلت كلها، باختيار عملي وضروري من أحد أفراد العائلة القريبين، ذلك أنه لا يوجد في المنزل مكان يكفي المعزين. بكين شقيقاتي بحرقة لسرعة التحول، لقد توفي قبل بضع ساعات، الليلة الفائتة. اعتصر الألم قلبي، لكني فهمت ضرورة الأمر، ولم يخالجني الشك تجاهه، وقد شعرت بالامتنان لاتخاذ الشخص ذاك القرار الصعب نيابة عنا، ولابد أنه كان واعٍ لضرورة تحمله المسؤولية، فمن القسوة ترك القرار لنا، وكان لابد من مكان يسع المعزين.

رغم مشاعري القوية أمام منزل جارتنا المهدم، إلا أني أتمنى لو نغادر جميعاً منزلنا إلى منزل آخر. الحمد لله على نعمه العظيمة، إلا أنه لو رزقنا الله بيتاً آخر، لن تحرك بي ساكناً رؤية بيتنا هذا وقد تم هدمه، إنما قد أشعر ببعض الراحة وانزياح الهم؛ لن يعاني أحد آخر منه، وهناك أمل بأن يُبنى خير منه وأسعد، رغم شكي بإمكانية السعادة هنا، إذ أني ما كنت لأطيق أنا نفسي العودة للعيش بنفس البقعة ولو بني عليها أجمل المنازل.
























قبلت الهزيمة...

وأقررت بقلم أسود...

سواد الدنيا الكئيبة...

إذ طال أمد الكفاح...

وما من نتيجة...


أزحت هماً...

كنت اتوهمه أملاً...

وسكن قلبي باليأس...

وأسلم قوة البأس...

فعلاما الصراع...

بعدما العمر ضاع...



















وأخيراً، وصل الكرومبوك، كمبيوتري الأساسي بنظام كروم البسيط، إلى نهاية فترة الدعم من الشركة، ووصل آخر تحديث، بإعلان مفاجئ وفخور على الشاشة، في حين أنه خبر سيء. أجهزة الكرومبوك هي كمبيوترات رخيصة بالأساس، هكذا الفكرة منها مع بعض الاستثناءات، وهي لا تعمل بنظام ويندوز الشائع، لكنها تعمل بنظام خفيف وسريع يعتمد بشكل أساسي على المتصفح من قوقل، كالذي تقرأون منه المدونة على الأغلب. أستخدم هذه الأجهزة لأسباب كثيرة، أهمها البساطة والسرعة والاعتماد على برامج قوقل التي أستخدمها في كل شيء تقريباً، كالكتابة. ولأن أنظمتها بسيطة فهي لا تستهلك الكثير من البطارية خلال العمل، فمن العادي أن يستمر الشحن حتى العشر ساعات وأكثر في بعض الأجهزة. نستخدم الويندوز كثيراً في حين أننا لا نحتاج معظم مزاياه وبرامجه في المنزل خصوصاً، وأجهزته مكلفة ومعقدة وقد تكون بطيئة، بالإضافة إلى خطر الفيروسات، وهو أمر لا يحدث مع الكرومبوك. كنت قد اشتريت جهازي هذا قبل سنوات من جرير، كأول كرومبوك أشتريه من سوق بالسعودية، بحروف عربية على لوحة المفاتيح، حيث كنت اشتريها من قبل طلباً من امريكا، باستثناء الأول الذي حصلت عليه مجاناً من قوقل في اطار برنامج تجريبي. كان من الواضح أن النظام لن ينجح هنا، لن يفهمه الناس بلا تسويق وتوضيح وخيارات، رغم السعر الرخيص. الآن، انقطع عن سوقنا تماماً على حد علمي.

لكني لا نية لدي بالتوقف عن استخدام جهازي هذا الذي يعمل بشكل ممتاز، باستثناء اخافتي مؤخراً حينما تلف النظام لأول مرة، وكنت قد اعددت نسخة احتياطية لحسن الحظ قبلها بأيام، ورغم المخاوف بسبب عدم وصول التحديثات الأمنية.

مع ذلك، أشعر بالأسف لأني لن أتطلع إلى المزايا الجديدة التي أحب أن أجرب على الجهاز من قوقل نفسها، مع توقعي بأن أغلبها سيتم نسخة عن النسخة الأصلية في النهاية.






















صمت القلب عن الشكوى...

لكن بقي اليأس والسأم...

زال الوجع...

لكن...

ماذا بقي؟...


أسير على درب الخواء...

نسياً منسياً...

مجرد من كل ملامح...

بلا علامات فارقة...

إذ استعيد شتاتي...

من كل العقول...

من كل القلوب...

فأعود مكتملاً بلا جروح...

ولا ندبات...

ولا أنا...


يجفل من سررت ناظره يوماً...

إذ اعبره مصادفة...

يمعن الفكر إذ يتساءل؛

"من ذا الذي مر من هنا؟"























أغلقت قوقل خدمة قوقل بلس الاجتماعية منذ فترة طويلة الآن، وهي شبكة مثل فيسبوك وتويتر، ممتازة تقنياً لكنها أقل نجاح وانتشار، وهذا جعلها أفضل في نظري؛ لا تشكو الوقاحة والقسوة الموجودة بتلك الوسائل ولا الضوضاء. كانت تشكل بالنسبة لي متنفساً لما أريد نشره من أمور أكثر عمومية وأقل أهمية بالنسبة لي عما أنشره بالمدونة. كان الإعلان والجدول الزمني لإيقاف الخدمة خبر صادم، وقد وفرت قوقل امكانية تحميل المشاركات والصور وكل ما يمكن تحميله للمستخدمين قبل اغلاق الخدمة. لكن لم يكن للأمر فائدة في البداية، فلم يكن هناك امكانية لنقل هذه المشاركات والمعلومات إلى خدمة أخرى مثل فيسبوك، الذي أكرهه كذلك لما اسمع عنه. كانت فكرة اتجاهي إلى فيسبوك أو تويتر فكرة ممرضة في حينها عموماً. ظهرت خدمة صاعدة بدعاية استقبال مستخدمي قوقل بلس المشردين، ووفرت أداة ممتازة لتحميل كافة المشاركات القديمة على الملف الجديد في حال التسجيل. بالنسبة لي، لم أفكر بالاستمرار بالمشاركة بقدر ما أردت الاحتفاظ بسجل لمشاركاتي الكثيرة يمكنني قراءته ومشاركته مع الآخرين. بصعوبة تمكنت من رفع ارشيفي مع ذلك لسوء فهمي لنوعية الملف المطلوب. لكن كانت المفاجأة في أنه لا يمكن لأحد رؤية ملفي بمشاركاتي بلا تسجيل بالخدمة، وعند التحدث عن المشكلة مع الدعم قيل لي أن هذا سيمرر كاقتراح. أعتقد أن القائمين عليها يريدون زيادة التسجيل، لكن أرى أن هذه طريقة خاطئة وبفكر عفى عليه الزمن.

ترك  غياب قوقل بلس فراغاً كبيراً صدقاً، لأني كنت أعامله كالمدونة؛ لا أحد يتفاعل هناك الحال بالحال، لكني أقول ما أريد، وأنشر ما يهمني مهما بدا سخيفاً، لكنه يهمني ولا أخشى نشره، كما أني أعلن عن نشري لتدوينات جديدة هناك، وهذه مسألة مهمة، لأني كنت أرى سريعاً أن هناك أشخاص يأتون من إعلاني هناك إلى التدوينة.


بنصيحة وإقناع من أحدهم بعد أشهر، قررت أن أجرب تويتر. كنت خائف جداً، وأتصور بأن خوفي في محله، هناك شراسة ولؤم وعدوانية متفشية، وافتعال للمواقف وتذاكٍ على حساب الآخرين. فكرت بأني سأتجنب التفاعل بقدر الإمكان. وجدت مع ذلك أني غير مرتاح، ولا أشعر بأن اهتماماتي مكانها تويتر، لم أستطع أن أنشر ما يسرني أو يلفت انتباهي من أمور وتعليقي عليها، شعرت بأنها لن تعني شيء هنا، إن لم تسبب لي الإحراج. بالمقابل، وجدت أني مشدود الأعصاب في أحيان كثيرة، متابع بتركيز لأسوأ الأخبار والمواقف، وأعيد تغريدها حتى، وأرى ما يفور دمي باستمرار، وأزداد تعصباً لوجهات النظر المطابقة لوجهة نظري. قررت أني سأتوقف عن استخدام الخدمة حالما أتوصل إلى شيء معين، ولن أستمر بالحساب حتى ولو لأعلن عن تدويناتي الجديدة، بدا لي ان لا أحد يبالي هناك بمثل هذه الأمور. قررت التوقف أخيراً، بعد نشاط معقول وبلا قيمة على الموقع. أمكنني رؤية الجانب البشري المجحف والدنيء حتى في إدارة الموقع نفسه؛ لا احتاج إلى مثل هذا في حياتي. رغم اني لم أنشط عليه كثيراً، ولم أدمن عليه إن جاز القول أو يشغل بالي، إلا أني شعرت بالراحة بعدما أغلقت الحساب. هي خدمة كريهة وبجانب مغرض، ومن اسباب المشاكل بين الناس والأمم على نحو يفوق التصور.

من جهة أخرى، بحثت عن بعض معارفي القديمة عليه، زملاء ومعلمين، رغم أنه لم يكن بنيتي التواصل، لكن من باب الفضول. لم اجد الكثير منهم، أحزنني مع ذلك أني وجدت نعياً لمدير الثانوية التي تخرجت بها.






















كثيراً ما أواجه ألغازاً، وأعمل عمل المحقق لحل هذه الألغاز المعقدة، بما فيها استجواب الناس. من يضع هذه الألغاز؟، أنا لسوء الحظ. هي ملاحظات أكتبها لأجل مواعيد والدتي، غالباً حينما نستلم الموعد القادم بعدما نفرغ من موعد اللحظة، حينما يكون هناك تعليمات خاصة من الطبيب لنقوم بها قبل الموعد المقبل، ربما بعد ٦ أشهر أو اكثر احياناً، واحياناً تعليمات لاجل الفحوص قبل الموعد المقبل. أكتب كل التفاصيل التي يذكرها الطبيب عن الأمر، ومساعدته الممرضة، وآخذ أسماء أو ارقام الهاتف لمن يجب أن أتواصل معهم في حينه. ورغم كل التفاصيل الواضحة إلا أنه حينما يحين الموعد أشعر بأني أمام أحجية ستفتح على البشرية حدود المعرفة القصوى إن حلها احد. لا أستطيع التجميع ولا أفهم ما قصدت بما كتبت تماماً، لكثرة الأقسام التي نراجعها والتي لم نراجعها بعد. أبدأ بالسؤال بما لدي من تلميحات بالملاحظة، والذهاب هنا وهناك، وأحياناً يكون هناك خطأ من الطبيب بالمعلومات التي زودني بها، مثل رقم الهاتف لشخص في قسم مختلف عن المطلوب. أحقق مع الموجودين ويفحصون النظام لأجلي، لكن بعض فحوصنا غير مسجلة بالنظام إنما منسقة بملف لسبب ما. الآن، أكتب في المستشفى، لعلمي بأننا سنتأخر أحضرت معي الكرومبوك لأكتب براحة.

إني انسى الأمور المهمة والضرورية لسبب ما، لكن أمور اقل اهمية ولا تعنيني لا أنساها. مثلاً، تعرض طبيب استرالي لموقف صعب، وكنت حاضراً لأني المترجم. وكان الموقف مؤلم ولا يستحق الرجل ما جرى. قبل كل هذا، كنت اسير امامه إذ قد خرجت لأدله على المدخل الخلفي للقسم، وهو رجل يتكلم كثيراً. قال لي: أنت لطيف ولغتك جيدة، لم أرك من قبل. أخبرته بأني بالواقع كنت قد ساعدته بإعداد عقده قبل ربما ٨ أو ٩ سنوات، لكني لم أصادفه بعد ذلك اليوم، وسألته إن كانت والدته ايطالية؟ إذ كان قد أخبرني بهذا في ذلك اليوم. اتسعت عيناه وفوجئ، قال (نعم والدتي ايطالية، ووالدي مصري، إن ذاكرتك جيدة) كنت أتذكر أن والده مصري، لكني لم أشأ أن أقول هذا لأنه لا يحب أن يتحدث باللغة العربية، إذ قال في ذلك اليوم بأنه يعبر بشكل أفضل بالانقليزية. لكن، لماذا تذكرت هذه المعلومة غير المهمة؟، لشخص لا اتذكر اسمه حتى. ما أهمية الأمر؟. في يوم لاحق، واجه معضلة صعبة، ولم يكن هناك أحد ليقوم بالعمل المطلوب خارج الجامعة في دائرة حكومية، فجميع الزملاء المختصين يعملون خارج الجامعة تلك اللحظة، أو أنهم ليسوا في فترة العمل. كان الوقت ضيقاً، فاقترحت أن أذهب معه لأحاول، رغم أني أذهب للقيام بهذا العمل لأول مرة، ولست مفوضاً رسمياً. كُتب لي خطاب، اوضح به اسمي والظرف الطارئ، وأخبرت الدكتور بأن يصرف سائقه ويأتي معي بسيارتي. كان يتحدث عن أمور كثيرة، اسرته، واشتياقه لابنته الطبيبة مثله، حيث سيقابلها بعد سنة من الفراق إذ ما تم الأمر وسافر في ذلك اليوم إلى أوروبا في مهمة عمل، وأمور كثيرة. سأل عن حياتي، وأعطاني نصائح كثيرة عن الحياة والتفاؤل وحسن الظن. ثم لما وصلنا ودخلنا إلى المكان، تحدثنا مع الموظف وهو عسكري، ورفض التعاون قائلاً بأنهم يسيرون على التوجيهات، وكان يطيل النقاش بسحبي للكلام حتى يرفض، وكان سلوك مؤسف شهدته في بعض الناس. ولأني أدركت هذا سريعاً سألته قبل أن يضيع وقتنا بتهذيب إن كان يمكنني التحدث إلى مدير القسم لعله يستثنينا ويتعاون معنا، لألا يحسب بأني سأشكوه. لحسن الحظ، كان مدير الرجل في الاستقبال يمشي خلفه، فأشار إلى مكتب مديرهم كلهم، فأشار معه الموظف. شكرت الاثنين وذهبنا إلى مدير المركز. حالما أخبرت المدير بالوضع لم يدعني أكمل القصة، طلب الخطاب، ثم كتب ملاحظة بموافقته على إنجاز العمل، هكذا ببساطة. شكرته كثيراً وشكره الدكتور، وعدنا إلى الموظف فأنجز العمل، وأعطانا أوراقنا، وشكرت الموظف بحرارة، تطييباً لخاطره على الإحراج بالموافقة السريعة من مديره، وشكرت مديره بالاستقبال الذي كان يراقبني بتمعن لسبب ما. عدت للمدير كذلك ووقفت بالباب وأخبرته بأننا أنجزنا العمل وشكرته داعياً له.

في سيارتي، قال الطبيب: أرأيت؟ دائماً يوجد أناس طيبون في كل مكان. قلت بأني لا أتفق، لكن ربما. وأخبرني عن قصصه التي تلقى بها معاملة رائعة رغم المعضلات في لحظتها، خصوصاً في الجامعة، ومن أعلى السلم الإداري، وعن أصدقاؤه الأطباء السعوديين الذين يحب، الذين عرفتهم كلهم للأسف، إذ عدهم بالاسماء. سألته إن كان قد خطر له بأنه يتلقى هذه المعاملة لأنه شخص مهم؟، لأنه يشكل قيمة للجامعة؟. صمت مفكراً. قلت بأنه ليس الكل يحظى بهذا التعاون والتفهم. تكلمنا حول الموضوع. وانتقلنا إلى مواضيع أخرى كثيرة. قال بأنه يود أن يراني حينما يعود من السفر، أن نجتمع على قهوة ونتكلم، فهو يود أن يتعرف علي أكثر. شكرته، وقلت أتمنى ذلك. لكني بالواقع لا أعتقد بأنه سيهتم حقاً، ولا أعتقد أنه لديه الوقت أو الجهد أو الاهتمام طويل الأمد مما استنتجت من حديثه وقصصه وأسلوب حياته. لا يمنع أنه شخص طيب على ما يبدو.























في يوم انتظرته لوقت طويل، وقد جاء أبكر بأسبوع، عشت لحظة سعيدة نادرة، جعلتني أتفوه بما حسبت اني لن اقوله في يوم من الأيام، لأسباب كثيرة.
كنت أعمل بجد على فحوص لوالدتي في المستشفى، وقد كانت المسألة شاقة على ذهني لأني لم أفهم ما أردت من كل التوجيهات التي كتبتها قبل ستة أشهر. كنت احاول أن أتَّبعها، وكانت واضحة من هذه الناحية، لكن لم أنته لشيء، فقسم خاص بالأشعة لم يجد الأوراق المطلوبة للموعد لديه، مما أوقعني في ورطة. تواصلت مع الطبيب المسكين، وأخبرته بالإشكال، الذي تبين لاحقاً انه خطأ إما بإملاء التعليمات أو بفهمي لها، فلم يكن هناك حاجة للأشعة هذه، إنما اكتفينا بأشعة أخرى. اخبرني بأن آتي قبل الموعد بأسبوع، وقلت بأني سأحضر لوحدي، كما أفعل أحياناً مع هذا الطبيب فقط، حتى لا أتعب والدتي دون أن يكون هناك فحصاً، إنما مجرد تلقي للنتائج. حضرت، وكنت بطبيعة الحال هناك بلا موعد، فاخبرت الممرضة. رآني الطبيب وهو خارج من غرفة فحص إلى أخرى، فسلم علي بود وأخذني إلى غرفة أخرى فارغة دائماً على ما يبدو، إذ أنه أخذني ذات مرة إليها، بعيداً عن بقية المراجعين والأطباء من الفريق، حيث تلحق بنا الممرضة فقط بعد قليل. جلسنا بالحجرة وأنا اتآكل قلقاً، وأدعو الله واستغفره. نظر الطبيب إلى نتائج الفحوص، فعبر عن سعادته بها، كانت ممتازة وأفضل مما توقع بكثير، ولا شيء للخوف منه ولله الحمد والمنة. لم أسمح لبهجتي أن توقفني عن السؤال، وسألت وأنا أجاهد في موضوع لم استطع الإلمام به بالقدر الذي يكفيني رغم كل المحاولات والقراءة في خصوصه، مرد ذلك لقدراتي الفكرية المحدودة في هذه الشؤون ذات التفاصيل، وقارنت الارقام التي حفظتها في الزيارة السابقة بالزيارة الحالية بمحاولة عسيرة للفهم. كان الطبيب صبوراً، ومتفاعلاً، إذ كان يبدو أنه يدرك حاجتي للاطمئنان التام حتى لا تتلف نفسي بالقلق لاحقاً حول أمر لم أفهمه أو لم أسأل عنه. كانت كل إجاباته مصدر للإرتياح، ولكني لم ارتح، إذ كنت أحفظها بنفسي حتى أستمتع بها لاحقاً. حينما فرغت من الأسئلة، واقتنعت، كنت أشعر بامتنان يندر أن أشعر به تجاه أحد، وخفة وشعور بالنجاة في صدري ورأسي، وحينما هممت بالخروج غالبت حيائي واستدرت وقلت هل تدري يا دكتور أني أحبك؟. أُخذ إذ أنه تفاجأ، ورد بسعادة وحماس مقسماً بأنه يحبني ويحب أمي، ويفكر بنا دائماً حتى خارج أوقات المواعيد، كرر كلامه مرتين أخريين وكان ممتناً. كان قد أخبرني في وقت سابق بأني ووالدتي نخطر في ذهنه كثيراً، ويفكر بنا. لا أدري ما السبب، لعله متعاطف مع والدتي، مريضة قديمة من مرضاه، وكبيرة بالسن ومُتعبة، فهو يرى ملفها كاملاً، أطال الله بقاءها بالصحة والعافية، بينما أنا العلامة الفارقة لها على الأغلب، من بين النساء المتوشحات بالسواد.
























اشتريت دراجة، وأنا أرجو أني تغلبت على العقدة التي سببتها الدراجة الأخيرة، حينما انفلت جنزيرها في اول تجربة، وانطلق كالسوط وشق ساقي وادماها. كرهتها في حينه وعدت إلى اسحبها وساقي تنزف، ولم أركبها مرة أخرى. بيد ان ابن اختي أخذها واصلحها، واستخدمها بلا مشاكل بعد فترة طويلة. كنت خائف من الدراجة الجديدة، من الجنزير من ناحية، ومن عدم درايتي بطريقة التعامل مع التعشيق، إذ انها متعددة التروس، ما نسميها كعامة بالسيكل الجبلي. بعد مطالعة فديوهات تشرح طريقة التغيير بين التروس والفكرة منها، توكلت على الله وخرجت بعدما آوت والدتي إلى فراشها لأجرب. اكتشفت بأني بلا لياقة مباشرة، في أسوأ وضع من هذه الناحية على ما يبدو. لا يتعبني المشي لمسافات طويلة؛ لكن يبدو ان كل نشاط آخر يمثل صعوبة واستنزاف.

مع ذلك، سأحاول أن أواظب، حتى تتحسن ليقاتي، وسأحاول تحسين الدراجة حتى تكون مريحة أكثر، فأنا لا أحب أن أنحني كثيراً، وقد صارت معظم الدراجات تتطلب الانحناء. لهذا، يبدو اني سأحتاج إلى قطعة لإطالة المقود.
لم أستمتع كما توقعت، ربما لأنه لم يكن هناك وجهة محددة، وربما لأن المكان ممل، فانا لم أذهب بعيداً عن المنزل.

كانت الدراجة تشكل جزء مهم من الحياة اليومية لزمن طويل من طفولتي وبعض مراهقتي. لم تكن مجرد لعبة ورفاهية، كانت وسيلة تنقل مريحة، للرحلات إلى الدكان لشراء أغراض البيت الطارئة، أتذكر كم فوجئ اهلي بنقص شيء وهم يعدون الطعام، فأذهب مسرعاً على الدراجة لشرائه. والرحلات الطويلة مع ابناء الجيران، واستكشاف الحي. كانت دراجتي عادية، بي ام اكس، اعتقد انها كانت الاكثر انتشاراً في وقتها، وقد اشتراها لي أخي على ما اعتقد، وكنت في الصف الخامس او الرابع الابتدائي، واستمريت باستخدامها حتى نهاية المتوسطة، اذ كانت اكبر حجماً مما يجب حينما تم شراؤها لي. كنت احب الإضافات عليها، وقد ركب لي عليها ابن عمي اشارات كهربائية.

كما كان في خلفيتها مقعد، أحمل به أحياناً راكب معي، ويجب أن لا يكون ثقيلاً.

كنت قد تعلمت شد الجنزير وإصلاحه بنفسي في ذلك الوقت، لكني لم أكن أعرف كيف أصلح الثقوب، وكان ابن جارنا محترف بإصلاحها بالرُقع، حيث يشتريها والده بكميات كبيرة لسبب ما، وكان يثبتها بطريقة ملفتة؛ يضع فوقها قطعة عبارة عن حلقة تتوسطها مادة قابلة للاشتعال، مثل البارود، ويحرقها بولاعة، فتثبت الرقعة. توفي هذا الصبي وهو في الثالثة عشر من عمره على ما اتذكر، بسبب تليف الكبد، وقد صُدمت بالخبر ذات صباح وبكيته كثيراً.

الآن، فكرت بتركيب مقعد بدراجتي الجديدة، لأحمل فهد ابن اختي معي حينما يزورنا، لكني وجدت بأن المسألة غير عملية؛ لأني لن أخرج بالدراجة قبل المساء المتأخر، وربما ركب معي مرة أو مرتين على الأكثر. ربما من الأفضل البحث عن سلة لتركيبها بالدراجة، حتى يكون الدكان البعيد حافز على الأقل للذهاب لمسافة لشراء الأشياء التي لا تتوفر في القريب، حيث أصله مشياً.

لا زلت لا استخدم الدراجة كثيراً كما يجب، لكن على أمل.

























بعد معاناة مزيفة لشخص في خير ونعمة ولله الحمد، اشتريت جوالاً جديداً بدلاً عن جوالي الأخير الممتاز في كل شيء، إلا اللهم الكاميرا، حيث يفشل على نحو ذريع، وقد تعلمت بأني أصدق القول أكثر مما اتصور حينما أقول تلقاءاً وعلى نحو طبيعي بأن أكثر ما يهمني في جوالي هو الكاميرا.

بالطبع، الجوال الجديد ليس هو منتهى الجودة والتقنية في التصوير، لكنه أفضل الممكن، بعدما مددت ميزانيتي على نحو لا أفعله بالعادة عند شراء جوال. لحسن الحظ، استفدت من عرض تخفيض، وأضفت إليه كوبون، فنقص من السعر الرسمي أكثر من مئتي ريال.

ترددت طويلاً وفاضلت. لطالما كانت هواوي خياري الأول، وأعتقد بأنها لا زالت الخيار الأفضل فيما يخص الكاميرات وبرمجياتها وطريقة التعامل معها، بالنسبة لي كمحب غير محترف للتصوير بالجوال ولتعديل الصور وتصحيحها. لكني قررت أن اصرف النظر عنها هذه المرة لمشكلتها مع أمريكا، مما منع برمجيات قوقل عن العمل عليها بشكل طبيعي وتلقائي. الكاميرات هي الأهم بالطبع، لكن ماذا عن كل شيء آخر عملي ومفصلي؟ السهولة التي توفرها قوقل، حيث تتمحور حولها كل انشطتي تقريباً على الانترنت، من كتابة وقراءة وبريد وتقويم وحفظ صور وغيره الكثير. ناهيك عن ان أسعار الأجهزة ذات الكاميرات الجيدة والمبتكرة على هواوي لم تعد بمتناول اليد كما كانت، وجهاز بسعر معقول كجهازي الذي تخليت عنه قد تكون كاميرته هي أسوأ ما فيه. فمن حيث المبدأ، قد احصل، فرضاً، على جوال ايفون بكاميرا أفضل مما كان معي، لكني لم أكن لأستخدمه، لأني لا أحب أبل أو طريقة عمل اجهزتها، ناهيك عن الاسعار المبالغ بها. بحثت في الخيارات الأخرى، وكان الأمر محيراً جداً، إذ نادراً ما تتفق معظم المراجعات على جودة كاميرا إلى الحد المعقول، وتجربة الأجهزة التي أريد غير متاحة هنا. كما قلقت من واجهات الكاميرات، ووجود المزايا التي تعودت عليها مع هواوي عبر السنوات وأصبحت مهمة؛ كيف أتأكد من وجودها؟، إذ أنها لم تكن مقياسية ولا يبدو ان الكثير من الناس يهتمون لأمرها، كتغيير التركيز بعد اخذ الصورة في أي وقت، وإضافة بعض المؤثرات، لهذا لا تذكر بالعادة بالمراجعات كنقائص في الأجهزة الأخرى.
في النهاية، استقريت على شراء اوبو رينو ٢، وهو جهاز جميل ومُلفت، بكاميرات متطورة، تعطي بعض المزايا الاستثنائية الموجودة في الأجهزة الأغلى سعراً. في الفترة الأخيرة، ازداد الاهتمام بالكاميرات المتعددة التي قد تعمل على نحو منفصل، بدأ الأمر بكاميرات واسعة الزاوية، للصور الكبيرة، وكاميرات التقريب، مثل الدربيل، ثم كاميرا الماكرو، وهي كاميرا تكبر التفاصيل الصغيرة، كأن تصور حشرة مثلاً. ثم هناك ميزة التصوير الليلي التي اخذت زخماً كبيراً مؤخراً. لم تهمني كاميرا الزاوية الواسعة بصراحة، لكني احببت فكرة التقريب كثيراً، بحكم أني أحب أن أصور الطيور لكن لا استطيع الاقتراب، رغم أن الطيور التي أرى لا تهاب الإنسان إلى حد معقول، لكن ليس إلى الدرجة التي تمكنني من اخذ صورة جيدة، وتصوير الماكرو أعجبني، لأنه كان لي محاولات فيه دون فهم واضح لماهيته، وأحببت أن أجربه أكثر. لم اهتم بالتصوير الليلي، أعطاني الشعور بأنه مخصص لمن يحب تصوير المدنية في المساء، وهو أمر لا يهمني، رغم اني التقطت صور ليلية جيدة بهذا الجوال، وفهمت أن ما لا يعجبني هو ما يظهر بدعايات هذه التقنية فقط، حيث دائماً ما تكون صورة عامة لمدينة أضوائها لامعة بالليل، ولكن يمكن أن يخرج المرء بصور جميلة باستخدامها في أماكن وزوايا مختلفة.
هذا الجهاز يحوي ٤ كاميرات بالخلف؛ الكاميرا العادية، والمقربة البؤرية، وهي تقرب بدرجتين على نحو بؤري، اي باستخدام العدسة حسب فهمي، وخمسة مرات باستخدام العدسة والمعالجة الرقمية معاً، مما يعطي نتائج مقبولة، ثم بعد ذلك حتى عشرين لكن رقمياً، وهي تحتاج إلى ظروف مهيئة جداً حتى لا تكون قبيحة لا اكثر. ثم هناك عدسة التصوير بالزاوية الواسعة، وهي تؤدي إلى جانب هذه الوظيفة وظيفة التصوير بالماكرو، وهذا ما يهمني، حيث انها تملك ميزة التركيز التلقائي، بينما معظم العدسات واسعة الزاوية لا تملكها، بينما يوجد عدسة خاصة بالماكرو في بعض الجوالات. أما الأخيرة فهي عدسة ضعيفة، لتحديد معلومات العمق، لتلك المؤثرات التي تعزل بين الخلفية والموضوع المراد تصويره، كما أنها بالأبيض والأسود، وتساهم من هذه الناحية بجودة الصور بالأبيض والاسود، والسواد بشكل عام حسبما فهمت.  كاميرته الأمامية تعتبر مبتكرة، تخرج من الأعلى على شكل شريحة مثلثة عند الحاجة، ذلك لتفادي وضع الكاميرا في شق أعلى الشاشة. هي تصور الفيديو بتغبيش الخلفية كخيار لمن يحبون تصوير أنفسهم، أنا لا أفعل هذا. يحد وضع الكاميرا الأمامية من فائدة التعرف على الوجه لفتح الشاشة، لأن المرء يجب أن يحث الكاميرا على الانفتاح، فيكون استخدام البصمة أسرع، مع ان اختفاء الكاميرا معظم الوقت مريح من ناحية الخصوصية، حيث يشاع بأنها قد تتجسس على المرء من خلالها الشركات ولو لتحديد الدعايات. والبصمة نفسها داخل الشاشة، وهو حل حديث ومن المفترض أن يكون أنيقاً وللهواتف الراقية، لكنه في نظري غير عملي ولا فائدة منه، إذ أفضل أن تكون البصمة خلف الهاتف، تكون أسرع وأدق وأسهل بالاستخدام، وقد تكون لها مزايا عملية اكثر، يتحريك الصفحات او القابلية للضغط كزر. أعتقد ان الكاميرا تعتبر جيدة، لكني لا اشعر بالرضا عن النتائج معظم الوقت لسبب ما. عموماً كل الصور المرفقة بالتدوينة هي من تصوير الجوال الجديد مع التعديل بالطبع، عدا صورة السيارة من بعيد.

الجهاز نفسه مميز الشكل، ذو خلفية مختلفة عن المعتاد. لكن عموماً، تخلو أشكال الجوالات من الابتكار المشاهد في الجوالات ما قبل الذكية.

هو جوال جيد حتى الآن، لكني لا أعتقد بأني سأشتري من ذات الماركة مرة أخرى كما كنت أفعل مع هواوي، إلا إذا تحسنت بعض الجوانب بالتحديثات القادمة، وانا أشك بهذا.






















هه!

إحفظ ابتساماتك بالأرشيف...

قد كسدت لا فائدة منها...

فلتكن دلالة تهريجك الظريف...

فما عساي أصنع بها؟!...

إخفض عيناك النجلاوين...

لا تعنيني رسائلك عبرهما...

لا ألف كلمة صامتة ولا اثنتين...

لا صبر بي لأتأمل نفاقهما...

صه!

لا سؤال ولا حتى سلام...

أرفع صوت الأغاني حلما أراك...

إخرس ولا تحتج فلا ملام...

تنقلب كبدي لمجرد ذكراك...

بس!

ترفع عقيرتك ام تهمس...

لقد بتَّ عين النشاز...

ارحمني ببنت شفة لا تنبس...

حتى ذكرى صوتك تثير الاشمئزاز...

أش!

ألا تفهم فصيح الكلام؟؟؟

تحوم حولي كالغراب...

أبصرتك أخيراً لستَ بيمام...

فاذهب وارقد حيث الخراب...

لم يلِق حضورك بحدائقي...

حيث كنت تنعق قرب النافورة...

وتعُبَّ بشرَه من حلو مشاعري...

وإذا رويت تتجاهل نفسي المكسورة...

هش!

أُغرب عن وجهي يا طير البين...

إبحث عن حبك في فطيس...

بقرف أشيح عنك حر الجبين...

إذ أدركت أنك كأصلك دونٌ خسيس....






















...في النهاية، يجد المرء بأنه لم يعد يبتسم في وجهه إنسان ذا قيمة. كان هو من يتجاهل ابتسامة مثل هؤلاء الناس؛ لقد بات الآن هو من يستجديها بابتسامة واسعة مثيرة للشفقة حينما يراهم، بانتظار وترقب لا يخفيه، حيث ان يأسه المُروع ازال أي اعتبار لاحترام الذات وصون قيمتها. لم تتغير طبيعته، إذ لو حصل على ابتسامة كرد مُشفق او مُحسن للظن بأنه قد تغير، لعاد إلى سلوكه الأول بالتجاهل والازدراء لذات الأشخاص، دون أن يعي بأن طمئنينته المستجدة لقيمته إنما يستمدها من هؤلاء دون غيرهم، دوناً عمن لا يبخلون عليه بالانتباه والتبسم ويبادلهم هو به، ولا يسأل نفسه؛ لم هم بالذات من يستمد منهم ثقته بنفسه والشعور بالقيمة، دوناً عن سائر الخلق المنفتح تجاهه؟، والأهم؛ لِمَ تأبى عليه نفسه ان يواجههم بندية، ويواجه نفسه بالتالي، أهو الجبن، أم بقية باقية من كِبر ورادع فوقي زائف؟.






















يتواصل معي صديق مأزوم من خارج المملكة، وهو صديق أجنبي تعرفت عليه عبر موقع مراسلة، وشهدت تدهور حظوظه من الحياة على نحو مؤلم عبر السنوات. يستشيرني حينما يواجه معضلة، فنناقش أموره بالتفصيل، ونتفق غالباً على حل ليتبعه. لا يجري التواصل دائماً، وغالباً ما يكون خلال الفترات الصعبة في حياته. كان سوء الحظ مستمر وملازم، وبعد الانتقال من بلد إلى آخر تحسنت الأمور كثيراً، لكنه لا زال يواجه بعض المشاكل من حين إلى آخر في علاقاته، وتعاطيه مع المبادرات، أو عدمها. يستمر الأمر أحياناً لبضعة أسابيع من المتابعة اليومية غالباً، حتى تتحسن الظروف، مع بعض الغش والخروج عن الخطة في لحظات انفعال أسمع عنها متأخراً. لكني مسرور لأجل هذا الصديق، لقد مر بالكثير في السنوات الأخيرة، وفي الغربة، حيث يبدو ان أموره قد بدأت تستقر أخيراً.

أخبرني بأنه يواجه مشكلة التفكير بالماضي، ماضٍ بغيض ومؤلم يكبل أفكاره، سوء تعامل وظلم ومشاكل وشقاء وفقدان لعلاقات غالية، حيث يحوم ذهنه حول هذه الذكريات الصعبة وتتمحور حياته حولها. أخبرته بأني عانيت من نفس المشكلة لوقت طويل، طوال عمري تقريباً، حتى وقت قريب، لقد فهمت أخيراً بأن الحياة تستمر ولا يوقفها التفكير بالماضي، فلن يعود الماضي لنصححه ونقوم بما كان يجب علينا القيام به، أما العلاقات التي انتهت، ولم يعد من الممكن استعادتها، فقد تعلمت بأن اتقبل الواقع بعد استنفاد كل السبل، أن أنظر إلى ذكرياتها بعين مستقلة ومتجردة، أرى الجميل فيها وأتأمله، وأقدره وأمتن له، ثم أمضي في حياتي. أخبرته بأني أضعت عمري وأنا اعيش الماضي حتى وقت قريب، ولا يجب عليه أن يضيع عمره هو ليصل إلى نفس الخلاصة.

أتمنى ان يجد طريقه إلى هذه الخلاصة صدقاً، حيث ابدى اقتناعاً، وأن لا يغش.


لقد تموضعت حياتي على نحو خاص ومحدد أخيراً، إذ لطالما كنت معها في صراع، كما لو كانت والداً، لا أتركه يرتاح ويستقر، بينما أنا صبي غر يقاوم الواقع والحقائق ويتمرد. لقد وجدت نفسي في النهاية في مكان من الدنيا لم اتوقع أن اجد نفسي فيه على نحو خاص، أو لم أعمل لأجد نفسي فيه، ببحثي الدائم عن التغيير المحدث للرضا، محاولاتي لفرض تغيير غير ناضج على حياتي، غير ناضج من حيث انه غير مكتمل، وغير مستدام، ولا أساس صلب له، إذ قد يكون غير واقعي من الأساس. عانت حياتي مني كما عانيت منها، لم أكن باراً فلم تكن رحيمة، حتى تركتها تأخذ وضعها الصحيح.

اصب جهودي الآن تجاه من يستحق بالفعل، ولا أشتت طاقتي بالبحث عن رضا من لا يهم، أو بالبحث عمن أرضيه. وفي واقع الأمر، اتضح لي منذ فترة الآن أني أتفادى تلقائياً اي امكانية لاستنزاف جهدي ومعنوياتي كأساس لأي علاقة، فلست أريد التزامات غير مدروسة، لدي بالفعل التزامات كثيرة وأنا راض على وجه العموم عنها؛ هناك من يلزم المرء، وهناك من يختار المرء بكامل إرادته ان يلتزم بهم، ولدي من النوعين ممن يرضيني أن أعطيهم وأبذل من أجلهم، أي إضافة إلى هؤلاء يجب أن تكون أكثر منهم توازناً وصحة. لا أبحث عمن يرعاني أو يبذل لأجلي أيضاً، في حين أني كنت أبحث دائماً على نحو نشط عمن يرى في الدنيا أخذ وعطاء، أما الآن، فلست أخالف إذا ما صادفت، ولكني لا أبحث عمن يتقبلني.




























تحدثت وشخص عزيز عن أهل الفلبين، بذكر مغادرة شخص يعمل معه من هناك، وكان يأسف لهذا. أخبرته عن تجربتي ورأيي بهم، هي تجربة طيبة جداً في معظمها. تذكرت أحدهم على وجه الخصوص، رجل طيب عرفته قبل سنوات حينما كنت أذهب إلى مكدانلدز حيث يعمل، كل ليلة لأشرب الكولا وأقرأ وأكتب، لم أعد أذهب إلى هناك منذ فترة طويلة، وهو غادر إلى مدينة أخرى. لما فطنت، بحثت عن رقمه في الوتساب وراسلته، ولم أعرف كيف أذكره بنفسي سوى بإخباره بأني سعد الدوسري، وذلك لموقف سيء جداً اوقعني به بسبب هذا الاسم.رد قائلاً: دواسر كواسر!. ضحكت متفاجئاً، لا زال على خفة ظله النادرة. سألته إن كان يتذكرني حقاً؟، فقال نعم سعد الكاتب. اطمئننت عليه وعلى اسرته، كان إنسان رائع حقاً.
أعتقد اني تحدثت سابقاً بالمدونة عن الموقف الصعب، إذ سألني فجأة ذات مرة وأنا اوصله في طريقي إلى المنزل مع بقية زملاءه، إذا ما كنت دوسرياً. وكان سؤال عجيب، أن تسمعه من فلبيني، والأعجب اختياره للدواسر بالذات، ولو كنت بالشرقية لربما ما استغربت، أو في أحد مدن نجد الصغيرة حيث يكثرون ابناء العمومة. أجبته مذهولاً بأني كذلك، وقال متعجباً بأن هذا غريب، لأن فلان، مدير أسود في المطعم، يقول بأنه دوسري، رغم الاختلاف العرقي. إنه أمر طبيعي أن يكون اسم شخص أسود على اسم قبيلة ما، لأنه يكون سليل موالٍ لناس من القبيلة، فيحمل اسمهم بعد العتق. لم اشرح الأمر بهذا الشكل للفلبيني، ويبدو ان هذا لم يرضه. لما أتيت إلى المطعم بالمرة التالية، استدعى الفلبيني المدير الأسود، وكان كثيراً ما يظهر عدم ارتياحه لي بلا مواربة، وأخبره بأني دوسري كذلك، ولكني أبض وهو اسود، فكيف يكون هذا؟. كانت لحظة صادمة، والحمد لله انه لم يوجه السؤال إلي أنا. فقال الرجل بصحكة محرجة بأن ذوو اللون الأبيض هم الأصليون، وذوو اللون الأسود ليسو كذلك.
وبعد كل هذا، وبعد مدة طويلة، صادقت شاب فلسطيني عاقل ورزين عمل في المطعم لفترة، وكان رجل طيب جداً، ويعمل مديراً كذلك. وفي إحدى جلساتنا في وقت فراغه هناك، مر المدير الأسود، وأبدى الصديق الفلسطيني عدم ارتياحه. فأخبرته بأن الرجل هذا سيغادر على أي حال، ليكمل دراسته، إذ أخبرني بهذا، حيث تحسنت علاقتنا حينما قرر هو هذا. ولا أدري لماذا حكينا عن جنسيته، وبطبيعته الحال كنت أحسبه سعودياً، فقال صديقي بأنه ليس كذلك، وليست حتى كلمة دوسري جزء من اسمه، فقد رأى إقامته، هو يمني وأمه سعودية، وهو يكذب على الناس. إنه أمر مؤسف، فضلاً عن كونه غش وخداع وموجب للعنة، إذ انه من انتساب المرء لغير أبيه ولو ضمناً.


























هاك بُشرى!!...
فقد وجدت قرينك الأمثل...
هو مثلك...
طويلٌ وجسيمٌ... وأهبل...
ذو صوت صافٍ مداهن...
وغلاف مهترئ من التعقل...
ومع ذلك، يختال في نجاحه شأنك...
هنا، حيث لا يكاد ينجح إلا الأغبى والأنذل...
سألني وتفحص...
إذ كان بالتعارف يتعلل...
سبحان الله...
حتى بأمثالك تمثل...
"لا تجهز العصابة قبل الفلقة"...
أي فلقة؟! فهو مثلك طامة تجلجل...
وحاول أن يحوز إعجابي...
إذ استعرض وجاملت وأنا في داخلي اتململ...
ثم حكم وقرر...
لم أعجبه؛ إذ أني عند والدتي مدلل!...
رددت بلا خجل فخوراً...
هي كانت تدللني وإني لها الآن لمُدلل...
دعا لي صديقي الحاضر مُقدراً...
بينما وجِم قرينك التنبل...
خسِر مثلما خسرت...
طبع اللئيم مثلك لا يتبدل...
وأنا كما عهدتني حتى أمام كذبك وخداعك...
صادق صريح لا ألتوي ولا اتنصل...























يبدأ وقتي الخاص بعد الساعة العاشرة مساء بالعادة، إذ قبل ذلك، وبعد القيلولة، أقضي وقتي مع والدتي، حتى تدخل إلى حجرتها في الساعة العاشرة، بعد أخذ الدواء ومطالعة الأخبار، والدعاء لقليلو الحظ الواردة أخبارهم من أينما كانوا، والدعاء على المجرمين والمفسدين من أينما كانوا.

لم أعد أخرج من المنزل منذ وقت طويل حينما يحين هذا الوقت، أجد غالباً بأني لا جهد بي للخروج، ولا أشعر برغبة بشيء بالخارج. كنت أخرج لأكتب وأقرأ غالباً، لكني لم أعد أقرأ بانتظام الجريدة التي كنت أقرأ، والكتابة صارت تحدث في أوقات أخرى. في المنزل، أقضي وقتي على قراءة المقالات في المجالات التي أحب، مما يجمع لي قوقل على الجوال، او المواقع التي أتابع، أو اللعب على الننتندو في حال وجود لعبة جيدة، أو مطالعة نتفلكس، حيث تابعت عدة أعمال رائعة، رغم أني أستغرب من السماح بوجوده كما هو في سوقنا. أحياناً أشعر بأنه مفروض علينا فرضاً، فهو لا يعبأ بمقاييسنا الأخلاقية، ولا يبدو أنه يطاله أي تعديل من الرقابة. إني أستغرب منه ومن تويتر؛ هي خدمات تتحدى أمور ثابتة كثيرة، لكنها لا تخضع لرقابة حقيقية أو مواقف حازمة. نحن سوق ضخم، خصوصاً بالنسبة لتويتر، ولو تم منعه وإيجاد بديل محلي، ودعمه بقوة، فسيكون مثل سينا ويبو الصيني، للشركات العالمية والمشاهير العالميين حضور عليه، لأنه لا يوجد غيره لمخاطبة الصينيين. ما الضير لو قمنا بهذا؟، خصوصاً بالنسبة لتويتر، فهو تفاعلي ويخضع لأجندات سيئة النية، على رأسها نفس الشركة، ومراقبيها العرب الأجانب هنا. اما نتفلكس، فخطره أقل والحاجة له أقل، وهو سيخضع لأجل المال لبعض الشروط، وإلا فبدائله كثيرة ويمكنها العمل هنا بشروط. أعتقد أن مشكلتنا أننا لا نستبق السماح للخدمات بالشروط القوية والواضحة، كما تفعل الصين.

عموماً، كنت قبل نتفليكس أستخدم خدمة اسمها ستارزبلي، وقد تدهورت كثيراً مع الوقت، وباتت سيئة من ناحية المحتوى، ومتخلفة من ناحية التقنية على نحو يصعب تحمله، وفوق هذا يرتفع سعرها على نحو غير مفهوم باستمرار. تركت هذه الخدمة، إذ لم أعد أستخدمها، وبعد فترة ليست بالقصيرة تم ضمي مع اشتراك شخص آخر على نتفلكس، ورغم عدم حماسي بالبداية لأني تصفحته في بداياته لدينا، إلا أنه كان من الواضح أنه تقدم على نحو سريع وغير عادي.

أعتقد أن الأكثر إثارة للاهتمام هو المحتوى الذي تنتجه نتفلكس بنفسها، وليس منتجات الشركات العالمية الأخرى من أفلام ومسلسلات. أعمال نتفلكس عالية الاتقان، وإن كان يبدو أن نتفلكس لا تبخل بشيء على الإنتاج، إلا أني أشعر بأن هناك حرص وحسن تدبير للموارد، وتفادٍ للتضخم الممجوج وغير المطلوب بمظهر المنتجات من أفلام ومسلسلات، وأرى أنها تملك قيمة فنية عالية ومدروسة اكثر، يصاحب هذا رغم ذلك الدفع بأجيندات غير مقبولة في مجتمعنا على الأقل.

ما يهمني من كل هذا هو مسلسل، بقصة تسبق فيلم صدر قبل 35 سنة، ومنذ أن شاهدت هذا قبل سنوات طويلة وأنا أتمنى رؤية جزء ثانٍ له، وكانت فرحتي كبيرة منذ حوالي 4 سنوات حينما أشيع بقوة بأن جزء ثانٍ ينتج للفيلم، وكانت فرحتي أكبر حينما تبين أنه مسلسل. هو عمل ثقيل ناضج، بقصة ملحمية ضخمة في عالم خيالي عجيب وجميل لا يمت لعالمنا بصلة؛ حتى المجتمعات التي تدور بينها القصة ليست بشرية، هي كائنات تشبه الإنسان بشكل ما، لكن هناك جانب غريب في طبيعتها وأشكالها؛ هناك جانب يعطي انطباع بالموازاة مع البشر ولكن ليس التماثل، ولا يمكن وصفها بالتفوق تماماً، لكن يمكن رؤية مؤهلات هذا التفوق على المستوى المعنوي والروحي، كما يحيط بها هالة من الروحية والمسالمة والتماهي مع الطبيعة، وكأنها تملك طبيعة حيوانية طبيعية إلى جانب حضور العقل، ربما غزلان إنسانية؟. في شرح المسلسل وصناعته في حلقة توثيقية، يتحدثون على نحو مختصر عن طبيعة الكائنات الشبيهة بالحيوان، لكني أرى أن هذا الشبه أكثر اثارة للاهتمام واعمق من الأشكال وبعض السمات الجسدية، حيث تتميز الإناث بالأجنحة مثلاً؛ إنه حالة أصيلة من الاتحاد مع الطبيعة، البيئة الطبيعية لكل مجموعة منها، ليس وكأنها وجدت نفسها بالمكان فتأقلمت ببساطة، أو اثارت اهتمامها الطبيعة فقدستها، كما قد تفعل بعض الشعوب البشرية، هي جزء من الطبيعة والبيئة، وهذا جانب جمالي خاص بذلك العالم الخيالي. ربما هذا ما جذبني إليها؛ إنها تشبه البشر لكنها بالتأكيد ليست بشرية؛ يمكنها مشاركة الذكريات فيما بينها على نحو حسي، إناثها تملك الأجنحة لتطير، لها وجوه وسيطة بين البشر وربما الحيوان، هي مثلنا بجلد يخلو من الفرو، وشعر على الرأس، لكن بأحناك طويلة، وهي احناك بوضوح وليست خطوم، وآذان طويلة، وعيون مستديرة معبرة. يشمل عالمها سبع قبائل، أو بالواقع أعراق، ورغم السلام بين هذه الأعراق إلا أن هناك إشكالات تشبه ما نواجه نحن هنا؛ تنافس بالفخر والشعور بالفوقية بين بعض هذه الأعراق، مسالمة وبساطة من أخرى تعاني نوع من التهميش والنظرة الدونية. ورغم أني أرى في هذا انعكاس في الواقع من سمات اجتماعية مشهودة، إنما أراها على المستوى الفردي أكثر بكثير، وأضعف فرصة بإعادة النظر في الواقع المتحتم على بعض الأفراد.

يحكم هذه القبائل كائنات وفدت من خارج العالم قبل زمن طويل، وقد حازت على روح العالم الممثلة بكريستالة بشكل ما  من راعيتها، وبهذا كسبت ولاء الشعوب المحلية المطلق، وحَكَمَتها، وتألهت عليها. كانت تلك الكائنات الدخيلة تحوز الأبدية والخلود من الاستغلال والاستهلاك غير الطبيعي للكريستالة، مما أضعفها، وبالتالي أضعف الطبيعة، وجعلها عرضة للمرض، وهي تقوم بهذا ببساطة وبلا مبالاة لأنها ليست جزء من طبيعة هذا العالم ودورتها، حتى تبدأ الكريستالة بالنضوب والتحور، ولا تعود مجدية، فيجدون الحل باستهلاك حياة أهل ذلك العالم، الذين يقعون تحت امرتهم، قاطعين بذلك دورة الطبيعة، حيث لا يعودون السكان الأصليين، روحياً إن جاز القول، إلى الطبيعة عند الموت على أيدي اسيادهم، حيث أن أرواحهم هي ما يتم استهلاكه لإطالة عمر هذه الكائنات الدخيلة الخبيثة، عبر تقطيرها وشربها. مقابل كل فرد من هؤلاء الحكام فرد من كائنات أخرى دخيلة لكنها خيرة، والارتباط فيما بينها مثير للاهتمام، ليس لأنه متضاد، فهذه فكرة مستهلكة، لكن لأنه يثبت مع الوقت أن مسألة الخيرية اختيارية رغم الميول، قد تؤثر بها الظروف والجماعة. كما يوجد كائنات أخرى بمستوى أقل من الأهمية والحيوية والارتباط بالطبيعة فيما يبدو، رغم انها عاقلة وواعية، وتساهم بتطور القصة على نحو جميل. لكن تهميشها التلقائي يعطي الانطباع أن العنصرية لا مفر منها في رأيي، إلا إن عالج المسلسل المسألة غير المطروقة سوى تلميحاً في الجزء القادم.

يستعرض المسلسل جوانب كثيرة من الحياة، كالصداقة، والحب الأسري، والعشق، والغيرة، وسوء الفهم. لكن كان الأكثر تأثيراً في رأيي هو التمسك الأعمى بالمبدأ، حتى لو بدا خطره وتهديده للحياة والكرامة. أمر لست أراه وأقرأ عنه في عالمنا المعاصر فقط، لكني أقرأه بتاريخ البشر في كل مكان، إنه أمر في غاية البشرية. ذكرني هذا بقوم من بولينيزيا، يعيشون في جزيرة صغيرة معزولة في نيوزيلندا، هاجمهم أهل الجزيرة الكبرى، الذين انفصلوا عنهم ثقافياً لقرون، وهم أشد وحشية وتطوراً على وجه العموم من أهل الجزيرة الصغيرة، وقد استفادوا من معرفة الأوروبيين الذي حلوا في ارضهم وحكموها، بينما أهل الجزيرة الصغيرة يعيشون على مبدأ السلام والمسالمة وحرمة الأذى. كانوا يمنعون الرد التلقائي تجاه الاعتداء، حتى دفاعاً عن النفس، ولرد الاعتبار اجراءات محددة. التزامهم بهذا المبدأ السلمي تسبب عليهم بمجازر غاية بالوحشية، وظلم كبير واستعباد واضطهاد مؤلم، ومحو ممنهج لثقافتهم، وحتى كرامتهم كبشر. كل هذا المآسي لأجل مبدأ واحد لم يستطيعوا اعادة النظر به رغم محاولة بعض العقلاء، لأنه مبدأ حياتي لا يتغير بتغير الظروف في رأي الآخرين من علية قومهم في ذلك الحين. لم يدافعوا عن أنفسهم، ولا عن اهلهم. للصدمة دور بالتأكيد في البداية، لكن بعد استجماع النباهة، لم يقرروا الرد بالمثل لأجل المبدأ.


عودة للمسلسل، تتباين العلاقات بين الأبطال من القبائل المختلفة، بما تحمل من رؤى مسبقة عن بعضها البعض في استرجاع للانطباعات الشائعة عن كل قبيلة. تتسيد القبائل السبع قبيلة واحدة، ويتميز أهلها برقة الطباع والاساليب المهذبة عالية الثقافة، لكن بشيء من الغرور والفخر الزائد بطبيعة الحال. حينما ينظر المرء إلى ما يريد الكُتَّاب ايصاله، سيرى انعكاسه على نحو عميق على حياة البشر، على كافة المستويات الاجتماعية، وسيشعر بالتفهم على نحو أكبر لخلفيات معينة في القصة، وربما لأكثر من خلفية إذا ما كان يعود إلى مجتمع بالغ التعقيد من حيث التصنيف اجتماعياً، قَبَلي، وما بين القبائل، واسلوب حياتي متباين تتبعه العقلية، ومناطقي وبيئي. وحتى على المستوى الشخصي؛ التصنيفات العامة قد تجتمع في افراد بالواقع، وأحياناً تجتمع في أفراد سمات خارجة عن التصنيفات العامة لانتماءاتهم، فيبدون للآخرين من غير مكانهم، أو خلفيتهم الحقيقية.


من ناحية أخرى، كشف لي المسلسل عن جانب تغير برؤيتي للإبداع السردي، من روايات وأفلام وقصص. لطالما شدت انتباهي مواضيع الصداقة العميقة والقوية، أو ما يبنيها، أو ما يهدمها، ولعلها كانت أهم ما يشد انتباهي في أي عمل قد يحتويها. وجدت نفسي هذه المرة مشدوداً للعلاقات الأسرية القائمة بالفعل؛ والحب غير المشروط الذي يتأتى من بعضها، كما وسوء الفهم النقيض أو الناقض أو المانع لهذا الحب. هذه مسألة دعتني للتفكر بحياتي أنا، لماذا حدث هذا الانقلاب القوي لوجهة الاهتمام، ولماذا حدث بلا شعور مني على مر السنوات الأخيرة، فلابد أنه حدث بالتدريج، ولا بد أن له أسبابه التي أراجعها حالياً. إننا إنما نُشده، أو نُهوس، أو يتمحور تفكيرنا، إما بما ينقص حياتنا فنتمناه ونريده ونسعى إليه، أو ما نملكه وندرك قيمته، فنخشى فقده. أي من الحالتين قد تسيطر على خيالنا، وتغذي مشاعرنا وتشد انتباهنا أينما رأيناها أو لاحظناها. لا زالت الصداقة في نظري موضوع مثير للاهتمام والتفكر، لكنه موضوع يبهت أمام قوة روابط الدم والحنين حينما تعمل على نحو سليم وتكون بتمام صحتها. لعل هذه خلاصة تجارب، أو نتائج تجارب لا تزال قائمة، أحاول أن أفهمها وأخلص إلى إجابات واضحة المعالم ومتماسكة تجاه روابط الدم. أثار المسلسل على نحو صريح وواضح هذه المسألة في ذهني، كأنما قبض على وعيي وسحبه؛ أُنظر، أمر الأسرة غريب. وهذا رغم أن المسلسل لا يتمحور حول هذا الموضوع بالذات.

أما ما هو هذا المسلسل، فالإجابة ستثني الكثيرين عن محاولة معرفة المزيد عنه؛ ذلك انه مسلسل منتج باستخدام فن تحريك الدمى، لا يوجد أوادم يمثلون خلافاً للصوت، فقط دمى، مثل الفيلم السابق، وإن يكن بتكنلوجيا عالية عداً ومؤثرات كمبيوترية متداخلة لتعزيز وصناعة العالم. بالواقع، الفنان الذي أوجد عالم هذا المسلسل قبل الفيلم هو شخص قدم الكثير لهذا الفن، ومن منتجاته هو ما نعرفه بافتح يا سمسم، أو شارع السمسم. ورغم بساطة الدمى في برنامج السمسم، إلا أن عمله على الفيلم، الذي يقدم التقنيات المبدئية لهذا المسلسل بعد 35 سنة، هو ابداع عجيب وراقٍ ومعقد خلافاً للسمسم، بتحريك معقد ومؤثر، وغاية بالتعبير. إنه امر غريب أني لم أكن في صغري أعبأ بالدمى في البرامج، مثل افتح يا سمسم، وكنت اجدها عموماً سخيفة، ومفضوحة غير مقنعة، وكانت هذه وجهة نظري حول هذا الفن بأكمله، حينما أراه في البرامج الأخرى. وبشكل عام، لا زلت أرى أن الدمى في تلك البرامج بسيطة لا تلائم معظم الاطفال، خصوصاً في هذا الزمن بخياراته الكثيرة والفرص المتعددة أمام المخيلة. أما بعدما كبرت، أصبحت أبحث في هذا الفن، وتاريخه، وتقاليده في مختلف البلدان، والمؤسف هو أن أقل تقاليده إثارة للإهتمام وابداعاً هو ما يوجد قربنا في مصر، ربما لأنه توقف عن التطور منذ قرون لظروف كثيرة، شأنه شأن فنون كثيرة أخرى، بسبب ظروف الاحتلال التركي المروج للجهل والخمول، وعدم الاستقرار بشكل عام، والآن يبدو أنه شبه مندثر هناك. الأوروبيون لديهم ابداعات رائعة في هذا الفن بلا شك، ويمكن رؤية الكثير من الفديوهات المتناقلة لفناني الشوارع. لكن ابداعهم يبهت بالمقارنة بإبداع الشرق البعيد؛ حيث يؤخذ الفن بجدية كبيرة، كأداة تتوجه للكبار والصغار في المسرح أو في المهرجانات، وتتداخل فيها الميكانيكا والحرفية بالتحريك منذ عصور قديمة، فتحكى به قصص جميلة وجدية، وفي بعض الأماكن يشارك الممثلين الدمى، التي تكون بأحجام بشرية طبيعية، الظهور على المسرح. في تقاليد أخرى في أمريكا الوسطى قبل الاحتلال الأوروبي، استخدمت الدمى المتحركة في الجنائز، فلم تكن مجرد ألعاب وهزل. لهذا، لست أحتقر ما لا أعرف عنه الكثير، أو ما لم أُطلع عليه مسبقاً سوى من زاوية واحدة ضيقة.

لست كذلك أشجع الصغار على مشاهدة المسلسل؛ ليس لأنه يحمل أفكاراً قد لا تناسبهم فقط، لكن لأن طرحه الملائم كبير عليهم مع ذلك، وقد لا يستوعبوه تماماً أو يسيئوا فهمه، هذا إذا لم يملوا من سياقه الطويل. يوجد مشاهد مؤلمة ومحزنة، ودموية، مؤداة بإبداع بالتحريك والتمثيل الصوتي والإخراج على نحو يمس القلوب.

كذلك، من لا يحبون الخيال الجامح حتى لو كان برمزية واقعية، قد لا يحبونه.

تذكرت صديق قديم، حينما احتج مستسخفاً بالأفلام، قائلاً بأن المرء يشاهدها عارفاً بأنها تمثيل، فما الفائدة؟. لم يطل النقاش، لكني أتذكره الآن لأن هذا ينطبق كذلك على من قد يفكر بأنها دمى، فما الفائدة؟، كمن سيفكر؛ إنها رسومات، فما الفائدة؟. الفن عموماً قد يكون مسألة رمزية، والحياة حياة.

اسم المسلسل:

The Dark Crystal: Age of Resistance
























ماذا تغيَّر؟...

سئمت من الأمل...

والقلب ما عاد مُسيَّر...

لم يعد لحب الناس جدوى...

ولو علمت اني غداً للموت مُجيَّر...

فخير لي أن اموت مكسور القلب...

من مهانة انتظار حب جبان مُحيَّر...

يكفي ما قاسى القلب...

فالمرء في الختام مُخيَّر...
























وصلتني الصورة بغرض النكتة من احدهم، وهي تعرض رجال يراقبون النجوم بالمقربات، لترقب هلال رمضان ربما. وفي التعليق كما هو واضح تشير النكتة على نحو ملتوٍ إلى ان المعلمين ذهبوا إلى سدير، حيث يشتهر رؤاة هلال رمضان، ليعرفوا مصير التعليم في الفترة المقبلة. وكأن المسألة تنجيمية، وقد اضحكتني الرسالة، إلا أنها اثارت اهتمامي كذلك بموضوع سدير؛ حيث صار الجميع يتوقع تلقاءاً رصد الهلال من هناك في كل سنة، تتجه العيون إلى سدير موسمياً، وقد جنت هذه السمعة تلقائياً بلا عمل ممنهج لترويج الصورة. لكن مع نكتة رصد المعلمين لمعلومات أخرى من خلال سدير، تخيلت ان مسألة سدير ستتطور حتى تصبح دلفي العربية ربما. لكن في واقع الأمر، الصبر والحساب الدقيق لمنازل القمر والالتزام بهذا عبر السنوات هو أمر مثير للإعجاب، ان تختص به منطقة معينة على هذا النحو وخصيصاً للمناسبات الدينية، لهو امر مثير للفخر لكون سدير في قلب نجد.
























خفت وتيرة الانجاب في العائلة كثيراً، ولم اعد أتمتع بحضور رضيع، أو دادا، بالمعدل المعقول الذي كان يحدث. ليس كل طفل بالأسرة مفيد من هذه الناحية، فليسوا كل الاطفال يزوروننا بانتظام، أو تتاح لي ملاعبتهم على سجيتي دون ان أخشى بأن حبي غير مطلوب.

ربما آخر الأطفال من هذا الشكل هو فهد، وهو في الصف الرابع بغض النظر عن شكله الصغير واسلوبه ونطقه الصغير للحروف والكلمات، وكان أصلاً لا يحبني حينما كان صغيراً فلم استفد من ’معرفته’، حتى تحسنت علاقتنا لاحقاً. كنت قد صورته حال خروجه من غرفة الولادة، جديد يكاد يتصاعد منه البخار. يوجد الآن ابن اخي الذي يزورنا بانتظام معقول، لكن ليس بما يكفي، وقد وضعني الطفل بالجيب الآن وبدأ بضربي واضطهادي، ومحاولة تخويفي بحاجبيه الخفيفين، ووجهه الذي يشبه كيك السويسرول الذي احب، بوجه مستدير وملامح كخط لولبي لا ينقصه سوى إكمال بعض المقاطع بقلم خطاط مستدق. وقد تمت تسميته بالاسم الذي تمنته لي والدتي حينما انجبتني؛ سعود.

لا اشعر ابداً بالاكتفاء من الأطفال، واتمنى دائما أن أربي طفلاً. لم اتخيل ان الرجال يمكنهم العمل في روضة كمعلمين، حتى راسلني رجل نرويجي كان هذا عمله، ومعه زوجته، إذ يملكان روضة. شعرت بأنه محظوظ جداً، لكن أتخيل بأنه حالة نادرة حتى هناك. لطالما احببت الأطفال الصغار منذ ان عرفت نفسي، منذ ان كنت انا طفلاً صغيراً.

مع ذلك، أُقدر على نحو متزايد وجود الكبار من ابناء شقيقاتي واشقائي، حيث يميل الأصغر، وهم شباب الآن، إلى تقديري أكثر بكثير من الأكبر من بينهم. لكن مثل الصغار، ليس الكل هكذا؛ أحياناً حبي غير مطلوب، وتقديرهم لي يكون بحدود المجاملة، هذا إن وجد أصلاً، وأنا أتقبل هذا، لأني سعيد بأن الأغلبية من بينهم تظهر حب وتقدير متزايد تجاهي، في أحوال كثيرة لم أرَ مثله من اهلهم.
كما أسعد بمواهبهم، وتثير اهتمامي، بمتابعتها بهذا الوقت المبكر نسبياً من أعمارهم. هناك من يجدن الرسم، ومن يجدن الكتابة، ومثلهن منهم، بالإضافة إلى الشعر.

احدهم أسعدني ببدء مدونة لعرض بعض ما يكتب، رغم تردده الطويل. هو ذو احساس مرهف، وفكر مُثقل ومتنوع، ومثل هذا الفكر أتخيل بأنه مُتعب، يحتاج بالذات إلى مخرج لنظم الأفكار، ووجود الموهبة هو حسن حظ لمن يملك مثل هذا الفكر؛ إذ تنتظم الأفكار بشكل عقود من الشعر والنثر النفيس.

https://d77do7.blogspot.com/



























هل أحب ما اكتب؟. سألت نفسي، ولا أدري لماذا سألت، ربما بدأ التساؤل حول إن كان هناك ما أفضله مما أكتب، لماذا كنت أختار القصائد والقصص وأترجمها لصديق عزيز؟، لماذا تلك النصوص دون غيرها؟. لكني لم أجد إجابة سوى بسؤال آخر؛ هل أحب نفسي؟، لأن هذه القصائد والقصص هي أنا. ماذا لو سؤلت؛ إن كنت أحب نفسي؟، فكرت. إني إنسان يستحق الكراهية، لأني ارتكبت الأخطاء، ولأني قادر على الكراهية. وأستحق الحب، لأني إنسان رغم الأخطاء، ومن باب الرحمة.

























يخطر في بالي مؤخراً رجل عملت تحت إدارته، في أول وظيفة لي بعد الجامعة بعقد، قبل أن انال وظيفتي الحكومية الحالية. كان طبيباً، وكان مجنوناً وقاسياً على الكثير من الناس، وساذج بنفس الوقت رغم فرط ثقته بنفسه، بحيث يتلاعب بعض الموظفين والموظفات بقراراته وآراءه بالناس، وكان مع ذلك سرعان ما يغير رأيه بمن أعطاه الثقة الكاملة بالأمس، فيخسف به أسفل السافلين، فكان الانتقام الإلهي حاضراً دوماً في الدراما المحيطة به. لم أعمل لديه أكثر من شهرين حسبما أتذكر؛ لكني عرفت في ذلك الوقت بأن حب البعض أذية، فتتمنى لو لم يحبوك. كان هذا حالي معه. كان لديه ميل عجيب لافتعال المشاكل على حسابي، بيني وبين الآخرين، ولأجلي، وكان يحب أن يحبط ثقتي بالناس ويظهرهم في عيني بالمظهر السيء في معظم الأحوال حينما تحين مناسبة مواتية بالدراما. خرجت من عنده ولكني ظللت أسمع بقصصه العجيبة وأذيته الرهيبة للكثير من الناس لفترة طويلة ممن أصادف.

مع ذلك، يحسب المرء أحياناً بأنه يتعلم من كل تجربة، حالما ينتهي منها ويتفكر بها بالقدر الكافي، لا سيما إن كانت سيئة، إلا أني حينما أتذكر تجربتي هناك، أتساءل ما الذي تعلمته منه، ما الحكمة ذات القيمة التي خرجت بها، سواء ببلاغ منه على منوال خذوا الحكم من أفواه المجانين، أو من مراقبتي لما يدور من حولي حينما يتعلق الأمر به بالذات. لم اجد حكمة عميقة أو جوهرية، أكثر من تجربة محبته الخطيرة التي يود المرء لو لم يحض بها، وتظل هذه حكمة على جانب من السطحية، درس بسيط غير ذي عمق، لعله أكثر طرافة كذكرى من كونه مصدر للإرهاق أو الحنق وخشية التكرار. سوى أني مؤخراً فقط وجدت ضالتي  في ذكرياتي عنه، ذكرى واحدة محددة؛ كان فتح عظيم، حكمة حقيقية وإن بدت لوقت طويل، لعمر كامل، غير مميزة من بين الذكريات وغابت بين فينة وأخرى، غير قابلة للتصديق، تماماً كما كانت حينما سمعتها لأول مرة. لقد شعرت حينما قذف بتلك الحكمة في وجهي بالاشمئزاز منه، ومن رأيه بالناس ونظرته إليهم، فكرت بأن هذا ما قد يكون مكمن الخلل لديه. لم أصدقه حينها، ولم أقم وزناً لكلامه، حتى أني رجحت بأنه قال ما قال بلا تفكير، فقط لملئ فراغ أو لإقناعي بأقصر طريقة بنظرته تلك للإنسانية. حينما أنظر إلى الخلف، أرى صحة مقولته تلك في ظروف كثيرة، بل في أكثر الظروف التي مررت بها. إنها تنطبق على الكثير من الناس. ولكن، هل انا استثناء؟، لعلها تنطبق علي كذلك، لعلي قلت قولاً أو فعلت فعلاً، وهذا ما أنا عليه في نظر أحد ما.

كنت سأغادر من عنده مستقيلاً، وكان يسدي معروفه الأخير بالأسلوب الذي يعرفه أكثر من سواه؛ تبيان ما جرى من وراء ظهري، وصدمي بما جرى من الآخرين في حقي. حينما رأى صدمتي بما قال، وسمع قولي بأني لم أتوقع أن أحد من الناس قد يفعل هذا، هز رأسه بتوكيد، وقال: لا تثق بالناس، الناس وحوش.




























قيل بأن الدنيا مخيفة، كيف تتقلب، وكيف يتخطف الموت أهلها، وقيل بأنها لا تساوي شيئاً مع ذلك. ظننت بأني أعرف رأيي بالأمر، ويا ليتني لا اتساءل، ولا اشعر، ولا أدري. كل ما شعرت به هو الألم الممض، الذهول وعدم التصديق، والتساؤل، وكراهية لا حد لها ولا سبر لغورها لهذه الدنيا. كيف وقد توفيت ام عبدالرحمن، كانت قريباً بتمام الصحة والعافية، كلمتنا انا ووالدتي وسلمنا عليها، ونصحتها بدواء، وأرسلت إليها صورته، وقد ظننت بأن ذلك العارض هو ما يعرض لي ولوالدتي من وقت إلى آخر. صُدمت أولاً، ثم عدت لأتساءل، لم يبد الأمر ممكناً، كيف يكون، كيف تروح أم عبدالرحمن، كانت بخير، كانت تعدنا بأنها ستأتي إلى الرياض لأجل والدتي، كما تفعل دائماً. لا أحد، لا أحد، لا أحد إطلاقاً يبالي كما تبالي هي بأمر والدتي، خلا بعض ذريتها. تأتي إليها بعطفها وحنانها وتفهمها، بكلماتها الطيبة ونيتها الأنقى من صميم البَرَد، فقط لغرض مؤانستها وطرد وحشتها، لعدم تركها وحدها حينما لا أكون حاضراً. لم تكن مضطرة، ولم تجن غير الدعاء، وحبي الصادق العميق، وامتناني الأبدي، لم تكن مضطرة ولكنها اختارت أن تكون اختاً لأمي. بيع منزلها القريب وهُدم، فأصرت ألا تعيش بعيداً عن أمي، حتى لا تتركها وحدها. لم تنقصها الصداقات، ولا الحب ولا التقدير، لكنها قررت أن تكون اختاً لأمي، أن تعطي وتمنح من قلبها. هل عرفت أكبر من قلب هذه المرأة الكريمة التقية الفاضلة؟، لا والله، لم أعرف. لم أسمع منها خلافاً للدعاء وطيب الحديث، والواصايا والمواساة. لن أنسى فرحتها حينما اتصلت بها لأول مرة، لن أنسى حسن ظنها بي، لن أنسى دعاؤها، لن أنسى توصياتها واهتمامها لأمري ووالدتي، سأموت ما نسيت، رحمها الله. ويا ليت الموت خطفني وتركها، هكذا فكرت بعدما تلقيت أخبر، وما فائدتي؟، لأمي تسعة خلافي، لكن من مثل أم عبدالرحمن لأمي، ومن لأولادها؟ هؤلاء الذين قاموا بالمستحيل لألا تبتعد عن والدتي حينما أخبرتهم برغبتها. ابنها إبراهيم، لطالما تذكرَتهُ عندنا وذكرته لي، إذ كان يبدو لي أنها ترانا متماثلين بشكل ما، لم أعرفه، لكني اتخيله الآن، ولن أتخيل مدى فقده لتلك التقية النقية الطاهرة النادرة، صبره الله وجمعه وإياها بأعلى عليين.

لم أعرف حزناً مثيلاً لهذا، إنه حزن تجاه خسارة غير متوقعة، شخص غالٍ لم يفهم أحد مدى حزني عليه ومدى فقدي له، ما قيمته عندي، إنها لم تكن ذكرى بعيدة، ولم تكن مريضة، كانت بتمام الصحة والعافية، بل كنت أشعر بالارتياح لابتعادها عن الرياض في فترة الوباء هذا، كنت أظنها بمأمن في سدير، وكانت تعدنا بالعودة، وكنت مثل والدتي انتظر. لا شيء لأعزي نفسي به، لا يمكنني أن آمل انها ارتاحت من تعب مزمن وغياب إدراك مثل والدي رحمه الله.

والدتي مثلي، إلا انها تختلف بأنها غير متأكدة تمام التأكد، إني ذاكرتها الأكيدة، حيث تسألني في اليوم مرات لا تُعد، هل توفيت ام عبدالرحمن؟، تسأل ويفرغ الدم من قلبي في كل مرة، أشعر به أجوفاً، ويداهم البرد بشرتي من حول جسمي، هل هذه التغيرات في جسمي صورة عن الموت؟. أشعر بالسؤال وكأنه كابون يضربني، لتخرج روحي قليلاً في كل مرة، كما تخرج الذرة من قشرتها. ثم تبكي وتدعو الله لها، وتتحسر، وتتألم، وتتساءل عما ستصنعه بلا أم عبدالرحمن، رحمها الله واسكنها فسيح جناته، وجمعنا وإياها بالجنة.

أشبعت وسادتي دمعاً ولم أنم، ولم أستوعب، كيف؟ لا أزال متردداً، هل ماتت حقاً... لله ما أعطى، وله ما أخذ.

لا يسعني سوى أن أقول عسى الله أن يجعل يومي قبل يوم والدتي.



أطلت علينا لبرهة…

وكأنها رؤياً لحسن النوايا...

بقلب طاهر يفيض براءة... 

كأنه فراشة ترفرف بين الحنايا...

كريمة بروح سامية تقية…

عطوف جمعت حسن السجايا…

نورة الواصل باتت فقيدة…

رحلت وتركتنا لوجع الفقد ضحايا...

عاجزين كالأيتام تخنقنا عبرة...

ليربط على قلوبنا العالم بالخفايا...

نسأله سبحانه لها الرحمة...

نستغفره لنا ولها عن الخطايا...

لعلك يا خويلتي في روضة من الجنة…

سلمنا أمرنا للرحمن رب البرايا…






سعد الحوشان


هناك تعليقان (2):

  1. الحمدلله على سلامتك :) أسعدتني عودتك للتدوين بعد غياب وقراءة آراءك وتجاربك.

    ورحم الله والدك وغفر له وأسكنه فسيح جناته وجمعك به في أعلى عليين. نسأل الله أن يلهمكم الصبر والسلوان.

    ردحذف
    الردود
    1. أخ عبدالله، شكراً جزيلاً لك، وجزاك الله خير الجزاء.

      حذف

ما رأيك بالقول؟