بسم الله الرحمن الرحيم

يا لمسالمة الأيام الخاتلة، يا للهدوء غير المطمئن لحياة طبعها الخيانة. هكذا أشعر مؤخراً، والترقب والقلق لا يمهلاني لحظة.
ما بال الشباب الصغار هذه الأيام؟ الكل يشكو منهم، ولم يكن الناس يشكون منا بهذا القدر حينما كنا أصغر، أنا وأبناء جيلي. بطبيعتي لا أحب المراهقين. لكن يبدو أن كراهيتي وضيقي صارا يمتدان إلى فئات عمرية أكبر، ليس بسببي، إنما لأن الفئات العمرية الأكبر، الشباب، ارتدو إلى المراهقة، وربما صعد الأطفال إليها قريباً. في برقر كنق، صار الشباب يأتون كثيراً في الأيام الأخيرة، وصاروا ينتقون الجلوس قربي في أحيان كثيرة، بكل إزعاجهم وصفاقتهم، ودخانهم، وعاداتهم السيئة بالأكل والتحدث، بكل ما فيهم من سوء. إنهم يتحدثون وكأنما هم في مجالسهم، يرفع الواحد منهم صوته حتى لتخال أنه قد رزع له حنجرة حمار، ويختارون أسوأ ما يقال أمام النعمة وأقذره بلا احترام، على نحو يصدم، ويجعل المرء يتساءل، هل تعرضوا لأي نوع من التربية؟ وهم لا يحترمون النعمة، فلا يحترمون السامعين بطبيعة الحال. جلس بقربي قبل قليل ثلاثة منهم، يتحدثون بصوت لم أعلم بأن لديهم أعلى منهم إلا حينما صاح أحدهم بطريقة آلمت أذني بلا مبالغة، وأفزعت قلبي، فلما رفعت عيناي عما أقرأ، وجدت أن من صاح هو من يقابلني، فأرى وجهه الذي لا يدري المرء كيف يصنفه، فقد بدا كصبية قبيحة، وإلى ذلك يتيمة لا تجد من يسرح شعرها كما يجب، بشاربيه الخفيفين، وشعره الذي ليته كان أطول أو أقصر، إنما يشعر المرء أنه توقف بأبشع حالاته، فلا يمكن تخيل أن وضعه سيسوء أكثر لو طال أو قصر، وقد لبس تي شيرت بأكمام قصيرة، في هذه الليلة قارصة البرد، وبانت يديه الملونة بأكثر من لون بشعتين، تجعلان القرد يعجب بنفسه ويتمرد على قدره فوق الشجر. ولا أجد فيما يقولون إلى بعضهم ما يستدعي كل هذا الحماس والزعيق.
أبحث بلا كلل طوال الوقت عن عنوان لروايتي، التي طال مكوثها بلا نشر. على أني لا أدري هل أحمل هم النشر، أم هم الموافقة عليه.
من النادر ما يصاب المرء بحلم يجعله يتفكر بمعناه، أو يطرح عليه تساؤلاً يحار به في يقظته. لم يكن الأمر نادراً لدي إلى هذا الحد قبل سنوات، لكنه الآن كذلك. قبل شهور، حلمت حلماً رأيت فيه رجل يشبه شخص أعرفه، يشبهه بحيث يذكر به، لكن ليس شبه مطابق. بدا الشبيه مخيفاً، ليس لقبحه، بل إنه أجمل من الأصل، لكن لأنه أعور، ويتكلم وكأنه لا يعرف الماضي فقط، إنما ما سيأتي. وكان يتكلم بهدوء واثق، وقد بدا أصغر عمراً، وأضعف صحة، وأجمل شكلاً من معرفتي. كان يتكلم وكأنه مضطر للكلام، وقد