سِجل المدونة

الأحد، 1 فبراير 2026

الأحد بعد منتصف الليل



بسم الله الرحمن الرحيم







لا يمكن لأحد أن يوقف الأيام، لكن لا يفهم الحزن هذا، ولا أنا، فيبدو لي أني الحزن نفسه.
ألهو، أضحك، أخرج، إذ أني رحال حالياً، لكن أتصور بأن حقيقتي تظهر حينما أكون لوحدي بالنهاية.
كثيرٌ ما لا أفهم، إني أرفض التحدث عن أمي مع أحب الأحباب وأقرب الناس، لكن لا خلاف لدي على الكتابة عنها هنا بقدر ما تسمح به قدرتي على التعبير. ربما لأني لا أخشى ألّا أقول ما أريد، وربما لأني لا أضطر لسماع من قد لا يعطي الأمر حقه مهما حاول، وربما لأني لا أحتمل فقط وأحتفظ بأموري لنفسي. عند اضطراري لسماع أحد يسترسل، لا أتكلم، لكن تتكلم دموعي.

إني هارب الآن منذ فترة، لغرض الصحبة والتغيير. لكن بعودتي للصمت بعد انتهاء كل شيء وفراغ فكري، قبل نومي، أعود إلى البيت الذي تركت خلفي. أحياناً أفكر، ماذا لو كانت نفسي مخنوقة، مكتومة الأنفاس طالما أنا ألهو وأضحك؛ ثم تعود للتنفس والحياة، حالما أصمت؟، ذلك أن هذا الحال هو ما أتصور أنه طبيعتي.

يأخذني زوج أختي بالقصيم إلى كل مكان يحسب أنه مما أهتم له، من طبيعة وزهور وحيوانات وآثار مغرقة بالقدم، وهو محق، إنه يبذل المستحيل، هو وجميع من بالمنزل. كان رفضي للقدوم قبلاً هو خشيتي من بكاء أختي كلما رأتني. أعتقد أني آخر آثار أمي في هذه الحياة لدى الكثير من الناس، وكانت أختي قد تعهدت ألّا تفعل قبل فترة. لكن حينما قررت المجيء بالنهاية، بكت حالما رأتني. أود أن أرى الناس، لكني لا أريد أن أسمع ما يريدون قوله فيما يخص ما حدث، سوى أني لا أقوى على زيارة القصيم دون رؤية خالتي، زوجة عمي رحمه الله، مهما كان ما سيحدث، فهي أم ثانية.

يعتل قلبي أحياناً إذ أفطن لوفاة خالتي أخت أمي رحمهما الله جميعاً، إذ أقامت لسنوات في منزل أختي فأتذكرها فيه، كان حبي لها يزداد ويتضخم مع العمر، وكنت أخبرها به كلما استطعت، وكانت وفاتها فاجعة، لقد توفيت قبل أمي بأقل من سنة بقليل، وقد عانت كثيراً. كنت قد استبشرت حينما رأيتها آخر مرة بالمستشفى، قبل وفاتها بأيام، حينما عرفت من أنا. أعتقد أن قلبي لا يقوى على تحمل المزيد.

الآن، لم يبقى إلا خال واحد، أمد الله بعمره بالصحة والعافية. كانت أمي قبل ذلك توصيني بعمي، إذ مات عمي الآخر رحمه الله قبل سنوات، تقول لم يعد لك غير عم واحد، تحثني أن أصله والا أتركه. مع ذلك، لطالما كنت مقصراً في حقه، رغم حبه الذي لا يكف عن التعبير عنه حينما نتواصل.

لقد استمر بالاتصال بي بعد وفاة أمي كثيراً، إلى جانب خالتي الحبيبة زوجة خالي، للاطمئنان علي. يجب أن أحاول، أن أستحق أي من هذا، أن أعطي وأرد.




يؤسفني أني خيبت أمل زوج أختي الأخرى العزيز بسبب سوء الترتيب، ذلك أن النية والخطة والالتزام كان زيارتهم أولاً حيث يقيمون قرب الرياض. إنه يهتم لشأني الحياتي منذ سنوات طويلة، وينظر فيه أكثر مما ينظر فيه إخواني بكثير، ولا أدري لماذا، إلا أنه توفيق من الله، فله الحمد والشكر.

هل أحبكم أحد دون أن يراكم؟. يمكنني القول بأني حظيت بهذه النعمة الحمد لله ذات مرة. إني أجد بأني عموماً قلما أُلاحظ، لكني أخبر نفسي بأن محبة بعض الناس وتذكرهم لي هي نعم لم أكن لألحظها لو لم أكن خفياً إلى حد بعيد، ومحبة مثل هؤلاء الأشخاص وتفكيرهم بالمرء له معنىً يفوق أي شعبية أو توكيد من الآخرين.

لقد كنت شديد الوصل بشقيقاتي، فإلى جانب مكالمتي اليومية لأمي رحمها الله قبل أن أعود إليها من العمل، أحاول بقدر الإمكان أن أتصل بهن كل يوم. اثنتين من أخواتي متزوجات من إبني خالتي شقيقة أمي رحمهن الله، خالتي هذه التي لها موضع خاص في قلبي، كَبُر معي.

أما أختي الثالثة، فتزوجت رجل من أسرة كريمة لم يكن لنا بها سابق معرفة قرب الرياض، وكانت والدته تحبني كثيراً وتخبرني بهذا، وترسل إلي سلامها مع أحفادها ومع أختي، كما تكلمني في حالة كانت أختي تزورهم. لسبب ما، ورغم أننا لم نلتق من قبل، إلا أنها خصتني باهتمام ومحبة وحرص غير عاديين. لقد أحببتها كثيراً كذلك، ولطالما تمنيت لو زرتها في منزلها، وإن سُمح لي أن أقبل رأسها. كانت دوماً تحب أن تتكلم في حال كانت أختي تزورها، خصوصاً حينما يصدف أن أتصل، وتدعوني للقدوم إلى مدينتهم القريبة. كنت أخطط كثيراً وأتمنى، إلا أن رعاية أمي رحمها الله لم تكن تسمح لي، وهذا عذر صادق لكن كان يمكن ترتيبه ولو لمرة لو كنت في تمام انتباهي، إذ أني كنت مُهملاً خلال تلك الفترة، قلما انتبهت لأكثر من شيء مهم في ذات الوقت، ولم أنتبه من غفلتي تلك إلا منذ مدة بسيطة.
فات الأوان، إذ اختارها الله إلى جواره. بكيتها بمرارة، وذهبت لأصلي عليها، وقد أتعبني الأمر أيما تعب.
الآن سأقيم هناك لبعض الوقت، لكني تأخرت. رحمها الله وأمي وأبي وخالتي وأم عبدالرحمن رحمة واسعة.

سأحاول مع من بقي، ومن يدري من سيدفن الآخر، ومن سيصلي على من.







وددت أن أرى خال لي، ابن عم لأمي أحبه، لكني خشيت أن أحرج نفسي. ولما بقي آخر يوم لي بالقصيم لم أقوى نفسي ونويت زيارته ولو للسلام أمام بيته قبل أن أغادر. لكن شاء الله أن لا يحدث، حيث أن رفقاء الرحلة ظلوا يغيرون المواعيد، وأنا أخشى تأخيرهم فيما لو غادرت المنزل للزيارة، وفي النهاية أخروني هم للأسف ولم أزر خالي. وصلت محرجاً لتأخري إلى أختى الأخرى قرب الرياض. لم أذهب بسيارتي، لأنها أولاً تحتاج إلى إصلاح في حال المشوار الطويل والسرعة المرتفعة، ولأني أساساً بت أتعب جسدياً حتى عند القيادة داخل الرياض.






لم يقصر أحد في البيت الآخر، إني أخجل لكوني محور اهتمام حينما أفطن، فلم أكن الوحيد الحزين بكل تأكيد. يأخذني زوج أختي إلى البراري والهواء الطلق، وأحياناً نذهب جميعاً، وأحياناً يأخذني ابنه. أرى كثير مما يسر الناظر من خلق الله، شجر وضلوع صخرية وطيور وغزلان محروسة، فأتساءل أحياناً إن كان هذا ليسر أمي أن تراه. كيف يقال للمرء أن ينظر إلى حياته الآن، وحياته قد ماتت.






تداهمني ابتسامات أمي دائماً، طوال الوقت، أكثر من الذكريات الأخرى لسبب ما. كم كانت تدفئ قلبي. ما الذي سيدفئه الآن. إنه بارد يكاد الا يحتمله صدري، بينما هو يريد أن يكف عن الإزعاج.







أضحك وألهو، لا أرد اقتراحاً، لا أخيب أملاً ولا مجهوداً. ومع ذلك، هناك ما يشبه الجلطات الصغيرة، معنوياً، سوى أني أشعر بها، نغزات في قلبي، سكتات للحظات مجهرية، ربما موت لجزء من ثانية، أجتر آثارة طويلاً بعدها. بسمة تذكرني بها، ملاحظة، قصة، عيون وليدة تتابع من أمامها، الشاي، ماء الورد، البراري وزهورها والأشجار، وبيوت ناس عاشوا وماتوا، الغنم ترعى، النخيل، القرآن والمصاحف…
كيف تركتني لوحدي… ماذا سأصنع الآن، خلافاً لما يقال لي يجب أن أفعل، فأقول طيب.







قبل مغادرتي الرياض في هذه الاستراحة، تشجعت على تجميع ما قُسم لي مما اخترت من حاجات أمي. شحيت بالكثير حينما سؤلت عما أريد، رغم علمي بأنه سيتبرع به عنها، لكني لم أقوى نفسي. ورغم تجهيزي لحقيبة ومواد لتحفظ الأشياء، ظللت لفترة لا أقوى على القيام بهذا. في آخر الليل بدأت أسفط وأرتب، وأحضن وأشم، بكيت لا أقوى إلا على أن أطلق العنان، وصحت حيث لا يسمع أحد متألماً فاقد الحيلة، كيف تركتني يا أمي…
لم أمر بألم كالذي أمر به الآن، الألم الممتد، مرض لا يُشفى، ولا يَقتل. لا يمكن للمرء أن يُسكن الألم كل ساعات حياته، يمكنه فقط أن يعيش اللحظات المقطعة من النسيان تتخللها طعنات إبر الذكريات الطويلة الحادة، صخبت لحظات النسيان أم هدأت، إبر الضمير لن تنسى وستُذكره، يجب أن يتعود على هذا. ثم يعود إلى ذاكرته حينما يخلو إلى نفسه ويفكر، حتماً.
احترفت تجاهل دموعي حالما تبتل عيناي وإخفاؤها في كل لحظة، حينما تبرق الذكرى في ذهني، حتى وأنا أضحك أحياناً، إذ أرى أو أسمع ما يذكرني بها ولو من بعيد. لقد عشت عمري مع أمي لصيقاً، كل شيء قد يذكرني بها. وإذ أجروء لأقول هذا هنا، حيث لن يوبخني أو يلومني أحد؛ ما بقي من عمر، ماذا سأصنع به…






شكراً وحمداً لله.

شكراً لعمي، البقية الباقية لي، شكراً لحنانك وصبرك الذي لا ينتهي.
شكراً لخالتي زوجة خالي أطال الله بعمره، لطالما كنت معي في الشدائد، بلا مواربة أو تردد أو حد للعطاء والاهتمام.

شكراً لخادمة أمي، فتري، الوفية الرحومة الحنونة، لم أتخيل عطف إنسانة على إنسانة آخرى في أضعف أوضاعها بهذا الحجم من الإيثار والرحمة، واتخاذها أماً. لن أنسى اهتمامك المستمر ورعايتك ومراعاتك وصبرك، وفرحتك بالتحسن ومتابعتك لكل شؤون أمي، وبكائك عند الزيارة وفرحتك بالتحسن دائماً، وفرحتك بعودتها من المستشفى في المرة الأولى وقُبلك التي أسمعها حينها، أحمد الله أن رزق أمي ابنة أخرى. لقد فقدتِ أمَّين في أيام تزيد عن شهر بقليل، ومع ذلك، ما أقوى إيمانك. لن أنساك ما حييت وصنيعك مع أمي، رحم الله والدتينا وأسكنهما فسيح جناته.

شكراً لأخواتي وبنات وأبناء أخواتي كافة، الذين حملوني على كفوف الاهتمام والانتباه، رغم مصابهم الذي لا يقل عن مصابي. شكر لا ينتهي ولا ينقطع. لم أفهم أبداً سبب كم الحب منذ صغركم حتى الآن، لكن، لعله عائد لحبي لأمهاتكم. شكراً يا عبدالملك، شكراً من أعماق قلبي، منذ سنوات، لا أدري ما كان سيكون حالي بلاك.

شكراً لبنات وأبناء إخواني، واحداً واحداً.
ولا أنسى تقديري العميق لاهتمام ابناء حمد المستمر؛ أسامة، وعبدالرحمن، مع علمي بأن عبدالله مشغول، وفقه الله. وشكراً لبنات خالد كافة وابنه العزيز، ومحمد ابن فهد. شكراً لوالداتكم الأمّارات بالخير والرحمة.
شكراً لرجال أخواتي، كم شُغلتم بأمري، ليتني أستحق.
شكراً لكم جميعاً، عدّاً عدا، أبناء وبنات ونساء ورجال، فأنتم ذخرٌ لي وعسى أن أرد المعروف في كل الأحوال.

شكراً لكل من اهتم من الأقارب، أتمنى لو كنت أستحق.

شكراً لزميلي بالعمل أبو عمر، على مساعدته وتفهمه الدائم لتقصيري.

شكراً عبدالله على تعليقك بالمواساة، شكراً لعدم نسياني دائماً.
شكراً سايلنس على إحساسك ومواساتك في تعليقاتك، وجهدك الكبير ووقتك لمحاولة المساعدة. شكراً على رابط الصدقة عن أمي رحمها الله، جزاك الله خير الجزاء، قمت بالكثير، أتمنى لو كنت أستحق.
يؤسفني أني لم أنشر تعليقاتكما.

عزيزي عبدالعزيز الخشيل، شكراً لأنك لم تنسني بعد كل هذه العمر الذي مر. شكراً لوفائك. لم أنسك أبداً، ورغم أني لم أعرفك إلا بتعليقات بسيطة منذ زمن بعيد إلا أني تكلمت عنك قبل فترة قصيرة بالخير وبالامتنان للطفك. ليت كل من تذكرت يتذكرني، ويصلني حينما لا أستطيع الوصل.
شكراً لك، ولا أراك الله مكروهاً فيمن تحب. وختامها مسك.







إني في إجازة من غير راتب من العمل، وبعد إصرار أو ضغط ممن حولي جاءت أقصر مما كنت أريد بكثير. بيد أني أفكر بتمديدها، ولا أعلم. لقد كان حالي أسوأ في العمل. لا أدري إن كنت حتى أريد الاستمرار بالعمل أحياناً. لقد كان أكثر ما أخشاه في أمر الدنيا هو أن أعتمد على الآخرين، لكن الآن لا أشعر بأني معني بهذه المبادئ. مع ذلك، ما باليد حيلة على ما يبدو.
ربما سيكفي ما معي للتمديد قليلاً على الأقل.







أفتح مذكرة الجوال، فأجدها تمتلئ بملاحظات صحية لأمي، أسماء أدوية وأطباء واقتراحات، نتائج تحاليل وأسماء تحاليل. كنت أحاول القيام بشيء مهم، كان وجودي وحياتي لهما وظيفة. لا يحتمل قلبي وأنا أقرأ الملاحظات التي أجمعها لأناقش بها الأطباء، حينما كنت أبحث عن حل. يتألم قلبي على أمي، لقد عانت كثيراً، ولكن كان لدي أمل لا ينضب. الآن لم يبقى شيء سوى الألم. لم أجرب الفراغ من الأمل قبل الآن.







مع كثرة الإلهاء والإشغال، أتساءل أحياناً إن كان هذا الأمر الصحيح. يجب أن أعود إلى الرياض قريباً، بعد التأكد من رضا الجميع.







سعد الحوشان