سِجل المدونة

الأحد، 4 يناير 2026

12:33

بسم الله الرحمن الرحيم








لماذا لم أتوقعها، رغم إحساسي المتزايد على مر الأيام الأخيرة؟، حينما أخبرتني الطبيبة في مكالمة أن أمي توفيت. لا زالت الذكرى تداهمني، من بين الذكريات والأفكار التي لا تحصى، إذ تزدحم وتتدافع في ذهني على مر اليوم، حالما أخلو بنفسي. تتدافع الأفكار ببراءة لا تستطيع ردها، كما حين يأتيك الأطفال مجتمعين ليحدثوك عن أيامهم، إلا أن أفكارك تخبرك بما لديها عن ما مضى من أيامك، والوجه تراه متألم ومبتسم وقلق وساكن وأنت كنت تعيش لتتألم وتبتسم وتقلق وتترقب حال ذلك الوجه، الذي عليك أن تتقبل راغماً أنه بات ذكرى الآن. إنها لحظة غريبة تقسم حياتي إلى نصفين، بوضوح شديد، قسمة موسومة بالدقيقة. لقد بدأتُ بالاحتضار لحظة علمي بشكل ما، وبعد شهر الآن، إني كميت لا يعرف كيف يستريح، يتساءل عن الراحة التي يوصف بها موت البعض.

أتخيلها كالنائمة حينما أتذكر، لقد بدت كالنائمة. أعتقد بأن مرد تفاجئي بالخبر هو الأمل لا المتناهي الذي تحليت به لفترة طويلة لأجل أمي، أمل لا ينقطع بات كالهوس، فأكون الوحيد في أحيان كثيرة الواثق من تحسن حالتها. إن الأمل مرض، في وجوده، وفي غيابه، لكن هل كان لغيابه أن يكون أخف وطأة؟، مهما كان، هو أمر مستحيل، وليس حتى بقرار ليرجع إلي، إنها طبيعتي حينما يتعلق الأمر بمن أحب، أن لا أفقد الأمل، وحينما يكون من تحب هو معنى حياتك، فإن الأمر يصبح غريزة بقاء.
لقد كذّبت إحساسي ولم آخذه بأي إعتبار في اليوم الأخير، رأيته ككل من أراد أن يحبطني خلال الشهور الفائتة، مهما حسنت النية.
كافأني الله لمرات بتحسن حالتها، والشكر لله على هذا، فله المنة وحده، لا أقول إلا أن الله رحمني، ورحمته لا حد لها، وشكري لا ينقطع وأنا أحصي، القديم والأحدث. مع ذلك؛ خلقني إنسان ضعيف بطبيعتي، من بين الأضعف من خلقه، قلبي ضعيف واهن القوام، لا أقوى الآن على رد الحزن ولا الأسف ولا الشعور بالبؤس وفقدان البقية الباقية من المثابرة والهدف، إذ كان كل هذا محصور بوالدتي لفترة طويلة جداً. كان الإحساس بالأمل وصونه في نفسي بكل ما أصيب من طاقة، وما نتج عنه من اجتهاد بمتابعة وثيقة مستمرة صرت لا أتنفس إلا لمواصلتها، أمر أضعف مناعتي تجاه أي شيء آخر، كان الأمل هو مناعتي ضد التعب واليأس فقط فيما يخص أمي، إن كل جهد وكل اهتمام بات مخصصاً لها. والآن، انا كوالدتي في النهاية، أعجز عن مواصلة البقاء كما كنت، خصوصاً بعدما انقطع الدواء، اكسير الحياة، إلا أني لا زلت موجوداً.

لا يرى أحد الشطب الطويل المستعرض، غير المتناسق كالواقع، الذي يشق جسدي، من جبهتى إلى أخمص قدمي، فما يردني عن الإنقسام والانهيار إلى جزئين إلا العجز عن ذلك. وددت لو كان الخجل هو حاجزي الوحيد، لآمل أن تغلبه الجرأة.






أتصور عيش البعض بلا انتظار لحدث يغير حياتهم، بينما عشت أنا حياتي أترقب وأستبق وأهرب بوالدتي من التعب والضعف. من يمكنه أن يهرب من الموت؟، باتت البشرية تتفق على هذا، ولم يعد من أباطرة يبحثون عن دواء للخلود. 





أفرح بك في أحلامي، حتى وإن كنت فيها بائس أبكي وأنا أدفن وجهي في بطنك، وأنت تجلسين على العربة حيث كنت أدفعك بالحلم قبل أن أتوقف، وأأن أنين طويل حاد لم أسمعه مني من قبل، ثم تحيطيني بذراعيك الضعيفتين، فأتوجد حينما أستيقظ وألوك ذكرى الحلم وإحاطة الذراعين لأيام، وربما للأبد. كالواقع حيث كان يخونك سمعك، تقولين معاتبة أتقول لي كذا؟، فأقول لا يا يمه عساك بالجنة، أقول كذا، كيف أقوى على قول كذا لك؟، ما ظنتني أقول، ثم أدفن وجهي وأنتحب في حضنك.
أستيقظ كل يوم وأبدأ بتقليب أحلامي في ذاكرتي، أبحث عنك، أسابق الزمن قبل أن أنساها.





أنسى أحياناً وأعيش، لكن يتذكر جسمي فأتذكر أنا، لا أفهم كيف تتذكر عيني فتدمع ثم أتذكر أنا لماذا. تشتاق عيني إلى رؤيتك، ويشتاق فمي لندائك، فيتكلم دون أن أدري أو أنوي ويناديك فجأة وأنا في خلوتي.
يهمس تارة أخرى وأنا شارد الذهن أتفكر بأمر آخر، يقول بتصل على أمي وأقول له أحبك، وكأنه يذكرني وأنا أمشي في وقت معلوم يوم العمل، بما كنت أفعل كل يوم، منذ بدأت أعمل.
أفاجأ بيدي ترتفع إلى فمي قابضة على الهواء، لأقبل يدك دون أن أدرك، وأنا شارد أفكر بأمر آخر. في آخر أيامك وفي ضعف وعيك، كنت تتخيلين تمسيد ضفيرتك، وأنت تمسدين الهواء أمام كتفك. لطالما قبلتك، ولم يكن يوماً تقبيل إكبار ولكن تقبيل حب جارف وشفقة، كالوالد يقبل طفله. كيف لجسمي أن يتذكر لوحده، وكأنما كان آلة لا تحسن غير ما صُنعت لأجله من غرض وحيد. إني مٌقسم، لا ريب، ليس جسماً كما أتخيل لفرط الألم، لكن روحاً، ووعياً، إني محطم مطحون، ككتلة التربة اليابسة إذ يلقيها صبي فتتناثر منفجرة، فلا تعود شيئاً.






تظن خالتي الحبيبة إذ تتصل لتطمئن أني قد أتحسر على شيء، على تقصير، فتقول مؤكدة بأني لا يجب أن آسف على شيء، فأنا لم أقصر، وقد قضيت حياتي حول والدتي أراعيها. إن من يأسف على ذنب أو تقصير يتمنى رجوع حبيبه ليقول له سامحني، لكني آسف على الميت وأريده ان يعود فقط، أن يعود لأعتني به وأحبه، كل شيء آخر، كل تقصير وكل ذنب، يضعف أمام هذه الأنانية، إني أستكثر الميت على الموت، أبخل به.
أتحسر على عجزي عن إذاقتك ماء الورد خوفاً عليك، وما تشتهين خلافه في آخر وقتك. إني أنا أعجز عن تذوقه، وأنا أراه أمامي كل يوم، من بعدك. لا بد من التقصير والأخطاء، لكن التقصير يعوض لو تعودين، عودي إلي.






قال صديقي اليوناني، لقد تُوفيت، لكن لديك وقت الآن لتنتبه لحالك، فقلت خذ الوقت، لا أريده، خذه وأعد أمي، قلت هذا مسكور القلب، وقد نسيت نفسي، وأنا أترجى وكأنما كان يخبئ والدتي عني. بُهت الرجل، وخجل، وبرر. زارني الآخر وقال تعال معي إلي اليونان، ابق في بيتي، نعتني بك أنا وزوجتي وتبتعد عن هنا. وما عساي أصنع هناك، وأنا آخذ قلبي النصف معي، يذكرني بالنصف الذي دفنت وتركت.
مسكين وخاسر من يحبني.






باتت محاولات الإلهاء وإن نجحت لوقت تنهكني أكثر فأكثر، وأضعف أكثر فأكثر، ولست أضعف عن التذكر، لكن أضعف عن النسيان، والوقوف، والتعافي. يوجد الكثير من الناس والأشياء حيث لا يتعافى المنكوب أبداً.
حالما يخلو المكان بالليل، أبدأ  بالانحدار، لا أتعب من التساؤل، كيف لهوت؟، كيف ضحكت؟، بينما يغادر بعض أبناء أخي الكبير، الذين يأتون للتسرية عني وإلهائي. أعود أسوأ بتدرج سريع. إن أقسى أوقاتي هي الأوقات التي أكون فيها وحيداً، وهي الأوقات التي تزداد أكثر فأكثر الآن. وفي نفس الوقت، هي الأوقات التي أتمنى لو كانت كل وقتي، إني أزهد بالناس.
أنام وأنا أتمسح بجلال صلاتك إذ احتضنه، حيث لطالما لففته عليك في السنوات الأخيرة في الأوقات المعلومة.

إني مهدود متعب، يضخ قلبي فراغاً محسوساً، كأنما يضخ خواء لا أدري كيف يبقيني على قيد الحياة، وكأنما نكداً، ليس إلا لأرى إلى أي حد باتت الحياة عديمة القيمة مثيرة للسأم.

أعتقد أني بحاجة إلى إجازة طويلة بالمنزل…



سعد الحوشان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما رأيك بالقول؟