سِجل المدونة

الأربعاء، 18 مارس 2026

ثرى

 بسم الله الرحمن الرحيم





أتساءل إن كانت أدمغة الناس تعمل بالسرعة والتطاير الذي عشته طوال عمري. ليس أنه يصعب علي التركيز على شيء محدد، لكن يتطاير ذهني هنا وهناك بنفس الوقت. إن ذهني كالقمع المعدني الصغير، في قاعه ماء بارد صافٍ هادئ، هو وعيي الآني. وبلا مثيرات ولا اهتزاز أو وقوع أجسام وشوائب. تتطاير منه كل وهلة وأخرى، في جوف الدقيقة الواحدة، قطرات صغيرة من تلقاء ذاتها إلى الأعلى، تمس فكرة أو ذكرى تطوف في محيط وعيي الآني، ثم تقع إلى أصلها بلا صوت، لقد أخذت معها جزء من وعيي البعيد وعادت به.

إن جل ما يداهم ذهني الآن هي أفكار وذكريات ناعمة، هادئة، سريعة، واضحة كرأي العين، عن أمي، طوال الوقت، وأنا أتكلم، أو أضحك، أو ألعب، أو أنهمك بعمل ما. يخيل إلي أحياناً بأن لي عقلين يعملان بالتوازي. جرب أن تكتب بكلتا يديك في نفس الوقت، يد عن الحاضر ويد عن الماضي.

لطالما كان عقلي سريع العمل دائمه، إلى حد الإرهاق. وليست علامة ذكاء أو حكمة، إنما ابتلاء فقط.


لن يحبني أحد بذاك القدر، الحب واللهفة التي خصتني بها حتى آخر لحظات وعيها، قبل وفاتها بأيام. ولن أحب أحد بهذا القدر، كل القدر الممكن، بائن وخفي، كل ما يمكن لقلبي أن يجمع من حب، الذي اختصت به أمي. لن يكون للحياة قيمة، باتت مجرد وقت.

يا للعجز… ماذا بوسع المرء أن يفعل…







أنظر حولي في صالة المنزل، وأتذكر مكانها منه، في مختلف الأوقات، وما كان يحدث، وما كان يقال. كيف انتهى كل هذا. أدخل إلى غرفتها ليلاً، ولا أنظر إلى مكان سريرها في مرضها، لكن مكانه حينما كانت بحال أفضل، حيث كانت تستلقي كل ليلة، فأواسيها عليه، وأغطيها وأقبلها، وأعطيها خدي لتقبله.

أحلم بها، أتمنى أن أراها، ولو لم تقل شيئاً، أو يحدث شيء، آسف وأحزن إذا لم تزرني بالمنام. قلت للآخرين وهم ذاهبين في منامي ذات مرة؛ لا، أريد أن أجلس مع أمي.







بعدما نشرت كتابتي الفائتة في ذات اليوم، فطنت وشعرت بالخزي، لم أتعمد الجحود، إذ نسيت أن أشكر الشخص الأهم الذي وقف معي حالما طلبت منه، بلا تردد أو تفكير. كنت في أشد الحاجة وقد أسقط بيدي، حيث انتهى تحمل تأمين أمي رحمها الله. شكراً لابن خالي؛ محمد بن عبدالكريم، شكراً على موقفك وعجلتك بالاهتمام رغم انشغالك وضيق وقتك، خصوصاً في تلك الفترة التي تواصلت بك خلالها في مأزقي ذاك. لن أنسى اهتمامك وحرصك ما حييت. لم يكن لدي شك بأنك ستهتم في أمر عمتك، ربما عمة والدك عمراً، لكن حسن تصرفك وسرعته، كما تعاملك مع حتمية الأمر بلا تفكير أو اختيار أو تساؤل، هي أمور لم تكن معروف لأمي فقط لكن معروف بي أنا؛ طمأنينة لقلبي المأزوم، وشعور لم يستثنني من الاهتمام والمشاركة والرحمة. إني أتذكرك كل يوم، لكني لم أُوفق في ما كتبت سابقاً.

إنه لأمر مؤسف، لابد من النسيان، عسى الله أن لا يجعلني جحوداً منكراً.







إني مهرج، مرسومة الابتسامة على وجهي رسماً. أفرح بمن يزور من ابنائنا لأني أحبهم جداً، لكن لا يهدأ ذهني، ولو علموا لما علموا ما يصنعوا بي، لربما كان هذا الخفاء رحمة بمن حولي. إنها سكتات صغيرة، ربما وأنا أتكلم، ربما وأنا استمع، ربما وأنا لا أفعل شيء. أحياناً تصبح برودة تغشى صدري كاملاً، ووهن في قلبي، وأنا أستمع وأنظر باهتمام إلى محدثي.

كثير في كل مكان ما يذكرني بها، أقربها قلبي.

لا زلت أتساءل، كيف راحت وتركتني؟، لا أشعر أنه كان يومها، لقد كان يومها، لكن لم يكن، لا أدري.

إن قدراتي تقصر عن إستيعاب وفاتها، إني أصل إلى حد معين، بالتسلسل الصحيح، ثم أتوقف عنده لا أدري إلى ماذا أخلص، تتكاثر التفاصيل كلما اقتربت من هذا الحد، لا يعود التسلسل سليماً، إنما يصبح فروعاً منتشرة كثيرة كشعيرات الدم، أعود إلى الوفاة بحد ذاتها، وألمها، لكني لا أخلص إلى شيء، يبدو أحياناً أنها ما ماتت حقاً، وكأن هناك عنصر مفقود في التسلسل أو في الفروع، أو أمر عصي على إدراكي، أمر يعرفه أحد ما ولكن ليس أنا، ثم أبدأ بالتراجع والتقهقر إلى التفاصيل قبل النهاية، وأعيد. إنها حلقة مفرغة لا خلاصة أو نهاية لها.

كيف تركتها لآخر مرة…

ما باليد حيلة…


أشتاق إلى رائحتها، رائحة الورد، وحينما أجد ريحه لا أتحمل فأترك الشيء. إني لم أضع العطر منذ فترة طويلة، كان خوفاً على صحتها في وضعها المتدهور أخيراً.

أشعر أحياناً بأنها لم تمت. تساءلت عند قبرها، هل تركتها هنا حقاً؟. لو تُركت إلى جانبها، لكان أريح.

الآن وأنا أكتب في حجرتها، المتروكة نصف خالية، أعرف بأن العمر لم يكن ليكفني أبداً معها.


إني أضحك وأقهقه، وأفرح بالقادم من الزوار وأرحب، لكني أحياناً أشعر بأني أرى هذا الذي يضحك من داخله، وكأني مغلف به.







تتعبني زيارة الصيدليات، إذ لابد من رؤية شيء مما اعتدت شرائه لها. صُدم الصيادلة حينما سألوا عن أمي وأخبرتهم. لست أحب إخبار أحد، إطلاقاً، لكنهم أصحاب معروف. على النقيض، أجد نفسي أتأمل، ربما أكثر هدوءاً وأماناً، حينما أزور المستشفى الذي أطالت البقاء به قبل أن تعود للمنزل في المرة الأخيرة، زرته مرتين لغرض، وأغراض. لا أدري ما سبب هذا الشعور. لكني لا أفكر بزيارة المستشفى الذي توفيت به، رغم أنه أقرب، إلا أني أتمنى لو رأيت الممرضة التي اعتنت بها هناك، وعطفت علي. وكذا الممرضة في المستشفى الذي انتقلت إليه بمساعدة ابن خالي، جزاه الله خير الجزاء، كانت امرأة حنونة. لكن كيف؟.

إن ما يحطم قلبي، هو حينما نمر أو يأتي أحد ما على ذكر المستشفى الذي أطالت أمي البقاء به، ويذمه، ويتهمه بالتسبب بالتدهور المتسارع لحالتها، رغم الظروف السابقة. إني أتعب وأتأزم، بصمت، لكن للّحظة ذيل طويل، طويل.







طاردتني مكالمات من المستشفى الذي توفيت فيه أمي لفترة طويلة، كانت مكالمات من موظفين لا يعلمون بأنها توفيت، يريدون رأيي بالخدمة أو إضافة مواعيد، لا أتذكر. كنت أخبرهم في كل مرة بذلك، فيصابون بالصدمة والإحراج. أخبرتهم في أحد المرات برجائي أن يكفوا عن الاتصال، لكن لم يكفوا إلا متأخرين بعدما رجوتهم وأخبرتهم بأني تعبت وأن هذا رابع أو خامس اتصال منذ الوفاة.

في هذا الرمضان، وصلني اتصال من مستشفى آخر، كانوا قد وضعوا خطة علاجية لأمي قبل أن تمرض. كانوا حينما رأوا أمي متعاطفين جداً رحومين، وقاموا بكل ما يمكن لمساعدتها حتى وضع الخطة وتخصيص موعد قريب في عيادة خاصة. لم نحضر أي موعد علاجي، كانت قد دخلت المستشفى، ثم خرجت بحال لا يسمح. جاء هذا الاتصال يسأل بلطف عن حال أمي، وما جرى على وضعها الصحي، أخبرته بأنها توفيت. تأثر بشدة، وعزاني. لا أدري من هو، لكن جزاه الله عناً خيراً.

حينما اتصلت طبيبة أمي في العناية المركزة، تخبرني بوفاتها، لم أدري ما أصنع، أو بماذا أشعر، حتى مر بعض الوقت. أخبرت أعز الأصدقاء، ربما الصديق الحقيقي الوحيد، وأخبرت أخي الكبير. كان صياح الخادمات عالياً.

كيف ذهبت وتركتني…




يوقفني الجهاز هنيهات لأتأمل، يريني جبال لأرتاح. لطالما قالت بأنها تحب الجبال.





مقتطفات مما كنت أكتب في السنوات الفائتة:


" توفيت خالتي رحمها الله، ولا زال الأمر عصي على الاستيعاب. هي خالتي الوحيدة من حيث الدم، وقيمتها في قلبي لا أعرف من أين تبدأ وأين تنتهي. إني بطبيعتي آمل بأن يعيش من أحب إلى الأبد، ولا أفقد الأمل مهما كانت الظروف، على عدم منطقيته، لأني لا أغلب نفسي في بعض الأمنيات. لعل المرة الوحيدة التي شعرت بها بقرب وفاة أحد كانت وفاة والدي رحمه الله؛ ولم يكن الأمر يتعلق بتدهور مفاجئ بصحته، رغم أنها كانت تنحدر لطبيعة مرض الخرف، لكنه شعور داهمني فجأة. لم يطل الأمر، وتوفي رحمه الله، وكنت قد صُدمت لأني اعتقدت، أو أملت، بأنه لو صدق شعوري فيسكون بعد أشهر عدة.

أما خالتي، فكنت متفائلاً بوعي وبدونه بأنها بإذن الله ستتخطى الأزمة، وكانت قد تعرضت لمتاعب صحية من قبل وتخطتها. زرتها في المستشفى، وفي آخر مرة زرتها هناك قبل أيام عرفتني حينما سألتها من اكون.

قيل لي وأنا في العمل بأن صحتها في تدهور، لكني لم أفقد الأمل، إلا أني علمت بضرورة تواجدي هناك، إلى جانب زوج أختي وابن خالتي. تم إخباري لبعض الوقت أن أصبر عن المغادرة، لكن لم يطل الأمر عن ربما نصف ساعة حتى قيل بأنها توفيت. غادرت إلى المنزل لأرتب أمر غيابي، ثم ذهبت مباشرة إلى القصيم.

كانت أمي هناك لدى أختي حينها، زوجة نسيبي المعني. كانت أمي في إجازة نادرة عن الرياض، ربما لثاني مرة فقط عبر السنين. وجدت أن أمي قد علمت بوفاة أختها الوحيدة، عزيتها وبكت.

لا أعتقد بأني أيقنت أنها مضت تمام اليقين حتى رأيتها تدفن، رغم أني سلمت عليها في كفنها وقبلتها وأنا أبكي ألماً، وقد عجزت عن تركها وعدت لأقبلها مرة أخرى. كنت أفكر؛ كيف يدفنونها هكذا؟، كيف يتحملون؟ كيف تترك في جوف الأرض هكذا، كيف أراها توضع هناك ويسد عليها باللِّبن فلا نراها بعد ذلك، هكذا، إلى الأبد، بكل هذا العجز الذي يشل القلب ويحبط الروح. لم أشعر من قبل بأن كسرة من قلبي المتبلور، الذي لا يكاد ينبض، قد دُفنت. لا بد أن قلبي التالف ثمين، فقد كانت كسرة من ياقوت. ورغم حبي لوالدي، إلا أن هذا نوع مختلف من الفقد، لا يقل، إنها أمي الثانية.

كان كثير منا قد جاء من الرياض، وكان الإرهاق على كافة المستويات والاستنزاف واضحاً. لكن أيام العزاء كانت غريبة، وكانت تستوقفني الأفكار فجأة؛ كيف نتكلم؟، كيف ندلَه، وهي قد توفيت؟. لم أستوعب، ولم يكن هناك طريقة للاستيعاب مع كل هذا التبدل بالمزاج والمطالب، والناس جيئة وذهاب. حينما أفطن، كنت أشعر بأن هناك أمر ليس في محله، إنه في ذهني، لكني لم أفهم ما هو بالضبط، هناك خطأ لم أستطع تحديده، حيرة غير مسبوقة، لم أمر بمثلها من قبل. حاولت أن أفهم، لكن كل ما كنت أتوصل إليه هو أنه يوجد خطأ، لم أقم بأمر ما على الوجه الصحيح، الوضع كله ليس كما يجب أن يكون. حاولت أن أبلور الأمر لأختي الكبرى في محاولة لأفهم أنا، أخبرتها بأني لا أعجز بالعادة عن توصيف الأمور، لكن هنا، لا أدري ما العلة، يوجد خطأ ما. حاولَت أن تساعدني على الفهم، وقد لجأتُ للتحدث لعلي أفهم وأتوصل لشيء. لم أتوصل سوى إلى أنه كان يجب أن أُقسم إلى نصفين، نصف يبقى هنا حيث يراد له أن يكون، ونصف يعود إلى الرياض ليجلس وحده، كما يجب أن يكون.

كيف تكلمنا ولهونا؟. الآن بعدما عدت إلى الرياض، أجد نفسي أسحب خيوط أفكاري المتروكة برفق وتركيز، كما قد يسحب المرء الخيوط من الشاش وهو يأمل ألّا تنقطع، وقد فرده على حجره يمعن إليه النظر، وأنا أحاول أن أجد الفكرة الصحيحة، لفهم الوضع. لا زلت كذلك بعد ثلاثة أشهر.

مع ذلك، لا زلت لا أفهم جيداً رغم محاولاتي، أعتقد أن بقائي هناك هو ما أوصلني إلى هذا الحال، من عدم الفهم، ومراوحة مكاني نفسه الذي علقت به هناك.

ألوم نفسي بأنه كان يجب ألَا أبقى هناك، أن أعود لأفكر، وأنا أعلم بنفس الوقت بأنه كان يجب أن أبقى هناك، ولا خيار آخر لدي، حتى لو شعرت هناك بعدم فائدتي، وعدم تقديمي لنفع حقيقي واضح. أشعر بالحنق وأنا أدري بأني غير ملام، لكني لا أقوى إلا على لوم نفسي، ولا أدري ما السبب. والآن مع الوقت، لا تغيب خالتي رحمها الله عن ذهني، كل يوم، كلما أسهم، تدمع عيني أحياناً، خصوصاً حينما أستلقي ليلاً لا أنشغل بشيء آخر، حيث تنتهي المسؤوليات إلى حين، هذا الوقت مؤلم، مؤلم جداً، إني أخشى قدومه. كان يجب ألا أنشغل بغير نفسي يوم توفيت، والآن أنا عالق.

كثرت الوفيات، أشعر بأن الأمر بات يفوق احتمالي، أعلم بهذا حينما أكون لوحدي."



" الآن، وأنا في عمري هذا، أشعر وأقتنع بأني كنت طوال حياتي أبلغ الأربعين من العمر، إن سعد الذي كون صداقات ومعارف وغامر وأغدق من اهتمام وحنان ولطف، وتلقى القليل منه إذ رضي بأوقات نادرة، هو سعد أتذكر بأني أعرفه."



"قبل فترة كنت أتأمل وأنا أمشي، بعد شعوري بالخسارة النهائية لآخر ما أملت به، الخيبات الشبيهة التي تعرضت لها، كسور القلب التي لا تنجبر، الإحساس بالهامشية وسهولة الاستغناء عن الوجود لدى كل ممن أجهدت بإرضاءهم في وقت سابق. توقفت لأنظر من بين المباني المألوفة، فرأيت طائر صغير لا يطير مثل الطيور التي أعرف، كان ينزلق عبر الهواء بسرعة، ولم يكن شكله أو بناء جسمه كطيور الخواطيف المهاجرة. حاولت أن أعرف ما هو أو كيف شكله، وكان منظره وهو يطير بسرعة وينتقل من جهة إلى أخرى بسرعة غير عادية أمر عجيب لم أره من قبل هنا، ورغم محاولتي الحثيثة لتبين تفاصيل شكله لم أستطع. ابتعد الطائر وهو يأخذ اتجاهات بدت عشوائية حتى اختفى خلف المبنى المجاور. إني لا أدعو الله عادة إلا لأمي، ووالدي رحمه الله، والأموات من الأحباب، لكني قررت أن أجرب فدعوت الله أن يعود الطائر. فعاد، ثم دعوت الله أن يمر بقربي، فمر فجأة بقرب شديد. سُررت، وفكرت بأنه ربما كان كل ما أردت من قبل لم يحدث لأنه لم يكن خير لي، رغم انفطار قلبي، وهو مفطور على الدوام. وفكرت، بأني بالواقع لطالما دعوت الله لأمي، خصوصاً حينما تمرض أو تصاب بمكروه كالسقوط والكسر، وقبل ذلك من تكرار لمرض شديد، ولطالما شفاها الله لي. ورغم انه بكل تأكيد هناك من هو أصلح مني يدعو الله لها وهم أجدر بالاستجابة، إلا انه بالنهاية شُفيت أمي وقَرّت عيني بها. والآن هذا الطير الجميل بقدر ما سمح لي ان أرى، سُمح لي ان أراه مرة أخرى عن قرب، بعد دعوة.

مضيت وقد بدأ صدري بالانشراح، شعرت بأن أمر رغبت به وهو خارج حيلتي وإرادتي قد حدث لي أخيراً، ولا أجحد نعم الله علي، ومنها الارتواء والشبع والستر.

بعد قليل، كنت في مكتبي حينما اتصلت أختي فجأة تخبرني بأن الخادمة الجديدة اتصلت بخادمتها تبكي فزعة تقول بأن أمي لا تتنفس. قفزت لا ألوي على شيء، وقد كنت أشعر بالذعر وضعف الحيلة. فهمت بأنه من الصعب أن أرضى، أن ارتاح، أن أركن للأمان. أذهلني بالمقارنة تفاؤلي الذي يشبه البذرة التي استشعرت رطوبة التربة العقيم أخيراً، قبل قليل بسبب طائر.

تواصلت مع الطوارئ، وبصعوبة تفاهمت معهم لذعري وانقطاع نفسي، وأنا أسرع بالسيارة عائد إلى المنزل. وكان الطريق يزدحم ويتوقف، وأنا لا أطيق صبراً ولا أدري ما اصنع، اضرب العجلة أمامي بيداي، ولم أعد أستطيع التحمل، وانا ادعو الله وابكي، كنت أقول لا تأخذها مني، هي كل ما لدي. تواصلت مع الخادمة وكانت لا تدري ما تقول، وتعطي كلام متناقض وهي مأزومة. تكلمت مع أخي الذي نزل للتو، فقال بأن أمي بخير. لم أقنع وكنت أشك، حينما وصلت وجدته عند أمي، وهي مستلقية بإعياء على سريرها، بالكاد تتكلم. وصلت أختي الكبرى في ذات الوقت تقريباً. تأخر الإسعاف أكثر من العادة، إذ أنها ليست أول مرة نطلبه لسبب أو لآخر، وحينما وصل دخل المسعفين وغطت أمي وجهها بشالها الملون. فحصوها بالاجهزة وتكلموا معها، طال الفحص، وبدأت ترفع شالها أمامها لتتنفس، فأمسكته مرفوعاً كالخيمة عنها، رغم اعتراضها، تقول أنها لا تريدني أن اتعب. كان كل شيء مطمئن نسبياً، ولله الحمد. لكنهم أرادوا أن يأخذوها إلى المستشفى ليطمئنوا أكثر، إلا أن أمي رفضت قطعاً. لم يبدو عليهم الاقتناع، لكن ما كان باليد حيلة، أخبرتهم بأني سأراقبها، وفي حال الحاجة سآخذها أنا إلى المستشفى. خرجوا من الغرفة، ورأيتهم يتوجهون نحو الباب، فتوقعت بأنهم سيجهزون أوراق ووثائق كالعادة. لكن المسعف عاد وناداني، وأخبرني بانه اتصل على طبيب الهلال الأحمر، وأنه يريد ان يتحدث معي. تكلمنا، وقال بأن كل شيء مطمئن، لكنه يريد أن يأخذوا أمي للاطمئنان، لعمل تخطيط قلب والمتابعة، أخبرته برفض أمي إلا أنه أصر، فوافقت، وكنت آمل ان اصرار الطبيب قد يقنع أمي، ولكنها لم تغير رأيها، ودخل المسعف ليقنعها، ولم يتغير رأيها أيضاً. كانوا مهمومين بوضعها الصحي. أخبرتهم مرة أخرى بأني سأتابعها، وفي حال احتاجت سآتي بها إلى المستشفى إن شاء الله. بعد اتمام الإجراءات والتسجيل، غادروا.

أخبرتني أختي مُطمئنة بأن هذا كان قد حدث لأمي عدة مرات في منزلها، إذ تقيم أمي لدى أختي بعد إجراء العمليات لفترة، وأزورها هناك كل يوم. استغربت، لأني مع أمي طوال الوقت في منزلنا إلا خلال نومي او نومها وخلال العمل، ولم تفعل هذا من قبل أبداً، من انقطاع نفَس وصمت مخيف. لكن أختي أكدت لي ذلك، وأنه راجع إلى ضيق مفاجئ بالصدر، نوبة من الحزن الشديد. قالت بأن الخادمة الجديدة ذُعرت لأنها لا تعرف هذا، خلافاً للخادمة القديمة."



"لم اعرف الفرحة بالإنجاز منذ زمن بعيد الآن، إن كل فرحة اتذكرها لا تعدو كونها فرحة بتفادي كارثة، وهي فرحة مهمة بذات القدر، إلا انها اكثر استهلاكا للروح والمعنويات والطاقة والاتزان والسلامة النفسية والمشاعر. إنك لا تصلها إلا وقد تآكلت وضئلت وعجزت وتعبت وخفت وخشيت وأُرعبت بلا توقف، ذلك القلق الممض المؤلم المتعب المستنزف العنيف الهازْ، حيث لا يفترض أن تصمد أمامه دون ان تنهار وتنهدّ، لكنك على نحو عجيب وعصي على الفهم ومثير لشفقة من ينظر، إن كان لأحد قلب، تستمر تعاني منه واقفاً وبوعيك بكل لحظة منه، يشبه انتظارك لارتطام جسم عظيم حتمي سيفنيك بعد لحظات، لكن اللحظات تطول كالعمر وأنت تتجزع وتستوعب ما يجري وما عليك وما لا عليك فعله وأنت ترقب الجسم يقترب شيئا فشيئا، لا يمكن الصياح بجزع لأن صياحك لن يعني شيئا وأنت لا تدري متى سيحدث ما تخشاه، لكنك بذات الوقت تراه يقترب فتفكر عشرات المرات بحكم الغريزة ان تتوقاه بذراعيك لكنك تنزلهما عن وجهك بسرعة وانت تئن أنيناً كالصياح المكبوت، تتخبط ذراعيك بين نزول وهبوط والكارثة لا زالت بالطريق، حتى تفقد الخيط الأخير من الاتزان وتبدأ بضرب ودفع الأرض بقدميك ذعراً وأنت جالس، وتقبض على شعرك هنيهات بقوة تنزع في كل مرة خصل منه، والأنين الحاد يتردد ويزداد حدة وبعداً عن طبيعتك كإنسان، حتى أخيراً ترفع ذراعيك أمام وجهك وتطلق صيحتك. ذلك هو القلق الذي لا يتوقف حتى تعرف النتيجة، هل سيرتطم بك حقاً ذاك الجسم العملاق الحقيقي الماثل أمامك؛ قل قطار مقبل عليك بمركبتك وكأنما بتمهل، لكنه بالواقع يسير بسرعة مميتة، كما تترقب القدَر وصفحته التالية عند الأزمات القوية في الحياة، أم أن القطار بالواقع ما كان ليصيبك، مهما بدا عليه الأمر، كالقدَر الذي لم يكن ليخطئك لولا المشيئة الإلهية؟
وكل هذا، بعدما تتجاوز الكارثة بأعجوبة، تعرف حتماً ان كل ما يمكنك فعله هو انتظار الكارثة التي تليها...

لقد بت أرى مستقبلي بوضوح، إن أموراً حولي تغيرت لكني أرى نفسي بلا تغيير اكثر من التدهور الحتمي للبشر، لكن ما يشعرني بالوحشة واليأس هو أني أتدهور بلا عون، لوحدي، ومحيطي يتوسع ويرق قوامه شيئا فشيئاً، لا غاية له سوى الاضمحلال في النهاية. إني لا أرجو نصيحة من أحد مع ذلك.


لطالما استمديت قيمتي من الآخرين، ليس رضاهم، لكن تحمّل همُّهم، معاونتهم على هموم الحياة والصحة، ذلك ما اشغل بالي. إني أشعر بالإرهاق، والرهبة والخوف من اللا معلوم، أشعر بأني انتظر في مركبة مع بشر كثيرين الوصول إلى وجهة ما، لكن حينما نصل إلى ما بدا أنه وجهتي لن ينزل غيري، وتمضي المركبة، وانا وحيد في خلاء موحش لا أدري ما أصنع، لن أموت جوعاً وعطشاً وإن عشت جائعاً وظمئاناً ما بقي من عمر هناك، لكن لعل هذا اكثر ما يرعبني، ألّا أدري متى سأموت وأنا على هذا الحال."



"... ذهبنا إلى الطوارئ، ورغم أني أرى مكان لأوراق منسوبي الجامعة وذويهم إلا أنهم ظلوا ينكرون، حتى مل مني ممرض فلبيني ووضع ورقة أمي فيه. في النهاية تم إدخالنا إلى غرفة في الطوارئ، وسط معاناة أمي، التي لم تسكت متألمة طوال المدة. وما المدة؟، تركونا لسبع ساعات كاملة. وكنت حينما أسأل يقال لي بأن الأطباء بالطريق، ثم باتت ممرضة هندية ملعونة تسخر مني وتجيب بكراهية لأني سألت أكثر من مرة، شرحت لها بأن الأمر يتعلق بأمي، وهي تتألم طوال الوقت. بل إنهم لم يحضروا لنا الماء حتى، وقد خشيت أن أخرج فلا يُسمح لي بالعودة، حتى تعاون معي طبيب سوداني ووعدني بأنه سيفتح لي الباب لأعود بالماء، وقد بلغ منا العطش مبلغه.

كنت أخرج لأتكلم مع فتاة سعودية تجلس أمام كمبيوتر، وتنسق الأمور والطلبات، وهي في كل مرة تقول لي بأن الأطباء بالطريق. شارفتُ على البكاء ألماً وتعباً وإحباطاً. فقررت الخروج بأمي على مسؤوليتي. حينما طلبت هذا، عمت الصدمة والصمت مركز الطوارئ كله، وتوقف الكل عن العمل، وكأن لديهم إحساس أو حتى مهنية. كان رئيسهم طبيب مسن أجنبي، سوري، وكان أكثرهم صدمة، ولا زلت لا أدري لمَ الصدمة؟، بالتأكيد لسنا أول من ييأس منهم. وكانت الممرضة الهندية الملعونة تنظر بقلق وهي مصدومة بوضوح، مع أنها أكثر من اطلع على حالنا بمرورها بلا مبالاة لتعبر إلى الجهة الأخرى. فوجئت بأكثر من فرد يحاول أن يقنعني بالبقاء، وقالت الفتاة السعودية بأنها آسفة، إنها غلطتها، لقد ظنت بأنها استدعت لنا الأطباء ولكنها لم تفعل، بل إنها لم تدري بالمريض المعني، وهي أمي، وهي تجيبني في كل مرة مطمئنة إياي بقدومهم الوشيك. لسبب ما كنت أنا مصدوم كذلك، وكأني مُروع أريد الهرب، وكلما زادوا بالإصرار ضاق صدري وزدت توتراً وقلقاً وتسارع وتقوى نبض قلبي، كنت أريد أن أخرج في أسرع وقت، وكانت دموعي تغرق عيناي، وأنا لا أدري لماذا استبقيت أمي طوال هذا الوقت، وزادني ما علمته من غفلتهم وعدم مبالاتهم رغم ترددي عليهم ألم على ألمي على أمي، إنهم حتى لم يدروا بوجودنا، لم يرونا، لم يهتموا برؤيتي لهذا العدد من الساعات أتردد. لم أشعر بالغضب لسبب ما، ولا أدري ما هو، كان ضيق صدر مطبق وضاغط وحزن شديد. رددت كل محاولات وأنا غارق بقلق أو هلع، سمه ما شئت. كان الطبيب السوري المسن ينظر بذهول ويتلفت وينظر بوجوه فريقه، وكانت طبيبة سعودية تقف عندي تحاول أن تقنعني بالبقاء بإلحاح، وكأنما تسعى للوصول إلى تفاهم واتفاق، والفتاة التي لا أدري ما وظيفتها تعتذر بهدوء ولكن باهتمام وصدق وهي تقول بأنه خطأها، ولكنها ترجو فقط بأن نبقى قليلاً ليطمئنوا على أمي، وأن الأطباء قد تم الاتصال بهم بالفعل وإخبارهم وهم بالطريق مسرعين، رفضت كل المحاولات ولم أناقش ولم أفكر حتى وأنا احاول أن اخرج بأمي على الكرسي المتحرك، وقد شعرت بحلقي ينسد وكأني سأختنق، كانوا يؤخرونني فقط وكأنما يسحبونني وأنا أريد الهروب، ويبدو أن ما ظهر على وجهي وجسدي من توتر قد أشغلهم، هل ظنوا بأني سأصعّد؟ أو سأقدم شكوى؟، لم يكن لدي وقت، ولم أعد اتمتع بطول النفس كما كنت أصلاً. كنت أوقع الورقة اللازمة بسرعة حتى أخرج، وهم يتحدثون، أكثر من فرد، بلا انقطاع إلي، ولا أدري ما جرى على المرضى خلافنا في تلك اللحظات الثقيلة الكريهة الصعبة المؤلمة، اقترح الطبيب بسرعة أن أراجع العيادة على الأقل، فهببن الطبيبات يقنعنني بهذا الإقتراح بمساحرة ومداهنة، قائلات؛ طيب خلاص، الحين بتمشي، لكن رجاء خذ التحويل وارجع للعيادة بعدين خذ موعد، عشان نتطمن على الوالدة، وكررن الكلام، وهن يلاحقنني ويؤخرن خروجي بإلحاح، لكن كما حدث من البداية، لم أفكر. لم أعلم بأن هناك من يعمل على التحويل بسرعة، فجئن به سريعاً وسألنني أن آخذه على الأقل وأذهب لاحقاً للعيادة لأخذ موعد، فرفضت، ولكنهن قطعن الطريق تماماً أمام الكرسي المتحرك واستمر إلحاحهن حتى أخذت الورقة فقط لأخرج. لم يكن لدي أي نية للعودة، مستحيل، وقد قررت بأن صلتي بالمستشفى من حيث هذه المشكلة الصحية قد انقطعت. لكني مع ذلك فوجئت بعد وقت قصير بوصول رسالة من المستشفى تحوي موعد قريب جداً في العيادة سيئة الذكر، حيث ينفرش الطبيب السوري الضخم خلافاً لسوري الطوارئ وقد بنشر قليلاً بعدما كان يتدحرج بغرور قبل سنوات، الذي لم يشخص مشكلة أمي وهي كسر بالحوض، وليس شعر مثلاً. لابد أنهم أوجسوا أني لن أذهب بنفسي، خصوصاً وأنا بتلك الحالة النفسية المزرية، فتدبروا الأمر بأنفسهم، وهي خدمة لم أحظ بها من قبل، فكل ما في هذا المستشفى من حيث المواعيد والتحويل هو تعقيدات محضة. لم أنو الذهاب وقد أغاضتني الرسالة وودت لو صحت بوجه أحدهم ولطمته حتى رضضت وجهه، أي أحد منهم."



"... تمنيت لو غضب لأجلنا أحد، فقد أعصابه وذهب بنفسه، وقال لهم كيف تعاملون أمي هكذا؟!، كيف تتركونهم بلا مبالاة، وهم يعانون. ليتنا نصل إلى هذا الحد من الأهمية، أمنية حياتي بأن أشعر بأن هناك من له حمية تجاهي، أما العون في لحظة الكرب فقد يأست منه منذ وقوع أمي الأول. لا أتذكر حمية أخذت أحد تجاهي سوى لدى صبي بالابتدائية، وقد أجج حمية الجميع تقريباً بالفصل لمواجهة صبي آخر تنمر علي حتى غير حياتي إلى اليوم. رد الله سواياه في ذره، وأفقده الطمأنينة. كان الصبي الذي تحمى لي أكثر من سواه اسمه خالد فرحان الصغير، وكان ذو شعبية وأهمية بالفصل."



"أما المستشفى، فلم يعد يربطنا به إلا عيادة واحدة، لا نستغني عن طبيبنا فيها، ولا تأتي أمي معي إلا للخضوع للأشعة والتحاليل، وليس إلى العيادة، رغم طلب الطبيب رؤيتها حباً، وليس احتياجاً لفحصها.

مع ذلك، أتعرض في هذه العيادة لمواقف، وإن كانت أخف من سواها. أحياناً بمقابلتي لمرضى مُحبطين يثيرون قهري وقرفي، مثل واحد اصطحب والدته المسنة وأخته، ويبدو أن الرجل في بداية خمسيناته، أما أخته فلا بد أنها اخته الصغرى وهي من كانت تعتني بوالدتهم بوضوح، وبوضوح جلي كان هذا الرجل لا يأتي إلى المستشفى مع والدته أبداً، فكان لا يعرف كيف تسير الأمور. أشفقت كثيراً على أخته، إذ بدت عليها البساطة والوجل، بينما كانت الأم عجوزاً طاعنة بالسن، ولعلها أكبر من أمي، لكنها كانت نشيطة الذهن ما شاء الله، وأي نعمة هذه؟ إنها أعظم النعم على الأبناء، وأنا أتذكر والدي رحمه الله. تذمر الرجل من قلة حياء من يطرقون الباب على العيادة، رغم وجود لوحة تنهى عن ذلك، وكان يشتم بصوت واضح ومرتفع، بينما لا يوجد سواي وسواه باللحظة، بعدما غادر طارق الباب دون أن يُفتح له. لم تمض دقائق حتى قال لأخته آمراً بجلافة أطرقي الباب!، إذ نفد صبره، من الواضح بأنه لم يتعود القيام بأي شيء. لكن أخته أجابت بنوع من الخوف: لا. فأُحبط بشدة وذهب إلى الباب وطرقه، ثم عاد إلى والدته، التي نظرت إليه بالعصفور وقالت كنت تقول بأنه لا يجب أن يطرق الباب، لماذا طرقته؟، فرد ونبرته وعلو صوته يزداد حتى ارتفع بتوبيخ: صبر صبر صبر!!، رغم أنها لم تستعجله، وظلت تنظر إليه نظرة خالية من التعبير، كالعصفور، وكنت أرى وجهها الشائخ خلف غلالة الغطاء الخفيف. لو قلت بأني تمنيت لو أصفعه لما عبرت عن كل ما أكنّه قلبي له من كره وقرف وغضب واحتقار، ولو هممت بصفعه لما استطعت إلا أن أن ألطمه بذراعي كلها، من كوعي إلى إلى آخر اناملي، لطول وجهه القميء.

أشفقت أيما إشفاق على أخته، إني لا زلت أتألم رغم مرور فترة طويلة."



"تدهور تنفس أمي على نحو متسارع فأخذناها إلى طوارئ مستشفى أهلي كبير، مستشفى الحبيب. لم أعد أتحمل فكرة الذهاب إلى طوارئ المستشفى الجامعي بعد ما فعلوه بنا. أخبرونا بالطوارئ بأنه التهاب بالصدر ومياه، وأنها مسألة مضادات وشفط، واستبعدوا ما خشوه من مشكلة بالقلب وخلافه. أخذوها إلى التنويم ولحسن الحظ كانت الخادمة قد رافقتنا جاهزة، إذ تعلمت حينما اضطررنا لتنويم أمي ذات مرة دون تخطيط. في الصباح تناولت أمي الفطور ثم نامت كالعادة، سوى أنها لم تستجب لإيقاض الأطباء لها. إنها بالواقع لا تستجيب بسهولة في المنزل بسبب الدواء المسكن حتى وقت لاحق، لكنها تستجيب مع ذلك. قرروا نقلها إلى العناية المركزة، وكانت الخادمة تبكي خائفة. أخبرتها بأنه بالواقع احتراز، فهم لا يدرون عن وضع أمي، وما نقوم به حالياً. أتيت إلى المستشفى، ودخلت إلى الطوارئ، فوجدت شقيقتي تبكي وقد جاءت من القصيم، ومعها الطبيب يسألها، ثم التفت إلي وسألني. لم أكن خائفاً وأخبرته بأنها بالواقع تستجيب في هذا الوقت. فقال كلمها إذا. حينما كلمت أمي ردت مباشرة وتجاوبت معي. فذهل الدكتور وقال لماذا لا تجيب أختك إذاً؟ قلت بأنها لا تعطيها وجه بالعادة.

أصروا على بقائها مع ذلك. والمشكلة هي أن وعيها فعلاً استمر بالانخفاض على نحو غريب، فأوقفوا كل المسكنات، فكانت لما تفيق تشتكي آلامها القوية. لكنهم رفضوا إعادة الدواء ففي رأيهم أنه سبب انخفاض الوعي. قد يكون مساهماً، لكن مسكن قبل هذا أوقفه الطبيب هو ما بدأ المشكلة كلها، بالوعي وبالبلع وضعف الكح. المشكلة الأخرى أنها لا تستجيب لأي أحد. فيمكن لأحد ما أن يكلمها ولا تجيبه، ثم أكلمها فتجيبني، وربما من وقت إلى آخر أجابت إخوتي، لكنها من بعد الطوارئ لا تتفاعل مع الأطباء مهما كان. وكان الأمر يحبطني، لأني أعلم بأنها تسمع، حيث حالما يخرج الطبيب تجيبني. سألتها مرة: يمه انتِ تلعبين على الدكتور؟ فرأيت طرف ابتسامة، ولعلها تضحك على الفكرة. أخبرني الطبيب بأنه يريدها ان تتفاعل معه هو، لما حاولت إقناعه بأنها تتفاعل معي. أجروا فحوصات ليتوصلوا إلى سبب انخفاض الوعي، وكان أمر عجيب، لأن كل فحوصاتها من أشعة وتخطيط ولله الحمد سليمة لا يشوبها شيء، ولم يجدوا مبرراً سوا الدواء، ورغم إيقافهم له استمر الوعي بالنزول. كانت حركة يديها قد صارت أضعف أيضاً، لكن الجيد أنها بدأت تفتح عينيها وهي قلما فعلت منذ الدواء سيء الذكر. المشكلة الأخرى هي أن طبيبها الذي صرف الدواء الأخير، والذي أثق به، كان في إجازة، ولا يمكنني استدعائه لأخذ رأيه.

كانت ساعات وجودي معها عزاء لي على صعوبتها، كنت أريدها ألا تخاف إذ تعلم بأني موجود، حتى مع انخفاض وعيها، طالما سُمح بالزيارة، أو لي بالدخول. كانت في الغرفة قبالنا امرأة عجوز، فوجئت بابنتها تصيح حينما أخبروها بأنها توفيت. لم أتحمل، كان بكاء يقطع نياط القلب، ولم أدري ما اصنع، جلست على الأرض وبكيت. فوجئت بالأخصائية الاجتماعية تأتي إلي مسرعة، ولسبب ما كانت تعرفني بإسمي. ربما لأن المرأة رحمها الله كانت في الغرفة المقابلة، قلقوا من تأثير الفاجعة. سألتني عن حالي ولم تأت على ذكر المرأة. أخبرتها بأني بخير.

لا زلت أتساءل، إذ حينما أخذني أخي إلى الطوارئ قبل فترة وأنا في غاية الألم، وقد بدأت بالاستفراغ حالما أخذوني بالعربة لأدخل الغرفة، ولما تركوني على السرير ووضعوا انبوب المسكن في يدي، بدأت أهدأ، ثم سمعت فتيات يبكين بعجز، لقد توفي شخص عزيز عليهن هناك. انصتُّ وقد سيطر ما يجري على ذهني، ما يجري هناك، وما يجري داخلي، لكني لم أبك، ولم تأخذني العاطفة الجارفة كما يحدث دائماً. هل لأني كنت مشغول بألم جسمي رغم أنه بدأ يخف بالمسكن؟. ظللت أتساءل لفترة طويلة ولا زلت، ماذا أصابني؟ لأنصت فقط؟. هل هو نوع من الأنانية، الانشغال بالذات رغم حضور معاناة أكبر في نفس المكان."



"رغم كل شيء يحدث في المستشفى لأمي، كنت متفائلاً، وكنت أفهم أمي جيداً وأفهم بأن المسألة تحتاج إلى وقت، ومنهجية، وفهم مستمر. إن من يعاشر الشخص المحتاج إلى رعاية يستوعب أن العافية كما نقول شوي شوي، ورغم أن الكل يعرف هذا التعبير إلا أن لا أحد يستوعبه إلا ما قل. لقد رأيت بفتح عينيها علامة إيجابية، وسعدت بنتائج الفحوص، فالإحتمالات السيئة تُستبعد وكل ما أُستبعد هو علامة جيدة وتطور بالفهم.

إن ظروفي الصحية نوعاً ما أفضل مما سبق، ولهذا تأثير على التعاطي مع ظروف أمي وطواريها.


 كان دائماً ما يحبطني في هذه الأزمة هو قلة الصبر من المحيطين بي، لأنها تؤثر على قدراتي بتنظيم الأمور، تؤثر على ترتيباتي وعلى ثقتي بما أعرف وما أخطط له، إن الحفاظ على التركيز هو الأهم. فوجئت باتصال من أختي وقد ذهبت مع أختي الثانية إلى المستشفى دون إيقاظي، وهي تبكي وتقول بأن حالة أمي أسوأ من أمس، وأنها لا تدري ماذا حدث، رأس أمي مائل ولا تستجيب. لمتها على الذهاب دون إبلاغي رغم الاتفاق. وقفزت لا أرى دربي أطوي الشوارع طوياً بسيارتي حتى وصلت إلى المستشفى، فتحوا لي باب العناية المركزة لما رأوا وجهي رغم المنع، وجريت بالممر مخيفاً الجميع ودخلت على أمي، وكلمتها فأجابت!. لما التفت وجدت خلفي ممرضات مذعورات وحارس أمن يخبرني بلطف بأني أخفت الجميع. قبلت أمي وخرجت وأنا أعتذر من كل من أرى بطريقي، وكنت أشعر بنوع من الضعف في جسمي. كان يفترض أني لما اطمئنيت أن أستعيد اتزاني، لكن ما حدث هو أني حالما خرجت ورأيت أختي تسرع تجاهي والأخرى خلفها حتى فقدت ساقاي قوتها وفقدت تركيزي وبدأت بالتهاوي. كنت ما بين الغائب والموجود. جاء طبيب وأوقفوني من الكرسي بالخارج وأدخلوني إلى مجلس صغير بالعناية المركزة. وكلمني الطبيب مطمئناً بأنها بخير (أدري) وعلاماتها الحيوية طبيعية. لم أكن أستعيد اتزاني بعدما غادر بقدر ما كان الغضب يحل محل عدمه. بدأت بلوم أخواتي وهن يبكين على الذهاب بدوني، وتضخيم الأمور. قالت أختي بأنها رأت أن رأس أمي مرفوع إلى الجانب، فقلت بنفاد صبر بأن هذا حتى لا تشرق!. خرجنا وكلمنا الطبيب، وسألته أختي فقال نفس كلامي فخبأت وجهي بيداي إحباطاً من الموقف."



"... فقال أخي الكبير، والده، لا تغير زاوية الكاميرا، فهو لا يعرف إن غيرتها، أي أني شتته هكذا وأخلفت كل ما يعرف، رغم أنها نفس اللعبة، فقط المنظور تغير. أعدنا الكاميرا كما كانت فنجح بتجاوز المكان.

أنا هكذا، في هذه الأحوال الدقيقة؛ لا تغير زاوية الكاميرا، لا تفقدني التركيز.

كانت نية أخواتي حسنة طبعاً؛ كن يعتقدن بأنه سيتم إخراج أمي إلى الجناح من العناية المركزة وكن سيفاجئنني بالبشارة. كانت النتيجة عكسية. وفي يوم لاحق، استلمت رسالة بالوتساب، عن الصبر عند المصائب. كانت بحسن نية أيضاً، إنها عن اهتمام، وهمّ بوضعي ونفسيتي، وهي في موضعها بالنسبة لشخص بطبيعة مختلفة عني، لكن بالنسبة لي؛ حرَّكت الكاميرا رغم أني لم أفتحها، أي لم أفتح محتوى الرسالة. لكن لعلها خيرة، لأني قمت بعدها بالصلاة والدعاء والإلحاح والتضرع لله والبكاء، بينما كنت لاهياً قبلها بعد إرهاق البقاء بالمستشفى ككل يوم.

في اليوم التالي، خرجت أمي من العناية المركزة، وقد فرحت فرحاً كبيراً بها، وكانت قد فتحت عييناتها الجميلتين تنظر، رغم أنها لم تعد ترى تقريباً. لم تتكلم كثيراً، وغالباً كانت لا تجيب الآخرين، ولا يمكن أن تجيب طبيب أو طبيبة. زارنا خالي وزوجته العزيزة وابنهم، ورغم محاولات التفاعل إلا أنها لم تستجب. كان وجه خالي المسكين يقول ما لا يقوله لسانه. حالما خرجوا سألت أمي عن حالها، فقالت الحمد لله. كنت متأكداً بأنها ستجيب حالما يخرجون. لم أدري أأضحك أم أبكي.

لكنها مكثت يومين وأعادوها إلى العناية المركزة مرة أخرى بحال سيء. في العناية المركزة كان طبيبنا البطل موجود، وهو طبيب سعودي جيد. وقد ترون بأني أُكثر من ذكر الأطباء السعوديين الجيدين بينما انتقص من شأن المجموعة بشكل عام طوال الوقت على نحو متناقض. ولكن يحدث هذا الأمر لأنه غالباً لا أجد جدوى من جهد ضاع في وصف المتردية والنطيحة، وهم الأغلبية، ويزداد المجال فقراً حينما يُذكر الدكاترة الأكاديميين السعوديين ويُحكى في شأنهم وقصصهم. أقول بأن دكتورنا البطل كان موجوداً، وهو من تصدى لحالة أمي وطمئننا، في حين كانت طبيبة مخبولة تقترح بتوكيد وبلا مجال للنقاش في دخول أمي الأول للعناية المركزة أنهم سيفتحون فتحة في حلق أمي لتوصل بجهاز التنفس الاصطناعي. لحسن الحظ، وقبل اتخاذ أي موقف، كان أحد الأنساب يتابع وضع أمي هناك، إذ أن له عيادة بالمستشفى، وقد صدم من كلام الطبيبة وأخبرها بأن لا تفعل هذا ولا تستعجل. وكان رد فعل طبيبنا موافق لهذا الرأي وبتوكيد كبير، لم يكن هناك حاجة لهذا، وكان يريد أن يقوم بكل ما يمكن قبل اتخاذ أي خطوة عنيفة، إن جاز القول، على هذا النحو. لأني أخذت رصيد إجازاتي كاملاً، كنت أتواجد كثيراً هناك، وهذا بطبيعة الحال يزعج الأطباء حينما يعطف علي حارس الأمن ويدخلني لأرى أمي، إلا طبيبنا هذا، فهو يقول بأنه يفرح حينما يرى قبعتي الحمراء. وقد لا يكون صادقاً، إلا أنه كان يرحم. كان معاونه المصري يتضايق من وجودي وإن بدا جامد التعبير، حتى في أوقات الزيارة إذ أتابع حالة أمي وأسأل عن المستجدات والأرقام والأدوية، لكني لم أبالي. لم أكن أناقشه، كنت أريد أن أعرف ماذا صنع هذا الدواء أو ذاك القرار وكيف أصبحت الأرقام.

في بداية وجود أمي بالعناية، كانت تحت مسؤولية طبيب سوري طيب وعملي، ويبدو أنه إلى جانب طبيبنا السعودي كان يتربع في قمة الهرم، ولعل طبيبنا الذي انتقلنا إليه أعلى منصباً في المستشفى وفي مستشفيات ومؤسسات أخرى. كان السوري لطيف جداً معي كذلك، وكنت أعجب لحفظه إسمي. ربما كان اسمي موجود في ملف أمي، في الملفات الورقية القديمة في المستشفى الجامعي أعتقد أن اسمي كان موجوداً، كما تواجدت كنية أمي. لكني لاحقاً شككت بأن لفضيحة دوختي دور بالأمر. كان الطبيب الذي خرج لمساعدتي في ذلك اليوم الصعب هو طبيب سعودي تبين لاحقاً بأنه سطحي حقاً، يتعامل مع أهالي المرضى وكأنه يتعامل مع طلاب بالمتوسطة، ويكذب، وكنت أتشائم إذا عرفته يسير أمامي بردفه الذي يشبه حوض المغسلة. جاء إلى أخي وأختي وتحدث بأمري بطريقة ضايقتهما، ثم علق بصفاقة وجهل على تعاملنا مع حالة أمي، لكن أخي ألقمه حجراً إذ قال بأن أدويتها موصوفة من أطباء أعلم منه بمجالاتهم. كان كل هذا مع أنه لا شأن له بحالة أمي. لم أكن موجوداً، ولكني لا أدري ما كنت سأقول لو كنت موجوداً، ربما كان هذا أفضل لألّا أفقد التركيز.

كان التهاب أمي يرتفع وينخفض، لكن وعيها كان ينخفض، وللإلتهابات الشديدة مثل هذا التأثير. كان الغريب وما لم يفهمه أحد مع ذلك هو سبب هذا التدهور الجذري، رغم إعادة الفحوصات من أنواع أشعة وتخطيط للتأكد من عدم وجود مشكلة بالدماغ، وكان دماغها سليم تماماً ولله الحمد.


إن وجود أمي في العناية المركزة لم يعن لي أن أمرها قد قُضي، كما كان يبدو على البعض، أو ما يوحون به، وكان حضور كثير من أحباب أمي وذريتها لا يوحي لي إلا بأسوأ الظنون بالله وانعدام الأمل، وبدا بأن هناك من لا يفهم لماذا كنت أعامل الأمر بأمل واعتقاد بأن الشفاء ممكن. بطبيعة الحال، كنت في جهاد صامت، جهاد لا يشعر به إلا أنا، في مواجهة هذه المشاعر الخارجية المحيطة بي، وكنت واعٍ أشد الوعي بأن لا أسمح بتأثيرها على اتزاني، أنا أعي وجودها لكن يجب أن لا تفقدني اتزاني وتركيزي، فإن لم أركز أنا، فمن سيركز؟، من يعرف أمي أكثر؟ من يعرف طبيعتها النفسية، تفاعلها مع كل شيء، أدويتها؟ تاريخها الطبي؟ معاني التغييرات التي قد لا يلحظها أحد؟ أجرؤ بلا مواربة ولا تردد ولا شك فأقول؛ من يحب أمي أكثر مني. وأنا هنا لا أسأل، أنا أؤكد."




سعد الحوشان


الأحد، 1 فبراير 2026

الأحد بعد منتصف الليل



بسم الله الرحمن الرحيم







لا يمكن لأحد أن يوقف الأيام، لكن لا يفهم الحزن هذا، ولا أنا، فيبدو لي أني الحزن نفسه.
ألهو، أضحك، أخرج، إذ أني رحال حالياً، لكن أتصور بأن حقيقتي تظهر حينما أكون لوحدي بالنهاية.
كثيرٌ ما لا أفهم، إني أرفض التحدث عن أمي مع أحب الأحباب وأقرب الناس، لكن لا خلاف لدي على الكتابة عنها هنا بقدر ما تسمح به قدرتي على التعبير. ربما لأني لا أخشى ألّا أقول ما أريد، وربما لأني لا أضطر لسماع من قد لا يعطي الأمر حقه مهما حاول، وربما لأني لا أحتمل فقط وأحتفظ بأموري لنفسي. عند اضطراري لسماع أحد يسترسل، لا أتكلم، لكن تتكلم دموعي.

إني هارب الآن منذ فترة، لغرض الصحبة والتغيير. لكن بعودتي للصمت بعد انتهاء كل شيء وفراغ فكري، قبل نومي، أعود إلى البيت الذي تركت خلفي. أحياناً أفكر، ماذا لو كانت نفسي مخنوقة، مكتومة الأنفاس طالما أنا ألهو وأضحك؛ ثم تعود للتنفس والحياة، حالما أصمت؟، ذلك أن هذا الحال هو ما أتصور أنه طبيعتي.

يأخذني زوج أختي بالقصيم إلى كل مكان يحسب أنه مما أهتم له، من طبيعة وزهور وحيوانات وآثار مغرقة بالقدم، وهو محق، إنه يبذل المستحيل، هو وجميع من بالمنزل. كان رفضي للقدوم قبلاً هو خشيتي من بكاء أختي كلما رأتني. أعتقد أني آخر آثار أمي في هذه الحياة لدى الكثير من الناس، وكانت أختي قد تعهدت ألّا تفعل قبل فترة. لكن حينما قررت المجيء بالنهاية، بكت حالما رأتني. أود أن أرى الناس، لكني لا أريد أن أسمع ما يريدون قوله فيما يخص ما حدث، سوى أني لا أقوى على زيارة القصيم دون رؤية خالتي، زوجة عمي رحمه الله، مهما كان ما سيحدث، فهي أم ثانية.

يعتل قلبي أحياناً إذ أفطن لوفاة خالتي أخت أمي رحمهما الله جميعاً، إذ أقامت لسنوات في منزل أختي فأتذكرها فيه، كان حبي لها يزداد ويتضخم مع العمر، وكنت أخبرها به كلما استطعت، وكانت وفاتها فاجعة، لقد توفيت قبل أمي بأقل من سنة بقليل، وقد عانت كثيراً. كنت قد استبشرت حينما رأيتها آخر مرة بالمستشفى، قبل وفاتها بأيام، حينما عرفت من أنا. أعتقد أن قلبي لا يقوى على تحمل المزيد.

الآن، لم يبقى إلا خال واحد، أمد الله بعمره بالصحة والعافية. كانت أمي قبل ذلك توصيني بعمي، إذ مات عمي الآخر رحمه الله قبل سنوات، تقول لم يعد لك غير عم واحد، تحثني أن أصله والا أتركه. مع ذلك، لطالما كنت مقصراً في حقه، رغم حبه الذي لا يكف عن التعبير عنه حينما نتواصل.

لقد استمر بالاتصال بي بعد وفاة أمي كثيراً، إلى جانب خالتي الحبيبة زوجة خالي، للاطمئنان علي. يجب أن أحاول، أن أستحق أي من هذا، أن أعطي وأرد.




يؤسفني أني خيبت أمل زوج أختي الأخرى العزيز بسبب سوء الترتيب، ذلك أن النية والخطة والالتزام كان زيارتهم أولاً حيث يقيمون قرب الرياض. إنه يهتم لشأني الحياتي منذ سنوات طويلة، وينظر فيه أكثر مما ينظر فيه إخواني بكثير، ولا أدري لماذا، إلا أنه توفيق من الله، فله الحمد والشكر.

هل أحبكم أحد دون أن يراكم؟. يمكنني القول بأني حظيت بهذه النعمة الحمد لله ذات مرة. إني أجد بأني عموماً قلما أُلاحظ، لكني أخبر نفسي بأن محبة بعض الناس وتذكرهم لي هي نعم لم أكن لألحظها لو لم أكن خفياً إلى حد بعيد، ومحبة مثل هؤلاء الأشخاص وتفكيرهم بالمرء له معنىً يفوق أي شعبية أو توكيد من الآخرين.

لقد كنت شديد الوصل بشقيقاتي، فإلى جانب مكالمتي اليومية لأمي رحمها الله قبل أن أعود إليها من العمل، أحاول بقدر الإمكان أن أتصل بهن كل يوم. اثنتين من أخواتي متزوجات من إبني خالتي شقيقة أمي رحمهن الله، خالتي هذه التي لها موضع خاص في قلبي، كَبُر معي.

أما أختي الثالثة، فتزوجت رجل من أسرة كريمة لم يكن لنا بها سابق معرفة قرب الرياض، وكانت والدته تحبني كثيراً وتخبرني بهذا، وترسل إلي سلامها مع أحفادها ومع أختي، كما تكلمني في حالة كانت أختي تزورهم. لسبب ما، ورغم أننا لم نلتق من قبل، إلا أنها خصتني باهتمام ومحبة وحرص غير عاديين. لقد أحببتها كثيراً كذلك، ولطالما تمنيت لو زرتها في منزلها، وإن سُمح لي أن أقبل رأسها. كانت دوماً تحب أن تتكلم في حال كانت أختي تزورها، خصوصاً حينما يصدف أن أتصل، وتدعوني للقدوم إلى مدينتهم القريبة. كنت أخطط كثيراً وأتمنى، إلا أن رعاية أمي رحمها الله لم تكن تسمح لي، وهذا عذر صادق لكن كان يمكن ترتيبه ولو لمرة لو كنت في تمام انتباهي، إذ أني كنت مُهملاً خلال تلك الفترة، قلما انتبهت لأكثر من شيء مهم في ذات الوقت، ولم أنتبه من غفلتي تلك إلا منذ مدة بسيطة.
فات الأوان، إذ اختارها الله إلى جواره. بكيتها بمرارة، وذهبت لأصلي عليها، وقد أتعبني الأمر أيما تعب.
الآن سأقيم هناك لبعض الوقت، لكني تأخرت. رحمها الله وأمي وأبي وخالتي وأم عبدالرحمن رحمة واسعة.

سأحاول مع من بقي، ومن يدري من سيدفن الآخر، ومن سيصلي على من.







وددت أن أرى خال لي، ابن عم لأمي أحبه، لكني خشيت أن أحرج نفسي. ولما بقي آخر يوم لي بالقصيم لم أقوى نفسي ونويت زيارته ولو للسلام أمام بيته قبل أن أغادر. لكن شاء الله أن لا يحدث، حيث أن رفقاء الرحلة ظلوا يغيرون المواعيد، وأنا أخشى تأخيرهم فيما لو غادرت المنزل للزيارة، وفي النهاية أخروني هم للأسف ولم أزر خالي. وصلت محرجاً لتأخري إلى أختى الأخرى قرب الرياض. لم أذهب بسيارتي، لأنها أولاً تحتاج إلى إصلاح في حال المشوار الطويل والسرعة المرتفعة، ولأني أساساً بت أتعب جسدياً حتى عند القيادة داخل الرياض.






لم يقصر أحد في البيت الآخر، إني أخجل لكوني محور اهتمام حينما أفطن، فلم أكن الوحيد الحزين بكل تأكيد. يأخذني زوج أختي إلى البراري والهواء الطلق، وأحياناً نذهب جميعاً، وأحياناً يأخذني ابنه. أرى كثير مما يسر الناظر من خلق الله، شجر وضلوع صخرية وطيور وغزلان محروسة، فأتساءل أحياناً إن كان هذا ليسر أمي أن تراه. كيف يقال للمرء أن ينظر إلى حياته الآن، وحياته قد ماتت.






تداهمني ابتسامات أمي دائماً، طوال الوقت، أكثر من الذكريات الأخرى لسبب ما. كم كانت تدفئ قلبي. ما الذي سيدفئه الآن. إنه بارد يكاد الا يحتمله صدري، بينما هو يريد أن يكف عن الإزعاج.







أضحك وألهو، لا أرد اقتراحاً، لا أخيب أملاً ولا مجهوداً. ومع ذلك، هناك ما يشبه الجلطات الصغيرة، معنوياً، سوى أني أشعر بها، نغزات في قلبي، سكتات للحظات مجهرية، ربما موت لجزء من ثانية، أجتر آثارة طويلاً بعدها. بسمة تذكرني بها، ملاحظة، قصة، عيون وليدة تتابع من أمامها، الشاي، ماء الورد، البراري وزهورها والأشجار، وبيوت ناس عاشوا وماتوا، الغنم ترعى، النخيل، القرآن والمصاحف…
كيف تركتني لوحدي… ماذا سأصنع الآن، خلافاً لما يقال لي يجب أن أفعل، فأقول طيب.







قبل مغادرتي الرياض في هذه الاستراحة، تشجعت على تجميع ما قُسم لي مما اخترت من حاجات أمي. شحيت بالكثير حينما سؤلت عما أريد، رغم علمي بأنه سيتبرع به عنها، لكني لم أقوى نفسي. ورغم تجهيزي لحقيبة ومواد لتحفظ الأشياء، ظللت لفترة لا أقوى على القيام بهذا. في آخر الليل بدأت أسفط وأرتب، وأحضن وأشم، بكيت لا أقوى إلا على أن أطلق العنان، وصحت حيث لا يسمع أحد متألماً فاقد الحيلة، كيف تركتني يا أمي…
لم أمر بألم كالذي أمر به الآن، الألم الممتد، مرض لا يُشفى، ولا يَقتل. لا يمكن للمرء أن يُسكن الألم كل ساعات حياته، يمكنه فقط أن يعيش اللحظات المقطعة من النسيان تتخللها طعنات إبر الذكريات الطويلة الحادة، صخبت لحظات النسيان أم هدأت، إبر الضمير لن تنسى وستُذكره، يجب أن يتعود على هذا. ثم يعود إلى ذاكرته حينما يخلو إلى نفسه ويفكر، حتماً.
احترفت تجاهل دموعي حالما تبتل عيناي وإخفاؤها في كل لحظة، حينما تبرق الذكرى في ذهني، حتى وأنا أضحك أحياناً، إذ أرى أو أسمع ما يذكرني بها ولو من بعيد. لقد عشت عمري مع أمي لصيقاً، كل شيء قد يذكرني بها. وإذ أجروء لأقول هذا هنا، حيث لن يوبخني أو يلومني أحد؛ ما بقي من عمر، ماذا سأصنع به…






شكراً وحمداً لله.

شكراً لعمي، البقية الباقية لي، شكراً لحنانك وصبرك الذي لا ينتهي.
شكراً لخالتي زوجة خالي أطال الله بعمره، لطالما كنت معي في الشدائد، بلا مواربة أو تردد أو حد للعطاء والاهتمام.

شكراً لخادمة أمي، فتري، الوفية الرحومة الحنونة، لم أتخيل عطف إنسانة على إنسانة آخرى في أضعف أوضاعها بهذا الحجم من الإيثار والرحمة، واتخاذها أماً. لن أنسى اهتمامك المستمر ورعايتك ومراعاتك وصبرك، وفرحتك بالتحسن ومتابعتك لكل شؤون أمي، وبكائك عند الزيارة وفرحتك بالتحسن دائماً، وفرحتك بعودتها من المستشفى في المرة الأولى وقُبلك التي أسمعها حينها، أحمد الله أن رزق أمي ابنة أخرى. لقد فقدتِ أمَّين في أيام تزيد عن شهر بقليل، ومع ذلك، ما أقوى إيمانك. لن أنساك ما حييت وصنيعك مع أمي، رحم الله والدتينا وأسكنهما فسيح جناته.

شكراً لأخواتي وبنات وأبناء أخواتي كافة، الذين حملوني على كفوف الاهتمام والانتباه، رغم مصابهم الذي لا يقل عن مصابي. شكر لا ينتهي ولا ينقطع. لم أفهم أبداً سبب كم الحب منذ صغركم حتى الآن، لكن، لعله عائد لحبي لأمهاتكم. شكراً يا عبدالملك، شكراً من أعماق قلبي، منذ سنوات، لا أدري ما كان سيكون حالي بلاك.

شكراً لبنات وأبناء إخواني، واحداً واحداً.
ولا أنسى تقديري العميق لاهتمام ابناء حمد المستمر؛ أسامة، وعبدالرحمن، مع علمي بأن عبدالله مشغول، وفقه الله. وشكراً لبنات خالد كافة وابنه العزيز، ومحمد ابن فهد. شكراً لوالداتكم الأمّارات بالخير والرحمة.
شكراً لرجال أخواتي، كم شُغلتم بأمري، ليتني أستحق.
شكراً لكم جميعاً، عدّاً عدا، أبناء وبنات ونساء ورجال، فأنتم ذخرٌ لي وعسى أن أرد المعروف في كل الأحوال.

شكراً لكل من اهتم من الأقارب، أتمنى لو كنت أستحق.

شكراً لزميلي بالعمل أبو عمر، على مساعدته وتفهمه الدائم لتقصيري.

شكراً عبدالله على تعليقك بالمواساة، شكراً لعدم نسياني دائماً.
شكراً مجهول على إحساسك ومواساتك في تعليقاتك، وجهدك الكبير ووقتك لمحاولة المساعدة. شكراً على رابط الصدقة عن أمي رحمها الله، جزاك الله خير الجزاء، قمت بالكثير، أتمنى لو كنت أستحق.
يؤسفني أني لم أنشر تعليقاتكما.

عزيزي عبدالعزيز الخشيل، شكراً لأنك لم تنسني بعد كل هذه العمر الذي مر. شكراً لوفائك. لم أنسك أبداً، ورغم أني لم أعرفك إلا بتعليقات بسيطة منذ زمن بعيد إلا أني تكلمت عنك قبل فترة قصيرة بالخير وبالامتنان للطفك. ليت كل من تذكرت يتذكرني، ويصلني حينما لا أستطيع الوصل.
شكراً لك، ولا أراك الله مكروهاً فيمن تحب. وختامها مسك.







إني في إجازة من غير راتب من العمل، وبعد إصرار أو ضغط ممن حولي جاءت أقصر مما كنت أريد بكثير. بيد أني أفكر بتمديدها، ولا أعلم. لقد كان حالي أسوأ في العمل. لا أدري إن كنت حتى أريد الاستمرار بالعمل أحياناً. لقد كان أكثر ما أخشاه في أمر الدنيا هو أن أعتمد على الآخرين، لكن الآن لا أشعر بأني معني بهذه المبادئ. مع ذلك، ما باليد حيلة على ما يبدو.
ربما أمدد قليلاً على الأقل.







أفتح مذكرة الجوال، فأجدها تمتلئ بملاحظات صحية لأمي، أسماء أدوية وأطباء واقتراحات، نتائج تحاليل وأسماء تحاليل. كنت أحاول القيام بشيء مهم، كان وجودي وحياتي لهما وظيفة. لا يحتمل قلبي وأنا أقرأ الملاحظات التي أجمعها لأناقش بها الأطباء، حينما كنت أبحث عن حل. يتألم قلبي على أمي، لقد عانت كثيراً، ولكن كان لدي أمل لا ينضب. الآن لم يبقى شيء سوى الألم. لم أجرب الفراغ من الأمل قبل الآن.







مع كثرة الإلهاء والإشغال، أتساءل أحياناً إن كان هذا الأمر الصحيح. يجب أن أعود إلى الرياض قريباً، بعد التأكد من رضا الجميع.







سعد الحوشان

الأحد، 4 يناير 2026

12:33

بسم الله الرحمن الرحيم








لماذا لم أتوقعها، رغم إحساسي المتزايد على مر الأيام الأخيرة؟، حينما أخبرتني الطبيبة في مكالمة أن أمي توفيت. لا زالت الذكرى تداهمني، من بين الذكريات والأفكار التي لا تحصى، إذ تزدحم وتتدافع في ذهني على مر اليوم، حالما أخلو بنفسي. تتدافع الأفكار ببراءة لا تستطيع ردها، كما حين يأتيك الأطفال مجتمعين ليحدثوك عن أيامهم، إلا أن أفكارك تخبرك بما لديها عن ما مضى من أيامك، والوجه تراه متألم ومبتسم وقلق وساكن وأنت كنت تعيش لتتألم وتبتسم وتقلق وتترقب حال ذلك الوجه، الذي عليك أن تتقبل راغماً أنه بات ذكرى الآن. إنها لحظة غريبة تقسم حياتي إلى نصفين، بوضوح شديد، قسمة موسومة بالدقيقة. لقد بدأتُ بالاحتضار لحظة علمي بشكل ما، وبعد شهر الآن، إني كميت لا يعرف كيف يستريح، يتساءل عن الراحة التي يوصف بها موت البعض.

أتخيلها كالنائمة حينما أتذكر، لقد بدت كالنائمة. أعتقد بأن مرد تفاجئي بالخبر هو الأمل لا المتناهي الذي تحليت به لفترة طويلة لأجل أمي، أمل لا ينقطع بات كالهوس، فأكون الوحيد في أحيان كثيرة الواثق من تحسن حالتها. إن الأمل مرض، في وجوده، وفي غيابه، لكن هل كان لغيابه أن يكون أخف وطأة؟، مهما كان، هو أمر مستحيل، وليس حتى بقرار ليرجع إلي، إنها طبيعتي حينما يتعلق الأمر بمن أحب، أن لا أفقد الأمل، وحينما يكون من تحب هو معنى حياتك، فإن الأمر يصبح غريزة بقاء.
لقد كذّبت إحساسي ولم آخذه بأي إعتبار في اليوم الأخير، رأيته ككل من أراد أن يحبطني خلال الشهور الفائتة، مهما حسنت النية.
كافأني الله لمرات بتحسن حالتها، والشكر لله على هذا، فله المنة وحده، لا أقول إلا أن الله رحمني، ورحمته لا حد لها، وشكري لا ينقطع وأنا أحصي، القديم والأحدث. مع ذلك؛ خلقني إنسان ضعيف بطبيعتي، من بين الأضعف من خلقه، قلبي ضعيف واهن القوام، لا أقوى الآن على رد الحزن ولا الأسف ولا الشعور بالبؤس وفقدان البقية الباقية من المثابرة والهدف، إذ كان كل هذا محصور بوالدتي لفترة طويلة جداً. كان الإحساس بالأمل وصونه في نفسي بكل ما أصيب من طاقة، وما نتج عنه من اجتهاد بمتابعة وثيقة مستمرة صرت لا أتنفس إلا لمواصلتها، أمر أضعف مناعتي تجاه أي شيء آخر، كان الأمل هو مناعتي ضد التعب واليأس فقط فيما يخص أمي، إن كل جهد وكل اهتمام بات مخصصاً لها. والآن، انا كوالدتي في النهاية، أعجز عن مواصلة البقاء كما كنت، خصوصاً بعدما انقطع الدواء، اكسير الحياة، إلا أني لا زلت موجوداً.

لا يرى أحد الشطب الطويل المستعرض، غير المتناسق كالواقع، الذي يشق جسدي، من جبهتى إلى أخمص قدمي، فما يردني عن الإنقسام والانهيار إلى جزئين إلا العجز عن ذلك. وددت لو كان الخجل هو حاجزي الوحيد، لآمل أن تغلبه الجرأة.






أتصور عيش البعض بلا انتظار لحدث يغير حياتهم، بينما عشت أنا حياتي أترقب وأستبق وأهرب بوالدتي من التعب والضعف. من يمكنه أن يهرب من الموت؟، باتت البشرية تتفق على هذا، ولم يعد من أباطرة يبحثون عن دواء للخلود. 





أفرح بك في أحلامي، حتى وإن كنت فيها بائس أبكي وأنا أدفن وجهي في بطنك، وأنت تجلسين على العربة حيث كنت أدفعك بالحلم قبل أن أتوقف، وأأن أنين طويل حاد لم أسمعه مني من قبل، ثم تحيطيني بذراعيك الضعيفتين، فأتوجد حينما أستيقظ وألوك ذكرى الحلم وإحاطة الذراعين لأيام، وربما للأبد. كالواقع حيث كان يخونك سمعك، تقولين معاتبة أتقول لي كذا؟، فأقول لا يا يمه عساك بالجنة، أقول كذا، كيف أقوى على قول كذا لك؟، ما ظنتني أقول، ثم أدفن وجهي وأنتحب في حضنك.
أستيقظ كل يوم وأبدأ بتقليب أحلامي في ذاكرتي، أبحث عنك، أسابق الزمن قبل أن أنساها.





أنسى أحياناً وأعيش، لكن يتذكر جسمي فأتذكر أنا، لا أفهم كيف تتذكر عيني فتدمع ثم أتذكر أنا لماذا. تشتاق عيني إلى رؤيتك، ويشتاق فمي لندائك، فيتكلم دون أن أدري أو أنوي ويناديك فجأة وأنا في خلوتي.
يهمس تارة أخرى وأنا شارد الذهن أتفكر بأمر آخر، يقول بتصل على أمي وأقول له أحبك، وكأنه يذكرني وأنا أمشي في وقت معلوم يوم العمل، بما كنت أفعل كل يوم، منذ بدأت أعمل.
أفاجأ بيدي ترتفع إلى فمي قابضة على الهواء، لأقبل يدك دون أن أدرك، وأنا شارد أفكر بأمر آخر. في آخر أيامك وفي ضعف وعيك، كنت تتخيلين تمسيد ضفيرتك، وأنت تمسدين الهواء أمام كتفك. لطالما قبلتك، ولم يكن يوماً تقبيل إكبار ولكن تقبيل حب جارف وشفقة، كالوالد يقبل طفله. كيف لجسمي أن يتذكر لوحده، وكأنما كان آلة لا تحسن غير ما صُنعت لأجله من غرض وحيد. إني مٌقسم، لا ريب، ليس جسماً كما أتخيل لفرط الألم، لكن روحاً، ووعياً، إني محطم مطحون، ككتلة التربة اليابسة إذ يلقيها صبي فتتناثر منفجرة، فلا تعود شيئاً.






تظن خالتي الحبيبة إذ تتصل لتطمئن أني قد أتحسر على شيء، على تقصير، فتقول مؤكدة بأني لا يجب أن آسف على شيء، فأنا لم أقصر، وقد قضيت حياتي حول والدتي أراعيها. إن من يأسف على ذنب أو تقصير يتمنى رجوع حبيبه ليقول له سامحني، لكني آسف على الميت وأريده ان يعود فقط، أن يعود لأعتني به وأحبه، كل شيء آخر، كل تقصير وكل ذنب، يضعف أمام هذه الأنانية، إني أستكثر الميت على الموت، أبخل به.
أتحسر على عجزي عن إذاقتك ماء الورد خوفاً عليك، وما تشتهين خلافه في آخر وقتك. إني أنا أعجز عن تذوقه، وأنا أراه أمامي كل يوم، من بعدك. لا بد من التقصير والأخطاء، لكن التقصير يعوض لو تعودين، عودي إلي.






قال صديقي اليوناني، لقد تُوفيت، لكن لديك وقت الآن لتنتبه لحالك، فقلت خذ الوقت، لا أريده، خذه وأعد أمي، قلت هذا مسكور القلب، وقد نسيت نفسي، وأنا أترجى وكأنما كان يخبئ والدتي عني. بُهت الرجل، وخجل، وبرر. زارني الآخر وقال تعال معي إلي اليونان، ابق في بيتي، نعتني بك أنا وزوجتي وتبتعد عن هنا. وما عساي أصنع هناك، وأنا آخذ قلبي النصف معي، يذكرني بالنصف الذي دفنت وتركت.
مسكين وخاسر من يحبني.






باتت محاولات الإلهاء وإن نجحت لوقت تنهكني أكثر فأكثر، وأضعف أكثر فأكثر، ولست أضعف عن التذكر، لكن أضعف عن النسيان، والوقوف، والتعافي. يوجد الكثير من الناس والأشياء حيث لا يتعافى المنكوب أبداً.
حالما يخلو المكان بالليل، أبدأ  بالانحدار، لا أتعب من التساؤل، كيف لهوت؟، كيف ضحكت؟، بينما يغادر بعض أبناء أخي الكبير، الذين يأتون للتسرية عني وإلهائي. أعود أسوأ بتدرج سريع. إن أقسى أوقاتي هي الأوقات التي أكون فيها وحيداً، وهي الأوقات التي تزداد أكثر فأكثر الآن. وفي نفس الوقت، هي الأوقات التي أتمنى لو كانت كل وقتي، إني أزهد بالناس.
أنام وأنا أتمسح بجلال صلاتك إذ احتضنه، حيث لطالما لففته عليك في السنوات الأخيرة في الأوقات المعلومة.

إني مهدود متعب، يضخ قلبي فراغاً محسوساً، كأنما يضخ خواء لا أدري كيف يبقيني على قيد الحياة، وكأنما نكداً، ليس إلا لأرى إلى أي حد باتت الحياة عديمة القيمة مثيرة للسأم.

أعتقد أني بحاجة إلى إجازة طويلة بالمنزل…



سعد الحوشان

السبت، 13 ديسمبر 2025

أمي



بسم الله الرحمن الرحيم







لم أعرف ما أقول…

إنه عجز أعرفه معرفة النفس، حيث أنه كل ما أشعر به الآن. وقد طرأ العجز كثيراً منذ فترة طويلة، وتزايدت مناسباته المؤلمة عبر العمر حتى تكاثر تواترها مؤخراً وبدأت تغلب أي قدرة، إلا القدرة على الرجاء والأمل. والآن، لا يوجد سوى العجز. لقد خسرت ما أعيش لأجله.

لا يستطيع أحد أن يمنع الموت، إنه مشيئة الله واختياره. لقد حسبت دون وعي مني أني أكافحه مكافحة الوحش، لكني ساذج. إنه كائن ناعم شفاف، يشعر باقترابه المرء ممن يحب، لكنه يظل يأمل. بالنهاية يتسلل دون أن تدري عنه.








كنت أفكر ونحن نعود من رؤية والدتي بالمستشفى بعد وفاتها رحمها الله، وأنا أنظر إلى المستشفى الآخر حيث ظلت تعاني فيه لفترة قبل أن تتحسن، حيث بذلت كل اللا شيء الذي بيدي وأنا أنتظر أمام الباب بعجز إلا عن الأمل واليقين، حتى يُسمح لي برؤيتها إما عطفاً علي او مع الداخل يدخل لتوه وصل في الوقت المحدد، فأكلمك وأخبرك بأنك حياتي، وأنك حبيبتي، وأنك كل ما لدي في هذه الدنيا، وأنك بخير، وأن لا تخافي، وأنك ستعودين معي إلى المنزل، وبين كل عبارة وأخرى أُذكرك؛ أنا سعد، أنا سعد يمه…
كنت أنظر إلى ذاك المستشفى وأفكر بطبيبها هناك وتفانيه وعمله الدؤوب حتى تحسنت والدتي، وهو يتفهم الأمل الذي أشعر به، فكرت؛ حتى أنت لا تستطيع رد الموت.








لقد نُزعت قطعة كبيرة من جوفي انتزاعاً، لعلها كل ما فيّ، وكأنما بيد قاسية لا مبالية، لا تدري أني كائن حي حتى، وكانت القطعة التي تبقيني أتنفس وأنا حي. الآن كلما خلوت إلى نفسي الجوفاء، تذكرت بأني ميت.

يحسب الناس أن أمي ماتت، حتى أكبر محبيك لن يفهموا ما تشعر به تمام الفهم، ولن يفهموا ما تعتقد. إن من ماتت كانت أمي، وكانت ابنتي في ذات الوقت، هكذا صنع بنا العمر. كيف يدفن المرء حبيب بهذا الحجم المهول في قلبه، ويتركه ليُترك في حفرة جانبية، يقع بعضه بزلة ذراع؟. أي قسوة هذه؟، إني أختنق، وأغص، وأتلوى كالمبطون.








هل تريد أن تعرف كيف أعيش حينما أفطن؟، وأنا وحدي حينما أستطيع، كما سأعود قريباً في معظم وقتي؟. مدد جسدي برفق وأنت جذل، وأنا صامت، ليّن كالخرقة البالية، ثم ارفع ثوبي واكشف عن جذعي حتى صدري، ثم ابقر بطني بسكين مثلم، وأنت تنظر إلى عيناي لترى، فتجدني أنظر إليك بصمت من طرف جفني الأسفل، وأنا أتنفس بصبر، وكأنما لا أتألم. ثم أدخل في القطع كلتا يديك تجاه صدري، وأبعد ما يُبعد من أعضائي وأشقق ما يُشق، حتى تكاد أن تختفي ذراعيك في جوفي، ثم تحسس حتى تجد قلبي وهو ينبض، وحاصره كالعصفور وأقبض عليه بكلتا يديك، واضغط بقوة وثبات ولا ترخ قبضتك، وانظر إلى وجهي في ذات الوقت، لتراني لا زلت أتنفس بصبر وأبادلك النظر بلا تعبير. لا تيأس، واصل واقض على كفاح قلبي واكبت نبضاته وانت تتمعن في عيناي، حتى يتوقف، فترى الموت يغشى وجهي، ثم وكأنما بعبث وجذل دلك قلبي بيديك بإصرار، حتى يعود لينبض، وأنت تنظر إلى وجهي، وترى الحياة تعود إليه، ولكن بلا تعابير، وبلا مبالاة، وتعود الأنفاس بقلة الحيلة نفسها. ثم كرر فعلتك، أسكت قلبي، فأعده للحياة، وأنا أنظر بصمت وبلا حركة. قد تمل قليلاً وتذهب لشأنك، ثم سأفطن أنا، وأقول في نفسي؛ أين ذهب؟، وأنتظرك على حالي، بصبر، وأنسى قليلاً، وربما ابتسمت ساجّاً أفكر، حتى تعود، وتبدأ من جديد، لكن البطن ينتظرك مبقوراً هذه المرة.








بدأَت التساؤلات غير المفهومة تسيطر على أفكاري منذ وفاة خالتي رحمها الله قبل أقل من سنة، حيث كنت اقول لنفسي خلال أيام العزاء؛ هناك أمر خاطئ. لا أدري ما هو، لكني لم أنفك اتسائل. ربما لو عدت مبكراً من العزاء وبقيت في المنزل وحدي لأفكر، لما صادفت هذه الحيرة، إنه أمر متعب، أن تعتقد بوجود خلل لا تراه ولا تدري عن تأثيره لكنك تعلم بوجوده، ولا زلت أبحث عن الجواب، لا زالت الحيرة المؤلمة والقاهرة قائمة منذ وفاة خالتي.
هذه المرة كان سؤالي؛ كيف ماتت؟ وليست الكيفية التي اتساءل عنها، لكن كيف حدث وماتت؟، ما كان يجب أن تموت. هنا، انا اعرف ما الأمر الخاطئ، العلة، لكن لا أعرف كيف حدث. وهذا التساؤل غير المنطقي يتردد في قلبي أكثر مما يتردد في ذهني على ما يبدو، أشعر بأني أفكر به بقلبي، أشعر بقلبي ينبض على نحو لم أجربه حينما يخطر هذا السؤال. إني لا أفهم السؤال نفسه لكني أبحث له عن إجابة، أمي راحت، لكن كيف حدث؟ وكأنما غفوت فأُخذت من أمامي، ربما دُفعت بعربتها بهدوء ونحن ننتظر في موعد لها، لأني غفوت مرهقاً وغفلت لثانية او اثنتين، ولما فتحت عينيّ لم أجدها أمامي؛ لا يمكن أن يكون من أخذها قد ابتعد، مع ذلك لا أثر له، كيف اختفى بأمي؟ كيف انتزعها من قبضتي؟، هل خاتلني حتى غفوت لوهلة؟ هل كان يتبعنا؟. لا يشبع أي افتراض جوعي لحل هذا السؤال، لأن السؤال غير مفهوم لي اصلاً، وغير منطقي، لكنه لحوح وموجود وحقيقي.

أشعر أحياناً، وكل يوم أقل من ذي قبل، بأن الأمر مؤقت، كالحزن على مسافر سيطيل السفر لكنه سيعود؛ سأراك عند الطاولة تتلين القرآن بترتيل نجدي، سألمحك تسيرين بخطواتك الخفيفة القصيرة الصامتة ثم اتابعك حتى تتوسطين الصالة كما كنت قبل قليل في عافيتك، سأمشي إلى غرفتك معك لأغطيك وأقبلك قبل ان تنامين. من سأقبل الآن كلما رأيته؟، على من سأحنو وبمن سأعتني؟.

الآن وأنا أكتب، أدركت أن خطواتي الخفيفة القصيرة الصامتة التي تحرجني ليست بالواقع مشكلة.








أعلم بأن والدتي عانت الكثير، في السنوات الأخيرة زادت معاناتها، وفي الشهور الأخيرة حطمت قلبي بكسور وشروخ لن تبرأ طالما أنا حي، إن وفاتها الأمر الفاصل في حياتي لا يمحو ولا يغطي ما سبقه من ألم على حالها. لكن لم يكن بيدي إلا أن آمل أن تتحسن وأنا أبحث عن العلاج وأُجهد، كنت أريدها أن تعيش معي ولا تتركني، وأن لا أرى معاناتها المتصاعدة في نفس الوقت.
وفي أسوأ الأيام كنت اغيب عن العمل، لأتصرف سريعاً عند الحاجة، وكنت آمل أنه في حال دنت المنية وتبين أني سأعيش أكثر، أن يتوفاها الله وهي في حضني، متكئة على صدري أحدثها، حتى لا تخاف.








ماذا سأصنع الآن؟، لا أريد شيئا، لا يوجد شيء لأقول باقٍ لأجله. مهما عدد الآخرين، مهما تعهد الآخرين، لا جدوى من شيء. إن بقيت فسأعبث فقط واضيع الوقت، لأني لم أعد إلا تافهاً.








لا أجحد أي مما أصبت في حياتي، أذكر نفسي دائماً بأني عشت أكثر من سواي مع والدتي، حتى صير يُعتقد بأن أحدنا لا يتواجد دون الآخر، وكانت هذه هي الحقيقة. أذكر نفسي بأن الله استبقى لي والدتي رغم أزماتها كثيراً، ولطالما أعتقدت أن هذه كانت رحمة بي من الله. لكن الآن، كانت الرحمة لوالدتي، إني أفهم أنها كانت تعاني كثيراً، وأفهم أن رحمة الله أوسع، وأن الله أعلم. مع ذلك، آسى وآسف وأتمنى، لا أقوى نفسي ولا أصبر.
اختفى القلق، وليته لم يختفي.








حينما أروني إياك يا أمي، قلت من بناظر الحين يمه؟ لكنك لم تجيبي، انتِ حياتي، انتِ حبيبتي، ليس لدي غيرك في هذه الدنيا… ثم أخذوك.
كان فراقنا قصيراً، التقينا مرتين بعدها، حتى جلست لا أفارقك إلا حين يأتين المُسلّمات. بالنهاية، كان لا بد من أخذك للصلاة، لا أقوى على تحمل رؤيتك لمرة أخيرة كلما تذكرت. يا لقسوة الحياة الدنيا.

ليته كان لي من الأمر شيء، ليدخلوني معك ويسدوا علينا بالبلاط، وأنام.





سعد الحوشان

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

حياتي صارت...


بسم الله الرحمن الرحيم










حياتي صارت بالكاد ترى...
حياتي صارت بالكاد تسمع...
حياتي صارت تنسى…
حياتي الآن بالآلة تتنفس…
كم أحبك يا حياتي...
وكم أكره الحياة...










على كف عفريت أنام…
أحلم بشيء من سلام…
تنتفض يده وهو يرمقني…
فأجفل مفزوعاً من ذاك المنام…
ليست الراحة إلا وهم من الأوهام...
وليس الأمان إلا أضغاث أحلام…









ما أحسب المستشفيات إلا هي المساجد…
تقال وتسمع فيها أصدق الدعوات…







"حُلوة ابتسامتك"…
أكمل يا رقيق القلب،،،
"رغم موتك"…
لكنك لا تدري…
إذ يمتص المنديل دمعي…
وهو في عيني قبل أن ينزل…

كيف يقوى قلبك نفسه…
أن تقف بواباً للمآسي…
على مطل الخوف والكرب...
على حافة الترقب والهواجس…
أكما قَوِي قلبي نفسه…
وتركني أبتسم لك رغم آلامي؟…
ما أقواك…
وما أضعفني…

أقول كما قالت حياتي…
"ونفسي كئيبة…
ودايم"ن" لايم"ن" حالي…"










سعد الحوشان

الأحد، 4 ديسمبر 2022

أُنظر إلى قاع البئر... (المعتاد،قصة قصيرة،قصائد)

 بسم الله الرحمن الرحيم












المخيف هو...
أن تتحول إلى ما كان يثير شفقتك...
أن ترى نفسك بلا امنياتك، أو بدائلها...
المخيف هو أن تنظر إلى قاع البئر فترى نفسك...
تتطلع إلى الأعلى بيأس وكَبَد...

تَجرُّد…
***

المخيف هو أن تتبع خطى غيرك...
بعدما غادروا النجاح...
إلا أنك لم تذقه مثلهم…
كهلتَ ولم يتغير حالك…

فَشَل…
***

المخيف هو أن تسمع نكتة...
من بعيد...
فتعلم ان اسمك بات يستدعي الضحكة…

خيبة…
***

المخيف هو أن من فكر في أمرك...
أعطاك الأهمية...
مضى بعمره...
وتركك خلفه...
ونسي اسمك...

المخيف هو أن تعلم أخيراً...
أنك كنت لعبة...
والآن أنت وحدك...
إنسان...
لكن تجمع الغبار...
في حياتك العلبة…


المخيف هو أن تفقد معناك...
مع العمر تتموضع بالهامش...
منسي بالزاوية هناك...

بَوار...
***

المخيف هو أن يمتد الإعياء...
فيصير نشاطك...
والتكرار يمحو ذكرياتك...
فلا يبقى سوى الارتباك...
لباقي حياتك…

بؤس…






ما هو الحزن؟. لم أسأل نفسي من قبل هذا السؤال على ما اتذكر، لعلي نسيت؟، لكني تساءلت فجأة عن ماهيته، وليس تفكري المعتاد بالشعور به وتتبع اعراضه على نفسي. كان سؤال غريب على نحو ما، ذلك اني أعلم بأن الحزن هو الشعور الطاغي على حياتي، بدرجات مختلفة، والآن، أجد نفسي أتساءل وكأني لا أعرفه. لقد بت اسأل نفسي الكثير من الأسئلة في السنوات الاخيرة، أو، تداهمني هذه الأسئلة على الأصح، لسبب ما، ربما لأنه لا أحد يسأل، او يناقش أمور مهمة في حياتي.

لقد داهمني السؤال بعدما تذكرت جارتنا رحمها الله، أم عبدالرحمن، وداهمني شعور عاصر من الحزن، حتى فاضت عيناي بالدموع، بعد فترة طويلة من وفاتها. لم يذكرها لي أحد، والآن لا أدري ما أثار ذكراها، لكني لا أكف عن تذكرها اكثر من مرة، كل يوم، مع تذكري لوالدي رحمه الله، ذلك أنها مست حياتي وقلبي بكرمها وحنانها ولطف معشرها، وما قيمة المرء دون هذه السجايا؟.

لكل من الحادثين جانبه المأساوي في نفسي، وهي أسباب أشعر بأنه يصعب على غيري فهمها، فأنا لا أفضل شرحها، ربما لأني أخشى ألّا تعني الكثير لسواي في حال شرحتها، فمن النادر أن أجد من يبالي بما اشعر به، خصوصاً في السنوات الأخيرة. هذه هي الحياة، ولعل الجميع هكذا.

الحزن هو؛ في زعمي، شكل من أشكال الموت، لكنه بهيئة لمسة خاطفة، او مسّة يأس وتسليم بنهاية أمر ما، وتتفاوت قوة الدهمة، حتى تصبح عصرة، أو طعنة. والحزن لا يفتأ يذكرك بنفسه.













لقد بات الناس يموتون من حولي، قالها لي صديق قديم، جمعتني به اجمل واصدق علاقة صداقة. وجدت نفسي أقولها مؤخراً، ابكر في عمري بكثير مما كان عمره حينما سمعتها منه. لا أدري ما صنعت به الحياة، هل مات هو الآخر؟، اتمنى لو عرفت إن كان على ما يرام.














يفاجأ البعض باتخاذي المواقف الأحادية والحاسمة أخيراً، وذلك نظراً لتصرفي لزمن طويل بحذر وتميزي بالنفس الطويل والصبر، لكني وجدت ان هذه السجايا ليست اكثر من مضيعة للوقت والعمر والانتباه إذا ما صُرفت على الشخص الخطأ، ومعظم من عاملتهم بهذه الدبلوماسية كانوا الأشخاص الخطأ.

اتذكر صديق قديم كانت له ردات فعل حادة وقوية تذهلني دائماً، وتصدمني، وتضحكني في أحيان كثيرة في وقت لاحق، ولم اكن اوافقه عليها، بالطبع لا زلت لا أوافق على هذا الأسلوب العنيف معنوياً، مع ذلك، اعتقد اني تعلمت أخيراً بأن قطع الامر من قاصره كما نقول هو أمر مهم بقدر اهمية الدبلوماسية والسياسة، إن اختصار القصة الطويلة والتردد لدى الطرف الآخر أو الاستغلال هو امر يجب ان يكون خياراً حاضراً ويخضع للتقييم جنباً إلى جنب مع الدبلوماسية وطول النَفَس، حتى لا يضيع الوقت والجهد والمنح بلا طائل ولا عائد، وحتى تتضح الأمور. فقد يصبح الأمر مُستنزفاً، وتجد بالنهاية بأنك تعاملت مع طفيلي بكل ما في الكلمة من معنى، كلٌ حسب طبيعته، طفيلي المادة، وطفيلي المصلحة، وطفيلي العاطفة والمعنويات، هم من يريد أن يأخذ ولا يمنح. يمكنك أن تعطي لسنوات طويلة، مال أو جهد أو محبة، أو جميعها، لنفس الشخص، ولن يشبع، أبداً، إن الناس يعانون من جوع شديد تجاه الاهتمام الصادق، ولكنهم لا يردونه، لا يتساءلون أبداً إن كنت أنت بحاجة شيء، كل ما يدركونه هو الحفاظ على هذا الامتياز، هذا الغبي الكريم الجواد بما يحتاجون إليه، وإن أردت أن تكف، يلوحون لك بما يتوقعون انك تريده، مجرد تلويح، لجرجرتك واستعادة اهتمامك، وإضاعة سنوات من عمرك، وقد يفاجأون هم بالنهاية، حينما تصل إلى عقدة هذه القصة، أنهم فعلاً اضاعوا من عمرك الكثير، لكن لا بأس، غير مهم، إنك أنت اخترت تصديقهم، وهم لم يكونوا صرحاء، وحياتهم على ما يرام.

هذه نصيحتي. لقد وصلت إلى عمر صرت اسدي فيه النصائح، إذ يلجأ إلي الكثير من المعارف، لكن لا يبدو أن احد يستوعب بأن هذه النصائح إنما هي أخطاء حدثت، فادحة غالباً، وليست ألمعية مجردة.

جروح على شكل نصائح وحكم، لن تندمل.














إبحث عن الخط الأحمر في نهاية القصة في حال لم ترغب بقراءتها:






ما يأكل ويشرب معك



اعتصره الاخطبوط أخيراً، وقد خُيل إليه بأن أضلعه تلاقت واختلطت، وجحظت عيناه من محاجرها، بينما على نحو غريب لم تكف دموعه عن الانهمار. كان الاخطبوط العملاق يحتويه باكمله، جاثماً فوقه، ويتحسسه بأذرعه، ولم تكن مثل اذرع الاخطبوط المعروف، إذ كان من الواضح انها لا تقل عن العشرين ذراعاً، سرعان ما وجدت إحداها طريقها خلال كم ثوبه، وبدأت تجس ذراعه، فمرفقه، ثم بحثت الاذرع الأخرى، واحدة تلي اختها، عن منافذ إلى جسد الرجل الصحيح، وكانت اول الأذرعة قد أنشبت حليماتها في ذراعه، وغرزت فيها ما يشبه الإبر الصغيرة المحيطة بالحليمات، وكانت كل حليمة تختلج وكأنما تحاول ان تنزع ما تحتها، لكنها بدأت تركد، الواحدة تلو الأخرى، وتبين له انها تشرب دمه. كانت قد نفذت من أسفل ثوبه، وياقته، وذراعه الأخرى، وكانت كل حليمة قد استقرت في مكانها اخيراً على جلده، ثابتة لا تتزحزح، سوى من بعض اختلاج بين حين وآخر، كما تصنع الحملان وهي ترضع. لم تكن الاذرع قد مست وجهه بمجساتها، إنما مسته بظهرها الزلق بجلده الأملس الزيتي، لا تمسه من خد إلا ومست الآخر بذات الوقت، وكأن الاخطبوط يدرك الازدواجية والتناظر الماثل أمامه، ويتأمل، ثم تفرغ ذراع واحدة للمس وجهه وهي تستدير في محلها تارة، وتارة وهي تدور حول الوجه برفق، وكأنما تؤطره، بينما انسحبت الذراع الاخرى تجس ما بقي من جسمه. كان يفقد القدرة على التنفس للحظات ويظن بأنه استوفى انفاسه، ثم يرتخي الاخطبوط فيسرق انفاس سريعة وصغيرة كفأر يحتضر.

شعر بميل ضاغط على صدره، فهمهم مذعوراً وهو يزفر وانفاسه تغادره، لم يكن له أي حكم على جسمه، لكن الاخطبوط كان ينزلق برفق مائلاً من فوقه، ليرى الوجه الذي لا زال يمسّده، بينما مجساته لا تغير مكانها سوى لتبحث عن تدفق اكبر للدم. حينما أطل الاخطبوط بوجهه، رآه عن قرب لأول مرة، وهاله حجم رأسه الرخو العملاق، وهو يتأمله بعينين حالكتي السواد عصية على إدراكه، فلا يدري أهما جاحظتان مثل عينيه الآن، أم هما صبغتان على رأس الأخطبوط لا يدرك أبعادها، كانت بهذا السواد العصي على إدراك العقل البشري، إذ لم تعكس اي ضوء، وكأنما كانت عيناه تتغذيان على الضوء، ينفذ عبرهما ولا يخرج بإنعكاس. كان الاخطبوط يزحف تجاه وجه الرجل بكتلته، حتى وصل وتأمل وجهه عن قرب، بينما قلب الرجل يكاد أن يتوقف ذعراً، حتى رفع الاخطبوط رأسه، ثم ارتفع ببطئ على قوائمه وهي تنسحب بتناغم من حوالي ومن فوق جسد الرجل، بعضها باستقامة، وبعضها كالعقد واللفائف التي تنحل من تلقاء نفسها منسحبة، حتى بان فم الاخطبوط، وخرج منه طرف منقاره، فرأى الرجل الموت، وبرد جسده فجأة، واختفى الألم الذي كاد أن يقتله قبل قليل، وهدأت أنفاسه بينما كان يصارع ليشهق ما يكفيه من نسم. لكن الاخطبوط تصلب فجأة، واسترخى قليلاً وبدأ بالتداعي، والتهاوي على جسد الرجل، إلا أنه في آخر لحظة وقع جانباً ورأسه الممتلئ كالفقاعة الطويلة يرتج على الأرض. بعد ثوانٍ من السكون، انتفض جسد الرجل وتسارعت انفاسه، وقد استعاد الأمل بالعيش. سحب نفسه وهو يستدير على جانبه، بالكاد يسيطر على جسده وهو يرتجف، وقام تاركاً بعض أذرع الاخطبوط تنساب من فوقه، وهي تحرك أطرافها على نحو يسير وناعم. مشى تجاه الباب في ذلك المنزل المهجور، حيث كان قد اهتدى إليه بعدما توهم أن هناك من يناديه، بصوت هادئ، لكنه كان يصل إليه وحده، وكان قد قرر أخيراً الذهاب إلى مصدر الصوت، بعدما عجز عن المقاومة والتظاهر بأنه كغيره لا يسمع. كان يعود إلى منزله مصلياً العصر، حينما دخل بتردد. أما الآن وهو يخرج، مرتجفاً ويهذي، فقد نسي الصوت، ولم يعد يسمعه أصلاً، وما عاد يفكر بشيء سوى النجاة والعودة إلى المنزل. رغم ذلك، ولشكه في نفسه رغم كل ما مر به، حاول التظاهر بالطبيعية، وحاول أن يكتم هذيانه، وأن يسيطر على نفّاضه، وتفادى أن ينظر خلفه. سوى أن ثلة من الرجال تصادف وجودها في الشارع قد لاحظته، وصمت الجميع مذهولون من سوء حاله، ومن خروجه من ذاك المنزل المهجور الذي لا يدخله إلا قلة من الصبية المغامرين. لم يقو على الصبر، والخوف يأكل قلبه، فالتفت إلى المنزل خلفه، فرأى مجسات الاخطبوط تتمايل في الخارج، وقد تضخمت وتعملقت أكثر مما كانت عليه من ضخامة، فـقـفز جارياً وهو يصيح بأعلى صوته، مجفلاً مراقبيه المذهولين أصلاً. جرى نحو المنزل لا يلوي على شيء، وهو يهذي ولا يكاد يرى من غزارة دمعه، فقد تأكد اليوم من أن ما كان يتوهمه حقيقة، والآن هاهو يلحق به وقد تجرأ، بينما كان يلمحه فقط مروراً من بين الأزقة، ومن خلف الأبواب قبل ان تغلق تماماً، أو من بعيد يزحف على أذرعه بلا هدى على الشاطئ القريب، وكأنه لم يلحظه بعد حتى يأتي إليه، فيهرب هو قبل ذلك، دون أن يلحظ أحد بأنه يهرب من شيء ما، معتذراً من رفقة، أم مغيراً اتجاهه ببساطة حينما يكون لوحده. لطالما كان الاخطبوط حاضراً، مذكراً بنفسه في حال نسيه. لطالما جفل وهو مع الآخرين، يأكل، يشرب، يسمر، إذ يسمع زعقات حادة متداخلة، يفز منها جسده تكاد تسبقه روحه، فيوقف شؤونه، ويعتذر بأي شيء ليكف ويغادر، حتى كاد ان ينقطع عن كل أسباب الحياة؛ لا يكاد يشرب ولا يأكل دون ان ينتظر ويتحفز لصيحات النذير، يسابقها في المأكل والمشرب ليفر منها، ولا ينام بلا زيارة من الاخطبوط توقظه مفزوعاً. سوى انه لم يقربه قط، لطالما حام حوله، لا يدري إن كان يبحث عنه أو إن كان حتى واعٍ بوجوده، بقدر ما يشك هو بما لا يراه ولا يسمعه سواه.


وصل إلى منزله ودفر الباب الحديدي فأدوى، مفزعاً زوجته وعياله، إذ جاءت تجري لتلتقيه في الفناء، أمام الأطفال الذين كانوا قبل لحظة يتجادلون كما اعتادوا. وقد جاءت زوجته بسكينها، إذ كانت قد بدأت بإعداد وليمة لتلك الأمسية، حيث سيتجمع الخلق في بيتهم الضيق، إكراماً لابن عم له قد تزوج أخيراً. امسكت ذراعه بيدها الحرة وهي تسمي، وتسأله عما جرى، وهو يهذي يردد الاخطبوط الاخطبوط. رغم حبه لزوجته، إلا أنه لم يخبرها أبداً ولم يخبر أحد قبلاً بأمر ما يرى ويسمع، فقد كان يعلم يقيناً بأنه سيدمر صورته وصورة ابناءه إذا تحدث بالأمر، فهو ذاته لا يدري إن كان يصدق نفسه، حتى تأكد اليوم. وكان يلتفت خلفه وفي كل اتجاه، بينما وجهه المصفر ينم عن ذعر قاتل، جرى عائداً فجأة تجاه الباب وصفقه مُغلقاً، إذ تركه مفتوحاً خطأً، ولما التفت كانت زوجته قد لحقته تحث السير، ولكنه لم ير زوجته التي كانت تكلمه قبل لحظة؛ كانت أذرع دقيقة تتمايل خارجة من أكمامها، وذراعها البيضاء ذاتها قد رصعتها حليمات ماصّة تختلج، أما وجهها فقد استحال رمادياً، بأعين لا حدود واضحة لها ولا سبر لغور سوادها، وفم لا يكاد يلحظ، وكأنه شطب حاد، صاح بأعلا صوته وسحب سكينها من يدها وجرها من يدها الأخرى وطعنها. كان صياحها كصفير غير آدمي يكاد أن يشق اذنيه، بينما تقافز أطفاله تجاه الباب يتصادمون كلن يحاول أن يفتح، حتى خرجوا بعضهم لا يدري إلى أين يهرب. كان وجه زوجته قد رقد على كتفه، وسمع منه حشرجة تشبه الغرغرة، فسحب سكينه إلى أعلى تجاه صدرها، وتوقف وهو يشعر بقلبها ينبض على جانب السكين، وظل ممسكاً إياها بصمت، حتى كف الصوت، وكف النبض فأفلت السكين وابتعد موقعاً إياها، ورآها ترتج على الارض، وكأنما خلت من العظام وباتت بلا قوام. وقف يتأمل الكائن الماثل أمامه، ولم يتساءل أين زوجته، وقد كفت الأذرع والمجسات عن حركاتها الخفيفة تماماً. لكن شق بطنها حيث بَقَرَها اختلج، وانبثق بثبات منه ما يشبه الجذع اللحمي مستقيماً، سرعان ما بانت أذرعه العديدة تحته، ثم ارتخى ووقع جانباً رفقة صيحة مدوية من الرجل، الذي سرعان ما فقد القدرة على التفكير والاستيعاب لسماعه بذات الوقت، صوت طنان مجلجل يصم الآذان، ما بين صياح آدمية ونهيم فيل، وكان هذا نذيراً يقترب من منزله. فركض خارجاً من المنزل، وقد خرج الناس من بيوتهم باضطراب شديد، ولم يملك أحد حتى هداية القبض على الرجل وتهدئته، إذ جرى يهذي ويصيح كالحيوان المُروع، دموعه تمطر ولعابه يقطر ويتصبصب. جرى الآن بين البيوت وفي الشوارع الضيقة يريد أمه، إذ لم يعد يتذكر سواها. لقد أعاد الخوف الشديد فكره إلى أبسط حالاته؛ لن ينقذه سوى امه، لا أحد يريد سلامته سوى أمه.  تشتت انتباهه وهو يرى بعض الدكاكين والأبواب التي لم تتغير منذ طفولته المبكرة، فضحك ببساطة من بين دموعه، واختفى الهذيان ثم جفت الدموع، على أن لعابه ظل يتطاير حوالي ابتسامته الواسعة وهو يجري. تذكر لحاقه بإخوته وأخواته الأكبر سناً منه إلى هذه الدكاكين، بسرواله القصير، ورداءه الشامر الذي يكشف عن نصف بطنه المستدير بروزاً، بينما كان قد أغلق الباب خلفه حتى لا يخرج الصغيرين خلفه، كان في الخامسة، وكان اخوه واخته الأصغر لم يتحدثا بعد، لكن كانا يبكيان في كل مرة يخرج لوحده من المنزل، ويغلق الباب دونهما. تذكر اتجاهه الفطري بلا تفكير إلى هذه الدكاكين حيث يجتمع العديد من أطفال الحي، يلعبون في الساحة الصغيرة مقابلها، وكان كثيراً ما يتجه إلى أخته الكبرى في البداية، ثم يعود إلى اخوه الأكبر ليسمع ما يقول هو ورفاقه. كان يشعر بانتباههما له، حتى اخويه اللذان يصغرانهما كانا يوليانه اهتماماً. كان هذا ارث التربية والتشكيل على يدي والدتهما خصوصاً. لم يتغير الأمر كثيراً حتى كبر هو، ورغم ان اموره سارت على ما يرام مبدأياً رغم ضعفه الفكري بالمقارنة، إلا أنه فقد الإهتمام الذي تمتع به حالما اشتد عوده، فظل هشاً، قصير النظر، متأخراً قاصر النباهة، فكان بالكاد يستفيد إذا ما أصاب رزقاً، إذ ظل يدفع ثمن سوء تدبير إخوته، ذوو الطموح وحب الحياة، حيث توجب عليه هو الاهتمام بهم في أحيان كثيرة، حتى ضعف حاله واستُنزف، فلم يكن يقوى على رفض طلب، ولم تقو زوجته الصالحة على تقويمه، وبهذا إلى جانب هشاشته الفكرية عانى هشاشة مادية.

تذكر شجار اخوه واخته الكبرى ذات مرة أمام الدكان، وقد علا صوتهما، وخرج صاحب الدكان المسن يحاول ان يهدئ الحال، ويسأل الفتاة ان تعود إلى المنزل، ليُبقي على الصبي لديه، لكن فوجئ الجميع بشقيقه الأكبر يقبض على شعر أخته ويشده تجاه الأرض، تعالت صيحات الفتيات الحاضرات، وتقافز الصبية الكبار ليوقفوا هذا العنف، بينما وقف أخويه ينظران بذهول وخوف. صاحت اخته صيحة قصيرة وهي تقاوم، وكانت شياطين شقيقه الكبير قد استولت على إرادته، فلم يكف. فوجئ الجميع بصيحة حادة فبكاء مُروع، كان هو قد فقد القدره على تحمل ما يرى واستيعابه، فأفلت اخوه اخته، وجرت هي تجاهه واحتضنته بأمومة غريزية.


كان جريه تجاه منزلهم قد استحال هرولة، وكان يشعر بثقل وحرارة وكأن هناك ما يسحبه للخلف بخفة، بدأت ملابسه تضايقه، وقد شعر بأنها واسعة مُعيقة، وما عاد الحر يُحتمل، رغم كونه الخريف بهواءه العليل، لكن لم يكن للجو ولا المحيط ولا الحضور ولا البيئة تأثير عليه في تلك اللحظة، فتخلص من ملابسه دون ان يتوقف إلا لهنيهات، حتى تعرى كما ولدته أمه، وشعر بأنه بحال أفضل، وأنه بات أسرع جرياً حتى، وقهقه كطفل بالخامسة وهو يسابق الهواء. إلا انه وجد نفسه في مكان لم يألفه، أو لم يتذكره، وكان في نظره غشاوة، وأخافوه القوم الذين خاطبوه ولا يدري ما يقولون، وبدأ بالتعبر، لا يريد أن يبكي، وبات يسير باحثاً عن بابهم القديم. كان بنفس المكان، لكن لاضطرابه تأخر بملاحظته حتى سمع صياح قادم منه والباب مفتوح، فجرى فرحاً، ولاقته امه رافعة يديها تبكي وتصيح، امسكته وجلسا أرضاً، وسرعان ما استلقى على الأرض متوسداً فخذها، وهو مبتسم فرح، وكأنما لتوه عاد من اللعب وهاهو يتذكر ما فعل والأطفال. بينما أنّت والدته وانتحبت، إذ كان أحفادها قد وصلوا قبله. جاء والده لا يكاد يقف، يبكي هو الآخر، وجلس خلفه ووضع يده على خصره العاري. كان الجميع يبكي، حتى أخته الصغرى التي وقفت تحرس الاطفال على باب الغرفة، كانت تنوح كالثكلى. لم يدرك هو اصطباغ بعض جسده بدم زوجته، ما نفذ من ثيابه. كان أشبه بالحلم الجميل، أجمل ما عرف في حياته؛ حضن والدته الآمن. لكن عاد فجأة ذلك الصوت المروع، وكان أعظم وأشد ترويعاً وشؤماً، وكأنه إرعاد معادن ترتطم بالأرض وتصطك مع نهيم الفيل الذي سمع قبلاً، فارتعدت فرائصه وانتفض من رأسه إلى اخمص قدميه بعنف وقد استقعد فجأة ليرى القادم، فرأى أذرع عملاقة بعضها يتلاطم وبعضها يجر ما خلفه عبر المدخل الصّاد، فصاح بيأس مرة، ومرة أخرى وهو يقذف برأسه في حضن والدته التي تصيح لصياحه، وصاح صيحة ثالثة يائسة، مغمض العينين، مستميتاً، ولجة إخوته وهم يتدافعون عبر المدخل مدفونة بذلك الإرعاد والنهيم.



تمت


_____________________________________________




















لا احد منا يصغر، كلنا يتقدم بنا العمر، وهي عملية لا تتوقف. أمر بطبيعة الحال لا نتذكره دائماً، وهناك من ينساه تماماً، حتى يداهمه حدث ما، فيدرك. انا لا أنسى هذا، وأرى ما يذكرني به باستمرار، ولعل هذا رغم قناعتي واستسلامي يؤثر بي نفسياً. لا أحد يحب أن يرى الضعف بعد قوة. ما يصنع الفرق فيما يمضي من وقت هو ما نصنع به. يفوتنا الكثير، بعضنا يفوته أكثر من سواه، وأحسب أني ممن فاتهم الكثير، اكثر من كثير من محيطي وأقراني، بكل موضوعية، ولكني قمت بأمور جوهرية، او التزمت بها، وهي تشكل عزاء ومسكن لآلامي. إنها فكرة لا تفوتني في أي يوم، لكنها صرخت في وجهي اليوم حينما رأيت صورة. مجرد صورة؛ صادمت ما احتفظ به بذاكرتي من تصور لشكل ذلك الشخص منذ سنوات، لم يعد بمستطاعي تأمل ذكرياتي مع ذلك الشخص على نفس الضوء، وهو ذو الشكل الذي بدا لي من قبل أنه لن يتغير كثيراً، وبدا لي لهذا السبب وكأني سأظل أعرفه ولو على المستوى الجوهري، سواء أكان قد تغير عما عرفته منه من قبل أم لا، فسيظل هو نفسه الذي لم يتغير كثيراً على مر السنوات. بدا بالصورة مختلفاً، وكأنما كبر فجأة، وتبادر إلى ذهني ما عرفته عنه، وتسائلت إن كان تغيراً بالجوهر قد لحق ما لحق بالمظهر، لكن هذا أمر لن أعلم عنه أبداً، لن أكوِّن ذكريات جديدة مع ذلك الشخص، ليس حقداً وكراهية، لا لشيء إلا لأن الظروف أبعدتنا على كافة المستويات، وكانت نقاط الالتقاء ضعيفة أصلاً، وقد لحق ما بيننا من تشوهات ومشاكل ما لحق. كانت آخر مرة رأيته فيها قبل بضع سنوات؛ مجرد لقاء عابر، بلا سلام حتى، ولما كان اللقاء الذي سبقه سيئاً وجارحاً لي، لم استجب لابتسامته، لأني لم اتوقعها، وصدقاً شككت بأنه هو نفس الشخص، ولم يبادر هو بالسلام، لكن شكله كان كما هو دائماً، بمخيلتي يكاد ان يكون هو نفسه كما عرفته قبل عقود على وجه التقريب. أما في الصورة، وكأنه قفز قفزاً عبر العمر خلال بضع السنوات التي لم أره بها، ولو بصورة.

إني انا كبرت بكل تأكيد، وتغيرت كثيراً، لقد بت كهلاً. وفيما يتعلق بالجوهر على الاقل، أرجو اني بت أفضل مما كنت عليه، إذ أراقب نفسي، ولا علاقة لهذا بالسعادة، فلست سعيداً، إنما أرجو أن يكون له علاقة بالرضا والقناعة مع الوقت. ما لم يتغير هو الحظ، والحمد لله أولاً وآخراً.


بقايا صبا…

معلقة بأهداب الكهولة…

شيء من أناقة الحضور…

تفلت من قبضة اللامبالاة…
















أحياناً، اشعر بالقهر من بعض الغبيات في المستشفيات، سواء طبيبات أم فنيات، حينما أذهب مع والدتي لموعد او لفحص. لا ادري إن كان موقف نسوي، أم أمر آخر، لكن لا يردنني ان اتحدث وأجيب، في حين أن والدتي مسنة وسمعها ضعيف بحيث تحتاج إلى سماعة، ولكن ترفض لبسها، وإن سمعت لم تستوعب اللهجات التي إما تكون بيضاء أو غير أصلية من جهة الحجاز. مضيعة وقت، وتفاهة.

















بعضها يتمطط…

لا يكاد ينتهي…

وبعضها يتسفط…

كبراشيم امتحان نهائي…

تلخص بعضها الذي تمطط!…


إنما هي أيامي تتشابه فقط…

اعبرها بغياب وعي…

كل يوم كالذي فَرَط…

سوى ان بعضها لا ينقضي…

وبعضها سهواً سقط!...


وكأنها عجينة في يد خباز…

سأم الحياة وقنط…

عقله إلى أحلام اليقظة انحاز…

وقضى حياته يجمع ثم يمط!…


افطن أحياناً…

فأجري نهباً كالقط!…

أسابق أيامي إنجازاً…

أتجاوز الصفحات إذ أنط…

والصفحات تتقلب تكراراً…

تزل قدمي وأنا اهبط…

فارتد بذهول المصدوم مرتطماً…


اتدحرج عبر الصفحات إذ أسقط…

فاستحيل ماء زلال…

انساب متطايراً ناثراً النقط…

تمتصني الأيام حد الاضمحلال…

حتى انتهي أثر لدمع على الورق سقط…



















مرة أخرى، كتب بي نسيبي قصيدة. لم أعتقد أني استحققت الأولى حتى. إنه لأمر نادر أن يشعر المرء بالتقدير على هذا النحو. لا أعتقد بأني وردت بقصائد والدتي العزيزة سوى مرة واحدة، وكانت القصيدة بالواقع عن أختي، كنتُ أداة بلاغية فيها.

إن نسيبي هذا يحتفظ بحب خاص لي، كما احتفظ له، وهو يحرص على أن أرافقه إلى الاستراحة والمزرعة في كل مرة نزور القصيم، ويحرص على الاستماع لما أحب أن أتكلم عنه حتى لو لم يكن ضمن اهتماماته، وهو أمر نادر جداً. لقد وقف معي وانتبه لي يوم توفي والدي رحمه الله كما لم يفعل أحد ممن حولي، وفي العزاء بعده.

بالواقع، أجد من أنسابي ما لا أجده من إخواني. لكن ربما لوثيق علاقتي بشقيقاتي دور في هذا، معرفتي على نحو لا يهتم به اشقائي.

إني لا أوفيك حقك يا صديقي العزيز، كل ما أرجوه هو أن استحق هذه المحبة والتقدير، وأن أكون عند حسن ظنك بي يا كبير القلب.




















أمر عجيب، الصديق اليوناني الذي غادر إلى بلده ولن يعود، عاد فجأة للتواصل معي، رغم الانقطاع الطويل من طرفه. لقد سعدت ايما سعادة حينما سمعت صوته. تصلني أهم اخباره عن طريق الاصدقاء اليونانيين الذي لا زالوا لدينا، وأفرح لأخباره السعيدة، لكن لم أحاول التواصل لتهنئته على شيء. إن تجربتي في التواصل بعد انقطاع ليس من طرفي، هي تجربة سيئة، لم أعد مبادراً إلا في حالات استثنائية آمن فيها على نفسي، أو أعتقد بأني سأقابل بالتقدير على الأقل. أخبرني بأنه لم ينسني لكنه مر بظروف غاية بالصعوبة لفترة طويلة، وأنه وأسرته يتذكرونني كثيراً، إذ تحثه زوجته دوماً على الاتصال بي. كان قد أتى لي ولوالدتي ببطاقتي دعوة إلى زواجه في اليونان قبل سنوات. لا تحضر والدتي المناسبات هنا إلا في القليل النادر، ناهيك عن الذهاب إلى اليونان، لكن كم تمنيت لو حضرنا. أخبرني بولادة ابنة له أخيراً، وكنت قد علمت بهذا من الاصدقاء هنا، لكني تصرفت وكأنما لم أعلم، والفرحة صدقاً متساوية؛ فلطالما أراد الإنجاب. حينما أخبرت والدتي، سألَت إن كان البريد يصل إلى اليونان، حتى ترسل إليهم الهدايا للطفلة والأم.

ومن جهة أخرى، سمعت من صديقي الصيني الذي حسبت بأنه كف عن ارسال الرسائل، وكنت أخشى بأني اخطأت بأمر ما، عدى اني لم أجد ما يمكن ان يكون خطأ من طرفي، ربما كان مشغولاً، تزدحم لديه الاولويات. هو استاذ الآن بالجامعة، وعكس اساتذتنا، يعمل بحق، ولا يمكن للاستاذ الجامعي ان يستمر هناك ما لم يعمل بجد وأمانة، عكس ما لدينا هنا. فوجئت لاحقاً برسالة، يبشرني فيها بميلاد صبي له، وتحتها رسالة طويلة كان يريد إرسالها لي ولكنه ارسلها لنفسه بالخطأ، قبل اشهر، وكان هذا واضحاً، وقد سعدت بها، وقد أجلَت همومي ووساوسي بالإثقال عليه. وسرعان ما اكتشف هو من طرفه هذا الخطأ وأرسل إلي معتذراً، وكان هو الآخر يتعجب من عدم ردي على الرسالة التي لم تصلني.

هذه اخبار سعيدة نادرة.


















أنقش بالفضاء احلامي...

بقلم مداده الحرير…

انسج به الحكايا والأماني…

ازخرف بها جدران خيالي…

تراني ارسم بالهواء هواي…

ادور وارسم الدوائر من حولي…

فتستحيل وجهٌ حسنٌ مستدير... 

لطالما راود مناماتي…

يتابعني الجميع مذهولاً…

ما بين موافق ومُنكر الكل مأخوذاً…

وأنا ارسم بالفضاء بحرير يطير…

من اللوتس الكمبودي مسحوباً…

يكفهر الوجه فجأة…

فتضيق الدوائر علي مغدوراً…

ويستحيل حلمي الحريري مِخنقي…

وكفني…

وغيابي…





















يمكن للمرء ان يحرص قدر ما يشاء، تظل الزلات واردة وقريبة اكثر مما يتصور، ولا يجب ان يَعجب او يفاجأ إذا ما ارتكب خطأ، سوى أن يدعو الله فقط أن يجنبه الاخطاء الكبيرة التي لا عودة منها ولا تصحيح لها.

أيقنت بهذا بعد أن كثرت اخطائي مؤخراً، إما بسبب الغفلة أو بسبب النسيان.

يعرف المرء انه بات يضعف حينما يرى ذلك في عيون الآخرين. تبدأ الاحضان تزداد صدقاً، وكفايتك تصبح هماً وشاغلاً في أحيان كثيرة، فقط من اصدق المحبين.

لكن، جل ما تخشاه هو استنزاف الآخرين كما استُنزِفت انت. تأخَّر الاهتمام، ولا تدري إن كان له جدوى، إن كان سينقذك. تبات تخشى أن كل حضن وكل كلمة طيبة إنما تنقص من رصيد محدود لم تكن تعلم بوجوده، وأن كل كفاية مجهود هي نفاد من صبر لا تدري حجمه، تخشى من هذا التطوع أن ينضب، لأنك لم تعتد عليه، وتخشى ان تعتاد عليه، فتتحول الخشية إلى ذعر، وتضعف أكثر فأكثر، بفعل الخوف والشك، وعدم الوثوق بثبات البشر.

حلقات مفرغة...
















 




بعد عقود، تكتشف ارتكابك أخطاء قديمة في حق آخرين، إما انك كنت قد نسيتها تماماً، أو انك لم تدرك مدى شناعتها سوى الآن. ماذا فعلت؟! تتساءل مصدوماً، ولماذا؟! بعدما تدرك أنه حدث فعلاً بكل أبعاده. ستعذبك هذه الاسئلة، ولن تجد إجابات مقنعة، وربما كلما تساءلت أكثر، كلما ازددت جهلاً بالسبب. سيؤسفك حد الإنهاك معرفة انك بالواقع خالفت ما توقعته من نفسك طوال حياتك، ولن تجدي معرفة السبب شيئاً. قد لا تفهم أبداً لحظة الخطأ، أو تتقبلها وتجد لها مبرراً، وستبدأ بالتساؤل إن كانت مثل هذه اللحظات في حياة المرء هي ذات المعنى، هي ما يحدد ما يكون المرء، فهو لا يمكنه ان ينكر أنه ارتكب تلك الأخطاء أمام نفسه. تتمنى لو كنت قد اخطأت في حق نفسك فقط.

لماذا بعد هذا العمر؟، بعد هذه العقود؟، لماذا الآن بالتحديد؟. لا أملك الإجابة، ولا أدري لماذا على وجه الدقة داهمتني هذه الذكريات، اللحيظات التي أشعرتني بالصغر الآن، بينما كنت أعيش على ما يرام إلى حد بعيد، في نظرتي إلى نفسي عموماً؛ أضلع، لكن اسير. هل من الكذب أن يقول المرء لنفسه بأنه لا يفهم تلك الدوافع والقرارات، لأنه شخص مختلف الآن؟، مثل انتقال الناس ولحظات الانقلاب في حياتهم، كحينما يقبلون بالإيمان بدين جديد؟. هل أخذ الانقلاب مني عمراً كاملاً، حتى أصبح شخص آخر الآن، مختلف تماماً، لا يفهم ما كان عليه سابقاً ولا يستطيع استيعابه؟ يصعب علي قول هذا، إني لا أشعر بأني انقلبت على مبدأ، إذ لطالما كانت لدي نفس المبادئ، لذا، لا يمكنني فهم الأمر على نحو حاسم، فهم تلك الأخطاء. مع ذلك، لا يمكنني القول بأني لم اتغير، تعاطيي مع تلك المبادئ، وفهمي للحياة؛ لقد كان يشوب أيامي ومواقفي سوء الفهم في أحيان كثيرة، رغم حسن النوايا، ومع زوال أسباب سوء الفهم من تسرع وأمل زائد وتوقعات في غير مكانها أو أكبر من مكانها، يمكنني اعتبار هذا تغير تام، انقلاب إن شئت، في نفسي وشخصيتي، يمكنني القول بأني لم أعد ذلك الشخص قبل عقود، لقد وعيت الشوائب منذ زمن الآن، وتعلمت من اخطائي، فتغيرت تلقاءاً. لا يعني هذا أنني لا أخطئ ولا اتسرع ابداً، يحدث، لكن ارجو ألّا يكون طبعي، ولا تجاه ما يهمني.

ورغم ان هناك تلك الأخطاء التي أندم عليها في حق غيري، التي لم ترتكب عن حسن نوايا، مهما كانت المبررات، سواء ردود فعل أم مبادرات، هل يمكنني ان أقول: عفى الله عما سلف؟، هل الأمر بهذه البساطة؟. لا يمكنني سوى ان أتساءل في ضباب الندم، الذي هبط علي من حيث لم احتسب، وغطاني وأخفى دربي، اتنفسه وهو يأكلني من الداخل ويكاد ان يهلكني، وكأنه سم.

تستمر الحياة…













أجلت حزني أيام الصبا…

حبسته في قلبي قدر المستطاع…

صبرت كثيرا عن البكا…

حتى نسح الدمع من قلبي…

وروى جذور حزني في الحشا…
















مررت مؤخراً بأحد أسوأ ظروف حياتي، وقد نال الأمر من صحتي ما نال، ولم أكن بخير أساساً حينما وقع المصاب. تعرضت والدتي لحادث بالمنزل، لا أعاد الله الشر، والأسوأ أنني كنت في الوضع الطبيعي لن ألاحظ إلا بعد ساعات طويلة. سبحان الله، كان ذلك اليوم هو بداية إعطائي لوالدتي مضادات حيوية كل بضع ساعات، بتوصية من طبيبة. كففت منذ فترة طويلة عن إعطاء والدتي أدوية في الفجر، ذلك اني نسقت الجرعات على نحو مختلف. لكن كان من الضروري تلك الليلة أن أذهب إليها قبل الفجر لأعطيها المضاد، لأول مرة منذ زمن. طرقت باب الجناح ولم تجبني، لكني حينما حاولت أن أصغي سمعت أنين طويل مستمر. اتصلت بالجوال فأجابتني بجهد لتخبرني بأنها وقعت ولا تستطيع الوقوف، ولا يمكنها أن تطول مقبض الباب. جريت مذعوراً إلى أخي، بعدما حاولت كسر الباب بلا جدوى، أخبره بالأمر ليعاونني على فتح الباب. هو أفضل تدبيراً مني حينما يتعلق الأمر بهذه الأمور بكثير. جاء بعتلة وصنع فرجة بين الباب وإطاره، وبضربة بسيطة مني انكسر الباب ودخلنا. وجدت والدتي قد زحفت إلى غرفتها زحفاً. كانت قد خرجت لتتوضأ لصلاة الفجر، فزلت قدمها ووقعت. خشيت بشدة ان يكون الحوض قد انكسر. اتصلت بالطوارئ، وأخبروني بألّا أحركها من مكانها.

لم أكن أدري كم من الوقت أمضت قبل أن اكتشفها، لكن ما راعني وأمرضني فوق مرضي لفترة طويلة قبل هذا؛ هو اني لو لم اكن لأعطيها الحبة لأول مرة فجراً، لربما ظلت في مكانها، وذهبتُ حتى للعمل في الصباح، ولا أدري متى ستكتشفها الخادمة، وهي في برد الغرفة المكيفة تتألم مكسورة ومبللة بعد الوضوء، ولا ادري كيف ستهتدي الخادمة إلى فتح الباب، وكم من الوقت سأستغرق للعودة إلى المنزل حينما أعلم. لا أدري لماذا لم تهتد والدتي للاتصال بي مباشرة. قالت لي بأنها لم تقع قبل وقت طويل من اكتشافي لها، لكن تقديرها للوقت غير دقيق غالباً. غطيتها بالبطانيات لألا تبرد، وجفف أخي مدخل الجناح، بينما ننتظر الإسعاف. حملناها إلى السيارة برفق وحذر، وقد رفعوها ببطانية على المحفة، أعتقد للحفاظ على وضعها نفسه دون حركة مفاجئة او قوية. سألوني إن كان لديها ملف في المستشفى الجامعي، نحن نراجع هناك. لكني أعلم بأن المستشفى على غير وفاق مع وزارة الصحة والهلال الأحمر منذ زمن بعيد، ولا يتعاون معهم دائماً في الطوارئ. وقبل سنوات طويلة، قيل لي بأنه لا يستقبل كبار السن في الطوارئ ابداً. قالوا بأنهم سيتواصلون مع المستشفى، وإن لم يستقبلنا فسنذهب إلى مستشفىً آخر. يبدو انه أجابهم بالموافقة، إذ حينما وصلنا كان بإنتظارنا طبيبة وكانت تعلم من تكون والدتي، إذ يبدو انهم زودوهم برقم الملف. كان اداؤهم سريع في الإسعاف، ولم يكن مزحوماً عموماً لحسن الحظ، لكن كان اهتمامهم ورفقهم بمعاملة والدتي أمر لم اتوقعه، كانت الطبيبات مهتمات ومتفهمات ومهذبات، وكن الممرضات غاية بالحنان والاهتمام. أُخذت اشعة مبدئية، وكان الأمر مطمئناً، ثم أُخذت أشعة أخرى لاحقاً، فتبين بأن الكسر بالواقع في قمة الفخذ، داخل الحوض، لكن الحوض لم يصب بأذى، والحمد لله أولاً وآخراً. جاءت أختي من القصيم مباشرة لترافق والدتي في المستشفى، حيث تقرر إجراء عملية في اليوم التالي، إذ كانت شقيقتاي الأخرتين لتوهن شفين من كورونا، وكانت الفحوص الطبية للمرض تأتي إيجابية، فلم يكونوا ليسمحوا لهن بالمرافقة. في آخر الليل، فوجئت بأختي تتصل، إذ أنهم فحصوها ليتأكدوا من خلوها من كورونا، وتبين أنها مصابة دون أن تدري، فأخرجوها من المستشفى مباشرة. كانت والدتي في جناح عزل، ليس لأنها مصابة بكورونا، لكن خشية ان تصاب، خصوصاً قبل العملية. ولديهم نظام غبي، ولعله في كل مستشفياتنا؛ يجب أن يرافق المريضة امرأة مثلها، ولا مجال للنقاش، رغم أن والدتي في غرفة مستقلة لأنه جناح عزل، ولم يكن جناح للنساء فقط كذلك، ففي كل غرفة إما رجل وإما امرأة، وليس كالأجنحة العادية.

ذهبت في اليوم التالي وقضيت وقتي في المستشفى، استجديهم ليتركوني أطل على والدتي من الباب فقط، أريد ان اطمئنها بأني موجود وكان صوتها قد بدأ بالاختفاء لكثرة الصياح والمناداة، وكانت تعتقد أني السبب بتركها لوحدها، وأني في كل مرة أذهب واتركها بلا اهتمام. بينما يتم إخباري بمغادرة الجناح بسرعة في كل مرة. انتظر بالخارج، حتى يفتح أحد الباب فأعود مجدداً استجدي. أُسقط في يدي، ولم أعرف ما أفعل. تقرر ان اسأل الخادمة إن كانت لا تمانع مرافقة والدتي، وافَقَت بلا تردد، وهو معروف منها لن أنساه ما حييت. في صباح اليوم التالي ذهبنا، وكانت الإجراءات شديدة الصعوبة، إذ صار من المطلوب وجود ملف للمرافق في المستشفى، وهذا يحتاج إلى موافقة، والموافقة تحتاج إلى تقرير يفيد بحاجة المريضة للمرافقة، والتقرير يحتاج إلى موافقات، ثم القيام بفحوص كورونا، ثم انتظار النتيجة، قبل السماح لها بالدخول للمرافقة. وجدت نفسي لوحدي بالأزمة، ولا يمكنني التواجد بمكانين بذات الوقت، ولم يهتم أحد للقدوم والمساعدة، فيما لم يسمح حارس الأمن اللعين بدخول الخادمة، فضلاً عن الاتصال بي والنهيق بالهاتف غاضباً من تركها بالمدخل، قاتله الله وابتلاه في نفسه. بعد القيام بكل المتطلبات، أخبروني بأن انتظر نتيجة الفحص، وأن أعود إلى المنزل. تبرعت بالبقاء مع والدتي زوجة خالي العزيزة، وزوجة أحد إخواني وهي دوماً سبّاقة رغم ظروفها الصعبة، لكن الإجراء لمرافقة الخادمة كان قد بدأ، ومن المضيعة البدء بإجراء جديد. في الليل، علمت ان الخادمة لائقة صحياً للمرافقة، فأخذتها إلى والدتي، وبصعوبة أدخلونا، وهم يضعون على مدخل الزوار رجال لا يبالون بظروف الناس، قلوبهم قاسية عن عمد، لؤماء ولا يفهمون. كانت أمي قد خضعت للعملية بالفعل، وقد بلغ بها الإحباط مبلغه لما بقيت بالغرفة لوحدها طوال هذا الوقت. لا يمكن تخيل طمأنينتي النسبية حينما بقيت الخادمة مع والدتي، فجزاها الله عنا خير الجزاء. والدتي لم تتخل عن فكرة تركي لها هناك عمداً، رغم أني أقضي ما استطيع من يومي أمام جناحها، لأدخل كلما استطعت لألقي عليها نظرة من الباب لأطمئنها، وأخبرتني الخادمة بأنها تصيح بأعلى صوتها منادية بإسمي لأخرجها من المستشفى طوال الوقت حينما أعود إلى المنزل ساعة المغرب.

كان طاقم التمريض غير متعاون معي تماماً. وعند الاتصال بهم لتسليم شيء، كدواء لوالدتي احضرته من المنزل ليراه الطبيب، يخبرونني بأنهم سيفتحون باب الجناح، لكن يتجاهلونني ببساطة بعد انتهاء المكالمة. لم يفهموا ابداً وضعي ووضع والدتي، وما كنت أحاول أن أقوم به. كان هناك برود عجيب ولا مبالاة وعدم تفهم أشعرني بوجود علة نفسية وإنسانية لدى الطاقم هناك. مع ذلك، استمريت بشكرهم دائماً، فلم أرد أن استفز احد قد يتهاون بعد ذلك في أمر والدتي، رغم رغبتي بالبصق في وجوه بعضهم وبعضهن، مع وجود ممرضة واحدة عاقلة ومتفهمة، هندية كبيرة بالسن، ولكنها لم تتواجد دائماً. كما كان الطبيب الذي رآنى بالطوارئ يأتي إلى القسم، وقد اتصل علي بعد العملية ليطمئنني بنجاحها، إلا انه لم ينظر برسائلي عندما أردت أن أخبره بوجود دواء مهم غير مذكور في ملف والدتي، وكنت قد أخبرته عنه في الطوارئ، حيث بتنا نراجع طبيب في مستشفىً خاص لهذا الشأن حينما ضيقوا علي ومنعوني من الدخول مع والدتي في عيادة النساء العامة. لم يجب على المكالمات حتى. تبين بأنهم لم يعطوها الدواء لسبب ما، شعرت بالقهر، لا أحد منهم يتواصل معي رغم تركي لرقمي، ولا مبالاة لدى الممرضات رغم اتصالي الدائم وحضوري حتى المغرب. أخيراً استجابوا لسؤالي ونقلوه للطبيب الآخر، وأحضرت لهم علبة منه ليعطوها، لكنهم أعطوها من عندهم على ما يبدو. أما الطبيب السعودي الذي رفض التعاون، فقد رأيته لاحقاً يأتي إلى القسم بإستمرار، ويتميلح أمام الممرضات ويقول بلكنة سخيفة من طرف خشته الواسعة المطاطة الغريبة: مام، يريد أن يقول سيدتي، والممرضات التافهات سعيدات بالاهتمام، الذي لم يكن اهتمام موجه للمرضى للأسف.

وفي اليوم الأخير، دخلت لحسن الحظ حينما فُتح الباب المقفل الكترونياً، ووقفت أمام غرفة والدتي، وكانت في غاية الغضب، وقد أصبحت في ذلك الحين توبخني كلما رأتني، فيما كنت أهدئها، فسمعت من خلفي من يقول باللغة الانقليزية هذا ابنها هذا ابنها!، فناداني طبيب مسن ومعه طبيبة شابة، وأخبروني بأنهم أرادوا التواصل مع أحد من ذوي والدتي. سبحان الله على الغباء أو اللا مبالاة، تركت رقمي مع الممرضات، فضلاً عن ربطه بملف والدتي، فضلاً عن وجود الخادمة التي كان يمكنهم اخبارها لتتصل بي. ولو لم أدخل وبقيت في الممر بالخارج كما أضطر معظم الوقت لما عرفوا اني معني بالأمر. كان الطبيب المسن هو طبيب والدتي الرئيسي حينما كنت في الجامعة، وقد روعني ذات مرة حينما أخبرني في الموعد بأنها مصابة بالسرطان، ولن تعيش كثيراً، وقد بكيت ذلك اليوم حتى تعبت، وذهبت إلى الجامعة بوجه راع من انتبه، وقد أحالنا إلى طبيب والدتي الحالي، الذي طأمننا، وعالجها بنجاح ولله الحمد والمنة، وبعده له الشكر. تبين أنهم يريدون سؤالي عن بعض التفاصيل، وأخبروني بأنها ستخرج اليوم. كما أخبروني بأن طبيب والدتي الوحيد الذي نراجعه بالمستشفى قد فوجئ بدخولها إلى المستشفى، وأنه حاول الاتصال بي (يعني كان يمكنهم أخذ رقمي منه). سرعان ما وصلني اتصال من طبيب والدتي الطيب، وقد كان مصدوماً من الخبر. أخبرني بأنه سيأتي ليطمئن عليها حالاً. لم يطل الانتظار، ولما جاء حياني وتحمد الله على سلامة أمي، لم تكن استجابتي واضحة، ذلك أني لم أكن على حالي المعروف قبل الحادثة أساساً، ناهيك عن حالي بعد الحادثة وقد تدهور أكثر. وحينما دخلنا الجناح طلب ردائين معقمين لي وله، فقالت الممرضة بأنه يمنع علي الدخول، فرد بأني يجب أن أدخل لأترجم (لأن والدتي لا تسمع جيداً وقد لا تفهم لهجته، وربما هو لا يفهم لهجتها). سلم على والدتي وكان صوتها بحوح مكتوم يكاد لا يُسمع لكثرة الصياح الأيام الفائتة، ردت سلامه وسألها عن حالها، اوصلت لها ما قال، فقالت بأنها بخير وأن عليه ان لا يخرج قبل أن يكتب خروجها، فوعدها بذلك، لعلمه بأن طبيبها قد وافق على خروجها بالفعل. أعطاني توصياته فيما يخص الأدوية التي يعطينا، وأدوية اضافية مؤقتة.

جاء طبيب شاب من فريق طبيب والدتي، وكان لطيفاً، وشرح لي بعض الأمور، وسألته عن بعضها فقال بأنه سيسأل ويخبرني. سألته إن كان هناك رقم مساعد أو مساعدة يمكنني الاتصال به في حالة أردت ان أسأل، اعطاني رقمه بتردد، ووعدته بأني لن أزعجه. لكن كسرت الوعد بعد عدة ساعات حينما لم يتم كتابة الخروج بالنظام وتأخر الوقت كثيراً وخشيت أن يغادروا المستشفى قبل كتابته. وعدني بأنه سينظر بالأمر، وفوجئت به يأتي قبل نهاية دوامه ليخبرني بأن الطبيب سيكتب الخروج، و قد جاء ليصحح لي معلومات ويجيب عن اسئلتي. جزاه الله خير الجزاء.


حينما خرجنا، قالت والدتي بالسيارة بأنه لا فرق بين الخروج والمكوث بالمستشفى، وأنه كان من الأجدى لو بقيَت. انفجرت الخادمة ضحكاً.



أمي، حبي لك لا يكاد يُحتمل، لا يكاد يُحتوى، إنه يُبقي قلبي على حافة السكوت، ويُبقيه ينبض بنفس الوقت، ويُبقي الحياة ضرورة.



لم يكن حب والدتي هو الحب الوحيد الذي عرفته في حياتي وإن يكن الأكبر والأعظم بطبيعتي، وليس بطبيعة الحال. لكن ما عرفت سواه إلا حب يُذبل القلب، وحب يحطمه، كلها بلا طائل، وغير متبادلة، وأنانية مليئة بالأكاذيب.


إني محظوظ بالتعبير أكثر من كثير سواي؛ ها أنا أقول وقلت قديماً ما يعطي فكرة عما أشعر به.

حتى عن حبي للآخرين، لقد عبرت عنه على مر السنوات، منذ أيام الشباب، بحيث أثق الآن بأنهم لديهم فكرة عنه، ربما مداه عصي على خيالهم فلم أحب يوماً شخصاً ذكياً، إلا أنهم لديهم فكرة، ولديهم فكرة عن إقامتهم الطويلة في قلبي، ليس لمزية فيهم، إنما لصدفة أنه لم يأت أحد ليزيحهم، فحياتي محدودة، وحظهم بغبائي كبير، فمثلهم لا يُحب.

لكن من يدري، لم يأت غيرهم ليزيحهم، لكنهم فقدوا أهميتهم كثيراً مع ذلك.


أحاول أن اذكر نفسي دائماً أني أسعد حظاً من كثيرين، كان من الممكن للكثير من الأمور أن تكون أسوأ، وأذكر نفسي بأنه قلما يعتقد الإنسان باستحقاق إنسان آخر للسعادة أكثر منه، وهذه نزعة يجب أن أعيها جيداً، كما أقول لنفسي، خلال فترة تحسني، وقبلها، إنما زاد تذكيري لنفسي بها مؤخراً، فمع تحسني عدت أتذكر ما تمنيت سابقاً أكثر من سواه. إنه الشعور بالعافية والاطمئنان، هو السبب، إذ حينما يبدأ هذا الشعور بالعودة نبدأ نحن بالعودة إلى عاداتنا، من التذكر والتمني، والأسى على الأخطاء وما كان يمكن أن يكون. لا يمكن لمثلي أن يسعد. لكن هل يمكنني أن أرضى؟.


والدتي بحال أفضل الحمد لله، وأنا كذلك، أمورنا تتحسن.


باستثناء خيبتي بمن كان يلزمه الوقوف معي ولم يقف، لم آسف على عدم وقوف أحد آخر معي، لأنه لم يعد يوجد أحد.


 أسفت على والدتي، إنها مجرد عذر للآخرين للالتقاء بالآخرين فقط.
















أفلتُّ شعرة معاوية…

هكذا…

انتهى الأمر…

أمضي الآن حراً…

من وحشة الآمال الخاوية…

















يساورني شعور غريب منذ فترة طويلة الآن، أتمنى أن يزول يوماً ما لسبب جيد. لقد بت لا أتوقع من أحد شيء، وبذات الوقت أتوقع من الجميع أي شيء. لم أعد أتوقع السؤال، والاهتمام، ورد المعروف ورد المحبة والتقدير، لم أعد أتوقع الحُسنى. وبنفس الوقت، صرت منفتح الذهن، لا أفاجأ بأي جرح، ولا بأي إساءة، ولا لؤم وقسوة، ولا خداع وتلاعب. أعتقد اني شبعت من القهر والخداع، ولم أعد أعبأ.















لأنك بخير…

تتخيل اني استطيع…

تقول لا تفكر…

لا تشغل ذهنك بالقديم…

ولا تقلق على حظ تأخر…

لكني لا استطيع…

إذ تتوقى شمس الهموم حين تشاء…

وتنعم بالراحة في ظل الشجر…

عالمي قاحل لا ظل ولا مستقر…

وشمسه القوية لا تغيب…

وكفوفي لا تنفع في هذا السَقَر…

لو كنتُ بخير…

لما رأيتني حزين…

لما راعتك دموعي…

ولاسترحتُ من إرهاقي…

فعقلي ليس بيدي…

لا يكف عن التفكير…

في اليقظة وفي الأحلام…

يتعب لكن يستمر…

مبحراً بلُجّة الأحزان…

يبحث عن مرسىً غير موجود…

لو يرتاح ليوم واحد…

لرأيتني راضياً…

لأريتك أخيراً دموع الارتياح…

لعرفتُ أخيراً…

معنى أن اكون بخير…

لعرفت عما كنتم تتحدثون…

أهذا ما كنتم مني دوماً تطلبون؟…

لكن لأنك بخير…

لن تفهمني يوماً…

ولن أفهمك أنا…

سأظل في وحشتي…

وحيداً…

لا فاهماً ولا مفهوماً…

تائهاً في أفكاري…

أفكر بمشاعري…

المهدرة كأيامي…

وعمري الذي مضى بلا جدوى…

قلبي الكبير الخاوي…

قلبي الصغير المُتعب…

كيف لم يمتلئ يوماً…

كيف لم يَسَع يوماً…

وآمالي تتجدد وتتبخر…

تنبثق كالزهور كل الربيع…

ثم تحترق بالصيف القريب…

لو كنتُ بخير…

لفهمتُ لِما هانت مشاعري…

لِما تقسو القلوب…

لماذا يكذب البشر…

لماذا كثيراً ما خُدعت…

لربما حتى من الكذب تمكنت…

ولعل وعسى نَسيت…

ولم أكرر غلطاتي…

ولم أدفن دموعي في مخدتي…

 لكن تأخر الوقت على الفهم…

ولأنك لست إلا بخير…

لن تفهم معاناتي…

وستقول لِما الحزن على القديم…

ولِمَ القلق على ما تأخر…














للأسف، اضطررت إلى بيع سيارتي أخيراً، وهو أمر أشعر بأني لم أستوعبه بعد، رغم مرور أشهر. حينما كنت في أسوأ ظروفي، خصوصاً مع وضع أمي الصحي الأخير، وجدت أني لن أستطيع تحمل هم شيء آخر، خصوصاً مع حالتي المادية الصعبة في حينها، وقد بدأت السيارة بالتعطل أكثر فأكثر لسبب ما. لقد اكملت اكثر من 7 سنوات، وربما مع بعض الاستثمار كانت ستكمل سنتين أو ثلاث أكثر. كانت تحتاج إلى مصاريف، وجهد لا أملكه؛ خصوصاً بعدم توفر القطع إلا بمكان يبعد حوالي ساعتين عن المنزل، لا أملك الوقت، ولا الجهد، والميزانية ليست على ما يرام منذ فترة طويلة الآن. في السابق، كنت فقط أهرع إلى مركز الصيانة بعد أخذ موعد، وأصلح المطلوب، لم أبخل على سيارتي التي أحب كثيراً.

لم يكن بوسعي في حالتي تلك مقاومة اقتراح البيع، وشراء سيارة مستعملة بنفس القيمة، لكن بقطع أرخص وأكثر توفراً. لم أعد املك رفاهية مقاييسي السابقة؛ لم يعد يمكنني تحديد ميزانية والبحث عما يسر عيناي رؤيته من أشكال سيارات ومزايا وألوان، لا أملك رفاهية التعبير عن ذوقي، أردت فقط أن أرتاح. وفي ظروفي تلك؛ كنت أريد ان أزيح من الهموم ما يمكنني إزاحته، لم أرد حتى أن اختار، أردت فقط أن أحصل على شيء يكفيني، بسعر يمكنني دفعه بعد بيع السيارة الحبيبة.

في تلك الظروف، لم يقف معي أحد بقدر ما وقف معي ابن أختي الغالي. لقد وقف معي كل من همه أمري، أي اخواتي وابناؤهن على وجه الدقة، لكن لم يكن باستطاعة أحد مساعدتي، ولم يدر أحد كيف يساعدني. اتخذ ابن أختي هذا زمام المبادرة لما تطلب الأمر، وفعل كل ما بوسعه ليكفيني الهموم التي لم يعد يمكنني أن أضيفها إلى همومي. لقد أسقط سيارتي القديمة التي بات همها يأكل ويشرب معي من اسمي في المرور، وباع سيارتي العزيزة، واشترى لي بثمنها سيارة أخرى مستعملة لكن ذات جودة معروفة، اشترى لي صني، وقام بإصلاحات بها لأجلي. هي سيارة جيدة، ذات استجابة لم اتوقعها، وتماسك، وتكييف ممتاز. مع ذلك ورغم قضائي معها أشهر، إلا اني اركبها في كل مرة مستغرباً، وكأنها ليست سيارتي، أشعر دائماً بأني أركب سيارة مستأجرة، سوى أني لا أدفع الإيجار، إني حتى لا اتعرف عليها في المواقف بسهولة أحياناً. حينما أنسى وأنظر داخلها باحثاً عن شيء اعتدت عليه في سيارتي القديمة، يتوجع قلبي، وأُصدم؛ لقد بعتها، هكذا، قبل أوانها، ليس لخلل كبير فيها، لكن لهمومي الداخلية ومتاعبي، لم استطع ان أضيف إصلاحها إلى تلك الهموم، لم استطع ان أبذل المجهود الذي أبذله بالعادة، ولم أعد أملك الوقت ولا الجَهَد ولا الفائض من المال. كذلك خوفي من تطلبها أكثر فأكثر، لم أعد استطيع الانتباه للمزيد من الأمور، أردت أن أبسط كل شيء. في البداية، ولفترة طويلة، شعرت بالارتياح، من سجل السيارة القديمة وتخلصي من المشاكل المستجدة التي جاءت بالوقت الخطأ في الرينو الحبيبة. لم أرد ان أفكر بها، كنت فقط أحاول ان أصرف انتباهي عن ذكراها، وكان لدي ما يشغلني؛ صحتي وصحة والدتي.

أما وقد تحسنت الأمور الآن الحمد لله، بدأت شيئاً فشيئاً أشعر بالحزن أكثر فأكثر. حينما أرى سيارة تشبهها في الشارع، أطيل النظر، وحينما أرى سيارة تشابهها بالألوان، الأزرق باستثناء السقف الأبيض، يخالجني شعور بالحنين والحزن، لشيء ذهب ببساطة، بإختياري، وبلا تفكير مطول أو تردد، في ظروف خاصة. مع ذلك، لا أندم على بيعها، كنت حقاً لا استطيع الاستمرار بإصلاحها، ولا أعتقد بأني عدت حتى الآن لجَلَدي السابق؛ لا زلت لا أملك الطاقة، وما أصنع بما أصيب من طاقة لا زلت أريد أن أركزه على والدتي وشقيقي فقط، والضروري لنفسي.

شعرت في ذلك الحين، وأشعر حتى الآن، بأني لم أعد أريد شيء مميز لنفسي، لم أعد اريد ان أختار ما يعجبني، يكفيني الكفاف.

ربما مع الزمن أعود إلى سابق عهدي، تلك الرغبة بالتفكير والاختيار والتجريب، ربما، وربما لا.

لا زلت أحلم بها في مناماتي مع ذلك.










اخاف ان افرح...

فما طال بي الأمل قبلاً...

قبل ان أترح...

أخاف ان أرجو...

إذ تترصدني الخيبة...

حتى على صدري تجثو...

أخاف ان اتطلع...

فيغضب الواقع إذ نسيته...

فيظل يلطمني حتى اتوجع…


مللت الصبر…

وضاق الصدر…

إذ اكتفيت من العِبر…

ويئست من سماع خبر…

بل لم أعد انتظر…

فما انكسر فاته الجبر…


كفى…

دعني بسلام واختصر…

إذ لعشرين سنة أحتضر…

أموت وأحيا…

إذ بيداي انعش قلبي…

كل مرة بلا مبالاة يداس…

فيتحطم وينكسر…

ولا أتعلم…








سعد الحوشان