سِجل المدونة

الأحد، 1 فبراير 2026

الأحد بعد منتصف الليل



بسم الله الرحمن الرحيم







لا يمكن لأحد أن يوقف الأيام، لكن لا يفهم الحزن هذا، ولا أنا، فيبدو لي أني الحزن نفسه.
ألهو، أضحك، أخرج، إذ أني رحال حالياً، لكن أتصور بأن حقيقتي تظهر حينما أكون لوحدي بالنهاية.
كثيرٌ ما لا أفهم، إني أرفض التحدث عن أمي مع أحب الأحباب وأقرب الناس، لكن لا خلاف لدي على الكتابة عنها هنا بقدر ما تسمح به قدرتي على التعبير. ربما لأني لا أخشى ألّا أقول ما أريد، وربما لأني لا أضطر لسماع من قد لا يعطي الأمر حقه مهما حاول، وربما لأني لا أحتمل فقط وأحتفظ بأموري لنفسي. عند اضطراري لسماع أحد يسترسل، لا أتكلم، لكن تتكلم دموعي.

إني هارب الآن منذ فترة، لغرض الصحبة والتغيير. لكن بعودتي للصمت بعد انتهاء كل شيء وفراغ فكري، قبل نومي، أعود إلى البيت الذي تركت خلفي. أحياناً أفكر، ماذا لو كانت نفسي مخنوقة، مكتومة الأنفاس طالما أنا ألهو وأضحك؛ ثم تعود للتنفس والحياة، حالما أصمت؟، ذلك أن هذا الحال هو ما أتصور أنه طبيعتي.

يأخذني زوج أختي بالقصيم إلى كل مكان يحسب أنه مما أهتم له، من طبيعة وزهور وحيوانات وآثار مغرقة بالقدم، وهو محق، إنه يبذل المستحيل، هو وجميع من بالمنزل. كان رفضي للقدوم قبلاً هو خشيتي من بكاء أختي كلما رأتني. أعتقد أني آخر آثار أمي في هذه الحياة لدى الكثير من الناس، وكانت أختي قد تعهدت ألّا تفعل قبل فترة. لكن حينما قررت المجيء بالنهاية، بكت حالما رأتني. أود أن أرى الناس، لكني لا أريد أن أسمع ما يريدون قوله فيما يخص ما حدث، سوى أني لا أقوى على زيارة القصيم دون رؤية خالتي، زوجة عمي رحمه الله، مهما كان ما سيحدث، فهي أم ثانية.

يعتل قلبي أحياناً إذ أفطن لوفاة خالتي أخت أمي رحمهما الله جميعاً، إذ أقامت لسنوات في منزل أختي فأتذكرها فيه، كان حبي لها يزداد ويتضخم مع العمر، وكنت أخبرها به كلما استطعت، وكانت وفاتها فاجعة، لقد توفيت قبل أمي بأقل من سنة بقليل، وقد عانت كثيراً. كنت قد استبشرت حينما رأيتها آخر مرة بالمستشفى، قبل وفاتها بأيام، حينما عرفت من أنا. أعتقد أن قلبي لا يقوى على تحمل المزيد.

الآن، لم يبقى إلا خال واحد، أمد الله بعمره بالصحة والعافية. كانت أمي قبل ذلك توصيني بعمي، إذ مات عمي الآخر رحمه الله قبل سنوات، تقول لم يعد لك غير عم واحد، تحثني أن أصله والا أتركه. مع ذلك، لطالما كنت مقصراً في حقه، رغم حبه الذي لا يكف عن التعبير عنه حينما نتواصل.

لقد استمر بالاتصال بي بعد وفاة أمي كثيراً، إلى جانب خالتي الحبيبة زوجة خالي، للاطمئنان علي. يجب أن أحاول، أن أستحق أي من هذا، أن أعطي وأرد.




يؤسفني أني خيبت أمل زوج أختي الأخرى العزيز بسبب سوء الترتيب، ذلك أن النية والخطة والالتزام كان زيارتهم أولاً حيث يقيمون قرب الرياض. إنه يهتم لشأني الحياتي منذ سنوات طويلة، وينظر فيه أكثر مما ينظر فيه إخواني بكثير، ولا أدري لماذا، إلا أنه توفيق من الله، فله الحمد والشكر.

هل أحبكم أحد دون أن يراكم؟. يمكنني القول بأني حظيت بهذه النعمة الحمد لله ذات مرة. إني أجد بأني عموماً قلما أُلاحظ، لكني أخبر نفسي بأن محبة بعض الناس وتذكرهم لي هي نعم لم أكن لألحظها لو لم أكن خفياً إلى حد بعيد، ومحبة مثل هؤلاء الأشخاص وتفكيرهم بالمرء له معنىً يفوق أي شعبية أو توكيد من الآخرين.

لقد كنت شديد الوصل بشقيقاتي، فإلى جانب مكالمتي اليومية لأمي رحمها الله قبل أن أعود إليها من العمل، أحاول بقدر الإمكان أن أتصل بهن كل يوم. اثنتين من أخواتي متزوجات من إبني خالتي شقيقة أمي رحمهن الله، خالتي هذه التي لها موضع خاص في قلبي، كَبُر معي.

أما أختي الثالثة، فتزوجت رجل من أسرة كريمة لم يكن لنا بها سابق معرفة قرب الرياض، وكانت والدته تحبني كثيراً وتخبرني بهذا، وترسل إلي سلامها مع أحفادها ومع أختي، كما تكلمني في حالة كانت أختي تزورهم. لسبب ما، ورغم أننا لم نلتق من قبل، إلا أنها خصتني باهتمام ومحبة وحرص غير عاديين. لقد أحببتها كثيراً كذلك، ولطالما تمنيت لو زرتها في منزلها، وإن سُمح لي أن أقبل رأسها. كانت دوماً تحب أن تتكلم في حال كانت أختي تزورها، خصوصاً حينما يصدف أن أتصل، وتدعوني للقدوم إلى مدينتهم القريبة. كنت أخطط كثيراً وأتمنى، إلا أن رعاية أمي رحمها الله لم تكن تسمح لي، وهذا عذر صادق لكن كان يمكن ترتيبه ولو لمرة لو كنت في تمام انتباهي، إذ أني كنت مُهملاً خلال تلك الفترة، قلما انتبهت لأكثر من شيء مهم في ذات الوقت، ولم أنتبه من غفلتي تلك إلا منذ مدة بسيطة.
فات الأوان، إذ اختارها الله إلى جواره. بكيتها بمرارة، وذهبت لأصلي عليها، وقد أتعبني الأمر أيما تعب.
الآن سأقيم هناك لبعض الوقت، لكني تأخرت. رحمها الله وأمي وأبي وخالتي وأم عبدالرحمن رحمة واسعة.

سأحاول مع من بقي، ومن يدري من سيدفن الآخر، ومن سيصلي على من.







وددت أن أرى خال لي، ابن عم لأمي أحبه، لكني خشيت أن أحرج نفسي. ولما بقي آخر يوم لي بالقصيم لم أقوى نفسي ونويت زيارته ولو للسلام أمام بيته قبل أن أغادر. لكن شاء الله أن لا يحدث، حيث أن رفقاء الرحلة ظلوا يغيرون المواعيد، وأنا أخشى تأخيرهم فيما لو غادرت المنزل للزيارة، وفي النهاية أخروني هم للأسف ولم أزر خالي. وصلت محرجاً لتأخري إلى أختى الأخرى قرب الرياض. لم أذهب بسيارتي، لأنها أولاً تحتاج إلى إصلاح في حال المشوار الطويل والسرعة المرتفعة، ولأني أساساً بت أتعب جسدياً حتى عند القيادة داخل الرياض.






لم يقصر أحد في البيت الآخر، إني أخجل لكوني محور اهتمام حينما أفطن، فلم أكن الوحيد الحزين بكل تأكيد. يأخذني زوج أختي إلى البراري والهواء الطلق، وأحياناً نذهب جميعاً، وأحياناً يأخذني ابنه. أرى كثير مما يسر الناظر من خلق الله، شجر وضلوع صخرية وطيور وغزلان محروسة، فأتساءل أحياناً إن كان هذا ليسر أمي أن تراه. كيف يقال للمرء أن ينظر إلى حياته الآن، وحياته قد ماتت.






تداهمني ابتسامات أمي دائماً، طوال الوقت، أكثر من الذكريات الأخرى لسبب ما. كم كانت تدفئ قلبي. ما الذي سيدفئه الآن. إنه بارد يكاد الا يحتمله صدري، بينما هو يريد أن يكف عن الإزعاج.







أضحك وألهو، لا أرد اقتراحاً، لا أخيب أملاً ولا مجهوداً. ومع ذلك، هناك ما يشبه الجلطات الصغيرة، معنوياً، سوى أني أشعر بها، نغزات في قلبي، سكتات للحظات مجهرية، ربما موت لجزء من ثانية، أجتر آثارة طويلاً بعدها. بسمة تذكرني بها، ملاحظة، قصة، عيون وليدة تتابع من أمامها، الشاي، ماء الورد، البراري وزهورها والأشجار، وبيوت ناس عاشوا وماتوا، الغنم ترعى، النخيل، القرآن والمصاحف…
كيف تركتني لوحدي… ماذا سأصنع الآن، خلافاً لما يقال لي يجب أن أفعل، فأقول طيب.







قبل مغادرتي الرياض في هذه الاستراحة، تشجعت على تجميع ما قُسم لي مما اخترت من حاجات أمي. شحيت بالكثير حينما سؤلت عما أريد، رغم علمي بأنه سيتبرع به عنها، لكني لم أقوى نفسي. ورغم تجهيزي لحقيبة ومواد لتحفظ الأشياء، ظللت لفترة لا أقوى على القيام بهذا. في آخر الليل بدأت أسفط وأرتب، وأحضن وأشم، بكيت لا أقوى إلا على أن أطلق العنان، وصحت حيث لا يسمع أحد متألماً فاقد الحيلة، كيف تركتني يا أمي…
لم أمر بألم كالذي أمر به الآن، الألم الممتد، مرض لا يُشفى، ولا يَقتل. لا يمكن للمرء أن يُسكن الألم كل ساعات حياته، يمكنه فقط أن يعيش اللحظات المقطعة من النسيان تتخللها طعنات إبر الذكريات الطويلة الحادة، صخبت لحظات النسيان أم هدأت، إبر الضمير لن تنسى وستُذكره، يجب أن يتعود على هذا. ثم يعود إلى ذاكرته حينما يخلو إلى نفسه ويفكر، حتماً.
احترفت تجاهل دموعي حالما تبتل عيناي وإخفاؤها في كل لحظة، حينما تبرق الذكرى في ذهني، حتى وأنا أضحك أحياناً، إذ أرى أو أسمع ما يذكرني بها ولو من بعيد. لقد عشت عمري مع أمي لصيقاً، كل شيء قد يذكرني بها. وإذ أجروء لأقول هذا هنا، حيث لن يوبخني أو يلومني أحد؛ ما بقي من عمر، ماذا سأصنع به…






شكراً وحمداً لله.

شكراً لعمي، البقية الباقية لي، شكراً لحنانك وصبرك الذي لا ينتهي.
شكراً لخالتي زوجة خالي أطال الله بعمره، لطالما كنت معي في الشدائد، بلا مواربة أو تردد أو حد للعطاء والاهتمام.

شكراً لخادمة أمي، فتري، الوفية الرحومة الحنونة، لم أتخيل عطف إنسانة على إنسانة آخرى في أضعف أوضاعها بهذا الحجم من الإيثار والرحمة، واتخاذها أماً. لن أنسى اهتمامك المستمر ورعايتك ومراعاتك وصبرك، وفرحتك بالتحسن ومتابعتك لكل شؤون أمي، وبكائك عند الزيارة وفرحتك بالتحسن دائماً، وفرحتك بعودتها من المستشفى في المرة الأولى وقُبلك التي أسمعها حينها، أحمد الله أن رزق أمي ابنة أخرى. لقد فقدتِ أمَّين في أيام تزيد عن شهر بقليل، ومع ذلك، ما أقوى إيمانك. لن أنساك ما حييت وصنيعك مع أمي، رحم الله والدتينا وأسكنهما فسيح جناته.

شكراً لأخواتي وبنات وأبناء أخواتي كافة، الذين حملوني على كفوف الاهتمام والانتباه، رغم مصابهم الذي لا يقل عن مصابي. شكر لا ينتهي ولا ينقطع. لم أفهم أبداً سبب كم الحب منذ صغركم حتى الآن، لكن، لعله عائد لحبي لأمهاتكم. شكراً يا عبدالملك، شكراً من أعماق قلبي، منذ سنوات، لا أدري ما كان سيكون حالي بلاك.

شكراً لبنات وأبناء إخواني، واحداً واحداً.
ولا أنسى تقديري العميق لاهتمام ابناء حمد المستمر؛ أسامة، وعبدالرحمن، مع علمي بأن عبدالله مشغول، وفقه الله. وشكراً لبنات خالد كافة وابنه العزيز، ومحمد ابن فهد. شكراً لوالداتكم الأمّارات بالخير والرحمة.
شكراً لرجال أخواتي، كم شُغلتم بأمري، ليتني أستحق.
شكراً لكم جميعاً، عدّاً عدا، أبناء وبنات ونساء ورجال، فأنتم ذخرٌ لي وعسى أن أرد المعروف في كل الأحوال.

شكراً لكل من اهتم من الأقارب، أتمنى لو كنت أستحق.

شكراً لزميلي بالعمل أبو عمر، على مساعدته وتفهمه الدائم لتقصيري.

شكراً عبدالله على تعليقك بالمواساة، شكراً لعدم نسياني دائماً.
شكراً مجهول على إحساسك ومواساتك في تعليقاتك، وجهدك الكبير ووقتك لمحاولة المساعدة. شكراً على رابط الصدقة عن أمي رحمها الله، جزاك الله خير الجزاء، قمت بالكثير، أتمنى لو كنت أستحق.
يؤسفني أني لم أنشر تعليقاتكما.

عزيزي عبدالعزيز الخشيل، شكراً لأنك لم تنسني بعد كل هذه العمر الذي مر. شكراً لوفائك. لم أنسك أبداً، ورغم أني لم أعرفك إلا بتعليقات بسيطة منذ زمن بعيد إلا أني تكلمت عنك قبل فترة قصيرة بالخير وبالامتنان للطفك. ليت كل من تذكرت يتذكرني، ويصلني حينما لا أستطيع الوصل.
شكراً لك، ولا أراك الله مكروهاً فيمن تحب. وختامها مسك.







إني في إجازة من غير راتب من العمل، وبعد إصرار أو ضغط ممن حولي جاءت أقصر مما كنت أريد بكثير. بيد أني أفكر بتمديدها، ولا أعلم. لقد كان حالي أسوأ في العمل. لا أدري إن كنت حتى أريد الاستمرار بالعمل أحياناً. لقد كان أكثر ما أخشاه في أمر الدنيا هو أن أعتمد على الآخرين، لكن الآن لا أشعر بأني معني بهذه المبادئ. مع ذلك، ما باليد حيلة على ما يبدو.
ربما أمدد قليلاً على الأقل.







أفتح مذكرة الجوال، فأجدها تمتلئ بملاحظات صحية لأمي، أسماء أدوية وأطباء واقتراحات، نتائج تحاليل وأسماء تحاليل. كنت أحاول القيام بشيء مهم، كان وجودي وحياتي لهما وظيفة. لا يحتمل قلبي وأنا أقرأ الملاحظات التي أجمعها لأناقش بها الأطباء، حينما كنت أبحث عن حل. يتألم قلبي على أمي، لقد عانت كثيراً، ولكن كان لدي أمل لا ينضب. الآن لم يبقى شيء سوى الألم. لم أجرب الفراغ من الأمل قبل الآن.







مع كثرة الإلهاء والإشغال، أتساءل أحياناً إن كان هذا الأمر الصحيح. يجب أن أعود إلى الرياض قريباً، بعد التأكد من رضا الجميع.







سعد الحوشان

الأحد، 4 يناير 2026

12:33

بسم الله الرحمن الرحيم








لماذا لم أتوقعها، رغم إحساسي المتزايد على مر الأيام الأخيرة؟، حينما أخبرتني الطبيبة في مكالمة أن أمي توفيت. لا زالت الذكرى تداهمني، من بين الذكريات والأفكار التي لا تحصى، إذ تزدحم وتتدافع في ذهني على مر اليوم، حالما أخلو بنفسي. تتدافع الأفكار ببراءة لا تستطيع ردها، كما حين يأتيك الأطفال مجتمعين ليحدثوك عن أيامهم، إلا أن أفكارك تخبرك بما لديها عن ما مضى من أيامك، والوجه تراه متألم ومبتسم وقلق وساكن وأنت كنت تعيش لتتألم وتبتسم وتقلق وتترقب حال ذلك الوجه، الذي عليك أن تتقبل راغماً أنه بات ذكرى الآن. إنها لحظة غريبة تقسم حياتي إلى نصفين، بوضوح شديد، قسمة موسومة بالدقيقة. لقد بدأتُ بالاحتضار لحظة علمي بشكل ما، وبعد شهر الآن، إني كميت لا يعرف كيف يستريح، يتساءل عن الراحة التي يوصف بها موت البعض.

أتخيلها كالنائمة حينما أتذكر، لقد بدت كالنائمة. أعتقد بأن مرد تفاجئي بالخبر هو الأمل لا المتناهي الذي تحليت به لفترة طويلة لأجل أمي، أمل لا ينقطع بات كالهوس، فأكون الوحيد في أحيان كثيرة الواثق من تحسن حالتها. إن الأمل مرض، في وجوده، وفي غيابه، لكن هل كان لغيابه أن يكون أخف وطأة؟، مهما كان، هو أمر مستحيل، وليس حتى بقرار ليرجع إلي، إنها طبيعتي حينما يتعلق الأمر بمن أحب، أن لا أفقد الأمل، وحينما يكون من تحب هو معنى حياتك، فإن الأمر يصبح غريزة بقاء.
لقد كذّبت إحساسي ولم آخذه بأي إعتبار في اليوم الأخير، رأيته ككل من أراد أن يحبطني خلال الشهور الفائتة، مهما حسنت النية.
كافأني الله لمرات بتحسن حالتها، والشكر لله على هذا، فله المنة وحده، لا أقول إلا أن الله رحمني، ورحمته لا حد لها، وشكري لا ينقطع وأنا أحصي، القديم والأحدث. مع ذلك؛ خلقني إنسان ضعيف بطبيعتي، من بين الأضعف من خلقه، قلبي ضعيف واهن القوام، لا أقوى الآن على رد الحزن ولا الأسف ولا الشعور بالبؤس وفقدان البقية الباقية من المثابرة والهدف، إذ كان كل هذا محصور بوالدتي لفترة طويلة جداً. كان الإحساس بالأمل وصونه في نفسي بكل ما أصيب من طاقة، وما نتج عنه من اجتهاد بمتابعة وثيقة مستمرة صرت لا أتنفس إلا لمواصلتها، أمر أضعف مناعتي تجاه أي شيء آخر، كان الأمل هو مناعتي ضد التعب واليأس فقط فيما يخص أمي، إن كل جهد وكل اهتمام بات مخصصاً لها. والآن، انا كوالدتي في النهاية، أعجز عن مواصلة البقاء كما كنت، خصوصاً بعدما انقطع الدواء، اكسير الحياة، إلا أني لا زلت موجوداً.

لا يرى أحد الشطب الطويل المستعرض، غير المتناسق كالواقع، الذي يشق جسدي، من جبهتى إلى أخمص قدمي، فما يردني عن الإنقسام والانهيار إلى جزئين إلا العجز عن ذلك. وددت لو كان الخجل هو حاجزي الوحيد، لآمل أن تغلبه الجرأة.






أتصور عيش البعض بلا انتظار لحدث يغير حياتهم، بينما عشت أنا حياتي أترقب وأستبق وأهرب بوالدتي من التعب والضعف. من يمكنه أن يهرب من الموت؟، باتت البشرية تتفق على هذا، ولم يعد من أباطرة يبحثون عن دواء للخلود. 





أفرح بك في أحلامي، حتى وإن كنت فيها بائس أبكي وأنا أدفن وجهي في بطنك، وأنت تجلسين على العربة حيث كنت أدفعك بالحلم قبل أن أتوقف، وأأن أنين طويل حاد لم أسمعه مني من قبل، ثم تحيطيني بذراعيك الضعيفتين، فأتوجد حينما أستيقظ وألوك ذكرى الحلم وإحاطة الذراعين لأيام، وربما للأبد. كالواقع حيث كان يخونك سمعك، تقولين معاتبة أتقول لي كذا؟، فأقول لا يا يمه عساك بالجنة، أقول كذا، كيف أقوى على قول كذا لك؟، ما ظنتني أقول، ثم أدفن وجهي وأنتحب في حضنك.
أستيقظ كل يوم وأبدأ بتقليب أحلامي في ذاكرتي، أبحث عنك، أسابق الزمن قبل أن أنساها.





أنسى أحياناً وأعيش، لكن يتذكر جسمي فأتذكر أنا، لا أفهم كيف تتذكر عيني فتدمع ثم أتذكر أنا لماذا. تشتاق عيني إلى رؤيتك، ويشتاق فمي لندائك، فيتكلم دون أن أدري أو أنوي ويناديك فجأة وأنا في خلوتي.
يهمس تارة أخرى وأنا شارد الذهن أتفكر بأمر آخر، يقول بتصل على أمي وأقول له أحبك، وكأنه يذكرني وأنا أمشي في وقت معلوم يوم العمل، بما كنت أفعل كل يوم، منذ بدأت أعمل.
أفاجأ بيدي ترتفع إلى فمي قابضة على الهواء، لأقبل يدك دون أن أدرك، وأنا شارد أفكر بأمر آخر. في آخر أيامك وفي ضعف وعيك، كنت تتخيلين تمسيد ضفيرتك، وأنت تمسدين الهواء أمام كتفك. لطالما قبلتك، ولم يكن يوماً تقبيل إكبار ولكن تقبيل حب جارف وشفقة، كالوالد يقبل طفله. كيف لجسمي أن يتذكر لوحده، وكأنما كان آلة لا تحسن غير ما صُنعت لأجله من غرض وحيد. إني مٌقسم، لا ريب، ليس جسماً كما أتخيل لفرط الألم، لكن روحاً، ووعياً، إني محطم مطحون، ككتلة التربة اليابسة إذ يلقيها صبي فتتناثر منفجرة، فلا تعود شيئاً.






تظن خالتي الحبيبة إذ تتصل لتطمئن أني قد أتحسر على شيء، على تقصير، فتقول مؤكدة بأني لا يجب أن آسف على شيء، فأنا لم أقصر، وقد قضيت حياتي حول والدتي أراعيها. إن من يأسف على ذنب أو تقصير يتمنى رجوع حبيبه ليقول له سامحني، لكني آسف على الميت وأريده ان يعود فقط، أن يعود لأعتني به وأحبه، كل شيء آخر، كل تقصير وكل ذنب، يضعف أمام هذه الأنانية، إني أستكثر الميت على الموت، أبخل به.
أتحسر على عجزي عن إذاقتك ماء الورد خوفاً عليك، وما تشتهين خلافه في آخر وقتك. إني أنا أعجز عن تذوقه، وأنا أراه أمامي كل يوم، من بعدك. لا بد من التقصير والأخطاء، لكن التقصير يعوض لو تعودين، عودي إلي.






قال صديقي اليوناني، لقد تُوفيت، لكن لديك وقت الآن لتنتبه لحالك، فقلت خذ الوقت، لا أريده، خذه وأعد أمي، قلت هذا مسكور القلب، وقد نسيت نفسي، وأنا أترجى وكأنما كان يخبئ والدتي عني. بُهت الرجل، وخجل، وبرر. زارني الآخر وقال تعال معي إلي اليونان، ابق في بيتي، نعتني بك أنا وزوجتي وتبتعد عن هنا. وما عساي أصنع هناك، وأنا آخذ قلبي النصف معي، يذكرني بالنصف الذي دفنت وتركت.
مسكين وخاسر من يحبني.






باتت محاولات الإلهاء وإن نجحت لوقت تنهكني أكثر فأكثر، وأضعف أكثر فأكثر، ولست أضعف عن التذكر، لكن أضعف عن النسيان، والوقوف، والتعافي. يوجد الكثير من الناس والأشياء حيث لا يتعافى المنكوب أبداً.
حالما يخلو المكان بالليل، أبدأ  بالانحدار، لا أتعب من التساؤل، كيف لهوت؟، كيف ضحكت؟، بينما يغادر بعض أبناء أخي الكبير، الذين يأتون للتسرية عني وإلهائي. أعود أسوأ بتدرج سريع. إن أقسى أوقاتي هي الأوقات التي أكون فيها وحيداً، وهي الأوقات التي تزداد أكثر فأكثر الآن. وفي نفس الوقت، هي الأوقات التي أتمنى لو كانت كل وقتي، إني أزهد بالناس.
أنام وأنا أتمسح بجلال صلاتك إذ احتضنه، حيث لطالما لففته عليك في السنوات الأخيرة في الأوقات المعلومة.

إني مهدود متعب، يضخ قلبي فراغاً محسوساً، كأنما يضخ خواء لا أدري كيف يبقيني على قيد الحياة، وكأنما نكداً، ليس إلا لأرى إلى أي حد باتت الحياة عديمة القيمة مثيرة للسأم.

أعتقد أني بحاجة إلى إجازة طويلة بالمنزل…



سعد الحوشان