الأربعاء، 2 فبراير 2011

السير تحت عتمة الكفوف (أحداث،قصائد،ألماني،جهاز)

بسم الله الرحمن الرحيم






هل بررت بكل أقسامي؟. لا يساورني شك على بري بها، أو تكفيري عنها، سوا قسم واحد. بشكل أو بآخر، أقسمت أن لا أنسى أمراً معيناً، أي؛ أقسمت أن أحقد على أحد ما.


أما شكي فليس بسبب كبر حجم قلبي، وليس بسبب طبيعته الطيبة المترفعة عن الكراهية والغضب. الأمر ببساطة ذو علاقة بالنسيان، وضعف التوثيق. بعدما كان لدي دائما مرجع للحقد، تخلصت منه بخدعة، ولم يعد لدي ما يذكرني بالأمر. كل ما أتذكره هو أني لا أريد أن أسامح شخص على فعلته. لا زلت أتذكر الكثير، لكني أنسى أسرع مما يجب، كما هي طبيعتي.
بيد أن الزمن والتجربة علماني كم هي طبيعة سيئة تلك التي تنسى، وتسامح لأنها تنسى. لأن الناس لا ينسون، ولا يقدرون النسيان والتجاوز. لم أعرف الراحة حتى كفيت عن مسامحة الكثير من الناس. فالآن؛ لا قهر من عدم التقدير، ولا قهر من الخيانة، ولا قهر من إعادة التجربة، وعدم التعلم من الماضي. يمكنك وضع كل شيء خلفك حينما لا تسامح، وتقطع الأواصر، في حين كانوا يقولون لنا دائما بأن المسامحة هي ما يترك الأمور خلف المرء، لكن، من يدرك أنه اناني يستبق بالتبرير، وهكذا هم الناس، يجب أن يقولون لك شيء، حتى لا يجدوا الوقت أو المبرر ليقولون لأنفسهم عن انانيتهم، وقسوتهم.


أتذكر صديق لي، جمعتني به صداقة مخلصة، يوبخني في وقت مأزوم من حياتي: "ما بالك يا سعد؟! ماذا جرى لك وتغيرت؟! لم تكن ضعيفاً هكذا! كنت قوياً، كنت أنت من يدعمني ويمدني بالقوة! أتتذكر؟؟"
قال هذا بينما وقفت أمامه مكسور القلب، شاعراً بضعف لم يبدو أن منه فكاك. ذكرني بما لم أنسى، لكني كنت أحسب بأن قوتي ذهبت إلى الأبد. كان تغيري مزعجاً، وجذرياً، وقد عانى هو منه كثيراً. كان الأمر ناتج عن صدمة قوية، هزت كياني كله. أصبحت بعدها متعباً، وقلقاً باستمرار، والأسوأ، محزوناً طوال الوقت.


كان هو الصديق الوحيد، من بين ثلاثة، الذي دعمني وأعطاني في ظروفي تلك. يا الله، كم كان رائعاً. الصداقة الحقيقية غالية جداً، حينما تفقدها لا يمكنك أن  تقيِّمها ببساطة، لقد خسرت َشيئاً فريداً، ولو حصلت على صداقة أخرى جيدة، لا يمكنك أن تقارنها بما خسرت، ليس أنها أفضل أو أسوأ، فالأمر لايخضع للمقارنة، فكل صداقة جيدة فريدة لا غنى عنها بأخرى، كالأبناء. والأسوأ، أن الأفضل حدث ونحن لم نعد أصدقاء ليراه؛ لقد عدت قوياً، قادراً على دعمه في حياته الصعبة حد المأساة أحياناً، والوقوف معه، قادر على الأخذ والعطاء، الشيء الذي انفردت به صداقتي معه دوناً عن صداقاتي الأخرى، التي كانت إحداها تستنزفني كما تستنزف الآفة النبات.


ذاك الصديق المخلص؛ يمكننا أن نتصافح ليل نهار، دون أن نعود أصدقاء. عسى الله أن يحاسب من تسبب بهذا.








غداً، أودع جهازي الجديد، الذي سأرسله إلى الدمام لبضعة أيام، لتتم مراجعته من قبل موقع متخصص. أجد أني تعلقت به كثيراً، إلى درجة أني لا أدري كيف سأتحمل الفراق صدقاً!!.


اسخدامه ممتع، وأجمل ميزة فيه هي السرعة، سرعة التشغيل والعمل. اشتريت موزع لاسلكي صغير، لأوصل فيه الكونيكت التي كنت أستخدمها في جهازي السابق خارج المنزل، حيث لا يتعرف عليها الجهاز الجديد، ولاحظت مفارقة اليوم؛ ففي حين أن الوضع المعتاد أن تشغيل الكمبيوتر يتم قبل تشغيل الموزع، لأن الكمبيوتر بالعادة يأخذ وقتاً طويلاً ليبدأ العمل، يحدث العكس، لأن هذا الكمبيوتر يشتغل مباشرة تقريباً.










قبل قليل، في برقر كنق، أجفلت عن قراءة الجريدة، حينما رأيت فجأة شخص رث الهيئة على نحو لا يوصف، وقف أمامي مباشرة، مطالباً إياي بشراء طعام له. ألجمت المفاجئة لساني، كنت أحتاج إلى وقت لأفهم ماذا يريد بالضبط، وما أمره. ابتعد عني، وقد دعاه عمرو، العامل المصري بالمطعم، أن يأتي ليعطيه طعام، دعاه بحنان بالغ. لكن الشاب الصغير توجه إلى شاب سعودي آخر، وقف يعبئ كؤوسه من الكولا، وطلب منه ببساطة أن يشتري له "نقتس". كيف أجابه الشاب الآخر؟ نظر إليه باحتقار وانفعال غير مفهوم، وطرده متوعداً إياه. صدمني المشهد. اتضح بأن الشاب رث الهيئة مريض نفسي. بعد التوبيخ اتجه مسرعاً ليخرج من المطعم. قفزت من كرسيي، لأنه سريع، ولحقت به، استوقفته عند الباب، وأخبرته بأني سأشتري له ما يريد. نظر إلي بعدم ثقة، سألته: تبي نقتس؟ تعال، أنا اشتريها لك. لحقني. طالبني عمرو بالرجوع لتناول طعامي، وأنه سيهتم بالأمر، فسيعطيه وجبته الخاصة. وطالبني مدير المطعم بالرجوع كذلك، ولكن أمام إصراري، رفض هو اخذ مبلغ الوجبة التي يريدها الصبي كاملاً. 
بعد الدفع، صار الصبي يروح ويجيء بالمطعم بانتظار وجبته، وهو يحدث نفسه دون صوت، ويقوم بحركات غريبة، وعلى جانب مفاجئ من العنف في بعض اللحظات. بينما وقف الشاب المقرف الذي نهره بالبداية، ينظر إليه بعصبية، وكأنما يريد ضربه. كانت تعابير وجهه الخالية من الرحمة مثيرة للاشمئزاز، تسائلت إن كان بالواقع يحترم نفسه.
كان الصبي لسبب ما يتفادى عمرو، بعنف حتى، وفي انتظار وجبته، جاء إلي وقال بأنه يريد أن يأكل بعض مما لدي. كان من الواضح أنه يتضور جوعاً. وبينما هو يأكل جاء عمرو لثنيه، فألقى بسرعة بما كان في يده وابتعد، متفادياً عمرو. كنت أريد أن أسأله عن بعض الأمور، عن بيته أو أهله، فالوقت متأخر، لكن عمرو أفسد علي دون أن يدري. لما جهزت الوجبة، وقد وضعوها له في كيس، انتحى في طاولة، وبدأ يأكل، بينما وقف عمرو قريباً، في تصرف خاطئ، يراقبه. كان وجه عمرو ينضح بالشفقة، وكان يخاطبه بحنية وهدوء، ويناديه بـحبيبي، لكنه كان يريد التأكد من أن الصبي لن يقوم بشيء خاطئ أو عنيف. حيث أن الولد أصلاً رفض بالبداية أخذ الكولا من عمرو، وكشر عن أنيابه كقط، تماماً، وهرب مبتعداً عنه. رفض عمرو أن يتركني أساعده، وقال بأنه ربما يكون عدوانياً. كان من الواضح أنه لا يرتاح إلى عمرو، وكنت أريد أن أتعاون بما أنه لا يمانع الاقتراب مني.
خرج بسرعة من المطعم لما فرغ. لحقته، وحادثته برفق سائلاً عن بيته أو أهله، وعرضت أن أوصله، أو أتصل بأهله. لكنه ابتعد هاربأ مني، وقد كشر عن أنيابه كقط، كما كشر لعمرو. بعد حوالي نصف ساعة عاد، بينما لازلت أقرأ، وجاء إلي يريدني أن أشتري له كولا.
كان الوضع لا يسكت عنه. كنت أفترض أنه ربما عاد لبيته، لكن لما عاد، بدأت أتسائل إن كان بيته قريباً، ربما هرب من أهله أو شيء من هذا القبيل. اتصلت بالهلال الأحمر، وقالوا لي بأني في مثل هذه الحالة يجب أن أتصل بالشرطة، والشرطة حينما خابرتها قالت بأن علي أن أتصل على الهلال الاحمر!!. أخبرته بأنهم هم من طلب أن أتصل بهم، فقال بأن الاتصال بهم يجب أن يأتي من الهلال الأحمر. عاودت الاتصال بالهلال الأحمر، فأضاعوا وقتي يحاولون إقناعي أن هذا عمل الشرطة!! وأنها هي من يجب أن يتصل بهم. اتصلت بالشرطة مرة أخرى، وشرحت الأمر، وقلت أن الصبي وضعه صعب، ويجب أن يهتم أحد بالأمر. قال الشرطي بأن المفترض أن الهلال الأحمر هو من يهتم بالأمر، ولكنه سيرى ما يمكن فعله، وتركني قليلاً على الخط، وعاد واعداً بأنهم سيرسلون أحداً. أخذ الوصف بدقه، وودعني. بعد قليل، رأيت سيارة الشرطة بأضوائها الدوارة تسير بسرعة. لا أدري إن كانوا قد وجدوه. على الأقل، يجب أن يأخذه أحد بعيداً عن البرد.


يبدو أن هذا لم يحدث. ربما لم يجدوه أمس. أنا في اليوم التالي، وقد جائني أحد عمال المطعم وأخبرني بأن الصبي تسلل إلى الدور الثاني حيث قسم العوائل. يبدو أنه تائه، أو ليس لديه مكان يعود إليه. اتصلت بالشرطة، وبشكل غريب استجاب المسئول مباشرة، ولم يطلب مني الاتصال بجهة أخرى. بعد القليل من أخذ المعلومات، وعدني بتواجد الشرطة خلال دقائق. أتمنى أن يمسكوه هذه المرة، ويودعوه حيث يجد من يعتني به حتى يجدوا أهله.
لقد جاءوا.
لم يأخذوه مع ذلك. يقولون بأنه مريض نفسي فقط، ولا يوجد ضده دعوى، فيكفي إخراجه من قسم العوائل. إن الأمر محزن، محزن جداً. كان الشرطي متعاطف رغم جلافته، وقد حاول أن يجد حلاً آخر. لكنه يقول بأن الخفر لن يستلمه دون إدعاء ضده، بينما المصحة النفسية لن تستلمه بلا إثبات، وقد بحث عن الإثبات في جيوب الصبي ولم يجد. هرب الصبي بالنهاية، رافضاً التحدث أو الرد. 
هل يترك هؤلاء المساكين إذا في الشوارع؟ هل يجدهم أحد ميتين في الليالي الباردة، وحدهم، لا أحد يعرف عنهم شيئا، أو يهتم بأكثر من دفنهم؟ هل يوجد فرق بينهم وبين القطط في الشوارع من حيث الأنظمة؟.
كانت رائحته القوية تعبق بالمكان، وملابسه الرثة مشققة تكشف عن عورته، التي يغطيها بمسمسة ردائه فوقها. شعرت وبمزيج جارف من الاشمئزاز والرحمة.










اطلعت على موقف سخيف جداً، أداه أحد المدونين. كان الرجل قد كتب نص أدبي، لم يعجبني شخصياً، ولكن أعجب الكثير من الناس على ما يبدو، فنال الكثير من المديح والمجاملات. لكن معلقة واحدة أعلنت بأن النص لم يعجبها. ولما سألها أن تفصل رأيها، ردت بعفوية تشرح رأيها، وقد استرسلت، حيث أمنت جانبه، وأوضحت بحميمية من يخاطب صديقاً أو زميلاً أن أسلوبه في القصة لا يشبه عفويته المعتادة، إنما يشبه أسلوب الخطباء والدعاة من حيث السجع، وهي تعتبرهم مزعجين ولا تحبهم كما فهمت. أنا أيضاً لا أحب السجع المبالغ فيه، إن لم أقل كل السجع، ولا أحب أساليب الخطباء الممتلئة بالسجع، والكتيبات التي يؤلفها الدعاة وكأنما شخص واحد يكتبها، بالسجع الممجوج، بغصب الكلمات والتعابير. كل هذا؛ بغض النظر عن قيمة المادة التي يقدمونها. حيث يوجد شقين في الأمر، حيث لا إشكال أبداً حول انتقاد اسلوبهم الأدبي، فالأمر يخضع للذائقة، وبالتأكيد ليسو كلهم أدباء، أما عن انتقادها لهم كأشخاص، فرغم أنها لم تذهب بعيداً، وهي حرة بما تشعر، ولا يجب إرغامها على التظاهر بعكس ما تشعر، إلا أن من لديه رأي حول مشاعرها فيجب أن يحترمها طالما لم تخطئ عليه، أن يناصحها إن كان يجدها مخطئة، أن يناقشها بالحسنى. وهذا ما لم يقم به المدون متوقد الذكاء.
كان رده عليها هجومياً، ساخراً، موحياً بأنها شر مغلف، أنها ليست إلا دسيسة ضد الدعاة والشيوخ. وهذا أبعد مما ذهبت إليه هي، فبغض النظر عن كل شيء، هي لم تسئ إلى شخص أحد، خصوصاً المدون نفسه، هي تحدثت فقط عن شعورها تجاه الأشياء، وهذا أمر شخصي، وإن لم يعجبنا، فلن يغير التنكيل في معنوياتها من رأيها شيئاً، إنما سيزيد الطين بله.
ذهلت للهجته، في حين أنه يتظاهر دائماً بأنه بمنتهى الرقة والطيبة، وشعرت بأني حينما لم أجده مريحاً كنت محقاً. لقد أساء إلى موقفه بالواقع أكثر مما أساء إليها، حتى على المستوى الاحترافي. فهو إن كان يريد أن يكتب الأدب، ويسمع الانتقاد حوله، فلا يكفي أن يقول بأن صدره رحب، ويستقبل الأمور بصدر رحب فعلاً، لكن ظاهرياً، ثم يسعى للطعن والانتقام في اتجاه آخر. لو لم يفكر إلا بنفسه، لو كان ذكياً رغم أسلوبه الشرير، لما كان قد أخطأ بحقها وحاول جرحها مقابل حسن نيتها، لفكر بأن الناس قد يقولون بأنه حقد عليها وسعى إلى جرحها إنتقاماً لنفسه، حينما وجد فرصة حسبها مشروعة، بعيداً عن نصه. إنه لم يخالف نقدها، إنما خالف شخصها، فقد أخذ النقد على محمل شخصي. كان حسبه أن لا ينشر ردها فقط إن لم يشأ الرد عليها بما يكافئ إحسانها الظن به، وائتمانها لجانبه. هي مدونته، يحق له أن ينشرما يريد وأن يهمل ما لا يريد، لكن لا يجب أن يسيء للناس، فهم ليسو بجزء من المدونة.
لو استنصحني، لنصحته بأن يحذف ما قد يشعل الجدل، ما يعتقد بأنه يجرحها أو يجرح غيرها من طرفها، ويكف الشر ولا يجرح الناس وينفرهم أكثر من معتقده حول الأمور. هل أراد أن يبدو بطلاً أمام أحد آخر؟ كانت غلطة كبيرة. كنت أريد أن أرى بماذا ستجيب الفتاة. ولكنها لم تظهر في مدونته إلا في صندوق المحادثات، أفترض أنها لم ترى التعليقات، إذ أني لم أجدها في ذلك الوقت، ثم وجدتها لاحقاً.












مفاجئة غير عادية حدثت اليوم. الصديق الصيني الأصغر، اسمه الحركي هنا همام، بينما اسمه الحقيقي صيني، كان قد اتصل بي قبل فترة يدعوني للذهاب معه إلى معرض ثقافي صيني. لم تسر الأمور كما أراد، فلم نذهب. اتصل بي اليوم في العصر، وقال بأنه يود أن يدعوني إلى العشاء، حيث يريد أن يريني لصديق له جديد هنا. وافقت، واتفقنا على المكان والوقت؛ مطعم صيني متوسط الحجم في العليا في الساعة الثامنة. حينما وصلت وجدته ينتظرني أمام المطعم، سلمنا ودخلت. كانت أعين العاملين تحملق تجاهي، ربما لأني مع شخص صيني، نسير كأصدقاء بحميمية واضحة. وصلنا إلى الطاولة في غرفة جانبية حيث ينتظرنا صديقه. كان شاب صيني صغير في الخامسة أو الرابعة والعشرون من عمره، مثل همام، لكن بشرته خمرية مشربة بحمرة، وكأنه من منغوليا، وكان وسيم الملامح عموماً، ضخم الجثه. بينما همام شديد البياض، ضئيل البنية، ذو عينين صغيرتين لطيفتين، كأشد ما تكون عليه الأعين المغولية من ملاحة وظرف. سلمت على الرجل، عرفني همام باسمه الصيني، ثم باسمه العربي الذي اتخذه لنفسه هنا، خالد، كعادة غالبية الصينيون. أثنيت مجاملاً على جمال الاسم. عرفت أن الرجل لا يعرف الكثير من اللغة الانجليزية، ولا يزال يتعلم العربية في بداياته. كان همام عموماً يترجم بيننا. قلت بأنه يبدو شبيهاً بممثل أراه في الأفلام الصينية. ضحكوا. اقترحوا أسماء، لكني قلت بأني لا أعرف اسمه. حان دوره ليعلق على شكلي، فقال مجاملاً بأني وسيم جداً. كانت من دعايات همام بوضوح، مما أحرجني حقاً. ضحكت وقلت بأن هذا لطف منه. تدخل همام، وتكلم عن تلك الصورة التي التقطوها لي لتنشر في وكالة الأنباء. ضحكت وقلت بأنها كانت فضيعة. لكن همام أصر على المديح، والتعليق على الأمر في محاولة لإحراجي أكثر، ضحكنا كثيراً. ثم قال همام بأن خالد مسلم. ابتسمت وذكرت الله. ثم فاجأني قائلاً بأنه هو أيضاً دخل في الإسلام مؤخراً، في رحلته قبل أشهر إلى الصين. شعرت باضطراب عنيف في قلبي، وشهقت متفاجئاً. وقبضت على يده. باركت له وحمدت الله. وسألته لماذا لم يخبرني من قبل. قال بأنه أراد أن يلقاني ليخبرني، لكني كنت مشغولاً في الفترة الأخيرة. سألته عن الدافع، ماذا جعله يدخل الإسلام؟. قال بأنه قرأ القرآن كثيراً من قبل، وأنه كان يشعر شيئاً فشيئاً بأن هذا هو الحق. وقال بأنه حينما جاء إلى السعودية تأثر بتعامل الناس. ثم أضاف بأنه بعد الله، كنت أنا إلى حد ما دافع لدخوله في الإسلام، فقد تأثر بي كثيراً. كرر هذا أكثر من مرة، مما أشعرني بمزيج غريب من المشاعر، مشاعر تدور في معظمها حول الحيرة، وهي مستقلة عن مشاعري بالفرح له، إنما أشعر بالحيرة تجاه ما يخصني من القصة. كان قد أخبرني منذ فترة طويلة مع الدكتور الصيني الأكبر بأنهم يرون أن أسلوب حياتي جميل ورؤيتي للأمور تعجبهم. لكن، أكثر من الصداقة والمحبة، هل يوجد ما يمكنني تقديمه؟. كنت قد سألت وبحثت عن أماكن تعطي دورات في الدعوة. لا أفكر بأني سأسير على منهجها، لكنها قد تجيب على بعض أسئلتي الخاصة، وقد أستلهم منها الأفكار، والأهم، أريد أن أطلع على الرؤية المنهجية أو غير المنهجية السائدة عن أخلاقيات الدعوة وتناولها، وماذا يفعل الدعاة، وكيف يعملون، وما هي رؤيتهم للأمور. لا أشعر بأني سأتفق بالضرورة، لكني أريد أن أطلع. عموماً، لعل همام يجاملني فقط فيما يخص دوري في إسلامه.
سألت عن خالد، كيف أسلم؟. خالد أسلم من تلقاء ذاته. كان سيأتي للسعودية لدراسة اللغة العربية، لهذا بدأ يقرأ عن الثقافة السائدة هنا، وعن الإسلام. فدخل قلبه، وأسلم ببساطة. ما شاء الله، هذه الثقة والإقدام، كم هي مثيرة للإعجاب.


حكينا عن شتى الأمور، عن رحلة همام إلى ابو رقيبه، مكان بعيد تقام فيه مسابقات الجمال للإبل. أراني صورة له وهو يحمل صقراً، حيث دعاه رجل هناك إلى حمله. أما من صوره، فهو مدير وكالة الأنباء الصينية هنا، وهو نفس الشخص الذي صورني من قبل وأنا أستخدم السواك، لتنشر الصورة لاحقاً في موقع وكالة الأنباء الصينية، أخبرني مذكراً إياي؛ يبدو أن هذه الذكرى تشعره بالسعادة. ضحكت متذكراً الصورة، قال همام بأنها كانت جميلة، وعلق بأني لدي ابتسامة جميلة، وهم يريدون أخذ المزيد من الصور لي. أخبرته بأنه يقول هذا لأنه طيب، حيث كانت نظرتي في الصورة أقرب ما تكون إلى الشريرة. ضحكنا. أخبرته بما قاله لي أحدهم مازحاً، أني سأجد صورتي في غرفة كل فتاة صينية الآن. وقد استفاد من هذه الذكرى حينما أخبرتهم بأنه قبل زمن طويل ذهب سعوديون إلى الصين، ولم يكن الناس قد اعتادوا بعد على رؤية الأجانب هناك. فتصادف أن التقوا أطفال مع معلمتهم في رحلة مدرسية إلى منطقة أثرية. دهش الأطفال لرؤيتهم، فجائت المعلمة إلى الرجال السعوديون وقالت بأن الأطفال يودون الحصول على صورة معهم. وافقوا بالطبع، فتجمع الاطفال حولهم وجلسوا في حجورهم وتعلقوا في رقابهم، وأخذت صورة مضحكة. قال همام بأني لو ذهبت الآن إلى الصين، فلن يجتمع الأطفال علي ليأخذوا صورة، إنما سيتجمعن الفتيات لطلب صورة. ضحكنا، كانت محاولة جيدة لإحراجي، قلت: ربما في الجنة، لكن ليس في الصين.
تحدثنا عن الممثلات الصينيات الجميلات. 


وتحدثنا كذلك عن السوق الصيني الجديد في الرياض، الذي لم أرى أحد معجب به ممن زاروه، لا بالباعة ولا بالبضاعة. ذهبت يوم الخميس إليه، لآكل في المطعم الجديد فيه. غالب العاملين صينيون. ولسبب ما لا يوجد قسم للعوائل، يوجد فقط بضع غريفات يمكنهم الجلوس فيها لو أرادوا. التعامل فيه جاف وغير مرحب أبداً، والأسعار غالية، والطعام يميل للسوء أكثر مما يميل للجودة. كانت تجربة فاشلة على كل المقاييس. حالما أتيت على ذكر السوق والمطعم أنّ همام بألم، وحادث خالد باستياء باللغة الصينية. ثم أخبرني بأن السوق والمطعم بمن فيهما كارثة. أخبرته عن خيبة أمل الناس. وجهة نظري التي قلتها أنه يوجد سوء فهم واضح بين الناس والباعة الصينيون، فالناس لا يأتون للسوق لمجرد التسوق، حيث أنهم يتوقعون أن للأمر بعد ثقافي، يتوقعون الإطلاع عليه، ويتوقعون التعرف على الصينيون الذين لا يزال الناس لا يعرفونهم هنا، فكل ما يعرفه الناس هو الصداقة الحديثة والحميمة بين حكومتنا وحكومتهم، وكياسة وتواضع حكومتهم مع حكومتنا رغم قوتها، وهم يتوقعون نفس الودية، لكن يخيب ظنهم أمام التعامل السيء للباعة. قلت بأني أفترض بأن تعليمهم ضعيف، ولا يفهمون تمثيلهم لبعد ثقافي، إنما الأمر بالنسبة لهم مجرد تجارة بحتة، وهذا خطأ لن ينتج عنه نظرة جيدة للناس هنا، رغم جهود السفارة. فكر بوجهة نظري وقال بأنه يوافقني، وأن السفارة يجب أن تعلم بالفعل عن الوضع السيء هناك، فهي مهتمة بالأمر، وهمام له صداقات في السفارة. أخبرني عن تجربة خالد، الذي شعر بالسعادة حينما جاء بوجود سوق صيني يمكنه الذهاب إليه حينما يشعر بالحنين، لكنه حينما زاره كرهه وشعر بالفوضى والغباء هناك.




همام يريد أن يأخذني لاحقاً لرؤية أصدقاء آخرين. إني أؤخذ كثيراً ليراني الناس أكثر مما أؤخذ لأراهم، مع أغلب الأصدقاء الأجانب، مما يشعرني أحياناً بأني قشري الوجود. أي أني أقرب للفرجة، شيء طريف مثير للاهتمام، لكن رأيه ليس بنفس القدر من الأهمية. لست أنقم بالطبع، لأني مدرك لحسن النوايا والمقاصد. لكن، أشعر فقط بأن أهميتي تنتهي بسرعة عند هذا الغرض، أي أني أحزن على نفسي.










قرأت اليوم عن طبيبة صومالية بطلة، اسمها حواء عبدي (أحب اسم حواء). هي امرأة كبيرة، أنشأت في فوضى الصومال مستشفى كبير ومدرسة وما يمكن أن يطلق عليه مدينة. بطبيعة الحال، ونظراً للظروف، تعتمد كثيراً على المساعدات الخارجية، التي تكون شحيحة، وقد لا تصل لأسباب كثيرة، ليس أقلها فوضى البلد والأخطار التي تموج به.
لا أدري لماذا لا تمنعنا فوضى لبنان عن مساعدته في كل الظروف، بمسلميه ونصاراه، في حين أن مسلمي أفريقيا لا نظهر في حياتهم إلا على مستوى بعض المنظمات الخيرية، التي لا حول ولا قوة لديها في مثل ظروف الصومال. لماذا نفتقر إلى روح المبادرة حينما يتعلق الأمر بإخواننا المسلمين الزنوج في أفريقيا. هل لأنهم زنوج؟ هل هذا يجعلهم أقل قيمة؟ هذا الواضح. فلون البشرة لا يجعل أفشل الدول تحتقر نفسها حينما تكون بيضاء. فقد سمعت سياسيي لبنان، أعان الله أهلها عليهم فما أكرههم من سياسيين، أكثر من مرة يسخرون ويمثلون بالأفارقة ودولهم بالفشل والعجز الذي هم ليسوا عليه (!!). لا يعطي هذا إنطباع إلا بعظم مصيبة أهل لبنان، الذي يديره أناس جهلة ضيعفوا الثقافة، مع بعض الاستثناءات. مع ذلك، مصيبة الصومال ليست أقل، ولم تكن مصيبة غينيا أقل فداحة على أي مستوى. نسمع عن الصومال، وقد يظهر تصريح حولها. لكن هل سمعتم بما جرى في غينيا قبل فترة؟، هل تعرفون ما هي غينيا؟ غينيا بلد أكثر سكانه مسلمون، أكثر من 80%، مثل اندونيسيا. لديهم حاكم مستبد، أطلق قبل فترة جنوده الذين لا يخافون الله على متظاهرين سلميين، حيث أعملوا أسلحتهم على الناس وقتلوا العشرات، واغتصبوا العشرات من النساء أمام الناس في الشوارع، كعقاب، وقد تم تصوير هذه الاغتصابات، وظهرن نساء ينهضن عن الأرض مكسورات، يرتدين ملابسهن المنزوعة في الشوارع أمام الملأ ليغطين عوراتهن بعد الإغتصاب. بينما زرن العشرات منهن العيادات والمنظمات الخيرية للعلاج مما لحقهن من أضرار وعنف، سراً لأسباب كثيرة. بالطبع، شرفهن وشرف عوائلهن غير مهم بالنسبة لباقي المسلمين، فهن لسن بيضاوات، ولا يختلف إن كن بائعات هوى أم نساء عفيفات، فهن سوداوات في النهاية. لكن، إن لم نكن نغار، فالله يغار، والكل يعلم بأنه يساوي، حتى لو لم نساوي نحن.
كان يجدر بدولنا كلها أن تحتج وتضطرب وتفعل المستحيل لما جرى في غينيا، لكن لم يحدث أي من هذا، وليس بدافع الخوف بوضوح، فلا علاقة للغرب بما جرى، كان الأمر فقط أنهم لا يهتمون، الأمر لا يعنيهم ببساطة، وكأنما إنسانية الناس هناك محل شك، ناهيك عن إسلامهم. كان يجب ربما أن يحدث في لبنان، أو فلسطين، أو البوسنة، أو أفغانستان حتى نشعر بالإهانة. لكن القدر لا يميز، هل نضمن أبداً أنه لن يحدث في أي مكان آخر "حيث يعشن البيضاوات"؟. لا حول ولا قوة إلا بالله. كن الدول الغربية هن من قرأت احتجاجاتهن، وهن من هدد باتخاذ الإجراءات.
لطالما كان المسلمين الزنوج مُهملين، متروكين لشأنهم البائس.










في الخميس الفائت، كنا قد اتفقنا على اللقاء، أنا والدكتور الألماني. لكنه اقترح وقت أبكر من المعتاد. علمت حينما وصلت أنه يريد أن يدعوني إلى الغداء. اختار مطعماً قريباً، من المطاعم التي تجمع بين صفة المقهى والمطعم التي تكثر على شارع التحلية. لم أعرف ماذا يبيع المطعم، لكن لسوء الحظ؛ كان أكثر ما يبيع هو أكلات وسندويتشات على الطريقة اللبنانية. ولم يكن رخيصاً أيضاً، بقدر ما كان ما تذوقت من طعامه غير مميز حقاً. تلك الخبزة النحيلة التي يسمونها صفيحة، وهي مملوءة حتى تكاد أن تنفجر باللحم الممتزج بالخضار والصلصات والجبن، دون أن تشعر بأنه يمكنك أن تفصل مكون عن الآخر ولو على نحو يسير. كانت الكمية كبيرة، لكن غير لذيذة. ربما تعجب أحد آخر، لكني غير معجب بالمطبخ اللبناني بقدر ما يعجبني تهذيب أهله.


تكلمنا حول الكثير من الأمور كالعادة، وكان حديث ممتع. لكني رأيت أنه لا يزال يقلب تركي لبرنامج الماجستير في ذهنه، وربما يشعر بالمرارة أو الغبن لتركي إياه. لكني واسيته بأن أخبرته، وكنت أحتفظ بالأمر كشبه مفاجئة، بأني أسعى على نحو جاد ومثابر في أمر آخر مثير للاهتمام. اسعده الأمر، وجعلني أحكي له القصة، وناقشنا التفاصيل.
لعل ما لا يعجبه هو أنه يتخيل بأني هربت من البرنامج. قلت له باسماً: بأنه لديه مشكلة مع الهروب من الأمور، لكني ليس لدي مشكلة مثله، لا خلاف لدي بالهروب حينما لا أشعر بأني حيث يجب أن أكون، ولا مشكلة لدي بالهروب حينما يكون هذا الخيار الأفضل. فوجئ، وقال بأنه ليس لديه مشكلة مع الهروب حينما يشعر المرء بأن الأمر لم يعد يصلح، بل إنه يسمي الأمر اختصار للخسائر، حيث توقفت قبل أن أخسر أكثر. إذاً، هو فقط حزين للأمر، وليس معارض له تماماً.
قرأت له ترجمة لقصيدة كتبتها مؤخراً، وهي قد لا تبدو مفهومة أو واضحة المعالم. وهي مبنية على انطباعات قديمة، على ذكريات لم يعد لها تأثير على ما أتصور. هاهي:



أحببت شكل قلبك...
بدا لي أنه جميل...
أعجبني شكلك...
حسبت أنه جليل...
لم تتغير...
أعجز الله فيك...
كأنك تمثال...
وقد قدّ قلبك...
من خاصرة حجر...
كنت غال...
ولكنك الآن فرجة...
كنت عالٍ...
ولكنك الآن سُخرة...
روح تمثال حجرية...
لطول السهر...
لم تغادر كالمؤمنين جسمه...
فمن سمع عن تمثال تغفو عينه...
أو لقلبه خفقه...
مع ذلك...
أعلم أن التماثيل ترى...
وأني كنت لعينيك تحفة...
كانت معجزة قلبي الخافق بدعة...
وتبدل تعابير وجهي خدعة...
كنت حقيقياً...
حياً وحيوياً...
سوا عيب صغير...
إذ حين كان قلبك نحت من حجارة...
فقد شكل قلبي من زجاجة...
نُفخ من قوارير شفافة...
تظل الحجارة على القسوة...
أما الزجاج فيتحطم من دفعة...
أو تدمره صدمة...
كعناق للحظة...
من تمثال متعثر...
قلبه المشفق قاس...
أجتزءَ من جلمود صخرة...

حينما فرغت، كان يستمع بابتسامة وضحكة، يقول بأن سببها أنه يتعلم كيف يعمل عقلي؛ طلب مني إعادة القصيدة، جزء تلو الآخر، مع التوقف لدى كل جزء، والنقاش حوله. أوضحت له الأمور المتعلقة بالثقافة والمعتقد، كفكرة مغادرة الروح للجسد وقت النوم.
امتنعت عن قراءة قصيدة أخرى ترجمتها له، شعرت بأنه لن يفهمها، حاول اقناعي، لكني قلت لا. أما القصيدة الثالثة، وهي عن أمي، فلم أقرأها لأني لم أترجمها بعد، رغم أنه أراد أن يسمعها بشدة.

بحثنا عن صور لأفراد عائلته على الانترنت. رأيت صورة لابنه، وهو شاب في عمري، فائق الوسامة، ويعمل موسيقاراً. وهو الآن يستمتع بمنحة في البندقية، بعدما أدى جيداً في تأليف الموسيقى.

وبذكر الصور، صرت أجد من وقت إلى آخر، من خلال إحصائيات المدونة، من يبحث عن صورتي على الانترنت. لن يجدها. ربما ترونها في وقت ما، من يعلم. لكن؛ صورة الأفاتار في أعلى الصفحة تشبهني، قال هذا أيضاً مدير الجمعية الذي تحدثت عنه في التدوينة الفائتة.


تكلمنا عن الحيوانات، هو يحب البعير. وأنا لا أحبه. أخبرته بأني أحب الأوركا، والدقونق (بقر البحر) والجاموس الأمريكي، والطير الطنان. للأسف؛ لم أرى هذه الحيوانات على الطبيعة، ولن أراها على الأغلب أبداً. سأظل أحبها من بعيد، شأنها شأن الكثير من الأمور الأخرى. ذكرت له بأني أحب الغنم النجدي، وسألته إن كان قد رآه؟ قال بأنه رآه، وأنه جميل بالفعل. هو جميل جداً، لكن ليس هذا كل شيء، فهو مختلف عن الخرفان الأخرى، يتحرك بأناقة ورشاقة، ولا يبدو غبياً كالخرفان الأخرى، وينظر برقة. أخبرته بوجهة النظر هذه، فوافقني، قائلاً بأن هذا وصف حسن. يكفي النظر إلى طول الخرفان النجدية وبنيتها الأنيقة، ليعلم الإنسان أن الله خلقها الاجمل في جنسها. لطالما أردت الاحتفاظ بحمل نجدي في المنزل، أردت أن يكون لي، قرب غرفتي في السطح حينما كانت غرفتي الرئيسية، لكن أمي كانت ترفض.

أخبرته بأمر الشاب المريض المشرد، وقصته. اقترح طرق للمساعدة، وقال بأنه يريد أن يساهم في الأمر معي، لنساعد الصبي، اقترح بأن نشتري له ملابس وأشياء. لا أدري إن كنت سأرى الصبي مرة أخرى. سأل إن كان لدينا دور للأيتام؟ قلت بأننا لدينا، لكنه كبير عليها. قال بأنه سيحادث جهة خيرية هنا لها علاقة في نشاط يشرف عليه في الجامعة، ليرى إن كان يمكنهم عمل شيء.
سألني، لماذا لا أكتب عن الأمر، وألفت الانتباه؟ قلت بأني أكتب عن أمور مثيلة، لكن لا يوجد تأثير لما أكتب، بأي شكل، وأني لا أتوقع له تأثيراً على أي أحد. ثم أعقبت: يجب أن أكون دكتوراً ليسمعني أحد هنا. قال: إذا كن دكتوراً، ادرس وأصبح دكتوراً. ابتسمت.

اليوم، أرسلت إليه أخبره عن معرض الحدائق الأندلسية، الذي أتت به اسبانيا إلى الرياض. قلت بأن الأسبان يصفون المعرض بأنه هجرة عكسية، وهو ما اعتقدت بأنه سخرية غير مقصودة، أو شعرت. أخبرته بأني مفتون بالحدائق في كل الأحوال، وأني أود الذهاب، وأريده أن يأتي معي. واقترحت أوقات مطاطة ليختار منها.





كل يوم أريد الكتابة عن شيء، وحينما أبدأ، أنسى.






لدي طفرة هذه الأيام بالمواد الجيدة، على ما يبدو، للقراءة. حتى أني لم أعد أجد الوقت الكافي. لدي روايتين، إحداها اكتشفت أني اشتريتها قبل مدة ونسيتها. ولدي مجلتين ناشونال جيوقرافيك لم أفتحهما، والكثير من المقالات والبروشورات المحفوظة، حول أمر أريد أن أنشغل به إن أعان الله.
في بعض الأوقات، أتمنى أن أقرأ شيء مثير للاهتمام فلا أجد. يوجد الكثير بالطبع في مكتبة المنزل، رغم ما طالها ويطالها من نهب، وعلى الانترنت، لكنه لا يوافق مزاجي في تلك الفترات.




يقول مديري الحبيب بأن طبعة شكلي: "شقراوية" نسبة إلى شقراء، حيث ينتمي. بالطبع يمزح ويجامل. لكني سعدت بهذه المزحة، وبمجاملته وكأنه يقدرني إلى حد أنه يحب لو انتميت إلى نفس المكان. طبعاً، لديه ما يستند إليه، فعائلة جدتي رحمها الله تنتمي إلى هناك قبل أن تأتي إلى القصيم، قبل زمن طويل، ولا يزال أقاربهم هناك.
أتذكر أقارب لنا قبل فترة ليست بالبعيدة زارونا بالمنزل. حينما دخلت المنزل راجعاً من مشوار، ولم أكن أعلم من الضيوف، أُخذت حينما رأيت أشكالهم؛ كانوا أقرب شبه إلي مما أرى في أقاربي الأقرب، أبناء العمومة والخؤولة. شعرت بأني بالواقع من هؤلاء الناس. حينما علمت من يكونون، شعرت بأن الأمر منطقي. والدي يشبههم ولا يشبه عائلتنا، وإن لم أتشابه مع والدي، ولكني ورثت جينات يغلب عليها طابعهم ربما. أخي الأكبر يشبه أهلنا أكثر من والدي، بل إنه لا يشبه سواهم، حيث يشبه جدي رحمه الله كما يقال عنه. أعتقد أن عائلتنا غريبة. المهم أن كبيرهم كان ودوداً جداً معي في ذلك اليوم، وتكلم معي وسألني عن أمور مختلفة.
لكنه سأل والدي أن يحضرني معه حينما يحضر إلى القصيم، و قال بأنهم سيزوجونني. كان أمر محرج، وكان سيكفي لو قيل لمرة واحدة، لكنه كرر بأكثر من صيغة، وتكلم بجدية. حينما أخبرت أختي الكبرى وأنا أضحك، ضحكت معي (طبعاً). لكنها تسائلت بجدية، لماذا لا أتزوج منهم بالفعل؟ فهم عائلة جميلة. بالطبع، لا أعتقد أني سأتعداهم لو رغبت بأحد من الأقارب أو الجماعة، لكن، هل أرغب بذلك؟ إني أفضل التعرف على أناس جدد.
جاء أخي الكبير ذات مرة إلى العمادة حيث أعمل، كان لديه شأن يتطلب حضوره. طلبت منه أن يأتي ليسلم على مديري. دخل وسلم، جاملا بعضهما برسمية زائدة في نظري. هل لأنهما في أعمار متقاربة؛ يحذرون من بعضهم؟. حينما خرج أخي، كان مديري يبتسم بطريقة غريبة. كأنما يريد أن يضحك. استغربت. سألني إن كان هذا أخي من من أمي وأبي؟ قلت باستغراب: نعم، ما الأمر؟ قال بأنه يسأل فقط. لا يجب أن يكون الإخوة نسخ كربونية، لكن بعض الناس لم يتعودوا. وربما لمحدودية أفراد عوائلهم دور. أنا لا أعتقد أن بيننا اثنين يتشابهون في العائلة. أتهم أنا بأني أشبه أحد إخواني الكبار، لكن بموضوعية، ربما لدينا لون بشرة متقارب إلى حد ما، لكن الاختلافات واضحة. عينيه أصغر، وكذا شفتيه( ما لدي هو من النوع الذي يسمى براطم. كولاجين طبيعي كما كان يصفها أحد الأصدقاء وهو يضحك)، في حين أن الأنف مختلف. المضحك أن كل أبناءه ورثوا عني صفة عجيبة، كانت خالتي العزيزة، زوجة خالي ووالدة زوجة أخي، قد نبهت إليها؛ لديهم ميزة في أرنبة الأنف، وكأنما نتوء جانبي صغير لا يكاد يلحظ، في حين أن هذا الأمر لا يتواجد لدى أخي. بالطبع، أفرح بأنهم ورثوا عني هذا الشيء الخاص جداً، الذي لا يتواجد لدى أحد آخر في العائلة سواي. ربما حينما ينظرون في المرايا لاحقاً ويتفحصون وجوههم، يتذكرونني. وربما ورثوها لأبنائهم، تلك الميزة التي لم توجد لدى غيري في العائلة، ولا أدري عن الأسلاف طبعاً. يقول صديقي سيد أمس: أنفك جميل، لهذا النظارة الشمسية تبدو عليك جميلة. أعتقد أن أنفي غريب، وكأنه صلصال، لكنه ليس جميل بالضرورة، ولا قبيح، لكني أرجو أن يكون أبناء أخي المذكور أعلاه راضون عن أنفي أيضاً. تفحصت أنف أصغرهم، بالكاد عمرها سنة، وهي مدمجة الحجم، لذيذة الخدين، ووجدت أنفها كأنفي. فرحت. لا أريد بالطبع لأي من أبناء إخواني أو أخواتي أن يشبهوني، أريدهم أن يكونون جميلين، لكن، مجرد شيء صغير لا يضر للتذكير أعتبره أمر جيد.
وبذكر أبناء أخي هؤلاء، عاد ابن اخي من كندا، قبل فترة، خائب الأمر. ماذا بوسع المرء أن يفعل...









كان محمد ابن أختي، المحمد ذو الشعر المتموج، يتبعني إلى غرفتي كالعادة. لكن، حدث أمر غريب هذه المرة. حينما دخلت، أخذت المعطر لأصبغ غرفتي بالرائحة التي أعشق، الفانيلا، فهرب محمد بسرعة من الغرفة ووقف يتابع أمام الباب على نحو غريب. بدأت بالرش، ثم أمرني بعصبية أن أرش في اتجاهه، بينما تراجع إلى الوراء!. رششت، فاقترب ببطء، وتوقف، ثم سمعته يتشمم الجو كجرو صغير!. ثم أطلق زفرة ارتياح أمام دهشتي!.
لديه موهبة رائعة بالتصوير ما شاء الله، رغم أن عمره 4 سنوات. كثيراً ما يذهلنا.



السهر نقيض النوم، مع ذلك، ما أجمل الاثنين. أقدر النوم كثيراً، خصوصاً قبل أيام نهاية الأسبوع وخارج الإجازات، حيث يأتي الأطفال في نهاية الأسبوع ويسببون لي انهيارات عصبية كلما صرخوا يلعبون وانا أحاول النوم، نهاراً أو ليلاً. أما السهر، فقيمته بالنسبة لي تكمن بالخلوة، والانشغال بالذات، ألا تكفي هذه كأسباب وجيهة؟.



قرأت رواية أفريقية مؤخراً. لا يجب أن نتوقع أن رواية ستكون جيدة بسبب موضوعها أو مكان انتمائها. كنت قد قرأت رواية: أشياء تتداعى، للكاتب تشنوا أتشيبي، وهو أفريقي وأجواء الرواية أفريقية، وأعتبرها من أروع وأجمل وأكمل ما قرأت من الروايات. أما الاخيرة، واسمها: مذبحة ويريامو، فهي في رأيي راحت ضحية المبالغات والسذاجة، وعدم ضبط الشخصيات وضعف المنطق خلفها، أضف إلى هذا إقحام الفلسفة على نحو زائد عن الحد، وفي أماكن وعلى ألسنة غير ملائمة، وحيث لا يتوقعها المرء ولا يريدها، مما يثير ازدراء القارئ، بدلاً عن التأثير عليه. إن موضوعها يتعلق بالمستعمر الأوروبي، مقاومته أو مداهنته، كراهيته أو الانبهار به، عبر شخصيات كثيرة. كل هذه مقومات كانت لتصنع رواية مثيرة للاهتمام، ويوجد شخصيات كانت لديها الامكانية لتصبح مؤثرة، لكنها لم تستثمر، وعولجت بسذاجة وسطحية. كان وصف المآسي أحياناً يشعر المرء بالضيق والاستنكار، ليس لإتقان الوصف، لكن للحط من قدر الموقف المؤلم بسبب ضعف الأسلوب، الأمر الذي جعل المأساة على جانب من الكوميديا أحياناً، مما يثير الغيظ. 
فشل بالأسلوب، وليس في النوايا، لكنه فشل.

هذا رأيي بها. للأسف، لا أدري إن كنت سأقرأ مرة أخرى شيء بجودة رواية أشياء تتداعى، تلك الرائعة فوق الوصف. لم يكن الأمر مجرد جمال وإثارة قشرية بالنسبة لرواية "أشياء تتداعى"، إنما كان هناك مغزى عميق جداً، يمكن إسقاطه على الكثير من الشعوب والامم. نفكر بتشابه الامراض، وقد يكون ما نتحدث عنه هنا هو مرض واحد أو علة واحدة، لكننا ننسى أن الاجساد التي تستقبل نفس المرض متشابهة، وإن باعدت عنها المسافات. في رواية تشنوا أتشيبي، يرى المرء الإرادة القوية وهي تتحطم، والموت الذي نهرب منه بغريزتنا، بينما هو يزحف إلينا من كل اتجاه، نجد أنفسنا مدفوعين باليأس والخيبة إلى إحتضان هذا الموت.






اليوم الخميس، وهو يوم جميل. ذهبت مع الدكتور إلى المتحف الوطني، لنرى في أحد صالاته معرض الحدائق الأندلسية.
في السيارة، تكلمنا حول رؤيتنا للناس وأنواعهم، فلسفنا الأمور
في الطريق سائرين قرب المعرض، تكلمنا عن أوروبا، وتسائلت إن كانت سويسرا تشبه جنوب ألمانيا. شرح لي الإختلافات والتشابهات. قلت بأن سويسرا كانت دائما مثال هنا على الجمال. لكني أعقبت بأني لسبب ما، منذ أن كنت صغيراً، لم تثر أوروبا اهتمامي، رغم أني أعلم بأنها جميلة، وأني لو ذهبت إلى هناك، فلن أنسى التجربة، إلا أني لا أشعر حقاً بالاهتمام كثيراً. قال بأن هذا شيء متوقع، فهي مختلفة عن هنا كلياً. قلت لكن الناس الذين يذهبون إليها يحبونها كثيراً، كل من أعرف أحبها حينما ذهب. قال بأنهم "ربما يحبون الحرية هناك، ولكني لا أعتقد بأن الحرية هي الأمر الذي تشعر أنت بأنه ينقصك هنا، أو تبحث عنه، إنك لديك أشياء أخرى تبحث عنها، لذلك لا أتصور بأن أوروبا ستبهجك كثيراً".
لا أشعر بأني مفتقد للحرية هنا، لكني مفتقد للماء الجاري على الأرض، وانشغال الناس بأنفسهم. مع ذلك، استشعرت مباشرة بأنه بدأ يعرف خبايا نفسي بسرعة، دون أن آتي على ذكرها، ولو من بعيد.


لمن يريد أن يعرف؛ المعرض تافه جداً. إنه أشبه بعذر عن شغل المكان، وتنفيذ لمجاملة قيلت، عنه عرض لحدائق وأساليب تنسيقها أو أسباب اختلافها عما لدى العالم. لن يرى الزائر نماذج لحدائق، ولا حتى صور كافية عنها، إنما صور عابرة. ما سيرى المرء هو علب يستنشق منها روائح النباتات التي كانت تزرع هناك، وأكثرها مألوف، رغم أنه ربما يكون هذا هو المغزى. المرة، وأكليل الجبل، الذي حينما شممته عرفت أنه دواء تعطيه أمي لمن يمرض لكن باسم مختلف، والكمون، وأشياء عادية في مجملها. كما يوجد نماذج لآلات الري والطحن، نواعير وتروس جميلة، لكن، أليست النواعير تملأ الشام؟ وأليست التروس تملأ مزارعنا سابقاً على هيئة السواني؟. أتفهم أن وجودها ضروري بالمعرض، ليخبرنا أن الناس هناك كانوا امتداد لنا ولثقافتنا، لكن هذا التهافت لإيصال هذه الفكرة الوحيدة، وإهمال الجانب العملي والمتوقع من عنوان المعرض، كان أمر مثير للضيق، وكأنما كان خدعة.
ترى نموذج صغير في المدخل لأصص يفترض أن تعطي انطباع عن حديقة بمساحة مترين أو ثلاثة. ثم بعض الروائح بالطريق إلى الصالة، محبوسة في علب بلاستيكية بمقابض جانبية حينما تحركها يتحرك الهواء في الداخل فيخرج من فتحات الاستنشاق، حيث تقرب أنفك. ثم نموذج لناعور، وهو نموذج متقن وجميل. ثم الكثير من الروائح، وعرض جانبي للبذور والأوراق، ثم مدخل الصالة الصغيرة. يوجد منصة لأجهزة حاسب تعرض برامج، أعتقد أن كلها باللغة الاسبانية، وزجاجة تحوي كتابين قديمين أحدها بلغة أوروبية والآخر بالتركية بخط عربي، وكلها مترجمة عن كتب عربية عن الصحة وطيب العيش والزراعة على ما أتذكر. المزيد من الروائح والنماذج الصغيرة، وهكذا دواليك. لم تكن المعروضات عموماً كثيرة أو مثيرة للاهتمام. بعد قليل من دخولنا، سمعنا صوت مرتفع لعزف على عود. صمت وأنا أحاول أن أستوعب، هل هو نغمة لجوال، أم شخص يعزف فعلاً، أم تسجيل؟. أكمل العزف، فعرفت أنه تسجيل لإضفاء الجو للمعرض. ضحكت وقلت: "قبل بضع سنوات، لم يكونوا ليجرؤوا على هذا."
استدار إلي الدكتور، وقد شد هذا التعليق انتباهه، واجهني جانبياً، حاثاً إياي على التوقف بهذه الطريقة، وسأل: "هل تعتقد أنه من الأفضل أن يكونون أكثر تشدداً؟"
أجبت: "أعتقد أن القرار يجب أن يعود للناس. إن أرادوا تشدداً أقل، فليكن، وإن لم يريدوا، فليكن، فالأمر يجب أن يرجع لهم، يجب أن يكون قرارهم، لا أن يرغموا على الأمر. أعلم بأن الكثيرين سيعجبهم تخفيف التشدد، كسماع الموسيقى هكذا، لكنهم لن يريدوا أن يرغموا على القبول بالأمر، بينما سيعجب آخرين الإرغام على الأمر، لمجرد أنه وافق هواهم، دون اكتراث بالآخرين."
صمت الدكتور، وقلب نظره متأملاً. ثم قال بأن هذا صحيح.


كنت خائب الظن بالمعرض أكثر من الدكتور، الذي ربما أخفى خيبة ظنه حتى لا أندم على جرجرته إلى هناك. لما كدنا أن نخرج اقترحت أن نزور المتحف الوطني نفسه. حينما وصلنا لشراء التذاكر، عشرة لكل واحد منا، قال ببساطة أنه هو من سيدفع، وثناني بهدوء. ابتسمت، قلت بأنه لا يهتم بالمال. لاحظت منذ البداية أنه كريم جداً. وهذا أمر مبهر، لأننا في الجزيرة العربية نتخيل بشكل لا واعي بأننا وحدنا الكرماء، محاطون بأناس يقدرون المال أكثر من المطلوب في محيطنا العربي. أما باقي العالم، فلا نعرف عنه غير الحكايات الفردية، التي تكرس لبخل الأوروبيين مثلاً.
دخلنا، في البداية كان هناك أحجار ومعادن، ثم هيكل ضخم لنوع من الفيلة كانت تجوب الجزيرة العربية قبل ملايين السنين. كان المتحف جميلاً، يوجد فيه الكثير مما يثير الاهتمام. لكني أعتقد أنه من الممكن أن يكون أفضل. أكثر ما أسعدني هو أني رأيت على الطبيعة قناع ذهبي صغير، وقفاز طويل ذهبي أيضاً، أقرب ما يكون غطاء للذراع، وأشياء أخرى، وهي كلها بمقاس يلائم طفل بعمر السادسة إلى الثامنة. هذه الأشياء أكتشفت في المنطقة الشرقية، في قبر فتاة ماتت قبل آلاف السنين، أكتشف القبر قبل حوالي سنتين، وقد قرأت الخبر ونظرت إلى الصور باهتمام كبير في ذلك الحين. قيل في الخبر أن الفتاة على الأغلب هي أميرة يونانية. القناع بدا لي يوناني الطابع إلى حد بعيد. كثيراً ما خطرت في بالي هذه المكتشفات، لكني لم أتوقع أن أجدها هنا في المتحف.
للأسف، هذرت على رأس الدكتور أكثر مما أردت، لم أصمت أبداً. شعرت بالأسف، لأني فكرت لاحقاً بأني ربما أفسدت تجربته دون أن أريد. أخبرته عن الكثير من الأشياء التي أعرف عنها في المتحف، وحكيت له القصص، وأشغلته كثيراً. هي الزيارة الأولى لكلينا. تكلمت بحماس عن قرية الفاو، وقد غاب عني أننا على الأغلب سنصل إلى أمور معروضة عنها. لكن خاب ظني كثيراً حينما لم أجد تمثال مجنح بديع، كان قد وجد في الفاو. أين يمكن أن يكون؟.
كانت أشكال الكتابات العربية القديمة تخلب اللب، حيث أنها لا تشبه كتابتنا هذه، بل هي حروف مختلفة كلياً، إنها جميلة وتشعر المرء بأنها تحمل إحساساً راقياً ومتطوراً. كنت قد قرأت أن أهل الفاو قد شغفوا بالكتابة حد الجنون، بحيث تجد الكثير من الكتابات لهم على كل شيء حول كل الأمور. يا للروعة والرقي والحس بأهمية التعبير. أخبرت الدكتور بهذه المعلومة، وضحكت، قائلاً بأني أتمنى لو كنا قد ورثنا هذا عنهم. ثم رأينا صورة أعرفها، أخذت عن رسمة وجدت في الفاو. صورة لأمير أو شخص مهم، شاب وسيم مكحول العينين، ينظر نظرة جادة، بينما حوله فتاتين يقمن بطقس معين، غير واضحات المعالم، والصورة جميلة، ملونة بألوان زاهية لا يدري المرء من أين حصلوا عليها. للأسف، لم أرى من تماثيلهم شيئاً، رغم وجود تمثالين صغيرين مع عدة الفتاة اليونانية، ورغم أني أعلم بأن أهل الفاو كانوا متطورين جداً في صنع التماثيل، وقد ضاهوا اليونانيون إلى حد بعيد، كما أنهم كانوا وثنيون.
في أحد الأقسام، رأيت إبر معدنية كبيرة، مصنوعة بإتقان. فتذكرت قصة قديمة كنت أحبها حينما كنت صغيراً. قصيتها على الدكتور. وهي عن فتاة بدوية جميلة، ذهب أهلها لتلبية دعوة وتركوها لوحدها في الخيمة. حينما خيم الظلام ولم يعد ذووها، خافت، فهي لا تعرف كيف تشعل النار، رأت خيمة بعيدة وأمامها نار. ذهبت إلى الخيمة، ووجدت رجل مسن عند النار. استأذنت لتأخذ من ناره، لكنه رفض. حاولت إقناعه، لكنه رفض مع ذلك بعناد. فقدت أعصابها، فضربت الشيخ وأخذت بعض النار ومضت. لم يكن الشيخ وحيداً، فقد عدن بناته ووجدنه يبكي، ولما أخبرهن ذهبن إلى خيمة البدوية الجميلة، وهي اسمها نجلاء في النسخة التي سمعت، وضربنها، ووخزن فروة رأسها بإبر نحيلة لا ترى، وسحرية، بحيث جعلتها تذهب في غيبوبة. وتركنها هكذا. حينما عاد أهلها، فوجئوا بالمصاب، وطلبوا عون الأطباء والغجر، لكن لم يستطع أحد أن يعرف العلة، فلا أحد يمكنه رؤية الإبر السحرية فيعلم بوجودها. ربطها أهلها فوق جملهم الأثير، وأطلقوه ليهيم بالصحراء، ولتواجه ابنتهم قدرها، أو يتولاها الله برحمته، بعدما لم يعد في يديهم حيلة. لكن الجمل اقترب لاحقاً من قرية للحاضرة، ولم يتمكن الناس من الإمساك به، سوا أن شاب جميل تذكر بأنه رأى هذا الجمل مع أهله البدو عند أحد السواقي، وتذكر أن اسمه: سيف. نادى الجمل، فتوقف الجمل، وعاد إليه. حينما فلوا القماش الذي يحمله، وجدوا نجلاء في الداخل، لا تستيقظ. أخذت إلى منزل أهل هذا الشاب، ولم يتمكنوا من مساعدتها. بعد حين، وصلتهم دعوة إلى وليمة، وكانوا بالعادة يتركون أحدهم للعناية بجدتهم الطاعنة بالسن، والعمياء. لكنهم قرروا أن يذهبون جميعاً، ويتركون نجلاء إلى جانب الجدة الخرفة، لتجسرها فلا تخاف، وهي لن تعلم بأن الفتاة لا تعي ما حولها. بدأت الجدة حينما غادروا تمسد رأس نجلاء الجميل، وتحكي لها الحكايات، ولكنها شعرت بالإبر، وانتزعتها واحدة واحدة، فرغم أن كل من عاينوا نجلاء مبصرين، إلا أن هذه العجوز العمياء هي الوحيدة التي توصلت إلى الإبر. فتحت عينيها نجلاء، وأفاقت من غيبوبتها. لما عاد الأهل، وقع الإبن في حب نجلاء، وتزوجها.
ضحك الدكتور في نهاية هذه القصة. إنها طفولية وساذجة، لكنها جميلة جداً ومعبرة، لهذا لا زلت أحبها. فهذه العجوز الضريرة سخرها الله لتفعل ما لم يفعله المبصرون دون أن تدري، لأنها حنونة.




وصلنا إلى قسم الحج، ولما خرجنا، سألني إن كنت قد ذهبت إلى مكة؟ ضحكت، وأخبرته بأني ذهبت كثيراً، ولكني أفضل المدينة المنورة عليها. قال بأنه يعتقد أن المدينة أجمل بالفعل. بالتأكيد، رأى هذه المدن المقدسة بالصور. قلت له، بأن الأمر لو ترك في يدي،،، ثم لم أكمل، فقد فطنت أنه علي إيضاح الأولويات. قلت بأني لو كنت سأنتقل من الرياض، فسأذهب إلى المدينة المنورة بأمي وأبي. ثم أعقبت؛ لكن، لو ترك الأمر بيدي، أو لنقل لو أرغمت على مغادرة المكان، لاخترت العيش في عمان، وأخذت أمي معي.
قال متفاجئاً: عمان؟
قلت: نعم، عمان، فأهلها طيبون، ومتحضرون بطبيعتهم، وأتصور بأن العيش سيطيب لي هناك.
قال بأنها بلد جميل، وأهلها بالفعل طيبون ومتحضرون، وأن الحضارة ضاربة بجذورها هناك، إذ أنه زارها.




خرجنا، ومشينا بالحدائق الخارجية المزدحمة، وكان هناك بعض المياه الجارية اصطناعياً. أخبرته بأن النوافير هي من أكثر الأشياء التي أحب في حياتي، رغم أني لم أرى نوافير جيدة هنا، أو نظيفة. وحينما تكون مقبولة، تكون مهملة وقذرة، كلها هكذا هنا. وافقني، قائلاً بأن هذه هي مشكلة كل الدول العربية، فالأمور تهمل بسهولة. وقال بأن النوافير جزء متأصل في حضارتنا نحن، ويمكن رؤيتها في المدن القديمة، دمشق، القاهرة، وخلافها. سألته عن النوافير في ألمانيا؟ قال بأنها كثيرة جداً، بدا الأمر وكأنه يغريني، أو يشعرني بالأسف، سألته إن كان قد شرب منها؟ قال بأنه يشرب منها، فهي صافية ومنعشة، والشرب منها طيب. أخبرته بأني أتمنى لو وجدت نافورة جميلة، ونظيفة، لأنام فيها. أجاب بأنه لن يمكنني أن أطيل النوم، فستكون المياه باردة على الأغلب. صَمَتّ.


سألته إلى أين يود أن يسافر، كانت دولة آسيوية. قلت بأني لو سافرت، ولست بشخص مسافر، لذهبت إلى البيرو. فوجئ، وابتسم، وقال نعم، البيرو تلائمك، وخذ معك هذا البونشو. يقصد التشادر الأبيض الكريمي الذي أتلفع به اتقاء للبرد. ضحكت، وقلت بأني لو ذهبت بناء على ما ألبس، لذهبت إلى أفغانستان. استغرب، فشرحت له أن هذا اللبس يأتي من هناك، ومن باكستان. التشادر هو قطعة قماش مستطيلة، طويلة جداً وعريضة، ترى كثيراً على أهل تلك المناطق.


حينما اقتربنا من السيارة، سألته عن أفضل الروائح التي يحب. قال بأنها كثيرة، ولكن لا شيء محدد، فهو يحب الروائح المتجمعة بعدما يهبط المطر في الغابات في ألمانيا، ويبرز روائح كل شيء، الأرض، النباتات، الأشجار. قلت بأني أحب الفانيلا. ضحك، متذكراً بأني أعطيته قارورة صغيرة من زيتها. أخبرته بأسف بأنها لم تكن من أفضل نوع، حيث أن النوع الرائع الذي كنت أشتريه لم يعد يأتي به المحل، فاضطررت بعد بحث إلى هذا النوع الذي لم أجد غيره، وأعطيته منه. ابتسم، قائلاً ونحن نمشي: دائماً تبحث عن أفضل شيء. قلت بأن غيره يقولون بأني غريب يبحث عن أغرب الأشياء.

حينما اقتربنا من منزله، سألته؛ لو كان سعودياً، فماذا يحب أن يكون اسمه؟. هذه الأسئلة السخيفة التي أحب أن آتي بها من وقت إلى آخر، وهو لا يمانع سخافتي. فكر طويلاً، ثم قال: طارق. لا أحب هذا الاسم، لكني لم أقل شيئاً. إلا أنه استمر بالتفكير، قائلاً بأن هناك اسم يحبه حقاً، ولكنه لم يستطع تذكره. اقترحت: لماذا لا تسمي نفسك هادي؟. تسائل: هادي؟ قلت: نعم، هو اسم جنوبي، وأنت من جنوب ألمانيا، هذا يجعل الأمر معقولاً. ضحك، وسألني عن معنى الاسم؟ لما شرحته تفكر قائلاً: "ااه، هاديه! مثل هاديه! ولكنه مذكر." قال هاديه بلكنة مصرية، حيث عاش هناك لوقت ليس بالقصير، وكل أصدقاءه هنا من المصريين على حد علمي. أما أنا؛ حينما سألني ماذا قد أختار لنفسي (لم يقل لو كنت سعودياً بالطبع). قلت بأني لست متأكداً، ولكني حاولت قبل زمن طويل أن أغير اسمي، حيث لم يعجبني، ولكن والدي عارض الفكرة بقوة، حيث سماني على عمه، الذي لم أصبح مثله بالنهاية. الآن، نسيت ما كنت أريد أن أختار لنفسي. مع ذلك، لو غيرت اسمي الآن، لاخترت اسم: سعود. تسائل: سعود؟ لم ينطقه بشكل صحيح، فصححت له، وشرحت: "أريد أن أسمي نفسي سعود لأن هذا ما رغبت أمي أن تسميني به، حيث أنها تقدر أمير اسمه سعود الفيصل كثيراً، وهو وزير الخارجية، وتعتقد بأنه ذكي جداً ومحنك، فأرادت أن تسميني سعود تيمناً به، لكن والدي رفض" قال الدكتور بأنه لم يكن ليرفض هذا.



في الليل، تناولت العشاء مع خالد، زميلي في العمل، وهو مؤذن مسجد الآن، انتقل إلى شمال الرياض في الشهور الأخيرة. تعشينا في مطعم طوكيو. كان عشاء طيب وممتع، وتندر خالد كثيراً على التشادر. كنت قد رأيت من خلف الحواجز الحصيرية وجه مألوف حينما دخلنا للمطعم، فاستأذنت من خالد، وذهبت إلى خلف الحاجز، وسلمت على زميلين من أيام الجامعة. أحدهما كان ليس أقل من صديق في بداية الجامعة. تندر بأنه كان يجب أن يعرف أنه سيجدني في هذه الأماكن إن اختفيت. كنت أتهم في الجامعة بالكثير من الأشياء، بأني لي طابع ياباني، وأحياناً بأني أبدو كرسمة أنيمي (الشخصيات الكرتوني اليابانية) وأحياناً كفنان أوروبي (حسب القبعة)، أحيانا أشياء كثيرة أخرى. دعوني للبقاء معهم، ولكني استأذنت بأن معي أحد. حالما غادرت الغرفة نسيتهم، والغريب أن خالد هو من ظل يتذكرهم ويسأل عنهم!! خالد عجيب. حكيت للدكتور الألماني عنه، قلت: لدي زميل في الجامعة، سألني ذات مرة: لماذا تحب الأشياء الغريبة؟ فرددت: يجب أن تسأل نفسك هذا السؤال، فأنا أحبك. ضحك الدكتور الألماني كثيراً. وكان هذا في تتمة النقاش حول كوني أبحث عن أفضل الأشياء أم أغربها. وصفت خالد بأنه رجل طيب جداً، مؤذن للصلاة، شديد البراءة والبساطة، حتى أنه يبدو لي كطفل في معظم الأحيان (في النصف الثاني من ثلاثيناته بالواقع). قال الدكتور: إذاً، هو لا يستوعب عمق شخصيتك وحساسيتك. يصفني الدكتور أحياناً بأوصاف من هذا القبيل، حتى يشجعني ويجعلني أشعر بأني شيء مميز.
عودة إلى العشاء مع خالد؛ فوجئنا بأن كل أماكن المطعم تسمح بالتدخين، وكان هذا شيئاً سخيفاً، لكن خالد طلب من الأشخاص بجانبنا عدم التدخين.
ثابر خالد في محاولة استخدام عيدان الأكل، ولم يعطني الفرصة الكافية لتعليمه، أو يدقق كثيراً على تعليمات استخدامها على الغلاف. لكنه نجح على نحو مقبول. أحضرنا لاحقاً الأدوات المعتادة للأكل، وأكلنا بأيدينا حتى.
قلت لخالد، بأن المرة القادمة سنذهب لتناول السوفليه في مقهى قريب. وصفت السوفليه بأنه حلوى لذيذة، لها شكل بطن خالد، خصوصاً أنه كان يرتدي ثوباً بنياً في تلك الليلة.


حينما خرجنا من المطعم، قال خالد بأنه يريد أن يمشي في ممشى الملك عبدالله. ذهبنا ومشينا، وتكلمنا كثيراً. بائع عطور هناك، حينما علم أن خالد يريد شراء البخور لتعطير مسجده، رفض أخذ المال، وثاوب به لأمه رحمها الله. أما أنا، فلم يعجبني عطر الفانيلا لديه أبداً، ولا أدري كيف بعض المحلات تسمي الرائحة التي لديها بالفانيلا، هل يعرفون الفانيلا حقاً؟.


ثم دخلنا بيته الجميل، وأراني إصلاحاته، وهو بيت المسجد. بيت فريد، لا فناء يحيط به، إنما فناء خلفي مستطيل فقط. وقد أعجبني هذا كثيراً. كانت إصلاحات خالد رائعة، وذوقه جميل بالاختيارات، مع زوجته بالطبع.






وجدت اتصالات من همام الصيني، وعرفت منه لاحقاً، وهو يكاد أن يكون منقطع الأنفاس من فرط الجدية، أنه يحتاج لرؤيتي الليلة لأساعده بتحرير ترجمته لنص صيني ضروري لجهة رسمية. وجدت ترجمته ممتازة، رائعة جداً ما شاء الله. لكنه فعلها في يوم واحد والنص طويل، وكان يحتاج إلى اختصار الوقت في التحرير. حررناها في ساعتين في مقهى جافا تايم، بعد صلاة العشاء. ثم مكثنا نتكلم عن شتى الأمور.






هاقد عاد جهازي العزيز من الدمام، كم اشتقت إليه. قرأت نتيجة دراسة أجنبية في الجريدة حينما كنت صغيراً، تقول بأن الرجال أشد تعلقاً بممتلكاتهم من أدوات وآلات من النساء اللائي لا يتعلقن بها عاطفياً مثل الرجال. يعني أن الرجل مثلاً قد يتعلق عاطفياً بسيارته أو ساعته، في حين أن المرأة تنظر إلى هذه الأشياء بطريقة عملية، وسائل يمكن استبدالها، قيمتها مادية لا معنوية. لكن من يدري، لعل الدراسة مخطئة.




الجو اليوم استثنائي بمعنى الكلمة. في الصباح كان ممطراً ومنعشاً. وقد لبست الجكيت لأول مرة للعمل هذا الشتاء. فرحت بالواقع، فأنا كنت أود أن ألبسه في العمل، لا في المساء فقط. من المؤسف أني لا أستطيع جلب التشادر إلى العمل، حيث لن يبدو جيداً مع الغترة. الجكيت الذي ألبس كثيراً ما كان محل اعتراض امي، حيث تعتقد بأنه لا يجلب الدفء، لأنه يخلو من الفرو أو البطانة الثقيلة في الداخل. لكني أشعر بأنه دافئ بما يكفي. اشتريته قبل سنوات من برناردي قبل أن يغلق، بسعر أقرب للبخس في وقت تخفيضات. أتلقى حوله عموماً تعليقات إيجابية حتى الآن رغم مرور سنوات وهو لدي، خصوصاً للونه المميز، الذي لا أدري ما اسمه. كيف يمكن للنساء تسمية كل الألوان؟!.

عموماً، لدي شغف بالحفاظ على الملابس لفترة طويلة. لست من النوع الذي يميل لشراء الملابس كثيراً، سوا حينما أجد شيء مختلف واستثنائي حقاً. وكلما ازداد تقادم القطعة التي أحب، كلما ازدادت قيمتها لدي. ليس الأمر بخلاً، لكني أحب الوفاء لما أحب من الأشياء غير الالكترونية. فالملابس وما شاكلها من هندام وخلافه أرى بأنها تعكس شخصيتي، لهذا أحرص وقت الاختيار ولا أشتري كثيراً، أرى بأن هذه الأشياء تصطبغ بالشخصية مع الوقت، وتصبح شبه قطعة من المرء. أعترف عموماً أن الأمر حينما يداخل الثياب البيضاء والغتر، لا أهتم بأمرها كثيراً. لأني لا أرى فيها تميزاً كبيراً فيما بينها، وأشعر بأنها استهلاكية، حتى جودتها مهما دفعت تظل متدنية ولا تعيش طويلاً. وهنا يطل التكاسل برأسه، بالإضافة إلى عدم الرغبة بالتبذير، فلا أفصل أو أشتري الثياب إلا على فترات أبعد من اللازم. لكن قد يحسب البعض أن هذا هو السبب الذي لا يجعلني أمانع خياطة الشقوق غير الكبيرة متى ما كان هذا ممكناً، حيث تخيطها لي أمي، لكن هذا غير صحيح. أنا أهتم بخياطة الثياب وإصلاحها بعداً عن التبذير، حتى لو اشتريت ثياباً جديدة، لا أحب التخلص من ثوب لأنه انقطع على نحو يسير، أو لأن البعض قد يضحك حينما يرى الخياطة، فمن يضحك على أمر كهذا يسعدني أنه يضحك علي وليس لي، لأن مقاييسه مقلوبة وشخصيته غير عميقة، فحكمه حينما يأتي معاكساً فهذا مما أعده بشارة. لا أحب الكِبر، يمكن للمرء أن يظهر أنيقاً وحسناً حتى لو كانت ثيابه مخيوطة الشقوق الصغيرة على نحو معقول، طالما أنها ليست رثه أو مهترئة تماماً، وطالما أنها نظيفة. فوجئت بسيد، صديقي الهندي، يُشده حينما رأى بأن ثوبي مشقوق ومخيط من عند باطن الكوع. ذكر الله، وتأمل الثوب ممسكاً بيدي، وقد استغربت كثيراً. لكنه قال بأني أول سعودي يراه يخيط ثيابه، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان هكذا. لست أدري عن صدق الادعاء هذا، لكني حزنت على كون خياطة الثياب المشقوقة ليست بالأمر الدارج.
كما أني أهتم بإصلاح ما أحب من الملابس وما أجده أثيراً بنفس القدر. لدي صديرية فرو، أصلحتها ذات مرة بدبوس حتى لا يقع الكتف، وظلت جميلة ومميزة، أسئل عنها في بعض الأماكن.






رأيت الدكتور الألماني اليوم، كانت لدينا مهمة؛ شراء فساتين لحفيداته الصغيرات. فساتين ملكة سبأ. لم أفهم بالبداية ما حكاية ملكة سبأ، حينما أخبرني في منتصف الأسبوع عبر البريد. شرح بأنها فقط فساتين جميلة. أخبرني القصة اليوم؛ الطفلتين الصغيرتين رأين خالتهن تمثل في مسرحية دور ملكة سبأ، فأعجبن بفستانها. أعمارهن ٦ و٧ سنوات. دخلنا محل، ولم ينتبه كثيراً لما اقترحته بثقة منذ البداية؛ كان فستان غريب وبسيط بنفس الوقت، له رقبة زرقاء مطاطية عريضة وطويلة تغطي الرقبة (الأزرق شرط مهم) بينما الفستان أبيض ومنسدل بثنيات واسعة، بلا أكمام أو حتى كتوف. لم تبدو لي الفساتين التي لفتت انتباهه وشرع بقياسها بالمتر جميلة أبداً، لهذا كان علي أن أخبره بسبب اختياري حتى يكون على بينة. قلت بأن الفساتين التي اختار عادية ومعاصرة، بينما الفساتين التي اخترتها أنا للفتيات غريبة وغير تقليدية لهذا الزمن، وكأنما صممت في حضارة قديمة مختلفة وتوحي بالفخامة البسيطة والقدم، فسيبدين كملكات قديمات بها. دقق النظر بالفساتين، وفرح جداً، استوعب الفكرة. مع ذلك، أقنعته بالانتظار، لنرى المحلات الأخرى، لم يبدو أنه صار يريد غير هذه الفساتين لحفيداته، فتوصلنا إلى الاتفاق على إبقائها محجوزة لدى البائع ريثما نعود. خرجنا وهو يتكلم بأنه سعيد لأنه لقي الفستان المناسب، رغم أنه لم يدرك هذا في البداية، إلا أن رؤيتي للأمر أعجبته. تكلم عن حمله لهمّ الفساتين، الذي سقط الآن، واعتبرني منقذ. عرفت أن دوراننا على المحلات الأخرى لن يكون له طائل، طالما هو معجب بتلك الفساتين الصغيرة إلى هذه الدرجة. لكنه على الأقل وجد أكاليل من زهور صناعية، واصر على شراءها، واشترى كذلك طرحات سوداء مزينة لهن.
عدنا للمحل، فاصلت الرجل، وبالكاد أنزل بعض السعر. في المحلات الأخرى، كان لا يعجبه ما يصفه بالتصاميم الأمريكية الطابع.
صاحب محل حسب أنه أمريكي، ودلنا على محل يحتوي موديلات أمريكية، وكان هذا آخر ما يبحث عنه الدكتور.


عرفت أنه معارض كبير للألعاب الالكترونية، وتناقشنا حول الأمر. قلت بعدما لم أتمكن من إقناعه: أعرف ما العلة، لأنك لا تستمتع بها ولا تعرف استخدامها تحاربها مثل الكثير من الناس. صمت مبتسماً، ثم قال بأن هذا صحيح. صحت: أرأيت؟!. لكنه قال سأسمح لك إذا باللعب. عرفت أنه يمزح، فضحكت.


سألته إن كان سيذهب إلى أمريكا؟ حيث أن ابنه باحث هناك على مستوى عال. فوجئت بأنه يخطط للذهاب بعد فترة. سألني لماذا أسأل؟ قلت لأجعله يشتري لأجلي أشياء من هناك. سألني ماذا أريد؟ وأضاف باسماً: ألعاب فيديو؟ قلت: لا، أريد دمية مضحكة تباع هناك، لها شفتين وأسنان، أريد أن ألاعب بها أبناء إخواني (أريد أن ألعب بها وحدي أكثر لقول الحقيقة، فهي شكلت صرعة في الفترة الفائتة حتى على مستوى الكبار هناك، لأنها كوميدية ومضحكة).
لكن لاحقاً، تم الإعلان عن جهاز ألعاب محمول جديد، وأشعر بأني تورطت لأني أريده. لو كان شيء آخر لطلبته أيضاً لاحقاً، لكن هذا جهاز ألعاب، وربما لن يعجبه أن يحضره معه. بالطبع، سأعطيه ثمن كل شيء، لكن هل سيتضايق لو طلبت شيء لا يشعر بالارتياح تجاهه؟.


تأخر الوقت، ولم يعد بأمكاننا الجلوس وشرب القهوة والتحدث لأن الصلاة حلّت، لكن لا بأس، في الأسبوع القادم إن شاء الله. قال بأنه يريد أن يدعوني للغداء في المرة القادمة، فيما يشبه التعويض.


ما أسرع مرور نهاية الأسبوع هذه، رغم امتلائها بالأحداث. ليس بالأمر المعتاد بالنسبة لي.




وصلتني رسالة من باكستاني طيب يعمل في الجامعة. هي للسلام، وهي مشوبة بالمرارة كذلك. يقول بأنه حينما يأتي إلى الإدارة لأجل عمل فإنه يواجه بوقاحة الموظفين. بعض الموظفين فعلاً قساة، ولكن عن ضعف بالوعي، وهي مشكلة خطيرة واسعة النطاق في المجتمع. كذلك أعلم بأنه يعاني من جهة أخرى من الدكاترة السعوديين. قال لي متعاقد قبل فترة أنهم يبحثون طوال الوقت ويقدمون الأوراق التي يجب أن تشتمل على اسم دكتور سعودي، الذي لا يقوم بشيء، حتى يترقى إلى مرتبة علمية أعلى.
قال الباكستاني بأني الاستثناء الوحيد في العالم العربي كله. فعرفت بأن زملائه من العرب أيضاً يشكلون معضلة. سمعت الكثير من الشكاوي عن الأساتذة المصريون وخلافهم وسوء معاملتهم للهنود وبقية الآسيويون. وهذا أمر يسيء إلينا كثيراً. بخلاف المال، هل يجد هؤلاء القوم إيجابية لدينا؟.
رددت عليه أشكره، وأخبره بأني أخشى بأني مخادع أو أعرض أصدقائي لسوء الفهم حينما يفاجئونني بمثل هذا المديح. وناقشت رؤيته للعرب، وطلبت منه أن يتحلى بحسن الظن، لمعرفتي بقلبه الكبير.
كان من المتحمسين للعرب حينما جاء في بادئ الأمر. أتذكر هذا جيداً.





أتساءل مؤخراً عن دور المدارس في التربية أكثر فأكثر. كل ما ينتقده الناس هو المواد العلمية السيئة، والإختصار المخزي للعلوم الدينية واللغة العربية، والمدرسون السيئون. لكن بدون النظر إلى عناصر المدرسة هذه، هل نحتاج إلى إضافة عناصر جديدة ونصممها دون ماض أسود لسوء التدبير؟. حينما أرى الشباب الصغار هذه الأيام، وحتى الكبار، فإني أتمنى لو صحت بأقصى صوتي طالباً أن يعلمون بعض الأساسيات الحياتيه.
لن أتكلم عن المناهج القائمة، فهذا نقاش يجلب لي الغثيان، ويشعرني بالملل، وأنه دون الأولويات بالنظر إلى ما سأتحدث عنه.
ما سأتحدث عنه؟ سأتحدث عن ماذا كنت سأضيف وسأعلم هؤلاء الطلاب لو كان لي من الأمر شيء.
أول مادة ستكون النظافة الشخصية. لماذا نأخذ في اعتبارنا دائما أن مجرد كوننا مسلمين هو شهادة صحية لنا، بأننا أنظف أناس بالعالم؟. لدينا الأساسات بالدين، لكن من المضحك أننا نظل مع ذلك غير نظيفين تماماً، والمبكي في الأمر أننا لا نشكك بحقيقة نظافتنا مهما كان ما فعلناه أو لم نفعله. أتذكر ذات مرة أني تكلمت مع مدير مطعم عن موظفه الذي خرج من الحمام دون غسل يده، وكانا كليهما مصريين(هارديز على ما أتذكر)، فقال المدير من ضمن حججه بأن الرجل مسلم!!!. يا إلهي، هل قذارة المسلم طاهرة إذاً؟!. بالواقع، حتى مع توفير الجامعة مؤخراً بعد انفلونزا الخنازير للصابون في "بعض" حماماتها وكأنما للاختبار، لا أتذكر بأني رأيت شخص يغسل يديه بالصابون بعد الخروج من الحمام سوا مرة أو اثنتين، مهما كانت جنسيته، لكن أغلب المستخدمين للمرافق هم السعوديين، بحكم المكان طبعاً. لماذا؟ الأمر غير مهم إذ لم يتعودوا، لا يعرفون ضرورته. حتى معقمات الأيدي التي لا تحتاج إلى الماء، التي وزعت على المكاتب، حالما خف زخم الحمى صارت فتحاتها تنسد لانعدام الاستخدام.
كما أن الناس أنفسهم تكون روائحهم أحياناً جالبه للمرض. يمكنني قول أن بعض الأجانب روائح أفواههم سيئة نتيجة لنوعية طعامهم، وعدم مراعاتهم لعدم تعودنا، وربما حتى روائح أجسادهم بالنسبة للبعض، وهذا راجع على الأغلب لخلفياتهم الحياتية في بلدانهم. لكن نحن، من نتأذى، هل نحن أفضل منهم أم أن ثيابنا فقط هي النظيفة؟. تفوح أحياناً روائح العرق، حتى لتتسائل هل يستحم من أمامك أبداً؟ هل يضع على جسمه ما يسيطر على الروائح الطبيعية حال الإجهاد؟ هل يعرف العطر بخلاف وضعه عند الدعوات والولائم؟. هل يعرف كم أسنانه قذره ومثيرة للاشمئزاز؟. هل يهمه أصلاً؟ ترى كتل الطعام متراكمة منذ، يعلم الله، أيام الأسنان اللبنية التي سقطت عن الأوساخ لتلبسها الأسنان الدائمة.
أما استخدام الأدوات العامة، فهذه طامة. وهي تزداد سوء مع الوقت، بمعنى أن الأجيال تتردى. إن الدخول إلى حمام عام هو بمثابة سبب من أسباب الحنق والحقد على المجتمع. ليس الأمر فقط من غلط الجهات الرسمية، التي لا توفر أحداً لتنظيف الحمامات، لا، بل حتى حينما يوفر هؤلاء العاملين لا يتحسن الوضع كثيراً. إذ قد تدخل حماماً تعلم يقيناً بأنه حديث عهد بالغسل والتعقيم، سوا أن من قبلك لم ينظفه بعد استخدامه له قبل أن يخرج. لا أريد أن أقرف من يقرأ، لكن الأمر خطير من جهات كثيرة؛ صحية، وأدبية، واجتماعية، وحتى دينية، فلو كنت كافراً لا قدر الله لا أدري هل كنت سأسلم بعد دخول حمام بعد شخص مسلم هنا؟! هؤلاء الذين يتغنون بالوضوء خمس مرات باليوم، والاستحمام عن الجنابة، والتطهر عن النجاسة، هؤلاء لا يعرفون تنظيف الحمام قبل الخروج منه. بل إنهم يتصرفون كالأطفال أو أسوأ، إنك تجد نجاستهم قد ارتشقت على أرضية الحمام وجدرانه وهم "يطهرون" أنفسهم.
لا أدري ما مرد الأمر، ولماذا ساء أكثر في حين أن الوضع الطبيعي هو ازدياد الوعي. هل لأن تربية الأبناء تركت للخادمات الجاهلات؟.



أما المادة الثانية، فستكون أداب التعامل مع الناس وأصول التهذيب، ومتى تتحدث أيها المرء ومتى تصمت، وما يقال وما لا يقال، وما يتوقع منك وما لا يتوقع. للأسف، لم يعد ممكناً الاعتماد على الآباء والأمهات في هذا الزمان الكسيف أخلاقياً، فهؤلاء الأباء والأمهات هم بأنفسهم يجهلون هذه الأمور. كل هذا بعدما أصبحت التربية منذ زمن بعيد عبارة عن مجرد شراء الخبز والجبن، وزاد عليها الآن شراء البلاكبيري.


أما المادة الثالثة؛ فستكون لتعليم الهوية وتقدير الذات على النحو الصحيح لهؤلاء الصغار الذين يزدادون حماقة على نحو يحطم القلب؛ بشعورهم المنفوشة، وألسنتهم العيية، و جهلهم بمعنى وجودهم أو إمكانية إضافتهم لشيء. ولتعريفهم بالآخرين كذلك، وكيف يجب أن ينظرون إليهم كأناس مختلفون، ولكن أناس يستحقون الاحترام.
ولن يقتصر الأمر على هذا، يجب أن يفهموا أموراً أكثر تعقيداً، هويتهم كمسلمين كيف يتعاملون معها، ويظهرونها بفخر وتحضر. كما أني أود كثيراً لو يتعلم الصغار عن هوياتهم الجنسية كذلك، كيف يجب أن يشعروا تجاه أنفسهم والآخرين، كيف تتم الأمور بشكل منطقي، وحاجة الجنس للآخر بأي شكل يجب أن تكون لتصبح سليمة. بالتأكيد، سيهمني أن تتم الأمور على نحو يخلو من الإسفاف والمخاطرة، باستمداد الأخلاقية من التقيد بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية وتجارب السلف الصالح، مع جعل الأمور ذات طابع حديث.



يا لسخافاتي، طموح مضحك، وحتى لو كان لي من الأمر شيئاً، لن يرغب الناس بمثل هذه الإضافات.





بلغتني رسالة اليوم من جهة تقدمت إليها للإنضمام إلى نشاط تعليمي فيها، هناك مقابلات، وقد وصلت إلى هذه المرحلة والحمد لله، ما لم يكن هنالك خطأ في الأمر.
لو انضممت، سيكون هذا أمر طيب. لقد حاولت الانضمام قبل سنتين تقريباً، في بداية نشاط الجهة في مجال اهتمامها. وقد قابلني رئيسها، وقد كان متحمس لي ولورقتي التي تقدمت بها، بسبب سوء فهم!!. لقد أساء فهم مشروعي. وفي حين أني كان لدي مشروع احتياطي، إلا أن تأثير خيبة الظن قضى على أي فرصة. لكني على الأقل، خرجت دون أن أفقد الأمل في نفسي؛ وكان السبب أن الدكتور الذي قابلني، رغم خيبة ظنه، إلا أنه أطال التحدث معي، وبدا آسفاً على كوني لن ألتحق، لأنه رأى كما يقول الإمكانيات لدي.
الآن، ما سأتحدث عنه هو مشروعي البديل، الذي صار الأهم. وعسى الله أن يكتب الخير والصالح.


أكتب بعد يوم،
لقد كانت المقابلة كارثة.

مع ذلك، وصلتني بعد أيام رسالة بقبولي "إحتياطياً". هذا عزاء، بالنظر لأدائي السيء. لا أعتقد بأن هناك من أدى أسوأ، لكن ربما أخذ بالاعتبار كوني موظف في الجامعة، وربما أشفقوا علي.






اليوم، رجع بعض الزملاء الذين غادرونا بأوقات متفاوته خلال الشهر الفائت، لأجل الاستعداد للاختبارات وأدائها، فهم يدرسون الآن انتساباً. بقي واحد فقط لم يعد. أما من عادوا، فوجئت بأني بشكل ما اشتقت إليهم، ليس كلهم بالطبع، ولا يعني هذا أني أكره أحدهم، لكني اشتقت على وجه الخصوص إلى اثنين. بالواقع، كنت أعلم بأني أنتظر عودتهم، ولكني لم أعلم بأني سأفرح وأشعر بالراحة للأمر. وهذه مشاعر ساذجة، لا تليق. لكن، لا تضر ما دمت واعياً لها.







وقعت ضحية سوء تصرفي، واضطررت لشراء شيء بسعر مرتفع. كان الأمر أني وجدت قلم للكتابة على شاشات اللمس، التي لا تعمل إلا بالاصابع بالعادة، وهو أنيق وبألوان مختلفة. أردت الأخضر. لكن البائع على موقع سوق يطلب سعر مرتفع، فوق سعر التوصيل من الموقع الذي سيأخذ عشرة ريالات أكثر، رغم أن البائع في الرياض، فيصبح المجموع لأجل قلم أعرف بأنه لن يكلف أكثر من خمسة في سعر الجملة ٣٢ من الموقع. أخبرته بأني أود أن أقابله وأشتريه منه، فقال بأن الموقع سيوصله لي وأنا مرتاح. كان رفض مؤدب. فقلت لا، أنت من سيرتاح فأنت لن تدفع العشرة! وخضنا جدل عقيم، حول عدم عدالة الأمر، وتسببت بإحراج البائع، ولم أنتبه إلا بعد وقوع الفأس بالرأس. والمشكلة أنه لا يمكن حذف الحوار الظاهر على صفحة السلعة. اعتذرت، وقلت بأنه ما كان علي أن أطيل الجدل، وشكرته على سعة صدره، و طلبت اللون الأخضر!. أردت تصحيح غلطتي، رغم أني لا زلت غير مقتنع بعدالة الأمر، لكن لم يرغمني أحد حتى أحرج الناس، لو كان الأمر على البريد خفية لكان أفضل، لكنه أمام الناس وقد يسيء لحظ التاجر. سارع البائع مشكوراً بإرسال القلم. ولما استلمته بدا صغيراً، ولكن جميل، و، لم يعمل على هاتفي!!. رغم أنه يفترض أن يعمل على الشاشات التي تتعامل مع الأصابع (كباستف). خاب ظني، فذهبت وبحثت عن أحد لديه جوال بنفس تقنية اللمس، إذ وصلني في مقر العمل. جربته على آيفون٤، وعمل بأفضل حال. هل العلة من تغييري للملصق الواقي للشاشة؟ لكنه يعمل بأصابعي بشكل ممتاز. أعتقد أن الله يؤدبني فقط.




لم أذهب اليوم إلى العمل كما خططت، كان لدى أمي موعد في المستشفى، وكنت لم أنم تقريباً أبداً في الليلة الفائتة، رغم نعاسي الشديد. وهذه مشكلة، حيث أني لا خلاف لدي حول الذهاب إلى العمل دون نوم حينما لا أكون ناعساً جداً، لكن أن اكون ناعساً ولا أقوى على النوم طوال الليل فهذه مشكلة. خصوصاً أني ملتزم بتدريس ابن اخي مادة الانقليزي قبل امتحانه. قررت إخبار مديري الأصغر بأني لن أحضر وسأحتسب الأمر كإجازة اضطرارية. خصوصاً أني لو ذهبت وعدت من العمل لا أدري إن كنت سأستيقظ لإكمال تدريس ابن أخي، وهذه أولوية. تدريس أبناء إخواني يقصر عمري على فكرة في كل مرة، وإن تباعدت الفترات. لأني أشعر بالأسف كثيراً على إهمالهم طوال السنة ثم توقع أن الأمور ستسير على ما يرام حينما أعلمهم قبل الاختبار بيوم أو اثنين. لماذا لا يطلبون المساعدة مني خلال أوقات الدراسة على امتداد السنة؟. لا، هذا سيطيل بعمري، لعلهم لا يريدون هذا. كدت أن أموت اليوم حينما أخبرني بأنه لم يراجع ويحفظ ما حددته له البارحة، رغم وجود اليوم بطوله وتأخره في الحضور في اليوم التالي، بأعذار واهية، في حين أن الوقت أضيق من أن أضيعه بالتوبيخ.


عموماً، في المستشفى اضطررت للشراء من د.كيف اللص حتى تخرج أمي من العيادة، حيث لا يسمح لي بالدخول معها على خلاف العادة. أردت شوكولاته ساخنة، لكن ليس لديهم منها، وهذا غريب. طلبت كأس شاي صغير جداً بـ٥ ريالات، وأنا من يشتكي من بيع المكينة للشاي العدني بـريالين. المشكلة هي أني لا أريد لا شاي ولا قهوة، حتى الشاي العدني أجبر عليه في بعض الأيام حينما أكون ناعساً جداً، لكن كان يجب أن أشرب شيء دافئ ومنشط حتى العودة إلى المنزل. أضفت إلى الشاي سكر بني، وهو لم يحليه بأي شكل، فكرت بأن السكر البني ربما مزحة أو قطع زجاج أو شيء. أضفت بودرة القرفة، والسكر الأبيض، فأصبح الشاي جيداً حقاً. 
كتبت هناك قصيدة، حيث أن الجو بشكله وطبيعته هذه الأيام يكثف مشاعري كما يكثف ألوان الأشياء، حيث أرى الأشجار حول المنزل أغمق خضرة، والبيوت أجمل وأكثر جذباً للانتباه، ولون كل شيء مضاعف، وكأنما كان كل شيء ميتاً ثم عاد إلى الحياة.



تلك الظروف...
التي تتلف القلب...
تلك الحياة...
التي تعتاش على الكلل...
تلك الظلمة الفاحمة...
حيث أسير...
تحت ظلمة كفيّ خائبي الأمل...
ظلمة المعاناة...
تلك الظلمة المتمددة أبداً...
حيث خيال النور يتبادى في البعيد...
في تلك اللحيظات...
حينما أرفع عن وجهي كفوف الهزيمة...
فأرى نهاراً بعيداً...
كساحل ينحسر أبداً...
أو كمؤمن محرم...
راح يسعى خلف مروىً...
لن يبلغها يوماً...
تاركني لوحدي...
في ظلمة موحشة...
حيث تعمى البصيرة...
ويقتل الأمل...
بلا جريرة...



القصيدة بائسة، ولعلها تتناقض للرائي مع شعوري بالحياة الذي شرحته قبلها. لكن بالواقع؛ هذا سوء فهم، لأن الحياة في الحقيقة كلما ازدادت تجلياً، ازدادت بؤساً.






جاء قبل قليل عمرو، الصديق المصري الطيب في برقركنق. رأى جهازي الجديد من قوقل، وعلق على جماله. عمرو يسأل دائماً عن الأجهزة، وكان معجباً بالنتبوك من لينوفو الذي آل لشخص آخر الآن. أعجبه شكل هذا أكثر، وسأل عن سعره. أعجبه أنه مجاني.
شكل الجهاز جميل عموماً، كل المراجعات التي قرأتها امتدحت تصميمه، لأنه بسيط ويخلو من البهرجة، ويشبه أجهزة أبل. لا يجتذب سطحة أو سطح شاشته البصمات، لأن كليهما ليسا بخامة لامعة ملساء، إنما بخامة مضببه. هذا يجعل شكله أقل لمعاناً، وأكثر تميزاً، ولكن بالنسبة للشاشة، هذا أمر فارق وحاسم. فالشاشة الملساء اللامعة هي الأفضل والأجود لمتابعة الأفلام والألعاب، بينما الشاشة المضببة هي الأفضل للكتابة والقراءة. وكأنما الأمرين نقيضين، وهذا أمر مضحك وساخر. لكني سعيد بأن شاشته من هذا النوع الجيد للكتابة والقراءة، فهذا ما أقوم به أنا بشكل أساسي.


الجهاز مفتوح على صفحة البرامج والروابط المفضلة والمغلقة مؤخراً

في حين يلفت انتباه الناس أول ما يلفته أن الجهاز مجاني، كما يقول أحدهم: البلاش ربحه بين، أنسى دائماً أنه مجاني لسبب ما، ربما لأني لا أفكر كثيراً بقيمة الأشياء بعد أن أشتريها، فهي تصبح غالية بالتساوي لدي. وبقول: البلاش ربحه بين، يظهر أن الكثير من الناس لا تهمهم مواصفات الشيء طالما أنه مجاني.
للجهاز ميزات كثيرة، وهي ستزداد مع الوقت إن شاء الله، فالنظام حالياً غير مكتمل تماماً، ويخضع للتحسين باستمرار. الجميل هو أن التحديثات تلقائية. ويوجد كذلك سوق البرامج. وهو حالياً غير متطور تماماً لأسباب كثيرة، لعلها تختلف مع الوقت إن شاء الله. لكن يوجد ما يفي بالغرض عموماً.
الشيء الذي أنتظره بفارغ الصبر هو تفعيل العمل على مستندات قوقل، وربما حتى بلوقر، بدون الاتصال على الانترنت. كان الأمر قابل للتطبيق قبل فترة، ولكن قوقل أوقفته لتطور التقنية وتحسنها، بالاعتماد على لغة برمجية متطورة.


الخط العربي على الجهاز لا يزال غير قابل للتغيير
 لكن من الجيد أن اللغة العربية تتوفر منذ البداية والنظام تجريبي
الجهاز جيد ورائع لمن يقضي وقته على الانترنت في معظم استخداماته، أي كأغلب المستخدمين العاديين، وهو جيد على وجه الخصوص لمن لديهم رؤية تقدمية وعملية في استخدام التقنية، فأنت ستحصل على ميزات، ولكن يجب أن تتأقلم مع بعض التغيرات. فأنت لن تستخدم مثلاً مايكروسوفت أوفيس بالشكل المعتاد، وستلجأ على الأغلب إلى مستندات قوقل، وهي من البدائل المجانية للأوفس بمميزات مشابهة وأخرى متقدمة. ولن تلعب الألعاب إن كنت من اللاعبين الجادين على الكمبيوتر سوا إن كانت من ألعاب الشبكة مثل ترافيان وخلافها. وستحصل على ألعاب مطورة خصيصاً للكروم، متصفح ونظام تشغيل، لكنها بسيطة حالياً. ولن تتمكن من وضع الاسطوانات، فلا يوجد لها مكان، لأن قوقل تريد أن تدفع بالمستخدم نحو المستقبل، بحيث يعتمد على الشبكة في تخزين ملفاته واستعادتها. وهذا أمر أروع مما تتخيليون. لا احمل ذاكرة فلاش معي لأعمل على كتاباتي، فأنا أدخل عليها وأكملها من أي جهاز حاسب.


هذا المودم الكونيكت(باللون الأسود) موصولاً بالراوتر الذي يجعل الانترنت لا سلكي
 وقابل للاستخدام من أكثر من جهاز


النقطة الأخرى هي أنكم ستضطرون إلى إعادة صياغة أوقاتكم عند تشغيل الحاسب، لكن على نحو إيجابي. فلن تنتظر وقتاً طويلاً يجب أن تملأه بالتأفف أو تقليب الأوراق حتى يعمل الجهاز، فهو يعمل تقريباً مباشرة عند التشغيل، وعند إيقاظه من وضع الإنتظار يعمل فعلياً مباشرة، فلا وقت لتضييعه وهذا أمر مبهج. تخيل أنك تريد أن ترى البريد في ساعة متأخرة قبل أن تنام، أو تريد أن تقرأ شيئاً أو تتأكد من شيء، لن تحمل هم تشغيل الجهاز بعد الآن.


صورة مقربة لصفحة البرامج والروابط، يمكن تغيير شكل الطابع العام للجهاز
 بأشكال كثيرة من متجر كروم

أصفه كجهاز العارفين ماذا يريدون تماماً، العمليون الذين لا يريدون خلاف ما يقدم، ولا يريدون الدفع لخلاف هذا أيضاً. فمعلمة مثلاً، لماذا تشتري جهازاً غالياً، يفسده أبناؤها باللعب ووضع الاسطوانات المعارة عليه، وتفسده فيروسات ملفات بناتها (الطلبات) معظم الوقت، حينما يحضرن النشاط على ذاكرة فلاش من بيوتهن. ولا تعرف كيف تحميه من الفيروسات ولا كيف تحدث مضادات الفيروسات، ولا ماذا يقول لها مضاد الفيروسات أصلاً. لماذا كل هذا، وهي تريد فقط أن تكتب الأسئلة، وتستخدم الباوربوينت، وتجمع المعلومات من الشبكة؟.

أماكن الحروف لا تختلف عن لوحة المفاتيح العادية، بيد أنه لا يوجد حروف عربية مطبوعة، وهذه ليست مشكلة لمن يطبع دون نظر، ويمكن حلها مع ذلك بملصقات للحروف تباع بالسوق، أزرار فنكشن في الأعلى غير موجودة، يوجد بدلاً عنها بعض الأزرار التي تساعد في التعامل مع المتصفح كالتقديم والرجوع والجهاز كالتحكم بالصوت واللإضائة. وتم استبدال زر الكابس، الذي يجعل الحروف أكبر، بزر للبحث، ولكن هذا خيار يمكن تعديله.


كذلك، هو لذوي الشجاعة على الاختلاف وفهم الأشياء المختلفة عن المعتاد، الذين لا يشعرهم مجرد الحصول على ما يحصل عليه الآخرين بالأمان، فأي أمان والأجهزة المعتادة دائماً معرضة للفيروسات، بينما هذا لا؟ فهذا النظام حتى إن أصابه العطل، فإن قوقل أعدته على ترميم نفسه عند الحاجة عن طريق الشبكة، فحتى هذا لا يجب أن تحمل همه. إن كل ما عليك القيام به هو استخدام الجهاز فقط، متابعة شئون حياتك عليه، لا رعايته والخوف من تحمل مسئولية أي خطوة لا تعرفها على حساب عمل الجهاز.


شكل الجهاز جميل بخامته المطفية وتصميمه البسيط بلا شعار

وهو لمن يريد العمل بسرعة، الوصول إلى ما يريد بسرعة. فليست الأجهزة للنظر إليها دون عمل حتى تشتغل، سيصبح الجهاز بعد فترة مملاً، ويصبح العمل المتأخر هو الأهم، لا شكل الجهاز.



إني سعيد جداً بالجهاز، والحمد لله أني حصلت عليه، فلست أتخيل انتظار إصداره للبيع.

قوقل تحب من يحبها بوضوح. هل يا ترى ستحبني رينو في يوم من الأيام؟ آآآآه لاقونا...







اتصلت بالدكتور الألماني اليوم، كان مرهقاً، لتوه خرج من منتدى التنافسية الدولي المعقود في الرياض. لم أكن أعلم بأنه سيذهب، رغم أنه كان يجدر بي توقع ذلك. ما دفعني للاتصال هو أنه لم يجب رسالتي هذا الصباح، حيث أرسل عادةً في منتصف الأسبوع لأنسق لموعدنا في نهاية الأسبوع إن كان بإمكانه رؤيتي. لحسن الحظ، لن يسافر نهاية هذا الأسبوع. قال بأنه يريد أن يدعوني للغداء، كالمرة ما قبل الفائتة. لم ينسى أنه أراد هذا، من الواضح أنه يريد أن يعوضني عن المرة الأخيرة حينما لم نتمكن من الجلوس للتحدث، إذ قال في ذلك الحين أنه يريد أن يدعوني للغداء. وقال بأنه يريد أن يسمع نصوصي كذلك، حيث كانت الخطة هي أن أقرأها له بأنانية في المرة الفائتة. للأسف، لم يعطوه جهاز آيباد، ومن الواضح أنه لم يسعى للأمر. حزنت حد التلوي، مما أضحكه.







غداً سيكون يوم متعب لأمي في المستشفى، عسى الله أن يعينها ويهون تعبها.

تذكري رأسي الصغير في حضنك ذياك المساء...
حيثما كان البرد والندى لنا غطاء...
حينما هدهدتي ضعفي دون نوم بينما الوقت سرى...
بين ذلك اليوم والآن عمر انقضى...
وكأنما الزمان تعدانا إذ جرى...
إذ ظللنا نفتش في جال المطاريق عن أمل انتهى...
وما انتبهنا إلا والحياة كخرز إذ همى...
تفرق شمله لا يتلامس كالنجم في السما...
والقلب ما عاد بطاقته الحزن والبكا...
ما عاد بالقلب حيز إلا لخيال قد غفى...
إيه يا أمي إذ القدر انقضى...
كتب علينا الله الرحيم البؤس والشقا...
لتغفي الآن على كتفي...
عسى أن لا يوقضك نبض صخيب في قلبي...
أنا أحميك...
فاحلمي...
دعي الذكريات تسري وللهم لا تحملي...
تذكري...
طفلة يتيمة...
كانت محاطة بقلوب رحيمة...
وجنة برّية...
وسلة صغيرة تملأها بالكمأ...
وتستطعم الفطر على جال صافي السواقي...
كان زمان بكل شيء امتلأ...
صحراء وكلا..
حنان وجفا...
ولكنه لم يطل...
حتى لم يعد سوا نصفه...
كراهية وشقا...
قهر وبكا...
ثم بعد حين...
أنا...
ولم أكن كثيراً...
لكن ها أنا...
اطمئني...
فأنا هنا...
لعل حبي يا أمي يغسل الشقا...
وإن كان قلبي أيضاً مثقل بالعنا...
لكن حبي صافٍ...
كبئر خبرتيها...
كان الناس يقصدونها للارتوا...
لم أكفك...
ولن أكفيك...
لن أنسيك...
ليتني ولكن  حتى لن أعزيك...
لكن ها أنا...
سأظل هنا...
سأظل هنا...





أتنبأ بأني سأقع على وجهي قريباً. حذائي تالف، وويلتوي للأسفل أحياناً فأدوسه متعثراً. المشكلة أني لم أجد الحذاء المناسب رغم أني بحثت جيداً. ربما سأذهب مع أختي إلى سوق كبير وأرى. أفكر في ماركة تودز، لكني أعتقد أنها ستكون مرتفعة السعر جداً.




لسبب ما يتمكن مدير الجامعة من سحر الكثير من طيبي القلوب. كان أمس موعد لقاءه مع الموظفين والدكاترة، وقد أتى ببعض الأفكار الصادمة كما سمعت، لكني لا زلت لا أثق به. وكأن هذا سيصنع فرقاً.





يرصف الآن طريق الملك عبدالله قرب جامعة الملك سعود. تابعت الأمر من أمام برقر كنق، حيث أحصل على جرعتي اليومية من الكولا العالي الجودة.
الرصف أنيق وجميل، وبعد يومين من انتهائهم منه، تم تفكيك أجزاء كبيرة منه! حفر مربعة خطيرة، تظهر مواسير في باطن الأرض. الواضح هو أن المقاول الذي كلف بالرصف، كلف بهذا قبل المقاول الذي كلف بالأعمال تحت الرصيف، في خطوة غير منطقية، بل تعبر عن غباء مطبق، لا يحتج عليه أحد، رغم أنه يحدث في كل الأحياء وفي كافة المشاريع.







قابلت الدكتور الألماني أمس. وقضينا وقتاً ممتعاً. أخبرني عن منتدى التنافسية، حيث كان أكثر متحدث أثار إعجابه هو بِل كلنتون، رئيس أمريكا لفترتين في وقت سابق. حكى لي عن أفكار الرئيس الجيدة، وعن كونه شخص ذكي جداً، وملاحظ دقيق، وذو نوايا طيبة. قلت بأني أعتقد بأنه ذكي بالفعل، لكن لا أظن بأن نواياه طيبة، لقد حكم لفترتين، ولم يصحح الكثير من الأشياء، فأمريكا، والغرب بعمومه، لا يمكن أن ينوي الخير لنا أبداً، هذا ما أعتقده، لأن هذه هي طبيعة الأمور، يجب أن ينوي المرء الخير لنفسه، لا أن ينتظر الأخرين لينووه عنه. قلت هذا ثم واصلت: ما يجري هو أننا نعتمد كثيراً على الغرب في تصحيح الأمور، ننتظر الآخرين دوماً ليقوموا بالأمور لأجلنا، ونتوقع أن هذا واجبهم لا واجبنا نحن. لقد خرج مفتي من أحد الدول العربية، حينما شجب بابا الفاتيكان تفجير المسيحيين في بلداننا، ولام البابا على الأمر، متسائلاً لماذا لم يشجب البابا التفجيرات التي تطال المسلمين، وهو يعتقد أنه يفضح البابا هكذا، بينما هو يفضح غباؤه، فالمسلمين ليسوا رعايا البابا، لماذا نتوقع من الآخرين دوماً العناية بنا والاهتمام لأمرنا؟!. إني أشعر بالقرف من إعتمادنا المعنوي على الآخرين، الذين لا يهمهم صلاحنا.
بعد هذه الخطبة المشحونة، تفكر الدكتور للحظات، ثم قال بأني محق، إن الاعتماد على الآخرين الذين لا يملكون النوايا لتصحيح الأمور أمر سيء.


رفض الدكتور أن يتركني أحاسب، وهذا أمر مقلق، ففي المرات الأخيرة كلها يرفض قطعاً أن أدفع الحساب، وهو يقول دائما عند هذا الموقف بعدما يفرض رأيه ويبدأ بإخراج المال، وكأنما يحدث نفسه:"لم يكن يجب أن أدعك تدفع الحساب من قبل". وكلما سألت لماذا؟ تأتيني الإجابة المعتادة؛ هو أكبر مني، ومن واجبه أن يدفع. لكن في المرة الأخيرة اختلفت الإجابة، واكتسبت تفاصيلاً أكثر: ففضلاً عن كونه أكبر، هو يملك مال أكثر، وهو يأخذ هذا المال من بلادي!. ناقشته بالأمر بلا فائدة. يجب أن أجد حلاً، لا يمكنني أن أكون عالة عليه حينما أراه. في المقهى، بعد الغداء، بعد أخذ ورد حول دفع الفاتورة، لم يستطع قرائتها، فقد كتبت بخط باهت، فسلمني إياها، واحتفظ بمحفظة الفاتورة بيده. كانت حيلة مضحكة.


سألته في وقت لاحق، إن كان بإمكانه إحضار شيء لي من ألمانيا؟ قال بالتأكيد، وسألني ماذا أريد؟ أخرجت مبلغ من المال، ورفض أخذه، فرفضت التحدث. ولم استمر بالعناد، فقط قلت لا حاجة إذا للأمر، وصَمَتُ، موحياً بأني لا أنوي متابعة الأمر. تغيرت تعابير وجهه، ورغم أنها لطيفة دائماً إلا أنها أصبحت ألطف، حثني على أن أتحدث، ولكني قلت بأنه لم يكن شيئا مهماً، وطلبت منه أن لا يحمل همه، فبدت عليه خيبة الأمل، وسألني بلطف أكثر أيضاً، وكأنه بالواقع قد جرحني ويريد تطييب خاطري، وحثني باهتمام صادق وحثيث بأن أخبره بما كنت أريد. وشرح لي بأن الأصدقاء لا يعطون بعضهم المال هكذا، فحينما يأتي بما أريد منه يمكننا التحدث حول المال، لكن إعطائه المال منذ الآن يجعل الأمر وكأني أشتري منه، وكأنه بائع وليس صديق، كما أنه سيأخذ مني المبلغ حتى لا أكف عن طلب الأشياء منه. شوشني كلامه، ولكني التزمت الصمت. ثم ابتسم وسأل إن كان شيء الكتروني؟ قلت لا، قال شيء يؤكل؟ قلت لا، ثم ابتسم وكأنما يمزح وقال: قبعة بافارية؟ قلت نعم. فاتسعت عينيه وقد فوجئ، وقال: هذا ما تريد؟ قبعة بافارية فقط؟ قلت نعم. كنت قد أخبرته بوقت قديم بأني أعتقد بأنها قبعات جميلة. شرحت له هذه المرة بأنها كانت أمنيتي منذ أن كنت طفلاً صغيراً، أن أحصل على واحدة. وسألني أي شكل أريد؟ قلت بأني لا أعرف، لم أفكر من قبل بالأشكال المختلفة، لأنها كانت تبدو لي دائما ذات طابع موحد باختلافات يسيرة، بيد أني ملت إلى ذات الريشة، لكني لم أكن متأكداً. اقترح علي بضعة اقتراحات، ثم اتفقنا على أن يختار ما يراه ملائماً.


خرجنا بعدما قرأت له بعض القصائد التي كتبت، لكن كانت إحداها قصيدة قالتها أمي، وهي قصيدة رقيقة وحزينة ككل قصائدها الجميلة والمؤثرة تأثير المنامات الكاشفة.







سعد الحوشان

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

إلى من يحكم على النرد الكروي (أحداث كثيرة،شوكولاتة غانا،جهاز،محمدين،ألماني)

بسم الله الرحمن الرحيم












أخيراً توصلت في ساعة إلهام إلى ما سعيت لأجله منذ زمن طويل، وإن يكن بتقطع. ألهمني الله بضعة أسماء اقتنعت بأن أسوأها حتى سيكون ملائما للرواية، وأنا الآن أتخير الأفضل من بينها، فكلها جيدة إلى حد بعيد.
بعد ذلك سأمرر الرواية بآخر عملية تنقيح ومراجعة، ولا أتصور بأن هذا سيستغرق وقتاً طويلاً، ثم سأعمل على النشر إن شاء الله.
كيف توصلت إلى الإلهام؟ كان في ساعة يأس تقريباً. دعوت الله أكثر من مرة ليلهمني. خطر في بالي مراجعة عناوين تدويناتي، وهي فكرة خطرت من قبل ولم آخذها بالجدية الكاملة، ولكنها أفلحت. أعتقد بأني أحياناً آتي بعناوين جيدة للتدوينات، فيما عجزت عن الإتيان بعنوان جيد للرواية. اخترت بعض عناوين التدوينات كما هي، وبعضها استلهمت منها أفكاراً لعناوين تلائم الرواية. فيما استقيت البعض الآخر من حالة الإلهام التي أصابتني بها العناوين في المدونة، وإن لم يكن لها علاقة مباشرة. تشاورت مع اختي الكبرى بخصوص العنوان الأفضل، وسأستشيرها على ما أعتقد مرة أخرى. أنا سعيد بالأمر.






اقتربت من إتمام الرواية التي أقرأ، رواية الورثة. من الصعب على شيء جميل وراقي إلى هذا الحد ان يفسد الآن، لذلك أجد نفسي واثق من أن الكتاب جميل جداً حتى قبل أن انهيه. كما قلت سابقاً، هي تدور حول الإنسان الذي انقرض، النياندرثال، فصيلة أخرى كانت موجودة من الناس، ولكنها ليست بشر، أي ليست بالواقع من أبناء آدم، لكنهم آخرين. وهم شيء حقيقي، هياكلهم توجد في بعض أماكن العالم، كفلسطين وأوروبا وبعض آسيا. لم أعلم عن وجود كائنات واعية عاشت فوق الأرض خلافنا إلا في السنوات الأخيرة، باستثناء الجن. تكلم فهد الأحمدي في زاويته عنهم بضع مرات، وقد كان الأمر مثير حقاً. صار لدي فضول حولهم منذ ذلك الوقت. بالطبع، لم يعد لهم وجود منذ آلاف السنين، إلا إن كانوا من واجه أحمد بن فضلان في اسكندنافيا منهم. والله أعلم.
هم عموماً عاشوا بنفس الفترة التي عاش فيها الأوادم، وربما حصل بعض الاتصال، لكن على الأغلب أن تلك الفترة إن وجدت فهي في نهاية وجودهم، قبل الانقراض، على حد علمي.
عموماً، تدور الرواية حول بضعة أفراد منهم، وتصورهم كمجموعة بدائية جداً، تتكلم بصورة غريبة وتعبر بطريقة شديدة البساطة والبدائية، وهذا جزء من جمال الرواية، أسلوبهم البسيط، اللغز، بالتعبير. إنه أسلوب يثير التفكر، ويعمل الخيال، مما يجعلها رواية ذكية في كل المقاييس، وقد تكون صعبة الفهم في بعض اللحظات، لأسباب مختلفة. هذه المجموعة الصغيرة تجمع أفراد متحابون، من أعمار متباينة، عددهم 8، ويبدو أنهم آخر من بقي من جنسهم، إذ لا علم لهم بأحد آخر. وهم مسالمون، لا يقتلون حتى الحيوانات التي تؤكل. يصف الكاتب هئيتهم فتظهر عجيبة، ربما حتى مخيفة، لكن هذا ما كانوا عليه، فجماجمهم الموجودة غريبة التكوين. وهم عراة، ولا يبدو أن لهم نظام أخلاقي في التناسل. يوجد شيخ وعجوز من بينهم، وهم الأعلى شئناً والأكثر حكمة، وطفلة وطفل رضيع، وشابين وفتاتين، ولكن يشير الكاتب عرضاً بضع مرات، وكأنما الأمر أكثر الأمور طبيعية على الأرض، أن الجنس عشوائي بينهم، ولا يبدو أنه الذكور يدركون ابوتهم لأحد من الأطفال. حتى أن أحدهم يعتقد، من صميم إيمانه إذ لهم شكل من الدين، أن النساء أعلى شأناً لأنهم هن من يأتي بالأطفال، بينما الرجال لا فائدة منهم ولا دور في الأمر. إنها برائة مروعة، ومثيرة للشفقة. ورغم برائة الجميع، إلا أن من ترتكز عليه القصة هو من يذهب إلى أقصى حدود البرائة والسذاجة، حتى بالنسبة إليهم، حتى يتسائل المرء إن كان مجنوناً أو يعاني من نوع من التخلف.
إنهم يتنقلون بين مكانين، حسب الفصول، تبدأ الرواية وهم عائدون إلى غار في الغابة، بعد الشتاء الذي قضوه في كهف على الشاطئ. يمرض قائدهم المسن بسبب وقوعه في الماء. ويتدهور بسرعة، فيبدو أنه سيموت. في نفس الوقت، يفقد الشاب الأكثر تعقلاً، بينما هو يجمع الحطب مع الفتاة التي ترضع الطفل. وأمرهم مذهل من حيث التعامل مع الأطفال، إن كل النساء على ما يبدو امهات، وإن كانت إحداهن فقط هي التي يمكنها الإرضاع، ولكنهن يتشاركن حمل الصغير بشكل ما، والاهتمام به، ولا تدري أيهن ام الطفلة الكبيرة.
فقدان الشاب الغامض والبحث عنه، والعناية والصلاة لأجل شفاء الشيخ، جميعها تتم مع شعور الشاب الساذج بأن هناك أحد آخر. والقرائن تدل على أن الشاب اختفى وهو يلحق شخص آخر. لكنهم لا يصدقون، إذ لا يوجد ناس غيرهم على وجه البسيطة. يتأكد الأمر لاحقاً، يوجد بشر، أوادم، مثلنا، في الجوار، وهم بالفعل المسئولون عن اختفاء ها، الشاب الآخر. وجودهم الغريب والذي يتكشف على نحو غامض في ظل اختبائهم، يكاد أن يقود لوك، البطل، إلى الجنون. يحاول الوصول إلى حيث يقيمون، ليبحث عن صاحبه، ولكنهم يحاولون قتله بسهم. المؤلم أنه غير مدرك لهذه المحاولة، فهو لا يدري ما السهم، ويعتقد أنهم أعطوه إياه. أشكالهم تخيفه، بأجسادهم المغطاة بالجلد ووجوههم الغريبة، والجلد الذي يخلعونه(لبس يغطي عوراتهم). تدور العديد من الاحداث، الرواية مزحومة بالأحداث المثيرة والمؤثرة في كل مراحلها.
إن أكثر ما يؤلم هو برائة هذا الجنس في الرواية، مقابل قسوة الإنسان وعبثيته. وفي دائرة أضيق، يتألم القارئ لبرائة لوك، التي تتطلب المراعاة حتى من الآخرين من أمثاله، البريئون والبسطاء فوق الوصف. حتى يتخيل المرء بأنه طفل بينهم. وفي وقت لا يتبقى فيه غير لوك من الذكور، يتوقعون منه أكثر مما يستطيع، على نحو يثير الرثاء والشفقة. نسوة يائسات، وشاب لا يقل مسكنه. 
في أحد أحداث الرواية، يمكث مع فا، الشابة الأقرب مودة إليه، ويراقبان من فوق شجرة ضخمة مجوفة قبيلة البشر، التي اختطفت بعض عائلتهم. إنهم لا يثورون حتى، وبالكاد ينعون. ما يجري فوق مستوى إدراكهم. لكن في لحظة معينة، وبينما هو نائم بينما فا تراقب، توقظه الفتاة، وهي مأزومة، ظل مستلقياً ينظر إليها، ولكن أنفاسها تتسارع وهي تنظر إلى شيء يقوم به البشر. تبدو مأزومة، وتبدأ بالبكاء المكتوم، المصدوم، الفاجع، يجلس فتلقي برأسها على صدره وهي تنتفض باكية، ثم ترفع وتدفن رأسه في صدرها حتى لا يرى ما ترى، يحاول الرؤية، فلا يرى سوى فكها وعينها التي امتلأت محاجرها الغائرة، كما الجميع منهم، بالدمع. كان البشر يقتلون أحد الأطفال ويأكلونه.
بالطبع، لا أستطيع وصف الموقف كما وصفه المؤلف، لكن يا الله، كم الأمر مؤلم ومؤثر.
قد لا يفهم القارئ كل ما يدور، ويصعب أحياناً حتى استيعاب وصف المؤلف للامور. الرواية ثقيلة، رغم أنها غير طويلة، فلا أدري هل هذه هي المشكلة، أم المشكلة في الترجمة، التي أتصور بأنها على ما يرام. لكن الرواية في أسوأ الأحوال جميلة فوق الوصف، جميلة جداً، ونادرة. لم أقرأ شيء في هذا الجمال على ما أتذكر منذ أن قرأت تيان آن مين، أو باب السلام السماوي. ولعل هذه، الورثة، أفضل بسبب عناصر عديدة، وإن لم ينقص هذا من جمال الأخرى شيئاً.
كنت قد أعجبت على نحو متوسط برواية هذا الكاتب الأخرى، التي اسمها سيد الذباب. ثم قرأت روايته الأخرى، سقوط حر، ووجدتها مضيعة للوقت، وجدتها قبيحة ولم تعجبني أبداً. لكن هذه الرواية مختلفة، إنها جوهرة.
اسم الكاتب وليم قولدنق.


خيل إلي اليوم أني قد أكون من هذا الصنف من المخلوقات!. في بعض الثقافات الأكثر اطلاعاً على هذه المكتشفات، ينعتون بعضهم بالنياندرثال حينما يريدون وصف الغباء المطبق والبطء، والدمامة كذلك. لكن من يدري كيف كانوا بالضبط، ومن يدري هل كانوا جميعهم متشابهون، جميعهم بدائيون. أنا بدائي عموماً، بعض الشيء. أشعر هكذا أحياناً، وأخاف أن يدرون، ويحاصرونني لدراستي، لذلك أغلف نفسي بغلالة من الحداثة، التي ما ان يلتفت إليها أحد حتى يشيح النظر، فليست شيئاً غريباً، الكل متمدن أصلاً.
مدونة نياندرثال؛ يجب أن يعتبر نفسه محظوظاً من يقرأها، لكنت اعتبرت نفسي محظوظاً لو كنت في مكانه. نياندرثال سعودي، هكذا يضفى البريق على الأشياء هذه الأيام، مثل قولهم: روائي سعودي، مثقف سعودي، عالم سعودي (شئون دنيويه طبعاً)، أضف كلمة سعودي إلى كل شيء يحسبه الناس جيداً وجديراً بعالم آخر، فتلفت الانتباه! وكأنما من الغريب أن يكون في السعوديين روائيين وخلافهم. وحسب فهمي، أشعر بالأسف لوجود من يسمون بالمثقفين لدينا، فهذه كلمة لا تشعرني بالارتياح، ولكن هذا أمر يطول الحكي حوله. أحياناً أجد نفسي رغم كرهي لها أستخدمها عفوياً، ولكن، بت أنتبه أسرع في السنوات الأخيرة.
بيد أني أتفهم كون اكتشافي، لو كنت بالفعل كذلك، ليحدث دوياً مضاعفاً، فلم يعرف عن النياندرثال التواجد في جزيرة العرب، ناهيك عن السعودية. هكذا؛ قولنا نياندرثال سعودي أجدر بالإهتمام والفخر من قولنا: مثقف-روائي-دكتور-أيا كان- سعودي. فهؤلاء لكثرتهم، وادعاء الكل أنه ينتمي إليهم، بات أمرهم يثير الغثيان، مع بعض الاستثناءات طبعاً، باستثناء الدكاترة من هذه الاسثناءات، طبعاً.


ها أنا أجر القديم تلو القديم. فلا شيء جديد هنا، فأنا أتخيل أني كل شيء كان وانتهى، معمر إلى هذا الحد...
إنكاويون، مورسكيون، هنود حمر، أحياء، طيبون، وهلم جرا. أرشيف قديم، متبدل، ينقل من طريقة إلى طريقة، بعضه مدمر، بعضه مجهول، لكن أكثره أسيء فهمه، أو لم يفهم من الأساس. على ورق البردي، والورق العادي، مجدول في حبال، ومطبوع في كتب، ومنقوش على صخور، ومزخرف على جدران، منقول بالمشافهة، ممثل في تماثيل، وفوق كل شيء، مضمر ومحسوس في ضمير.
على أن البعض قد لا يوافق بأني طيب، بقدر ما قد يوافق بأني أي شيء آخر، ربما.
أو لعل هذا؛ كله، أو أفضل ما حوى منه؛ هو ما أحب أن أكون.








اليوم كان الثاني من عودتي للدراسة، في المادة الثانية. المادة أكثر إثارة للاهتمام، المدرس أكثر جدية، لكنه بارد جداً، وصوته هادئ وبنبرة واحدة، وغير مثير للاهتمام عموماً. لكني لم أقلق كثيراً من عدم الفهم. أعتقد أني سأفهم حينما أقرأ، بالإضافة إلى أني عجزت عن التركيز، وهو الأمر الذي بدأ يتدهور لدي منذ بداية احباطي في المادة السابقة. فكرة أن لا أكمل صارت أكثر قبولاً، لكني أقاوم؛ وإن يكن من منطلق المبدأ، وليس الرغبة.
دخلت متأخراً أمس، سلمت، ورمقتني زميلة "دافورة" ما شاء الله بنظرة غريبة، وكأنما تصورت بأني لن أعود. هي امرأة كبيرة، ومتوقدة الذكاء ما شاء الله، حجازية. ابتسم لي زميل آخر أو اثنين، وجلست. حينما خرجنا لأول استراحة، وللصلاة، سلمت على أكثرهم مودة تجاهي، وهو شخص موهوب بوضوح بالرسم والخط ما شاء الله، وقد أرسل لنا معايدة رسمها في العيد الفائت. لكني أعلم بأنه من فئتي في المادة الفائتة، لم يكن يعرف شيئاً. قال بأنه سعيد بعودتي. سلمت على البعض حينما قابلتهم. وسؤلت عن حالي. لاحقاً، سلمت على الطبيب، وهو رجل ذو ملامح سورية، أمه سورية على الأغلب، ولهجة حجازية، واسم نجدي. سألني لماذا حذفت المادة، سألني بأسف. وأضاف بأن الكل نجح. أخبرته بأنه لم يكن همي النجاح، حيث أنني لم أتعلم أي شيء، وأساساً لم يدرسنا ما كان يجب أن ندرسه، وعليه، لم يكن للأمر فائدة. بالإضافة إلى أني لم أكن لأدفع الرسوم العالية على شيء لم أستفد منه. وافقني بتأمل، وقال بأنه لاحظ هذا بالفعل. نجح الجميع، وقد أخبرني زميلي الرسام وصديقه بأنهم نجحا بعلامة ج مترفع. لم يكن هذا عدلاً، لماذا يقع على أي أحد من الطلاب اللوم في حين أن المدرس لم يؤدي ما عليه. أخبرني طالب آخر بأنه استعان بمحاسب ليقوم بالمشروع. ماذا بيده غير هذا؟ كان الأمر غير منطقي. شعرت بحزن أن الناس اضطروا إلى هذه الأساليب الملتوية. قال لي الرسام لاحقاً، بأنه أراد  أن "يطب في بطني" لأني حذفت المادة، فقد شعر بالقهر، فهاهم نجحوا بالنهاية وإن لم يستفيدوا أو يفهموا. بعد نقاش، يبدو أنه اقتنع برؤيتي، لكنه احتفظ برؤيته.


أجد نفسي أقل حماساً، وأكثر تأملاً. لم أعد أتوتر، لأني لم أعد أهتم تماماً، فقد صدمت نفسي أكثر من مرة؛ مرتين لأني تأخرت كثيراً وكنت في السابق من أول الحاضرين إن لم أكن أولهم، والأخرى أني شاورت نفسي اليوم على نحو عفوي، هل أذهب أم لا؟ وقع التشكك في نفسي موقع سيء.
تقول أختي الكبرى بحزم أن الكثير من الناس بدأوا مشاريعهم ونجحوا بدون هذه البرامج، وأنه إن لم أرتح فعلي أن أتوقف. المشكلة أني لدي تصورات، لكن يبدو أنها أكبر مني.








أتخيل، لو أصبحت غنياً، فماذا سآكل؟ ولو أصبحت فقيراً، فماذا سآكل؟ المضحك أني أتخيل أن ما سآكله في كلا الحالتين سيكون صحياً، أكثر مما آكله الآن. والحمد لله على كل حال. على الأقل، معظم أكلي الآن أكثر صحية من السابق، إن استثنينا إدماني على الكولا.
يوجد شخص جميل حقاً، بكل المقاييس، جميل الخلقة والأخلاق. كنت قد التقيته قبل زمن طويل نسبياً في برقر كنق، حيث يعمل. هو شاب مصري صغير السن، شديد البراءة. كان قد انتقل بعد فترة وجيزة إلى فرع آخر، فجأة. وفجأة، عاد قبل أيام. حينما رأيته وأنا أدخل أُخذت، بينما ابتسم هو، وهو يخدم زبوناً، ومد يده لي مصافحاً، وأنا بعيد. من الناس القلائل الذين أحبهم قبل أن أحصل على أسباب كثيرة، مثل طارق، الصديق الهندي في الجامعة. هو مجامل جداً، يخجلني بلطافته، وأخاف حتى أن يتضرر عمله بسبب طيبته الفائقة معي. الجيد في الأمر أنه يرتاح في هذا الفرع المليء بالطيبين (كل الموظفين في هذا الفرع رائعين).
اليوم أعطاني نصيحة، فيما يخص غذائي. لم أعد صدقاً آكل كثيراً من المطعم، نادراً ما أطلب شيء حقيقي للأكل رغم حضوري تقريباً كل يوم. حينما أطلب، يكون هذا شيء خفيف، كأصابع الجبن، أو أصابع لحم الدجاج، أو فطيرة تفاح، أشياء جانبية خفيفة، أما الثابت فهو الكولا. وهذا أمر كنت قد صممت على أن يكون ديدني. لكنه يعتقد بأنه علي أن آكل أشياء صحية، أن آكل الخضروات، وهو ما لا يحصل كثيراً للأسف. إني أتوق إلى الطعام الصحي، وأحصل على بعض منه في المنزل، لكن الظروف لا تسمح بالحصول على المزيد.






قبل بضع ساعات كنت مع الدكتور الألماني الكبير، وقد تركت الجامعة اليوم، لم أذهب. فوجئ بالأمر، وتناقشنا حوله. وجدت أني محبط جداً حينما حان وقت الذهاب إلى الجامعة، وكان علي أن أجبر نفسي بالقوة على الذهاب.
المهم أننا تحدثنا كثيراً كالعادة، لكن ليس بما يكفي طبعاً. تناقشنا حول عناوين الرواية المقترحة.  سألني حول ماذا تدور الرواية بعدما قرأت الأسماء على مسامعه، سأل: هل تدور حول الصداقة؟ قلت نعم، الصداقة، ثم أعقبت: وسوء الفهم.
وجدت أنه يوافقني بإعجابي بعنوان مختلف، غريب، وهو عنوان لم يعجب أختي. أعجبته كثيراً الفلسفة خلف العنوان، أو طبيعة الأسطورة التي يحويها، والمقصد من الأمر في العنوان، بينما تعتقد أختي بأن الأسم غريب، وقد لا يجذب، وأن الناس قد لا يفهمون المعنى. لكن هذا ما أعجبني، أريد الناس الذين ليسوا على اطلاع على معنى الاسم أن يفهموه بعدما ينهون الرواية، أن يبحثوا في الأمر ويفكروا بأن الإشارة في العنوان ذكية أو أن يشعروا بأنهم أذكياء لفهمهم أخيراً. هذا العنوان يعنى بكائن اسطوري، من صميم ثقافتنا، ليس له ذكر في الرواية، لكن جانب من الرواية، أو حتى الرواية كلها، تشبه دورة حياته.
لا زلت لا أدري، لكني سعيد بأن الخيارات محدودة. كما أن الدكتور أعجب بعنوان آخر كان قد أعجب أختي كثيراً، وهذا يضيق الخيارات قليلاً.


طلب مني أن أقص عليه الرواية. طبعاً قصصتها دون إطالة كبيرة، وأتيت على بعض التفاصيل التي قد تهمه. أخبرته عن ذكر دكتور ألماني في الرواية، حيث الكل يكرهه، وأني استلهمته من دكتور حقيقي في الكلية وانطباعي عنه، حينما كنت طالباً. ضحك، وسألني أكثر عن الدكتور الألماني، الذي كان يتصرف بغرابة معي لبعض الوقت. المضحك أني أنا فوجئت بتعقيد الرواية النسبي وحبكتها غير البسيطة تماماً، وأنا أقص. بدت معقدة، و ربما أفضل مما هي عليه بالواقع، وأعتقد أنها أعجبته كثيراً، لعلي إذاً أسجلها مختصرة بصوتي فقط وأنشرها هكذا؟. تخيل.
شعرت بالاهتمام بروايتي بعدما قصصتها أكثر، وقد ارتفعت معنوياتي برؤية تركيزه وتعابير وجهه. لم أخبره عن النهاية، لكنه سأل عنها، بابتسامة رقيقة خجلة، مدركاً أني تركتها عنوة. لست أرفض له طلباً، كما أنه لن يتمكن من قراءتها طبعاً. أخبرته بالنهاية على نحو مختصر، وبدى عليه الإعجاب والذهول، وتمكن مباشرة من الربط بين الفكرة فيها ومغزى العنوان الأسطوري المقترح، مما قوى فرصة العنوان، بعدما كانت أختي تعترض عليه. وصف الحبكة أنها معقدة وجميلة.


أريته المدونة، وحكيت له عن بعض الأمور، وأخبرته بأني أحكي عنه كثيراً. 


اشتريت أمس حافظة صغيرة، لنعطيه بها الطعام الذي أود أن يجربه. وكانت محاسن الصدف اليوم، أن طبخت امي جريش، وقد اكتشفت هذا لما نزلت لأذهب إلى الدكتور، ووجدت الحافظات الممتلئة تنتظر التوزيع، شيء للعشاء، وشيء ليرسل إلى الجيران سعداء الحظ. أنا لا أحب الجريش بالعادة، باسثناء حالات خاصة يضاف بها إليه لحم الدجاج. قررت أن أتذوق (لم تكن أمي بالمكان)، وجدته أفضل ما تذوقت من الأكلة، وقد استوى لحم الدجاج ولان على أجمل ما يكون، لم يكن هناك مجال لتركه دون أخذ حصة منه للدكتور. أخبرت أمي، وأوضحت أنها اقترحت علي اليوم لما تكلمنا في الظهر بالهاتف فرفضت، كنت قد نسيت الاقتراح. أخبرتها بأني لم أعلم بأنه سيكون جيداً هكذا، أنبتني قائلة: وأمك تسوي شي مهوب زين؟!. غرفت للدكتور شيء منه، رفضتُ أن توضع التوابل والبصل في الأعلى، وطلبت الاكتفاء بالسمن فقط. للأسف، لم يكفي الوقت للأخذ من السمن الذي تصنعه أمي بنفسها من الحليب الطازج الذي يأتينا، لأنه في الثلاجات الخارجية وإذابته ستأخرني وأنا متأخر اصلاً. في المرة القادمة إن شاء الله. عرفت أن الدكتور كان يريد البصل المطهو بالأعلى، ولم تنجح شروحي بأنه غير جيد، وأني لا أحبه فافترضت أنه لن يحبه. في المرة القادمة إذن لن أتدخل.


في النهاية، سألني بلطف إن كان لدي ما أريد أن أحكي عنه أيضاً؟ كنا قد أطلنا المكوث. فكرت قليلاً، ثم قلت: لا، ليس بعد الآن. ظنني جُرحت، لكني أسأت التعبير فقط، وأخبرني بأني حساس جداً وهو يبتسم. لكني أخبرته ضاحكاً بأني لم أقصد ما فهم، إنما لا يحضرني شيء لأقوله فقط.
كان قد أحضر هدايا لأهلي من ألمانيا، أعطاني إياها قبل أن نودع بعضنا. ثم مضيت إلى محلات ألعاب الفيديو، أبحث عن لعبة جديدة. بعد اتصال على محل، عرفت أنها موجودة لديه قبل أن أزوره، فقد أحبطت لأني لم أجدها لدى المحلات الأخرى، فأسرعت إليه قبل أن يقفل. ظللت أفكر، وأسترجع ما قلناه أنا والدكتور وما حكينا به. تذكرت قوله لي، وتعبير وجهه، حينما سألني إن كان لدي ما أريد أن أحكي عنه، قبل أن يطلب أن نمضي. في تلك اللحظة التي تكلم بها؛ لم أشعر بالمراعاة، وكأنها أكثر شيء طبيعي يمكن أن يحصل، على الرغم أنه أمر لم يحدث من قبل، لم يهتم أحد من قبل. شعرت بحرارة في عيناي وأنا أستشعر الأمر أخيراً، وأستوعبه، كبحت دموعي، التي دفعها التأثر العميق في قلبي.






لا زلت غير قادر على الدراسة، غير قادر على القراءة بتواصل. هل لأني منقطع منذ زمن بعيد عن الدراسة؟ لكن الجميع منقطعون. الدكتور الألماني لا يريدني أن أتوقف الآن، كذلك أختي الأصغر في العصابة.


سأحاول هذا الأسبوع أن أرتب وقتي على نحو أفضل، لا أريد أن ألوم نفسي لو توقفت عن إكمال برنامج الماجستير. سأجد وقت للهوايات والعادات اليومية (الكولا، الجريدة) والعمل على المشروع والواجب، إن شاء الله. لكن، هل سأعرف كيف أعمل هذه الأشياء؟ إن ثقتي في نفسي فيما يخص البرنامج في الحظيظ.








حدث أمر محرج أمس في القاعة. لا أدري ما علة جوالي مؤخراً، صار يأتي بحركات غريبة. أعاد تشغيل نفسه أمس، للمرة الثانية مؤخراً، وقد غير وضعية "صامت"، وصار يصدر صوتاً، دون أن أدري. فوجئت برنين رسالة، فلاحظ الدكتور وقال موجها كلامه لي بأنه يرجو أن يغلق الجميع أجهزتهم لأنه أمر يزعجه ويقضى على تركيزه، اعتذرت، وأنا ناقم على الجهاز، وأصمتّه. كان طالب آخر يرن جواله طوال الوقت فيخرج لتكلم، لكنه بالتأكيد أخبر الدكتور مسبقاً بأنه ينتظر مكالمة مهمة، لأنه لم يقل له شيئاً، لكن ربما أزعجه الأمر لتكراره، ولكنه لم يستطع قول شيء، فأوقع انفعاله على رأسي. لا بأس، ماذا بوسع المرء أن يفعل. 
الدكتور هذا، بارد جداً، وصوته خافت. لكن يبدو لي أنه ذكي جداً، وبشخصية قوية وفطينة. لكن مثل هؤلاء الأوادم، المميزين بطريقة عادية، أعني أنهم أناس عاديون، ازدادوا متميزاً لكنهم عاديون في النهاية، لا يثيرون اهتمامي كثيراً.
عرفت بعض الأذكياء على نحو استثنائي، لكن لسبب ما أشعر بأن شخصياتهم عادية، وعلى جانب سخيف من الاستقرار والانسجام الظاهري، مملين. الاستقرار جميل، والاتزان أجمل، لكن بعض الناس يساورك الشك أنهم يعون هذه الميزة، فيقضون بحزم على أي إشارة إنسانية تشير إلى نقصهم الطبيعي.
يشبه راشد الماجد على فكرة، جداً. كليهما يذكراني بالقطط العادية، وليست الغالية في المحلات. لكن كليهما بشخصيات ذكية وقوية؛ مثل أقوى قط في الحارة، وعاديون بشكل ما، محدودون جداً، رغم نجاحهم، مثل أقوى قط في الحارة أيضاً، فهو قط في النهاية.
أحياناً، تعجبني ثقته بنفسه، وتحديده الواضح للعلاقة والتعامل.








أمس، كنت في كلية الآداب ككل يوم، متجه للخروج بعد صلاة الظهر، حينما بحثت عن منديل في جيبي، ولم أجد. كنت أمر بقرب د.كيف، حينما وصلت إلى طاولة الخدمة، التي تحتوي على الإضافات المعهودة للقهوة، السكر، الفانيلا والقرفة، وخلافه من الأدوات، مصاصات، ملاعق تحريك، أغطيه، والأهم؛ مناديل. رأيت الموظف، فلبيني، يقف على مبعدة. ذهبت إليه، وقد كان ينظف طاولات، واستأذنته أن آخذ منديلاً. فكرت بأني لم أشتري من قهوتهم، ولم أكن لأتذوق الفانيلا مثلاً، وهي مجرد بودرة، أو آخذ ملعقة بلاستيك، إذا فالمنديل لا يختلف. التفت إلي وقال بالتأكيد، خذ. وسار معي حتى الطاولة، ودعاني لآخذ منديلاً، ثم قال بأني شخص جيد، لأني سألته أولاً، قالها بلهجة مشحونة، وبدا لي أنهم يعانون من أخذ الناس لأغراض الطاولة حتى لو لم يشتروا. قلت له شكراً، ولكنه شكرني رداً على شكري، بلهجة لا تقل تأثراً ووضوح عن البداية.
الآن، سأوقف مقاطعتي لهذا المقهى لمرة واحدة، لأشتري من هذا الرجل إن رأيته لاحقاً يبيع. أنا لا أحب هذا المقهى لأسباب عديدة، لكن قاطعته بعدما وجدت أنه يوظف شباب وقحون، من طلاب الجامعة، ولا يستمع أو يجيب شكاوى الناس. ولم يكن الأمر صعباً، لأني لم أحبه أبداً ابتداءً.






أمس، فكرت بأني ربما أعاني من علة جسمية تتسبب في عدم قدرتي على التركيز في الدروس، أو الرغبة في المذاكرة. ربما نقص فيتامين أو شيء. أنا آكل منذ زمن بعيد فيتامينات. حتى وقت قريب آكل حبوب ديناميزان، ثم دلتني أختي على سنتروم، وهو أفضل وأرخص، أقل من ربع السعر. الأول إيطالي والثاني أمريكي. أوقفت حبوب الحديد لفترة، وكانوا كثيراً ما يخبرونني بنقص الهيموقلوبين في دمي حينما أذهب للتبرع، وغالباً ما أرفض بعد الفحص لهذا السبب. قررت أمس العودة إليها، وشراء حبوب زيت السمك، لعل وضعي يتحسن، فأنا مؤخراً صرت أتعب وأشعر بالإجهاد أكثر من العادة، إلى درجة صعوبة وصولي في الوقت المحدد إلى العمل. لكن هذا دافع ثانوي. يوجد دافعين أساسيين؛ لم أذهب إلى المستشفى لإنجاز أمور أمي وملحقاتها (النسل) منذ فترة، وصرت أشعر بالإرهاق لمجرد التفكير في الأمر، على غير العادة. حتى مواعيد أمي الأخيرة لم أسجلها في التقويم. وهذا أمر خطير. كنت قد شكوت ذات مرة، وتسائلت إن كان يجب أن أحصل على حقن جلوكوز؟. والدافع الثاني؛ الدراسة، يجب أن أدرس، يجب أن أستعيد حيويتي لأحاول كما يجب، قبل أن أقرر البقاء أو المغادرة.
أكلت اليوم حبوب زيت السمك بعد الإفطار، وأهميتها تكمن في فيتامين اوميقا3 الضروري جداً، والذي لا يوجد في غير السمك وبعض المكسرات. هل أنا واهم؟ أو ما يسمونه: البلاسيبو؟ أشعر بتحسن غير عادي، منذ أول مرة. تمكنت من التركيز بنسبة 70% اليوم في المحاضرة، وأموري سارت على نحو أفضل. غداً سآكل أخرى إن شاء الله.






أتصلت على مديري اليوم، في استراحة قصيرة من المحاضرة. أخبرته بأني أود أن آخذ الأسبوع هذا إجازة، لأجل أسباب دراسية، المشروع والواجبات وخلافه. لم يناقش، إنما أبدى حماساً، وقال بأن دراستي أهم، وقال بأن العمل غير مزحوم هذه الأيام أصلاً. لو لم يكن مديري، وكان المدراء يباعون في سوق المدراء، لاشتريته، ولو بالتقسيط. أتذكر حينما انتقلت إلى الوزارة، كنت أتمنى أن آخذه معي.
مديري الثانوي، كان متعاوناً أيضاً، جداً. الأول هو ابو عمر، المدير للقسم، أما الثاني فهو مدير الوحدة التي أنتمي إليها.






مفاجئة قوية، قوية جداً. لا زال الأمر غير مؤكد، لكن أتمنى أن يجعله الله كذلك. استلمت رسالة من قوقل، تعرض حصولي على جهاز لابتوب بنظام تشغيلهم الجديد: كروم. هو نظام تشغيل مثل وندوز وابل، لكنه أبسط، يعتمد على متصفح قوقل الشهير كروم ويشبهه. منذ أن أعلن عنه وأنا أنتظره بفارغ الصبر، وأتتبع أخباره، حتى أني مشترك في أخباره على أخبار قوقل، أدخل كل يوم لأرى الجديد. في مدونته الرسمية، سجلت قبل فترة طويلة بريدي لأحصل على آخر الأخبار عن النظام عبر البريد. منذ أن سجلت لم أحصل على أي خبر جديد، وبدا الأمر غريباً. حتى وصلتني تلك الرسالة. تشترط بريد في أمريكا، وهذا وجدته لدى أخي المشترك في أرامكس، وأن يكون عمر المرء أكبر من 18 سنة، وهذا شرط تعجيزي (هاها). بعد التسجيل وإجابة بعض الأسئلة، والتعهد باعتماد جهازهم بشكل أساسي وإطلاعهم على ملاحظاتي، قيل لي بأنهم سيخبرونني بأقرب ما يمكن عن فرصة حصولي على واحد. يا رب يا رب. لو لم أحصل عليه، سأضطر للإنتظار سبعة أشهر على الأقل، وبالتأكيد أكثر حتى يصلنا هنا.
يبدو أني لن أحصل عليه.


لا، حصلت عليه. لم يخبروني بالبريد كما وعدوا بأنهم سيعطونني إياه، أو العكس، لكنهم أرسلوه، وكانت مفاجئة رائعة جداً. لم أعمل عليه حتى الآن، لكني شغلته قليلاً، ووجدت أنه يحتوي اللغة العربية كخيار في الإعدادات، لكن الحروف منفصلة، وإن يكن بترتيب صحيح. الجهاز شديد الأناقة، جميل جداً. بسيط، أسطحه غير صقيله، ويعطي الانطباع بشكل ما بالتأثر بتصاميم آبل. لكن لا يوجد عليه أي اسم أو شعار، لأنه تجريبي.










بدأت العمل على المشروع رسمياً البارحة. لم أفعل الكثير مادياً، لكني بحثت عن معلومات مهمة ووجدتها، اطلعت أكثر على الأمر لوقت ليس بالقصير، وكتبت تقديم صغير للمسودة.
في نفس الوقت، كنت قد التقيت الدكتور الألماني أمس، اتفقنا على اللقاء في الساعة الثامنة، وأخبرني مسبقاً بأننا قد لانطيل المكوث لأن لديه الكثير من العمل لذلك اليوم. لكن ما حدث هو أننا أطلنا المكوث بالفعل، وأضعت وقته كثيراً، سعدت بالأمر، فأنا أشعر بأنه يرهق نفسه بالعمل طوال الوقت والسفر هنا وهناك. كما أنه بدا لي وكأنه راغب بالبقاء أكثر وأكثر، رغم اقتراحي في مرحلة ما أن نغادر لأجل عمله.
كان جريش أمي قد أعجبه كثيراً، لكنه لم يعرف كيف يصنفه، أي نوع من الطعام هو. وقد أحضرت إليه شوكولاته هذه المرة من نوعين، نوع جديد في السوق بتعليب فاخر وطعم رائع، صناعة شركة لوتّي الكورية التي أقدر كثيراً، والأخرى شوكولاته أنيقة ورائعة صنعتها أختي في إبداع جديد.
تكلمنا حول مختلف الأمور، أموري وأموره. كلمني عن مشروع نشاط خيري يريد العمل عليه هنا. وسألني عن التفاصيل التي أعرف فيما يخص هذا الامر لدينا. تصادف أني متطوع في الجمعية التي تختص في هذا الشأن، حيث كانوا يرسلون إلي من وقت إلى آخر نصوص لأترجمها لهم وأعيدها، رغم أنهم توقفوا منذ فترة طويلة بشكل غريب، مباشرة بعد رسالة رقيقة ولطيفة تهنئني بالعيد من مسئول هناك، لم أقابله أبداً. أخبرته بهذا، وأني يمكنني التواصل معهم والحصول على المعلومات التي يريد. فرح جداً، كانت مفاجئة سارة له. تبرز لي فوائد غير متوقعة أحياناً، تكافئ مجهوده في لقائي بعض الشيء.


تكلمنا حول المشروع المطلوب في دراستي، واطلع على الأمور المطلوبة، وشجعني على الأمر. طرحت فكرتي، عن ماذا سأكتب المشروع، وأعجبته، كان بالواقع قد توقع هذا مسبقاً، نظراً إلى أنه يعرف بماذا أهتم، وماذا أريد أن أصنع. شرح لي بعض الامور على ورقة، أمور تختص في الإدارة وتوزيع المهام، كان الأمر مذهلاً جداً. ولكن حينما بدأ في شرح أمر آخر، لم أتمكن من الاستيعاب، رغم أنه بدا مثيراً للاهتمام. أخبرني بأن الكثير من الناس لا يعرفون كيف يدرسون هذا الأمر، وطلبت منه أن يشرحه لي في جلسة مخصصة. فقال بأني يجب أن أدفع له ألف ريال إذاً، كما أدفع للجامعة. ضحكت، كنت أعلم بأنه غير جاد، فضحك هو، وقال بأنه يمزح، وسيشرح لي الكثير من الأشياء، ويساعدني في كل ما أحتاج إليه.


حكى لي عن النشاط الخيري، وهو يريد أن يؤديه كما يؤدى في ألمانيا، لكني استنكرت ورفضت الفكرة. لأنها لن تكون ناجحة إطلاقاً هنا، بسبب الفوارق الثقافية. واقترحت عليه أمر آخر، ضحك، وأعجبه جداً، وتناقشنا في رؤيتي للأمر مطولاً. ثم عاد وسأل إذا كنت أعتقد إذاً أن ما يقومون به في ألمانيا لن ينجح هنا؟ أخبرته بأنه لن ينجح، وكنت قد شرحت الأسباب واقتنع، لكني اقترحت، طالما يبدو قلبه معلق في الأمر، أن يدمج الفكرتين، حيث سيحمل الأمر رمزاً أكبر، يجمع بين الحداثة والتقليد، يسيران جنباً إلى جنب. نظر إلي قليلاً، ثم ضحك بسعادة، كمن لا يصدق، وقال بأنها فكرة رائعة جداً.


حكينا عن أمور أخرى كثيرة، وقصصت عليه قصص قديمة، كانت تؤثر بي كثيراً، قصص من حياتي. وجدت أني لا خلاف لدي بالبوح بأسرار كنت أحتفظ بها لنفسي، لماذا أحتفظ بها لنفسي، وكأنها كنز؟ ولأجل من؟ لأجل أناس لن أخطر في بالهم مرة أخرى، وإن رأوني وتذكروني، فسيصدون سريعاً حتى لا آتي للسلام، ولو ألقيت بالسلام مسامعهم، فلن يردون.
ثم حكيت عن أحداث جرت في الكلية، حينما كنت طالباً، جرنا لهذا شعوري بالأسى على ابن أخي، الذي لم يحصل على المنحة في كندا. أخبرته بما أخبرني به ابن أخي، عن شخص جاء إلى كندا بعده، وأرسل أوراقه حالما وصل إلى شخص يعرفه عمه في الملحقية الثقافية، وفي اليوم التالي وصله القبول والضم إلى البعثة، رغم أن ابن أخي درجاته أفضل، بل هي ممتازة، وهو جاد وطرق كل الطرق.
قال ابن أخي بأنه احتاج المساعدة لدراسة الرياضيات لفترة محددة، لكن الملحق الثقافي اللئيم رفض المساعدة، وكالعادة، يلقي اللوم على القرارات، التي لا تشمل بوضوح بعض الناس. اخبرت ابن أخي أن الملحق كذاب. كما ذهب إلى جامعة، وأطلعها على أوراقه، فأخبرته الموظفة بأن درجاته ممتازة أصلاً، ولن يحتاج حتى إلى دراسة الرياضيات لديهم، لكنهم سيسجلونه في كلية الآداب، وبعد مستوى واحد سيحولونه إلى التخصص الذي يريد، وهو تخصص مطلوب. لكن الملحقية رفضت أيضاً. الشكوى لله. أتمنى له مستقبل أفضل حينما يعود. 


حكيت للدكتور الألماني عن أحداث قديمه، تبادل الإهانات، بفواصل زمنية طويلة. قلت بأني ألقيت على مسامع أحدهم ربما أقسى إهانة سمعها. سألني الدكتور: ما هي؟ قلت: بأني "لا أريد أن أقولها، لكنه بالواقع كان قد أهانني بنفس الطريقة في وقت سابق، وفي حين أني لم أتخلى عنه بعد الإهانة، لم يحدث العكس".
لكن الأمر لم يعد يسوئني، إنه مجرد حكاية، سر لم أعد أدري لماذا هو سر، مثلما حينما نفتش في الأوراق القديمة، ونتسائل لماذا احتفظنا ببعضها؟ لأي سبب؟ وقد نعرف السبب القديم، لكن هل لا يزال وجيهاً؟. في حين أن الخزانة لم تعد تحتمل المزيد من الأوراق، يجب التخلص من شيء، لا سيما إذا لم نعد نعرف فائدته، أو نعلم بأنه لم يعد له قيمة، أو حتى لم يكن له قيمة، لكننا أملنا.
إننا أكبر، إننا أعرف، وإننا أرضى.
فكر قليلاً، وقال بأن حياتي غريبة، وأني أذكره بالامير الصغير، القصة المشهورة. سألني إن كنت أعرفها؟ فقلت بأنه الصبي الذي يتصيد النجوم، ويسافر عبر الكواكب. قال بأني أسلك الحياة الصعبة بطريقة غريبة ومختلفة، مثل الأمير، لا ترضيني الأمور الدارجة، والإجابات الغريبة، أقول الأمور كما هي، بشكل مباشر، وأواجه. قلت بأن الأمير الصغير أسعد حظاً، إنه يسافر ويرى مختلف الأماكن ويبحث، وحتى حينما لا يعجبه شيء، لديه كوكبه الصغير ليعود إليه، وإن لم يكن كوكباً جيداً، لكنه له، موطنه.


تكلمنا حول رؤيتي للناس القساة، والذين لا يريدون للآخرين العيش باستقلالية، الفرديناندات، والإزابيلات. أخبرته عن فلسفتي في الأمر. أفهم أن هناك أمور لا يجب المساس بها، لكن ليس هذا الإشكال، ولا يتعلق الأمر بالدين، إنه أوسع، يتعلق بكل شيء. ويبدو أن الكل تقريباً أصبح هكذا. يصعب العيش، في حين يريدك كل فرد أن تنظر للأمور كما ينظر إليها، تصدق ما يصدق، وترتاب بما يرتاب به، ينتقد فيك كل شيء، ويريد أن يشكلك كما يريد. قال بأن هذا لابد أنه يشعرني بالوحدة. أخبرته بأن الوحدة ليست شيء جديد، فربما أنا بطبيعتي وحيد، ولم تعد الوحدة مؤخراً بسوء ما كانت عليه، إذ أني  صرت ألقاه مرة في الاسبوع، لكن، الامر مثير لليأس والعزله، وصعوبة العيش، والأسف.

لكن هل العزلة امر سيء دائما؟ حينما اتذكر صديق لي، ورؤيته الدونية للناس، حتى لطريقتهم بالكلام، حبه للجدل واعتقاده دائما بصحة رأيه. اجد ان العزلة افضل؛ فلم يكن وجوده يبدد الوحدة. كان وجوده محطما.



حكى لي عن أمر مهم، يتضمن دولة أفريقية، غانا، فوجئت، وأخبرته بأن الشوكولاته الكورية، التي أحضرتها له، إسمها غانا. فوجئ بدوره، وابتسم للصدفة العجيبة، وقال بأنه ربما يقدمها للناس عند مناقشة الأمر، وتحدث عن غرابة الصدفة. أخبرته بأن الصدف الغريبة تجري مع من يكون معي كثيراً، وقد أحقق حسن الحظ لمن أمامي، لكن ليس لنفسي. أخبرته عن تعليقات أصدقاء، أو كانوا، حول هذه النقطة، غرابة الأحداث معي.




مضينا لاحقاً، بعد مضي وقت طويل على مكوثنا، وسألني نفس السؤال: هل بقي لدي ما أحب أن أحكي عنه؟.




في اليوم التالي، استيقظت مبكراً نسبياً، كان الأحد. استيقظت التاسعة، وقد كان الأسبوع إجازة. خرجت إلى المستشفى، لتجهيز مواعيد، والحصول على أدوية من الصيدلية. وبعد ذلك ذهبت إلى العمل في الجامعة، بجانب المستشفى، لأقدم طلب الإجازة. خيرني مديري الثانوي بين القدوم السبت للتقدم بالطلب أم أن أقدمه بعد عودتي من الإجازة، لا فرق. بينما  مديري الأكبر كان يفضل أن آتي يوم السبت. قررت أن لا أذهب السبت، بعدما اكتشفت أن لدى أمي مواعيد في يومين من الأسبوع، وأني يجب أن أذهب في يوم منفصل لأخذ الأدوية وتجهيز المواعيد، وهكذا لو ذهبت السبت لكنت كمن لم يحصل على إجازة حقيقية.  في العمل، كانت مفاجئة أن حضرت بدون غترة. سمعت تعليقات كثيرة. أبو محمد جاملني قائلاً بأن شكلي هكذا أفضل بكثير. كدت أن أقول هذا لأني لا أعرف كيف ألبس الغترة جيداً مثل البقية. عموماً، طُلبت للترجمة قبل أن أكمل تعبئة نموذج الإجازة. بعدما فرغت، جهزت الامور ومضيت. كنت أحمل حقيبتي الصغيرة، وبها أوراقي، كنت أفكر بأني قد أرغب بالعمل في مكتبة الجامعة لو سمح الوقت. لكن لما كان تأخيري كبيراً، قررت الذهاب إلى الجمعية الخيرية، للتفاهم بشأن نشاط الدكتور الألماني المقترح.


هناك، طلب مني موظف الأمن الانتظار، بعدما أخبرته بأني أريد مقابلة مدير الجمعية، وأن يخبره باسمي، لعله يتذكرني. بعد مضي بعض الوقت. قال بأن المدير طلب أن تصعد، رغم أنه لا يتذكرك. كان رجل الأمن كبير في السن، لطيف، ولكنه يلتفت إلي كل لحظة وأخرى ويتأملني ثم يبتسم، بدا الأمر غريباً.
حينما دخلنا المكتب، حتى أنا لم أعرف المدير الذي أحضرني إليه. إنه ليس ذلك الرجل الذي جالسته وكلمته قبل زمن طويل. لعله انتقل؟ عرّف عن نفسه، وأصابني الذهول. لهم نفس الاسم الأخير. هل نسيت الاسم الأول؟ إنه ليس الشخص نفسه بالتأكيد. عموماً لن أضيع وقته، لأقل ما لدي. حكيت، وقد كان مهذباً، واستمع إلي جيداً. لكني لم أكن متأكداً أنه ينظر إلى ما أقول بعين الجدية. ألماني، جمعية من ألمانيا، دراجات؟!. فجأة، دخل شخص آخر، وكان المدير الذي أعرفه. حياني بذوق واهتمام، وجاملني. وعرّف المدير الآخر، الذي يهتم بشأن مختلف في الجمعية، بي؛ المترجم الذي يرسلون إليه نصوصاً. وفي سياق التعريف، قال بأني غاضب عليه. عرفت مباشرة عن ماذا كان يتحدث. لقد أرسلت إليه ذات مرة رسالة، وهو من متابعيني على قوقل بز، أو صدى قوقل إن شئتم. أقول أرسلت إليه أسأله: لماذا يستخدم صورتي الرمزية؟ وهي الأفاتار الذي ترونه كصورتي الشخصية أعلى هذه المدونة، وأستخدمه طبيعياً في كل خدمات قوقل. لم أكن أعرف من هو، وأنا بطبيعتي شكاك على الانترنت تجاه من لا أعرف. لوجود شخص مهووس أثق بأنه يتذكرني كل فترة ليحاول لفت انتباهي. اعتذر في تلك المرة وأزال الصورة، لم يكن يعلم أنها خاصة بي. هذا ما حكاه لزميله المدير الآخر. شرحت له الحقيقة؛ لم أكن أعرف من هو، وقد كنت قلقاً ومنزعجاً، لظني بأنه شخص آخر، "البثر" كما وصفته له (البثر هو من يجمع بين ثقل الظل والوجود وبطء الفهم والتذاكي). فهم الأمر. لقد عانيت كثيراً في مسألة على الانترنت، وهذا يجعلني شديد الحساسية تجاه من لا أعرف أو لا أجد له تعريفاً أو مرجع واقعي أو كافي.
فاجئني بأنه يتابع مدونتي. كنت أفترض بأنه طالما مشترك لدي في صدى قوقل، فإن إعلامي المشتركين عن تدويناتي الجديدة لا بد أنه يصله، لكن لم أفترض بصراحة أن أحد يقرأ بالفعل. شجعني وجاملني حولها بذوق.
شرحت له السبب الذي أتى بي، وعلى ذكر الألماني، تساءل إذا ما كان صاحبي الذي أتحدث عنه في المدونة؟ كانت مفاجئة أنه يتذكر هذه التفاصيل، مما سرني. أخبرته أنه هو. تجاوب معي بأحسن طريقة ممكنة، وناقش معي الأمر بطريقة جيدة سأنقلها للدكتور الألماني، وأعطاني الإحصائيات التي أحتاج، مع وعد بإعلامي حالما يحصلون على إصدار جديد منها.
كانت زيارة موفقة. 
أخبرت الدكتور الألماني مباشرة برسالة على البريد. وأخبرته بأنه صار مشهوراً، إذ يعرف عنه مدير الجمعية. رد بأنه سعيد بالأمر، وقال بأنه أمره إذا صار في يدي، فسيحبونه الناس ويكرهونه حسب ما أكتب عنه. رددت بأني لا أتخيل بأن هناك من يكرهه.








من أسوأ ما مر علي هو حيرتي الآن، هل أكمل أم لا، هل ألوم نفسي أم لا. هل التوقف الآن أفضل حقاً. هل لو صبرت ستسير الأمور على ما يرام أم سأتعب أكثر. إني قلق جداً، ومتعب جداً.
صدمت نفسي اليوم، وأنا أتمنى أن لدي صديق يقنعني بأن لا أكمل، في حين أني لا أريد أن أخيب ظن الدكتور الألماني.


في نهاية الأسبوع الفائت، بعدما سلمت مسودة المشروع، وجهزت عرض الباوربوينت، كان الوقت قد حان ليعرض الجميع مشاريعهم. لسوء الحظ، كانت المرأة الحجازية الذكية هي أول من عرض عمله. أعتبر هذه غلطة الدكتور، لو كنت في مكانه لتركت عرض مشروعها للنهاية، ولكني كنت أتوقع هذه الغلطة. لماذا هي غلطة؟ لأنها ستجعل الجميع يحتقرون مجهودهم، وستجعل كل عمل آخر يبدو تافهاً. فهي متوقدة الذكاء ما شاء الله، إلى درجة أني أتسائل، متى يمكنها أن تتعلم كل هذا وتقوم بكل المتطلبات؟ على الأغلب أنها أم، وهي تعمل وتخرج من العمل في آخر النهار.
لحسن الحظ، كان الطبيب بعدها، وبعد نهاية عرضه شعرت بأن وضعي ليس بذلك السوء. وبالواقع، لم تكن فكرتها فريدة أو مميزة، بقدر ما كانت الشمولية في عرضها والإتقان مذهلاً. توالت بضعة عروض، شعرت بأن أموري جيدة عموماً. لكني سأعرض في اليوم التالي، لأني سأضيف إلى عرضي بعض ما ينقصه، شريحتين.
في الصباح التالي، وقد كنت في العمل، أضفت ما أحتاج إليه. نظرت إلى العرض، فوجدته مقبول جداً. الفكرة جيدة، أعجبتني، ليست تقليدية تماماً هنا. لكني ظللت أتعذب؛ وماذا بعد؟ هل أريد أن أكمل أم لا؟ لا يتعلق الأمر باليوم، لكن البرنامج كله، هل أريد أن أكمله أم لا؟ هل أضيع المزيد من الوقت، أم أختصر وأتوقف؟ كان رأيي يتقلب بسرعة كبيرة، وهو أمر لا أتذكر بأنه حدث. شعرت بالألم لهذا، والإرهاق. حتى بدأت أشعر بألم في صدري. وقفت، وذهبت إلى مكتب زميلي الملتزم الكبير، بلحيته الكبيرة، الذي كانت علاقتي به لفترة طويلة الآن مهمشة من طرفي، ويتخلل هذا شد وجذب، أحداث صغيرة، مزحات أحياناً، بيد أن تسلطت عليه مؤخراً بكثرة الإنتقاد والسخرية، وكأنما أفرغ ما كان يفعله، أو "أفش خلقي" منه. مع أن هذا وبشكل غريب يطربه، حتى أنه يستثيرني لأوبخه أو أسخر منه فيضحك وينبسط. وقد يتسائل حينما أفرغ إذا ما كنت مرتاحاً الآن وسامحته؟. عموماً، في تلك اللحظة، وجدت نفسي أتوجه إليه تلقائياً، دون تفكير بالأمر، ودون أن أدري في تلك اللحظة لماذا اخترته، إذ فكرت أن أستشيره قبل أن أغادر العمل، ولم يبقى سوا دقائق. سألته إذا ما كان مشغولاً؟ فقال: قليلاً. ثم فطن ونظر إلي، وكأنما دهش. قلت لا بأس، ولما ابتعدت لأمضي دعاني أن أعود، ولكني أخبرته بأني لا أريد شيئا بالواقع، إلا أنه أصر، لم أعد مع ذلك. لاحقني صوته يناديني بتدليل كما يفعل بعض المرات، في البداية: "سعودة!!" ثم بعد ذلك: "سعودي"!! تعال!. تسائلت وأنا أبتعد هارباً بسرعة؛ لماذا يناديني دائماً وكأني صبي صغير؟!.


حينما خرجت من العمل، كنت أفكر بأني سأكمل. في السيارة، فكرت؛ لماذا أرغم نفسي؟، هل انتهت كل الفرص الأخرى؟ حتى لو لم يتعلق الأمر بالأعمال. ترددي، وسوء حظي مع البرنامج كانا أكثر مما أريد، أكثر مما يجب. هل أنا مضطر لجر نفسي ومتابعة تجربة لم تعد تشعرني بالرضا أو الاقتناع. قررت حسم الأمر، وقررت التوقف. لا أخفي بأني شعرت بالاكتئاب حينما حسمت أمري، إلا أني شعرت بالراحة. إن الأمر أشبه بالتأكد من وفاة عزيز مفقود، أن تعلم أنه توفي خيراً من أن لا تعلم ما حل به أو على أي أرض يكون. أخبرت أمي في المنزل، وحققت معي لمعرفة السبب، وقد افترضت أن أحد جرحني. "لماذا يجب أن يجرحني أحد؟!." ثم طلبت مني أن آكل شيئا وأنام. أرسلت إلى أخواتي، قائلاً بأني قررت ترك البرنامج، وأني سأنام الآن، حتى لا يتصلن، فقد كنت أشعر بانقباض شديد.
لم أذهب لعرض عملي في ذلك اليوم، وكان آخر فرصة لعرضه.


لاحقاً، استلمت رسالة موجهة إلى مجموعتنا، أرسلها الطبيب، يعتذر فيها من الناس الذين عرضوا مشاريعهم ولكنه أزعجهم بأسئلته. ويعرض التوسط لمن لم يحضروا لعرض أعمالهم. لم أكن الغائب الوحيد. أرسلت إليه وإلى الجميع أشكره على موقفه، وأوضح بأني لن أواصل معهم.








يوجد لدي اثنين أحب أن أتكلم عنهما دائما هنا، اسمهم محمد، الاثنين. ابناء أختيّ. أحبهم إلى أقصى حد. ويعجبني تفاعلهم مع بعضهم، ومعي. الكوري لا يهابني كثيراً، ويميل إلى ضربي حينما لا يعجبه شيء، ودعاني مرة: "الحبل" يعني الخبل. منقاوي ملسون، لكن قلبه أطيب عموماً. كان الكوري يضربني لسبب نسيته، لما لاحظ منقاوي ما يجري قال للكوري موبخاً ومعترضاً: "هيه أنت لا تطقه!!"، ثم مسح على مكان الضربات، ركبتي. حاجبيه الصغيرين كانا مقطبين على نحو طريف.
هذه صور التقطتها لهم:




ملوك وجيش

الأولاد الصغار دائما أفضل من البنات.










نوعية من الناس، تذهلني في كل مرة أرى آخر ما تفتقت عنه عقولها من سخافة واستخفاف بمشاكل الآخرين وحياتهم. يصعب على المرء منهم الاعتراف بأن لدى الآخرين مشكلة أو معاناة، فبرأيهم؛ مشاكل الآخرين هي من نسج خيالهم دائماً. تجده يهون من الأمر، يريد أن يقنع الآخر بأنه ليس لديه مشكلة، وأن معاناته غير حقيقية، أنه يحتاج فقط إلى أن يغير زاوية نظره، دائماً، ليرى أن المشكلة بالواقع سبب للسعادة والاحتفال. يقترح هذا بثقة كاملة، يصعب أن أتخيل أنها من الممكن أن تترافق مع مراعاة حقيقية وشعور صادق. وكأنما يريد للمرء أن يهرب من الأمر الواقع ليفرض رغماً عن أنفه واقع بديل من خياله، وكأن الله لم يقل بأن الإنسان خلق في كَبَد. ذلك لأن هذا الناصح لا يستوعب أكثر من نفسه، إن معاناة الآخرين كثيرة عليه. وهذا عموماً من أعراض هوس الكمال، إنه يتظاهر بالكمال، بل يصدق ذلك. إن حياته مثالية وردية، خالية من الشوائب، لطيفة ومليئة بالضحكات والجمال، أو كما يريد أن للآخرين أن يروا، أن يروا أنه يعرف كيف يديرها جيداً، لأنه يفهم الدنيا كما لا يفهمها ملايين البشر، في حين أنه ليس أكثر من جبان، وأكثر من ذلك؛ مخادع للناس، ولنفسه. يتدثر بحسن النية، في حين أنه قصير نظر وضعيف بصيرة. وهو يسحر الآخرين بالواقع بهذه الطريقة، يحسبونه صادقاً، لديه ما يفتقدون، فيريدون الاقتراب منه، والبقاء بقربه، وقد صارت هذه حيلة لكسب إعجاب اليائسين، قليلي الخبرة. لكن، يحدث أحياناً أن يكتشف أحدهم زيف الإدعاء، والمرض المقزز الذي يعيشه هذا المدعي المتظاهر بالكمال، الذي لن يتورع مع الوقت عن إدارة حياة الناس نيابة عنهم، وإفسادها بقناعاته البائخة، واستغلالهم كذلك حينما يعجب بهم بالمقابل، بعدما يسيطر عليهم، حيث يبدأ باستنزافهم بشكل ما.
ليس في حياتي الآن مثل هذه الأشكال، لكني عرفتهم في وقت مضى، هؤلاء المتظاهرون بالكمال والطيبة اللا نهائية، وصرت أميزهم بسرعة، برائحتهم التي تزكم الأنف. أراهم يكتبون في مدونات، ويتكلمون في التلفاز، وفي الطرقات، والأماكن، والمجالس. هم مبعثرون هنا وهناك، وأتصور بأنهم يعرفون بعضهم بالسليقة، فلا يتقاربون، إذ ما الجدوى من التقارب بين اثنين أوراقهم مكشوفة.










كنت قد تكلمت من قبل عن دكتور بريطاني لبناني، وهو يرفض التحدث بالعربية معي على نحو غريب، ويقول بأنه يعبر ويتعامل على نحو أفضل باللغة الانقليزية.
قبل الحج، كان قد جاء بعائلته، وبدأ إجراءات إقامتهم القانونية. كان مستعجلاً، ليتمكن من الذهاب بهم للحج، لكن الموسم كان مزحوماً بطبيعة الحال، وكان يصعب تخيل أنه سيتمكن من ذلك.
المهم أنه كان يتخيل بأني سأستطيع مساعدته في الأمر أكثر مما يمكنني بالواقع. لكني ليس بيدي شيء في الحقيقة. كل ما في يدي هو متابعة أمره، فلا يمكنني مثلاً جعل معاملته تسبق كل الناس الذين لديهم أسبابهم أيضاً للاستعجال. بالإضافة، بعضهم أعرفهم منذ زمن طويل، وليس مؤخراً تعرفت عليهم.
كنت أتمنى من كل قلبي أن تسير أموره بسرعة، واهتميت كثيراً بأن تأخذ إجراءاته مجراها دون تأخير.
مع ذلك، لم تسر الأمور كما أراد. لاحظت انقلاباً في تعامله، انقلاب مفاجئ. هل كان يتخيل بأني سأكون واسطته هنا؟. شيء مؤسف أن يفكر الناس بهذه الطريقة، وأن يتوقعوا من الآخرين أكثر مما يستطيعون. بعد فترة اتصل، وبدا على صوته الجمود. أخبرته دون أن يسأل بأني قمت بكل ما أقدر عليه، لكن الموسم مزحوم أصلاً، وأبنائه وصلوا متأخرين، ورغم المتابعة والسؤال وحث الإجراءات على التقدم، لم يتم الأمر. هكذا شرحت. لكني بالواقع لم أكن أبحث عن رضاه، كنت أريد أن يفهم بأني لم أهمل طلبه ومتابعته معي، أما أنا فقد شعرت بأن صداقته لم تعد تلزم كثيراً، ولكن هذا لن يجعل منه عدواً أو شخصاً كريهاً بالطبع.
عموماً، بدا لاحقاً أنه استشعر سوء ردة فعله، وربما لا زال يحملني بعض الخطأ مع ذلك. جاء وحاول التحدث بودية. أنا عموماً تصرفت وكأن شيئا لم يكن. لا يزال يبدي اهتمامه بحياتي، ولو ظاهرياً، ويعرض أن نجلس معاً لنتكلم عن مستقبلي، وهو يحب أن يعرض هذه الخدمة. لكني أعلم بأن الودية الشخصية السابقة قد زالت في الوقت الراهن. أنا خاب ظني بصراحة، خاب كثيراً حينما لم يقدر في البداية أني قمت بكل ما أستطيع، وخاب أكثر حينما رأيت أنه يساوم على الأمر بمستوى صداقتنا.
ما باليد حيلة، الناس هكذا.










جائني عرض محرج اليوم. إنه رجل طيب، باكستاني، يريد أن يأخذني معه إلى دورة في العلاقات العامة ومهارات الإتصال، وهي دورة يقول بأنه يحظرها منذ زمن طويل. وهي ليست دورة كما فهمت من شرحه بقدر ما هي مجلس دوري للنقاش. يقول بأنه يريدني أن آتي كضيف في الجلسة، لأنه يعتقد بأني مثالي في الأمر. كما أن لغتي تؤهلني للحضور. 
لا بأس لدي بالحضور، بل قد أرغب بشدة، لكن ما يقلقني هو أني لا أعرف الرجل جيداً، مما يخجلني، حتى أني نسيت اسمه. أنا أتعامل مع الكثير من الناس هنا.










كنت قد توترت قبل أمس بشدة، لمواجهتي لموقف سيء في مدونة فتاة أحترمها كثيراً. شاب الأمر سوء فهم كثير، ولكن لو ظل الأمر يدور بيني وبينها فقط لكانت الأمور لم تسوء إلى ذلك الحد. لكن تدخل شخص على جانب كبير من التظاهر والافتعال فاقم من سوء الأمر في نظري. لا يهمني افتعاله الذي أراه في ردوده في بضعة مدونات اطلعت عليها، سوا أني أشعر بالشفقة على المدونين الذين يضطرون للتعامل مع استملاحه لنفسه. ما يفعله حينما يريد التعليق هو أن ينظر إلى ما يحاول المدون إيصاله، ثم يستهل بالمديح المبتذل وغير المريح، ثم يكتب شيئاً يتعلق بالمضمون أو يحاكيه، كأن يؤلف مثلاً في تعليقه قصيدة بأبيات ضعف القصيدة المذكورة في التدوينة الأصلية، في محاولة للتفوق ربما على مضمون التدوينة نفسها أو أداء المدون، ثم يقفل التعليق بإكمال ابتذاله واستحثاثه للشكر والإعجاب والمديح. وهو لا يملك مدونة، مما يحير أصحاب العقول اللبيبة في شأنه، فالتكلف والكتابة بهذا المجهود والترتيب في التعليق على عمل الآخرين يجدر به أن يوضع في مدونة، حتى ولو كان المضمون فاشلاً، فأنا لا أقرأ التفاصيل، لكنه يبذل جهداً بوضوح، حتى يخيل إلي بأنه برنامج سبام، متعب ومضيع للوقت، وليس شخص حقيقي. لكن يبدو أن مشكلته هي أنه يعلم بأن حضوره ثقيل، وربما لن يجد التجاوب الذي يفرضه على المدونين بالإحراج والاستجداء المبطن المؤسف. أعلم أنه يعرف مدونتي، وقد وجدت الأمر مضحكاً جداً حينما فكرت بالأمر أمس؛ فلماذا لا يحاول الرد علي بنفس الطريقة التي يحرج بها الآخرين؟ السبب ببساطة هو أنه لا يمكنه كتابة ضعف نصوص طويلة كنصوصي في تعليق أو تعليقين، كما أن أفكاره ستتشتت، فليس من أذكى من ستقابلون عموماً، أو هكذا يبدو لي. هذا الأمر يسلب جاذبيتي في نظره بوضوح، وربما لطبيعتي دور في الأمر، حيث أني لا أحب المتملقين، وربما عرف بهذا بطريقة ما.
عموماً، عودة لتلك الفتاة، هي فتاة ملتزمة، مطوعة، تكتب تدوينات بعضها يمكنني المشاركة فيه، وبعضها أجده أكثر تشدداً وأقسى حكماً مما يطيق ذوقي. لكني في كل الأحوال أحترمها جداً. كما أجدها لطيفة رقيقة الحاشية، بما يجعلني أشارك مطمئنا بالعادة إلى أن التقاء رؤانا أكثر وضوحاً من اختلافها، أو هذا ما أحاول البحث فيه. ما حدث في آخر مرة أنها ردت علي بطريقة لم تعجبني ولم أتعودها منها. وجدتها ساخرة، وعلى هذا اتخذت موقفاً في ردودي، وأوضحت ما أراه في وضوح. لكنها ردت مقسمة بأنها لم تقصد السخرية. صعب علي الاقتناع، ولكنها ربما أسائت التعبير، لهذا لا بأس، لكن ما كان ليس عليه خلاف أنها أسائت فهم نقاطي على أسوأ ما يمكن. وقد شرحت لها وأوضحت ما ظننت أنها لم تفهمه، بلهجة باردة، لأني لم أحتمل سوء الظن، كما أني لم أحب السخرية والاستخفاف، حتى لو أقسمت بخلاف هذا.
انتهى الأمر معها بأن أوقفت هي النقاش بطريقة مهذبة، ولا أدري هل فهمت قصدي أم لا، لكن إن لم تفهم بعد كل ذلك الشرح، فهذه مصيبة.


أما الشخص المزعج، فقد أنبني على أسلوبي من أول رد كتبته، لأني استخدمت كلمات: حقراء، أنذال، الحقارة، المسئولين السعوديين. هذه الكلمات اعتبَرها من السفاسف، وأراد أن يتفلسف، فإن لم يكن قادراً على الرد في مدونتي والتدلل علي، فليستفد من وجودي بطريقة أخرى، ليظهر بمظهر البريء المهذب، أو الطفل كما يدعو نفسه. بدا الأمر مقرفاً، فأنا مضطر للرد عليه، وردي مهما حاولت تبسيطه وتجنب جرح مشاعره من خلاله لن يكون رقيقاً، وقد حاولت، في حين أنه لم يكن لطيفاً في رده، واتجه إلى الهجوم والتوبيخ ومحاولة إحراجي، رغم أنه لم ينسى، رغم شجبه واستنكاره، أن يحاول استدرار عطفي ومديحي بتوصيفه لنفسه في نهاية الرد بأنه أخي الأصغر واني استاذه، وأنها مسألة محبة، وأشياء مقولبة يستخدمها مع الكل مع الأسف، واعتذاره نيابة عني عن أسلوبي!.
لم أعطه أكبر من حجمه في الرد، لأنه يحتاج إلى موقف مختلف في رأيي عما يواجه بالعادة، حتى يعيد النظر بالمسرحيات المؤسفة التي يحدثها وجوده. أوضحت أن هذا أسلوبي الذي لم يخرج عن الأدب، أعجبه أم يعجبه، فليس بالأسلوب البذيء ولا المتملق. وحكيت عن نوعية النقاش الذي أسعى إليه. وأخبرته بأني لم أتوقع منه فهم أفضل خارج إطار تصيد الإعجاب والمديح. ومن هذه العبارة الأخيرة أتمنى أن يتعلم درساً، أنه يجب أن يتخذ موقفاً تجاه نفسه وأسلوبه. فهو بالواقع، وعلى الأغلب أنه لا يعلم، يتطفل على الناس فكرياً ومعنوياً، وهذا أمر سيء يجب أن يوقفه لمصلحته الخاصة.


لا أعتقد بأنه يقرأ ما أكتب، فيبدو أنه لا يجد جدوى من كتابة تعليق أكثر مما أكتب بحوالي الضعف، فلو فعل هذا فلن أنصحه بوضعه في مدونة، إنما أن ينشر كتاباً.
رغم أني لم أجده مريحاً حتى حينما كنت أطلع بسرعة وباختصار على شكل تعليقاته، إلا أني أعتقد بأنه ربما يعاني من مشكلة، لو زالت، وانتبه إلى ما يحتاج إلى قوله، فستكون أموره أفضل.


ما ندمت عليه؟ شيء واحد فقط؛ لقد أوحيت بأن رأيي عنها، الفتاة، تغير، وما كان يجب علي ذلك. فالكل يخطئ.


في قصة مشابهة، أتذكر فتاة توجهت بالنصح إلى فتاة أخرى وضعت صورة غريبة في منتدى. وقد كانت الفتاة التي وضعت الصورة قد اغترت بنفسها، وحسبت أنها أذكى الناس وأكثرهم ثقافة، وأطيبهم. كانت تعامل كل الأعضاء المشهورين، أو من يهتم لهم المشهورون، بلطف مفتعل ومبالغ فيه، وتحاول كسب الإعجاب بكل طريقة. ردت على الفتاة الناصحة مبينة وجهة نظرها حول الصورة، ولكنها ردت بسخرية، واستخفاف لا يتماشى مع جدية الفتاة الناصحة وتجرد نصيحتها. كانت الفتاة الناصحة قد حذرت من نشر الصورة ببساطة، وكانت وجهة نظر، لكنها بعد الاستخفاف بها انقلب اسلوبها، وأصبحت شديدة الحدة، لأنها لم تتوقع الاستخفاف بوجهة نظرها رغم حسن نواياها. ولم تصمت حتى سببت الإحراج لتلك الفتاة الغبية. 
كان من الممكن أن يسير الأمر على ما يرام لو ردت صاحبة الصورة بنفس مستوى تلك الفتاة من الجدية، حتى لو لم تحذف الصورة.


أنا وجدت نفسي في نفس الموقف مع اختلاف المعطيات، لم تتم محادثتي بنفس المستوى من الجدية، وشكك بنواياي، وهو أمر يجب أن تكون حذراً تجاهه، خصوصاً حينما يكتب مخاطبك باسمه الحقيقي، مثلما أكتب أنا.
مع ذلك، تجنبت جرح الفتاة بأقصى ما أستطيع. أما الشاب، فرغم أني عدلت في ردي كثيراً حتى لا أحطمه أو أجرحه بشدة، إلا انه احتاج بعض القسوة ليتعلم، ويرى حقيقته من وجهة نظر آخرين، سواء اعتقد أنهم مصيبون أم لا. وحينما أفكر بالأمر، هو سعى للحصول على إساءات أقوى وأكثر بنفسه، حينما هاجمني بذلك الأسلوب الرديء، لكن مع ذلك، كل يمثل نفسه، ومستوى تفكيره.








أضفت إضافة جديدة إلى العمود الجانبي على جانب المدونة. مساحة جديدة خاصة بالمشتركين في المدونة، المتابعين. لا أتخيل بأنه لديهم ما يقولوه، لكنها موجودة في حال أرادوا التعبيرعن شيء بشكل عام لا يستوجب المراسلة أو يتعلق بالتعليق على تدوينة. يمكنهم التحدث عن أي شيء، أو إخبار الناس بمدوناتهم.








الوصول إلى أشياء قديمة، كانت فقط تخطر في أفكارنا من وقت إلى آخر دون أن نجد لها أثراً، أو أن يكون لدينا أمل بالوصول إليها مجدداً. إني أحكي عن نظارة، لكن هذا شيء مهم أيضاً، فأنا أحبها جداً.
اشتريتها قبل سنوات طويلة، ربما في بداياتي في الجامعة. كنت أحتاج إلى نظارة جديدة، ورأيت هذه في إعلان في الجريدة، ماركة فاني، فأعجبتني بشدة. إطارها البني اللامع الكلاسيكي بدا لي فاتناً. لم أفكر في ذلك الوقت بملائمة النظارة لوجهي. لم تكن رخيصة تماماً أيضاً، وهبتني أختي المال لشراءها، ولم أتردد كثيراً.
حينما اشتريتها، قيل لي كثيراً بأنها لا تلائم وجهي. لم أقتنع، لكن لعلها كذلك، ما الفرق؟ هكذا فكرت، لأني كنت معجب بها بشدة، كنت أفكر بأنها تمثل شخصيتي بشكل ما وتوضح معالمها كما توضح رؤيتي الضعيفة.
يبدو أني تخليت عنها، لكن بعد فترة طويلة، وليس لأجل نظارة أخرى، لكن لأجل العدسات، التي لا زلت أستخدمها بشكل رئيسي. العدسات أكثر عمليه، وأكثر وضوح في الرؤية، وتشعر المرء بأنه طبيعي أكثر. وبعد وقت يختلف من شخص إلى آخر من لبسها، سيسعد المرء بعودة عينيه إلى شكلهما الطبيعي، بإختفاء الهالات والتقعر حولهما، واللمعان أحياناً.
سرعان ما افتقدت نظارتي مع ذلك، حيث لا أنام بالعدسات، ويجب أن ألبس شيئاً قبل النوم لأقرأ. لكن يبدو أني أضعتها، لسنوات طويلة.
كلما تذكرتها شعرت بألم. يمكنني شراء نظارة أكثر حداثة، وقد اشتريت، وقيل بأنها جميلة وملائمة لوجهي، لكني ظللت أحن لتلك النظارة التي لا أتذكر بأنها أعجبت أحد سواي. يستخسر المرء الأشياء الأثيرة، التي يحسب بأنه لن يتمكن من شراء مثلها مرة أخرى. هل ينطبق هذا على الناس؟ من أضعناهم، ثم لم نجد مثلهم؟. لا، لا أعتقد، ليس عموماً.
قبل فترة قصيرة، كنت أجمع أغراضي الكثيرة من غرفتي الثانية، التي تركتها للملابس والعناية الشخصية، تجميع الأشياء. كانت غرفتي الأصلية، وهي غرفة في سطح المنزل، ملحق بها حمام. تطلعت إلى الكثير من التذكارات القديمة التي أحتفظ بها، لكن لم يكن الأمر مميزاً جداً، لأني أفعل هذا من وقت إلى آخر. لكن الحدث الذي أبهجني هو أني وجدت النظارة مصادفة. لا يمكنني وصف سعادتي. كان هذا قبل وقت، ولم ألبسها، لأني لم أخرج من المنزل بنظارة. لكن لأني قررت اليوم لبس نظارة، أخرجتها. هاهي صورتها:













كان اليوم جميلاً، وهو الخميس. منذ متى لم أقل عن يوم أنه جميل، بأكمله؟.
لم يكن هناك خطة، فلم أكن أتوقع أن أقابل الدكتور الألماني. ظننت أنه ستفرغ لإصلاح سيارته. لكنه اتصل بي، فذهبت إليه. قال أنه سيستغلني اليوم، وهو مبتسم. خرجنا للسوق القريب، واشترينا أغراض لمنزله، ونحن نتكلم حول الأمور، ونبحث عن الأشياء التي يريد. ثم ذهبنا إلى مركز لصيانة سيارته لنرى ماذا يمكننا أن نفعل. ثم إلى سوق إلكترونيات. ثم إلى المقهى الذي نجلس فيه بالعادة. قبل أن نصل إلى المقهى، فتح موضوعاً بدا لي أنه كان يتحرق إلى فتحه منذ البداية، وربما انتظرني لأفتحه. قال: إذن، لماذا تركت البرنامج؟ لا أزال في حيرة من أمري، لماذا تركته بالضبط؟ أعرف لماذا، لكن، ما الكلمات التي تشرح الأمر على أفضل نحو؟ فهي جملة من الأسباب غير العملية عموماً. "لم أشعر بالإرتياح، بدأت بفقد قدرتي على التركيز بشدة" قال بأن هذا يحدث، لكن كان يجب أن أصبر، على الأقل حتى تبدأ الدروس الأساسية على أيدي المدرسين الغربيين. قلت بأني لم أستطع الانسجام مع الآخرين في المجموعة، فقال ما الغريب في هذا، أن عموماً لا تنسجم مع المجتمع هنا، فأنت مختلف بكذا وكذا، لهذا لم يكن عليك النظر في هذا السبب. أخبرته بأن الأمر أصبح يتعلق بجر نفسي مرغماً إلى الدروس، وأني لم أكن اؤدي جيداً، وربما كنت سأنجح، ولكن سيكون هذا بالكاد، ولا أرى فائدة لهذا. قال ما يريد قوله؛ قال بأني هربت. قلت بأني هربت فعلاً. إني لا أرى مشكلة في الأمر، يمكنني تصحيح الأمور على نحو أفضل لاحقاً، لكنه هو قوي، ولا يحب الفرار، على أنه يعلم بأني لست قوياً مثله. سألني ما هي خطتي الآن؟ قلت بأني أريد أقوم بشيء مختلف لبعض الوقت، كدراسة لغة أخرى، حتى أصبح أقوى للبحث في الأمر المهم لاحقاً. قال بأن دراسة لغة قد تلائمني أكثر. قلت لا، إني لا أهتم، إني أريد أن أشغل نفسي فقط، فما أريد تعلمه هو الأعمال. بدا الأمر محيراً بالنسبة إليه.
أريته عرض المشروع، وجده مقبولاً، أعجبته جوانب ووجد ما لم يكن كافياً كذلك. قال بأنها خسارة أني لم أقدمه. تسائل لماذا لم أقدمه ثم أتوقف عن الحضور؟ إذ أخبرته بأني قررت التوقف مباشرة تقريباً بعدما انهيت العمل على العرض. قلت: ما الفائدة؟.


سألني إن كنت قد كتبت قصائد جديدة؟ سألني المرة الفائتة نفس السؤال، قلت بأني كتبت اثنتين، لكني لم أترجمها له بعد.


أريته صور التقطتها في القصيم قبل سنوات، وأعجبته. أريته صورة المزرعة حيث تربت أمي، وانبهر بما رأى. أخبرته بأن المزرعة مهملة الآن على حد علمي. سألني إن لم يكن ممكناً لي أن أعتني بها؟ مستحيل طبعاً، إنها ليست لنا. قال بأني لو حصلت على مزرعة صغيرة، وانفردت بها لأكتب، واستأجرت رجلاً قوياً ليساعدني بالاعتناء بها، لكان أمراً جيداً. أخبرته بأن هذا يخطر في بالي أحيان كثيرة، لكنه مستحيل.


حكينا عن البلدان الأخرى. والشعوب هنا. قلت بأني أود أن أسافر معه. أثار هذا اهتمامه، وقال بأنه سيكون أمراً جيداً، ثم تسائل؛ إلى أين أود الذهاب؟. قلت: النرويج. دخلنا في نقاش حول الأمر.
أود الذهاب إلى النرويج لأنه يحب الذهاب إليها، هذا سيكون عادلاً.


قادنا الحديث حول النرويج إلى صديقه النرويجي، معتل الصحة الآن. وهو رجل طموح وذكي جداً. يسوق إختراعات صديقه، وهي اختراعات مبتكرة جداً. وهو يهتم عموماً بشأن تسويق الطاقة وتقنياتها. قال بأنه يبحث الآن ويعمل على تسويق السيارات الكهربائية. هذه السيارات تثيراهتمامي جداً، وأتابع شئونها بقدر الإمكان، خصوصاً من الشركات غير المعروفة، الشركات التي تتخصص بهذا الضرب من المواصلات الصديقة للبيئة. قال بأنه أوصاه بأن ينظر هنا إن كان هناك اهتمام بالسيارات الكهربائية، ولو على المستوى البحثي. قلت للدكتور بأن هذا لن ينجح هنا، لن يجد أحداً مهتماً. تسائل لماذا؟ قلت بأن لا أحد يهتم بالبيئة هنا، كما أن النفط رخيص ليفكروا بالطاقة البديلة. قال بأن هذا لن يدوم، قلت نعم، لكنهم لا يفكرون على المدى البعيد، وهو أمر لا حيلة للمرء فيه.




قادنا هذا إلى الحديث عن حوادث السيارات. حكيت له عن حادث سيارة شنيع مررت به، لكن لم يكن هو المهم، إنما ما جرى بعده؛ قصتي مع رجل نبيل، حيث حكيت له هذه القصة؛


تبدأ القصة بعدما اصطدمت بقوة بسيارة شركة، وفي حين أنه لم يتوفى أحد ولله الحمد، إلا أن السيارات تضررت بشدة، وربما لم تعد صالحة للاستعمال في حالتها، حتى أن سيارتهم انقلبت على جانبها. ثم اضطررت للذهاب إلى الشركة، لمقابلة مديرها، ولم أكن أريد أن أفعل هذا، لكنها كانت الحاجة، فقد كانت أوضاعنا المادية سيئة إلى حد بعيد وصعبة في ذلك الوقت، وكان يجب علي تقليل الأضرار إلى أقصى حد، فقد كنت مجرد طالب في الجامعة. كان إما أن أذهب أنا، أو سيذهب والدي، فلا مفر.
لكن، لماذا أعيد كتابة القصة؟ فهي موجودة لدي في أرشيف مدونتي القديمة، التي لم يعد لها وجود على الشبكة. لذا، سأقتبسها منذ دخولي إلى الشركة:


"سألت هناك، عن أبو باسل، فهكذا هم يسمون مدير الشركة، سألت إذا ما كان سعودياً؟ قيل لي بأنه سعودي، شعرت ببعض السكينة، فهذا سيزيد فرصة تفهمه كما تخيلت حينها، أو كما أحببت أن آمل. دخلت على الرجل، فوجدته رجل كبير بالسن والحجم، أبيض، ذو ملامح شامية، و صوت رنان مرح واثق عفوي. ولكنه كان مستعداً لي، كنت أنا لأكون مستعدا لشاب يريد استعطافي في حق من حقوقي، اكتشفت حينما تكلم أنه سوري الأصل، سعودي الجنسية فقط. كان يناورني، وما كنت في حال من يناور، كنت متعبا ومكسور النفس، كفاني مذلة كما كنت أشعر؛ أن أستعطف أحدهم في حق من حقوقه، أن لا أستطيع أن أسدد حقوقه دون أراه أو أعرف شكله، أن لا أكون آمناً إلى هذا الحد. لاحظ الرجل ملاحظة غريبة، او بدت غريبة رغم أنها منطقية بعد كل هذه المدة من التفكير بالأمر وتقليبه، لاحظ قائلا بأني أبدو كئيباً، محزوناً، متعباً، هزيلاً. طلب من موظفه أن يحضر لي كأسا من اللبن ليقيم به أودي على ما يبدو، فلا أتذكر أني أكلت شيئا يقيمه منذ الحادث، ولكني رغبت عن اللبن ورفضت شربه، لم أكن أريد أي شيء، كنت أريد أن أخرج، و أنا أفكر بقهر وحزن في اضطراري إلى اللجوء إلى هذا الموقف، وإلى قول والدي الصريح بأننا حقا نحتاج إلى التجربة، لأننا لا نستطيع، أبدا لا نستطيع، حتى على سيارتي وحدها قد لا نستطيع. قال لي ليقنعني، بلا اهتمام كبير، او وكأنه يقنع طفلاً، بأن أحداً لم يمت بالحادث، وهكذا كفاني الله شر الدية. لما قال هذا، يأست حقاً، و سألته ان يتنازل على الأقل عن بعض المبلغ. لم أكن أستطيع أن أعود بكل هذه الخسارة إلى أهلي، الذين بالكاد، وربما بالديون، استطاعوا شراء هذه السيارة لي، وهي الأرخص بين سيارات إخواني التي شريت مؤخرا في السنين الأخيرة. كان ذلك الإنسان حتى تلك اللحظة يعاملني برقة، وطيبة، وبدون إهانة، ولكنه كان لا يرى حجم مأساتي بوضوح. تعجب من طلبي الأخير، وتعجب من تأثري ومثابرتي أكثر، وكنت بالكاد أكبت انفعالي العاطفي في نفسي، نظر إلي متعجباً فصددت عنه، فقال: أنا لا أدري لماذا أنت متأثر هكذا، هي مجرد سيارة، حديد، تتعوض. فالتفت إليه ونظرت شاعرا بأن هناك ما يقال من عيني، حينما ينطق القلب رغما عنا، حينما يفيض الحكي فلا يستوعبه الصدر، قلت بصدق يعلم الله قدره: أنا لا تهمني السيارة. ثم صددت وانا لم أعد أستطيع كبت انفعالي أكثر. يبدو أنه لاحظ هذا بشكل ما، كنت أزداد بؤسا وذبولاً في كل دقيقة من المماطلة و المذلة. رد بسرعة وقال: إذا ماذا يهمك؟ التفت إليه وفتحت فمي، ولم أستطع الكلام، لأن دموعي ملأت مآقي. عدت فصددت، ثم التفت مرة أخرى و فتحت فمي، ولم أستطع نطق شيء، لقد ضاع صوتي حقاً، و فاضت دموعي أكثر، فصددت، فحثني لأتكلم، التفت مرة أخرى، ففغرت فمي وفاضت دموعي أكثر و إن لم تنحدر حتى الآن على خدي و لكنها غشت رؤيتي بشدة، كنت بالكاد أحفظها، ولكني قاومت الصدود، أغلقت فمي وفتحته مرة أخرى، و أنا أعي بكامل إدراكي كم كان موقفي مهيناً، و أشعر بالحاجة التي دفعتني للوقوف فيه، حثني الرجل بتعاطف عظيم، و بصبر لا يدل إلا على أن قلبه ليس كالقلوب الأخرى. تحدثت أخيراً، وقلت بأني أتعبت أهلي كثيرا في السابق، ولا أريد أن أتعبهم أكثر. ثم صددت، فهتف الرجل بلهجته السورية: يا حبيب قلبي!. شرط تنازله لي بعد ذلك، بشربي لكأس اللبن، فتجرعته بسرعة. كنت أقوم بهذا من أجل أهلي، هذا ما أقوله، حينما تؤلمني المهانة.

لم ينتهي الأمر عند هذا الحد، ولكنه أرسل أحد موظفيه ليلحقني عندما ركبت السيارة مع أخي، و يعطيني ورقة أصرف بموجبها من صندوق الشركة ألفي ريال كمساعدة. رفضت أخذها، ولكنه أصر على إعطائي ذلك الموظف. شعرت بتردد، اعتقد بأنكم تتفهمونه. في البيت علم أبي من أخي بأمر الورقة، فقال أبي بأنها عون كبير، وقد كانت فعلا عون بعد عون الله. لم أشأ صرفها، ولكن تم الضغط علي، فذهبت من الغد وشكرت الرجل وصرفتها، و أنا أضمر سدادها. كنت في ذلك الوقت في الكلية. وظللت أجمع من مكافئاتي الجامعية مما لا أستخدمه في الضروريات الألفي ريال ومن فوقها ثمن لهدية. حرمت نفسي من الكثير من هواياتي ورغباتي ولكني لم أكن مقتنعاً بأني أقوم بما يكفي حتى اليوم. مرت سنة حتى جمعت مبلغ جيد، اشتريت هدية بأفضل ما أستطيع ولكنها ظلت تافهة أمام مشاعري، و غلفتها.

ذهبت إليه، وعرفني وفرح بي، ولاحظ بأني بصحة جيدة، أفضل من السابق بكثير، هذا قبل أن تحل مصيبة أخرى... ولكن هذه حكاية أخرى... لاحظ بأني بصحة جيدة، امتدحني وهو يأخذ الكيس الأنيق والهدية تطل منه مغلفة. صمت قليلاً ونظر إلي، و كان ينظر وكأنه سيقول ملاحظة حقيقية، وقال بأني وفي. سألني من أين أنا بالأصل؟ القصيم... و سألني متى سأتخرج؟ وكانت مدة جيدة قبل أن أتخرج. فقال بأنه سيستقبل أي شخص أرسله ليتوظف لديه، ولكني لم أرسل أحدا. ودعتهم بحماقة، وكنت خجلاً جدا، بعد أن عرفني على أحد أبنائه، الذين يقاربونني بالعمر كما أقدر ولكن يفوقونني بأضعاف بالبنية والصحة ما شاء الله، كنت أبدو ولدا أمامهم.


دسست في الهدية قبل التغليف المظروف الذي يحوي الألفي ريال، لعلمي بأنه لن يقبلها لو مددتها، و معها رسالة صادقة توخيت بها مطابقتها لمشاعري، لا زلت أحتفظ بنصها، و هاهو:


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

المحترم أبو باسل

لقد كانت الألفي ريال التي أعطيتني عون كبير لي، رغم أني لم ارد أخذها إلا أن أبي أصر لسوء الأحوال المادية آنذاك. فأخذتها مرغماً...

إعتبرت ما أعطيتني ديناً. أجهدت لأجمعه و إن لم أحرم نفسي إلى الحد المطلوب في سبيل جمعه للأسف. وعلى أي حال، هأنذا أرده لك.

ورغم ذلك، يبقى دينك علي أكبر، أكبر من تنازلك عن إصلاحي للسيارة. فأنا لا أتذكر بأني حظيت بمثل تعاملك ولا تعاطفك معي. وقد أثر هذا بي أعظم تأثير، لدرجة لم أعد أعلم إذا كنت أملك نفسي أم لا. لأني بالحقيقة لا أسدد دينك بهذا المبلغ والهدية التافهة، وهي أفضل ما استطعت. لكنت اشتريت عميق تقديري فقط بمسامحتي عن ما حصل. وهذا كثير علي.

سأدعو لك الله ما حييت لأنك عاملتني كما لم يعاملني أحد.

جزاك الله خيراً.

سعد


( آسف على سوء الخط والتأخير)"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت القصة.

خلال قصي القصة عليه، كان الدكتور ينظر إلي طوال الوقت بتركيز، وتعبير غريب على وجهه، ساكن، وعميق. حينما فرغت، قال بصوت غريب بأنها قصة قوية. ثم صمت، وقلب نظره بتأمل إلى جهة بعيدة في المقهى. بينما تأملت أنا وجهه. هو رجل أوروبي الشكل بأكثر الطرق وضوحاً، ففي حين أني أرى الكثير من الأوروبيين، إلا أني لا أرى بالعادة أناس بشرتهم حمراء إلى هذا الحد مثله، وشعره كذلك أشقر، حتى حواجبه وشعر يديه. بدا أن وجهه تبدل على نحو غريب. مضى وقت من الصمت، ثم لاحظت بأن وجهه بدأ يحمر أكثر، بسرعة، وبشدة، حتى أصبح قانياً أمام عيناي، وغشت عينيه لمعة عجيبة، لم تكن دموعاً، لكنها لمعة براقة. قلقت بشدة فهتفت: دكتور! لقد أصبح وجهك شديد الحمرة!. قال بهدوء ليطمئنني: نعم، إن السبب هو القصة، فهي قوية، أثرت بي.

قلت بأن أبو باسل هو أطيب من عاملني في حياتي، لم يعاملني أحد قبله بهذا التعاطف، وهذه الرقة والطيبة. ولكن الآن هو أيضاً موجود، ربما هما بنفس المستوى لدي، كليهما عاملاني كما لم يعاملني أحد.
أخبرته بأني لا زلت أدعو لأبو باسل في صلاتي.



تكلمنا بعد ذلك عن أمور مختلفة. عائلته، الطرائف في ألمانيا وهنا. أخبرني بأنه ذهب مع شاب بدوي طيب معنا في العمل إلى البرية، حيث الماشية. قال بأنه استمتع كثيراً، وقال بأنه لو كان المكان فقط في القصيم، ليكون هناك زرع وأشجار، إذ زار القصيم مؤخراً، ويبدو أنه أعجبه. قلت بأن هذا غير وارد، فالبدو يهتمون بالماشية، حتى لو كانوا في القصيم، ولا يهتمون بالزرع عموماً. قال بأنه لاحظ هذا، وأنه يجده أمر عجيب، ويجد دلائل عدم اهتمامهم بالاستقرار واضحة في الغرف الخشبية القبيحة التي يركبونها قرب الماشية كيفما اتفق، دون اهتمام بشكلها.


غادرنا المكان، وحينما وصلنا إلى بيته وجدنا الباب مفتوحاً. شعرت بالقلق، ولكنه قال بأنه لا بد أنه أحد جاء ليسقى النباتات. أصريت على النزول معه، وقلت بأنه ربما شخص لا يعرفه، أو لص. ضحك، وقال بأنه يمكنه أن يتغلب على ثلاثة لصوص، قلت ربما كانوا أربعة. ضحك، ثم ازددت شعوراً بأنه يعرف على الأغلب من في الداخل، فهدأ قلقي، ربما لا يعرفه بالاسم، لكنه على الأغلب من طرف صاحب البيت ليسقي نباتته.

في اليوم التالي، التقينا بعد صلاة العشاء، لنكمل ما بقي أمس. كان لقاء قصير، لكنه ممتع جداً. لديه أشرطة قرآن يريد أن يسمعها، وهي تحتوي على ترجمة حسبما فهمت. لكن، ليس لديه مسجل. في محل الكترونيات، لم أشجعه كثيراً، لأن المسجلات غالية جداً لديهم، وهو لن يستخدمها كثيراً. اقترح عامل المحل مسجل أرخص، وقال بأنه بـ80 ريال. اقتنع الدكتور، لكني أصريت على الذهاب إلى مكان آخر، فإن لم نجد أفضل، نعود. لم أشعر بالارتياح للصفقة. سمع كلامي الدكتور، مع أني شعرت بأنه كان يريد شراء الجهاز لأن شكله وسعره أعجباه. المحل في أسواق الجزيرة. دخلنا داخل السوق، وذهبت إلى قسم الالكترونيات، وجدت له نفس المسجل تماماً، بـ 53 ريال. أمر مؤسف، كيف يبالغ الناس بأسعارهم، بلا خوف من الله.
حينما أنجزنا كل جئنا لأجله، حان وقت العودة إلى المنزل. في الطريق، أخرج من جيبه شيء صغير وهو يقول: لقد أتيت لك بشيء، هل أريتك هذا؟ وأراني نرد كروي عجيب. تناولته من يده ضاحكاً. أخبرته بأني بالأمس فقط كنت أتخيل بأني أضع نرد في كرة زجاجية، فلا يستطيع أحد استخدامه، سيكون شيء ممتعاً. ضحك. من أين أتيت به؟ سألت. قال بأنه اشتراه من متحف فيزيائي في ألمانيا. قال بأني يمكن أن ألاعب به أبناء أخواني الصغار، فهو نرد حقيقي وقابل للاستعمال. تساءلت إذا ما كان لي؟ أنا لا آخذ الأشياء المقدمة بهذا الشكل حتى أتأكد، وإن بدا بأنها لي.


نرد كروي، شيء لا يتصور المرء أنه قد يعمل كما يعمل أي نرد مكعب، لكنه يعمل بالواقع. ألا تمر حالات كهذه في حياتنا، نحسب فيها بأن أمور لن تكون كما نريد أو نتوقع لأنها فقط لا تشبه تصورنا عن صحة المنطق، لكنها تعمل بالواقع، وفقاً لمنطق مختلف، لكنه منطق كذلك. كم من قرار اتخذناه، وتخلينا عن أمور، لأنها كالنرد الكروي، لن نعرف أنها مفيدة من شكلها، لكن حينما نجربها، سنعرف. كم من الناس تخلوا عنا، لأنهم لم يجربونا. أعرف بأني نرد كروي، تناولتني يد خرقاء غير فطينة، وقذفت بي بعيداً.


 شكرته، وأعطيته شيء جئت به أيضاً، كيس شاي البابونج بالفانيلا والعسل، الذي كتبت عنه في آخر مرة. قال بأنه سيشربه وهو يسمع القرآن الليلة، هو يحب هذه الأشياء، مثلي. 


حكيت له: "رأيت حلما في الأسبوع الفائت، ظهرت أنت في معظمه." ثم حكيت الحلم؛ حيث أني وجدته وقد استعد للمغادرة إلى ألمانيا على الأغلب، في إجازة قصيرة، ولكنه أخبرني بأن ساعته تكسرت، وأنه عاجز عن إيجاد قطعها التي انتثرت على الأرض، ليعيدها إلى بلاده ويصلحها. جلست أنا على الأرض، ووجدت القطع التي عجز عن إيجادها، كانت قطع صغيرة، وقد ذهلت بأن أغلبها كان من الذهب. جمعتها وأعطيتها إياه، فرح بذلك، وأراني إطار الساعة، فوجئت بأن العلبة من الذهب، أخبرني بأنها ساعة ذهبية غالية، تكلف حوالي 50 ألف ريال، والآن سيأخذها ليصلحها من جديد. هذا كان الحلم. قال باسماً أني إذا ساعدته أيضاً في الحلم. قلت بأني أعتقد أن للحلم معنى، قد يعني وقتاً ذهبياً. تفكر وقال بأنها فكرة جميلة جداً، وأنه بالفعل ينتظر أوقاتاً ذهبية ويريدها. قال بأنه يعيش جزءا من الأمر، إنه يقوم بشيء لطالما أراده، ويريد أن يحقق أشياء أخرى، إنها قطع باتت تتشكل وتتواجد مؤخراً، عمله الآن، وما ينوي القيام به لاحقاً. قلت بأن القطع تتواجد، ولكنه يحتاج إلى من يجمعها له. ضحك، وقال وأنت ستساعدني في هذا. ثم مضى، وهو يخبرني بأنه سيستمع للقرآن الليلة.


ونسيت إعطاءه كتاب الجمعية الخيرية. 




سعد الحوشان