سِجل المدونة

الأربعاء، 18 مارس 2026

ثرى

 بسم الله الرحمن الرحيم





أتساءل إن كانت أدمغة الناس تعمل بالسرعة والتطاير الذي عشته طوال عمري. ليس أنه يصعب علي التركيز على شيء محدد، لكن يتطاير ذهني هنا وهناك بنفس الوقت. إن ذهني كالقمع المعدني الصغير، في قاعه ماء بارد صافٍ هادئ، هو وعيي الآني. وبلا مثيرات ولا اهتزاز أو وقوع أجسام وشوائب. تتطاير منه كل وهلة وأخرى، في جوف الدقيقة الواحدة، قطرات صغيرة من تلقاء ذاتها إلى الأعلى، تمس فكرة أو ذكرى تطوف في محيط وعيي الآني، ثم تقع إلى أصلها بلا صوت، لقد أخذت معها جزء من وعيي البعيد وعادت به.

إن جل ما يداهم ذهني الآن هي أفكار وذكريات ناعمة، هادئة، سريعة، واضحة كرأي العين، عن أمي، طوال الوقت، وأنا أتكلم، أو أضحك، أو ألعب، أو أنهمك بعمل ما. يخيل إلي أحياناً بأن لي عقلين يعملان بالتوازي. جرب أن تكتب بكلتا يديك في نفس الوقت، يد عن الحاضر ويد عن الماضي.

لطالما كان عقلي سريع العمل دائمه، إلى حد الإرهاق. وليست علامة ذكاء أو حكمة، إنما ابتلاء فقط.


لن يحبني أحد بذاك القدر، الحب واللهفة التي خصتني بها حتى آخر لحظات وعيها، قبل وفاتها بأيام. ولن أحب أحد بهذا القدر، كل القدر الممكن، بائن وخفي، كل ما يمكن لقلبي أن يجمع من حب، الذي اختصت به أمي. لن يكون للحياة قيمة، باتت مجرد وقت.

يا للعجز… ماذا بوسع المرء أن يفعل…







أنظر حولي في صالة المنزل، وأتذكر مكانها منه، في مختلف الأوقات، وما كان يحدث، وما كان يقال. كيف انتهى كل هذا. أدخل إلى غرفتها ليلاً، ولا أنظر إلى مكان سريرها في مرضها، لكن مكانه حينما كانت بحال أفضل، حيث كانت تستلقي كل ليلة، فأواسيها عليه، وأغطيها وأقبلها، وأعطيها خدي لتقبله.

أحلم بها، أتمنى أن أراها، ولو لم تقل شيئاً، أو يحدث شيء، آسف وأحزن إذا لم تزرني بالمنام. قلت للآخرين وهم ذاهبين في منامي ذات مرة؛ لا، أريد أن أجلس مع أمي.







بعدما نشرت كتابتي الفائتة في ذات اليوم، فطنت وشعرت بالخزي، لم أتعمد الجحود، إذ نسيت أن أشكر الشخص الأهم الذي وقف معي حالما طلبت منه، بلا تردد أو تفكير. كنت في أشد الحاجة وقد أسقط بيدي، حيث انتهى تحمل تأمين أمي رحمها الله. شكراً لابن خالي؛ محمد بن عبدالكريم، شكراً على موقفك وعجلتك بالاهتمام رغم انشغالك وضيق وقتك، خصوصاً في تلك الفترة التي تواصلت بك خلالها في مأزقي ذاك. لن أنسى اهتمامك وحرصك ما حييت. لم يكن لدي شك بأنك ستهتم في أمر عمتك، ربما عمة والدك عمراً، لكن حسن تصرفك وسرعته، كما تعاملك مع حتمية الأمر بلا تفكير أو اختيار أو تساؤل، هي أمور لم تكن معروف لأمي فقط لكن معروف بي أنا؛ طمأنينة لقلبي المأزوم، وشعور لم يستثنني من الاهتمام والمشاركة والرحمة. إني أتذكرك كل يوم، لكني لم أُوفق في ما كتبت سابقاً.

إنه لأمر مؤسف، لابد من النسيان، عسى الله أن لا يجعلني جحوداً منكراً.







إني مهرج، مرسومة الابتسامة على وجهي رسماً. أفرح بمن يزور من ابنائنا لأني أحبهم جداً، لكن لا يهدأ ذهني، ولو علموا لما علموا ما يصنعوا بي، لربما كان هذا الخفاء رحمة بمن حولي. إنها سكتات صغيرة، ربما وأنا أتكلم، ربما وأنا استمع، ربما وأنا لا أفعل شيء. أحياناً تصبح برودة تغشى صدري كاملاً، ووهن في قلبي، وأنا أستمع وأنظر باهتمام إلى محدثي.

كثير في كل مكان ما يذكرني بها، أقربها قلبي.

لا زلت أتساءل، كيف راحت وتركتني؟، لا أشعر أنه كان يومها، لقد كان يومها، لكن لم يكن، لا أدري.

إن قدراتي تقصر عن إستيعاب وفاتها، إني أصل إلى حد معين، بالتسلسل الصحيح، ثم أتوقف عنده لا أدري إلى ماذا أخلص، تتكاثر التفاصيل كلما اقتربت من هذا الحد، لا يعود التسلسل سليماً، إنما يصبح فروعاً منتشرة كثيرة كشعيرات الدم، أعود إلى الوفاة بحد ذاتها، وألمها، لكني لا أخلص إلى شيء، يبدو أحياناً أنها ما ماتت حقاً، وكأن هناك عنصر مفقود في التسلسل أو في الفروع، أو أمر عصي على إدراكي، أمر يعرفه أحد ما ولكن ليس أنا، ثم أبدأ بالتراجع والتقهقر إلى التفاصيل قبل النهاية، وأعيد. إنها حلقة مفرغة لا خلاصة أو نهاية لها.

كيف تركتها لآخر مرة…

ما باليد حيلة…


أشتاق إلى رائحتها، رائحة الورد، وحينما أجد ريحه لا أتحمل فأترك الشيء. إني لم أضع العطر منذ فترة طويلة، كان خوفاً على صحتها في وضعها المتدهور أخيراً.

أشعر أحياناً بأنها لم تمت. تساءلت عند قبرها، هل تركتها هنا حقاً؟. لو تُركت إلى جانبها، لكان أريح.

الآن وأنا أكتب في حجرتها، المتروكة نصف خالية، أعرف بأن العمر لم يكن ليكفني أبداً معها.


إني أضحك وأقهقه، وأفرح بالقادم من الزوار وأرحب، لكني أحياناً أشعر بأني أرى هذا الذي يضحك من داخله، وكأني مغلف به.







تتعبني زيارة الصيدليات، إذ لابد من رؤية شيء مما اعتدت شرائه لها. صُدم الصيادلة حينما سألوا عن أمي وأخبرتهم. لست أحب إخبار أحد، إطلاقاً، لكنهم أصحاب معروف. على النقيض، أجد نفسي أتأمل، ربما أكثر هدوءاً وأماناً، حينما أزور المستشفى الذي أطالت البقاء به قبل أن تعود للمنزل في المرة الأخيرة، زرته مرتين لغرض، وأغراض. لا أدري ما سبب هذا الشعور. لكني لا أفكر بزيارة المستشفى الذي توفيت به، رغم أنه أقرب، إلا أني أتمنى لو رأيت الممرضة التي اعتنت بها هناك، وعطفت علي. وكذا الممرضة في المستشفى الذي انتقلت إليه بمساعدة ابن خالي، جزاه الله خير الجزاء، كانت امرأة حنونة. لكن كيف؟.

إن ما يحطم قلبي، هو حينما نمر أو يأتي أحد ما على ذكر المستشفى الذي أطالت أمي البقاء به، ويذمه، ويتهمه بالتسبب بالتدهور المتسارع لحالتها، رغم الظروف السابقة. إني أتعب وأتأزم، بصمت، لكن للّحظة ذيل طويل، طويل.







طاردتني مكالمات من المستشفى الذي توفيت فيه أمي لفترة طويلة، كانت مكالمات من موظفين لا يعلمون بأنها توفيت، يريدون رأيي بالخدمة أو إضافة مواعيد، لا أتذكر. كنت أخبرهم في كل مرة بذلك، فيصابون بالصدمة والإحراج. أخبرتهم في أحد المرات برجائي أن يكفوا عن الاتصال، لكن لم يكفوا إلا متأخرين بعدما رجوتهم وأخبرتهم بأني تعبت وأن هذا رابع أو خامس اتصال منذ الوفاة.

في هذا الرمضان، وصلني اتصال من مستشفى آخر، كانوا قد وضعوا خطة علاجية لأمي قبل أن تمرض. كانوا حينما رأوا أمي متعاطفين جداً رحومين، وقاموا بكل ما يمكن لمساعدتها حتى وضع الخطة وتخصيص موعد قريب في عيادة خاصة. لم نحضر أي موعد علاجي، كانت قد دخلت المستشفى، ثم خرجت بحال لا يسمح. جاء هذا الاتصال يسأل بلطف عن حال أمي، وما جرى على وضعها الصحي، أخبرته بأنها توفيت. تأثر بشدة، وعزاني. لا أدري من هو، لكن جزاه الله عناً خيراً.

حينما اتصلت طبيبة أمي في العناية المركزة، تخبرني بوفاتها، لم أدري ما أصنع، أو بماذا أشعر، حتى مر بعض الوقت. أخبرت أعز الأصدقاء، ربما الصديق الحقيقي الوحيد، وأخبرت أخي الكبير. كان صياح الخادمات عالياً.

كيف ذهبت وتركتني…




يوقفني الجهاز هنيهات لأتأمل، يريني جبال لأرتاح. لطالما قالت بأنها تحب الجبال.





مقتطفات مما كنت أكتب في السنوات الفائتة:


" توفيت خالتي رحمها الله، ولا زال الأمر عصي على الاستيعاب. هي خالتي الوحيدة من حيث الدم، وقيمتها في قلبي لا أعرف من أين تبدأ وأين تنتهي. إني بطبيعتي آمل بأن يعيش من أحب إلى الأبد، ولا أفقد الأمل مهما كانت الظروف، على عدم منطقيته، لأني لا أغلب نفسي في بعض الأمنيات. لعل المرة الوحيدة التي شعرت بها بقرب وفاة أحد كانت وفاة والدي رحمه الله؛ ولم يكن الأمر يتعلق بتدهور مفاجئ بصحته، رغم أنها كانت تنحدر لطبيعة مرض الخرف، لكنه شعور داهمني فجأة. لم يطل الأمر، وتوفي رحمه الله، وكنت قد صُدمت لأني اعتقدت، أو أملت، بأنه لو صدق شعوري فيسكون بعد أشهر عدة.

أما خالتي، فكنت متفائلاً بوعي وبدونه بأنها بإذن الله ستتخطى الأزمة، وكانت قد تعرضت لمتاعب صحية من قبل وتخطتها. زرتها في المستشفى، وفي آخر مرة زرتها هناك قبل أيام عرفتني حينما سألتها من اكون.

قيل لي وأنا في العمل بأن صحتها في تدهور، لكني لم أفقد الأمل، إلا أني علمت بضرورة تواجدي هناك، إلى جانب زوج أختي وابن خالتي. تم إخباري لبعض الوقت أن أصبر عن المغادرة، لكن لم يطل الأمر عن ربما نصف ساعة حتى قيل بأنها توفيت. غادرت إلى المنزل لأرتب أمر غيابي، ثم ذهبت مباشرة إلى القصيم.

كانت أمي هناك لدى أختي حينها، زوجة نسيبي المعني. كانت أمي في إجازة نادرة عن الرياض، ربما لثاني مرة فقط عبر السنين. وجدت أن أمي قد علمت بوفاة أختها الوحيدة، عزيتها وبكت.

لا أعتقد بأني أيقنت أنها مضت تمام اليقين حتى رأيتها تدفن، رغم أني سلمت عليها في كفنها وقبلتها وأنا أبكي ألماً، وقد عجزت عن تركها وعدت لأقبلها مرة أخرى. كنت أفكر؛ كيف يدفنونها هكذا؟، كيف يتحملون؟ كيف تترك في جوف الأرض هكذا، كيف أراها توضع هناك ويسد عليها باللِّبن فلا نراها بعد ذلك، هكذا، إلى الأبد، بكل هذا العجز الذي يشل القلب ويحبط الروح. لم أشعر من قبل بأن كسرة من قلبي المتبلور، الذي لا يكاد ينبض، قد دُفنت. لا بد أن قلبي التالف ثمين، فقد كانت كسرة من ياقوت. ورغم حبي لوالدي، إلا أن هذا نوع مختلف من الفقد، لا يقل، إنها أمي الثانية.

كان كثير منا قد جاء من الرياض، وكان الإرهاق على كافة المستويات والاستنزاف واضحاً. لكن أيام العزاء كانت غريبة، وكانت تستوقفني الأفكار فجأة؛ كيف نتكلم؟، كيف ندلَه، وهي قد توفيت؟. لم أستوعب، ولم يكن هناك طريقة للاستيعاب مع كل هذا التبدل بالمزاج والمطالب، والناس جيئة وذهاب. حينما أفطن، كنت أشعر بأن هناك أمر ليس في محله، إنه في ذهني، لكني لم أفهم ما هو بالضبط، هناك خطأ لم أستطع تحديده، حيرة غير مسبوقة، لم أمر بمثلها من قبل. حاولت أن أفهم، لكن كل ما كنت أتوصل إليه هو أنه يوجد خطأ، لم أقم بأمر ما على الوجه الصحيح، الوضع كله ليس كما يجب أن يكون. حاولت أن أبلور الأمر لأختي الكبرى في محاولة لأفهم أنا، أخبرتها بأني لا أعجز بالعادة عن توصيف الأمور، لكن هنا، لا أدري ما العلة، يوجد خطأ ما. حاولَت أن تساعدني على الفهم، وقد لجأتُ للتحدث لعلي أفهم وأتوصل لشيء. لم أتوصل سوى إلى أنه كان يجب أن أُقسم إلى نصفين، نصف يبقى هنا حيث يراد له أن يكون، ونصف يعود إلى الرياض ليجلس وحده، كما يجب أن يكون.

كيف تكلمنا ولهونا؟. الآن بعدما عدت إلى الرياض، أجد نفسي أسحب خيوط أفكاري المتروكة برفق وتركيز، كما قد يسحب المرء الخيوط من الشاش وهو يأمل ألّا تنقطع، وقد فرده على حجره يمعن إليه النظر، وأنا أحاول أن أجد الفكرة الصحيحة، لفهم الوضع. لا زلت كذلك بعد ثلاثة أشهر.

مع ذلك، لا زلت لا أفهم جيداً رغم محاولاتي، أعتقد أن بقائي هناك هو ما أوصلني إلى هذا الحال، من عدم الفهم، ومراوحة مكاني نفسه الذي علقت به هناك.

ألوم نفسي بأنه كان يجب ألَا أبقى هناك، أن أعود لأفكر، وأنا أعلم بنفس الوقت بأنه كان يجب أن أبقى هناك، ولا خيار آخر لدي، حتى لو شعرت هناك بعدم فائدتي، وعدم تقديمي لنفع حقيقي واضح. أشعر بالحنق وأنا أدري بأني غير ملام، لكني لا أقوى إلا على لوم نفسي، ولا أدري ما السبب. والآن مع الوقت، لا تغيب خالتي رحمها الله عن ذهني، كل يوم، كلما أسهم، تدمع عيني أحياناً، خصوصاً حينما أستلقي ليلاً لا أنشغل بشيء آخر، حيث تنتهي المسؤوليات إلى حين، هذا الوقت مؤلم، مؤلم جداً، إني أخشى قدومه. كان يجب ألا أنشغل بغير نفسي يوم توفيت، والآن أنا عالق.

كثرت الوفيات، أشعر بأن الأمر بات يفوق احتمالي، أعلم بهذا حينما أكون لوحدي."



" الآن، وأنا في عمري هذا، أشعر وأقتنع بأني كنت طوال حياتي أبلغ الأربعين من العمر، إن سعد الذي كون صداقات ومعارف وغامر وأغدق من اهتمام وحنان ولطف، وتلقى القليل منه إذ رضي بأوقات نادرة، هو سعد أتذكر بأني أعرفه."



"قبل فترة كنت أتأمل وأنا أمشي، بعد شعوري بالخسارة النهائية لآخر ما أملت به، الخيبات الشبيهة التي تعرضت لها، كسور القلب التي لا تنجبر، الإحساس بالهامشية وسهولة الاستغناء عن الوجود لدى كل ممن أجهدت بإرضاءهم في وقت سابق. توقفت لأنظر من بين المباني المألوفة، فرأيت طائر صغير لا يطير مثل الطيور التي أعرف، كان ينزلق عبر الهواء بسرعة، ولم يكن شكله أو بناء جسمه كطيور الخواطيف المهاجرة. حاولت أن أعرف ما هو أو كيف شكله، وكان منظره وهو يطير بسرعة وينتقل من جهة إلى أخرى بسرعة غير عادية أمر عجيب لم أره من قبل هنا، ورغم محاولتي الحثيثة لتبين تفاصيل شكله لم أستطع. ابتعد الطائر وهو يأخذ اتجاهات بدت عشوائية حتى اختفى خلف المبنى المجاور. إني لا أدعو الله عادة إلا لأمي، ووالدي رحمه الله، والأموات من الأحباب، لكني قررت أن أجرب فدعوت الله أن يعود الطائر. فعاد، ثم دعوت الله أن يمر بقربي، فمر فجأة بقرب شديد. سُررت، وفكرت بأنه ربما كان كل ما أردت من قبل لم يحدث لأنه لم يكن خير لي، رغم انفطار قلبي، وهو مفطور على الدوام. وفكرت، بأني بالواقع لطالما دعوت الله لأمي، خصوصاً حينما تمرض أو تصاب بمكروه كالسقوط والكسر، وقبل ذلك من تكرار لمرض شديد، ولطالما شفاها الله لي. ورغم انه بكل تأكيد هناك من هو أصلح مني يدعو الله لها وهم أجدر بالاستجابة، إلا انه بالنهاية شُفيت أمي وقَرّت عيني بها. والآن هذا الطير الجميل بقدر ما سمح لي ان أرى، سُمح لي ان أراه مرة أخرى عن قرب، بعد دعوة.

مضيت وقد بدأ صدري بالانشراح، شعرت بأن أمر رغبت به وهو خارج حيلتي وإرادتي قد حدث لي أخيراً، ولا أجحد نعم الله علي، ومنها الارتواء والشبع والستر.

بعد قليل، كنت في مكتبي حينما اتصلت أختي فجأة تخبرني بأن الخادمة الجديدة اتصلت بخادمتها تبكي فزعة تقول بأن أمي لا تتنفس. قفزت لا ألوي على شيء، وقد كنت أشعر بالذعر وضعف الحيلة. فهمت بأنه من الصعب أن أرضى، أن ارتاح، أن أركن للأمان. أذهلني بالمقارنة تفاؤلي الذي يشبه البذرة التي استشعرت رطوبة التربة العقيم أخيراً، قبل قليل بسبب طائر.

تواصلت مع الطوارئ، وبصعوبة تفاهمت معهم لذعري وانقطاع نفسي، وأنا أسرع بالسيارة عائد إلى المنزل. وكان الطريق يزدحم ويتوقف، وأنا لا أطيق صبراً ولا أدري ما اصنع، اضرب العجلة أمامي بيداي، ولم أعد أستطيع التحمل، وانا ادعو الله وابكي، كنت أقول لا تأخذها مني، هي كل ما لدي. تواصلت مع الخادمة وكانت لا تدري ما تقول، وتعطي كلام متناقض وهي مأزومة. تكلمت مع أخي الذي نزل للتو، فقال بأن أمي بخير. لم أقنع وكنت أشك، حينما وصلت وجدته عند أمي، وهي مستلقية بإعياء على سريرها، بالكاد تتكلم. وصلت أختي الكبرى في ذات الوقت تقريباً. تأخر الإسعاف أكثر من العادة، إذ أنها ليست أول مرة نطلبه لسبب أو لآخر، وحينما وصل دخل المسعفين وغطت أمي وجهها بشالها الملون. فحصوها بالاجهزة وتكلموا معها، طال الفحص، وبدأت ترفع شالها أمامها لتتنفس، فأمسكته مرفوعاً كالخيمة عنها، رغم اعتراضها، تقول أنها لا تريدني أن اتعب. كان كل شيء مطمئن نسبياً، ولله الحمد. لكنهم أرادوا أن يأخذوها إلى المستشفى ليطمئنوا أكثر، إلا أن أمي رفضت قطعاً. لم يبدو عليهم الاقتناع، لكن ما كان باليد حيلة، أخبرتهم بأني سأراقبها، وفي حال الحاجة سآخذها أنا إلى المستشفى. خرجوا من الغرفة، ورأيتهم يتوجهون نحو الباب، فتوقعت بأنهم سيجهزون أوراق ووثائق كالعادة. لكن المسعف عاد وناداني، وأخبرني بانه اتصل على طبيب الهلال الأحمر، وأنه يريد ان يتحدث معي. تكلمنا، وقال بأن كل شيء مطمئن، لكنه يريد أن يأخذوا أمي للاطمئنان، لعمل تخطيط قلب والمتابعة، أخبرته برفض أمي إلا أنه أصر، فوافقت، وكنت آمل ان اصرار الطبيب قد يقنع أمي، ولكنها لم تغير رأيها، ودخل المسعف ليقنعها، ولم يتغير رأيها أيضاً. كانوا مهمومين بوضعها الصحي. أخبرتهم مرة أخرى بأني سأتابعها، وفي حال احتاجت سآتي بها إلى المستشفى إن شاء الله. بعد اتمام الإجراءات والتسجيل، غادروا.

أخبرتني أختي مُطمئنة بأن هذا كان قد حدث لأمي عدة مرات في منزلها، إذ تقيم أمي لدى أختي بعد إجراء العمليات لفترة، وأزورها هناك كل يوم. استغربت، لأني مع أمي طوال الوقت في منزلنا إلا خلال نومي او نومها وخلال العمل، ولم تفعل هذا من قبل أبداً، من انقطاع نفَس وصمت مخيف. لكن أختي أكدت لي ذلك، وأنه راجع إلى ضيق مفاجئ بالصدر، نوبة من الحزن الشديد. قالت بأن الخادمة الجديدة ذُعرت لأنها لا تعرف هذا، خلافاً للخادمة القديمة."



"لم اعرف الفرحة بالإنجاز منذ زمن بعيد الآن، إن كل فرحة اتذكرها لا تعدو كونها فرحة بتفادي كارثة، وهي فرحة مهمة بذات القدر، إلا انها اكثر استهلاكا للروح والمعنويات والطاقة والاتزان والسلامة النفسية والمشاعر. إنك لا تصلها إلا وقد تآكلت وضئلت وعجزت وتعبت وخفت وخشيت وأُرعبت بلا توقف، ذلك القلق الممض المؤلم المتعب المستنزف العنيف الهازْ، حيث لا يفترض أن تصمد أمامه دون ان تنهار وتنهدّ، لكنك على نحو عجيب وعصي على الفهم ومثير لشفقة من ينظر، إن كان لأحد قلب، تستمر تعاني منه واقفاً وبوعيك بكل لحظة منه، يشبه انتظارك لارتطام جسم عظيم حتمي سيفنيك بعد لحظات، لكن اللحظات تطول كالعمر وأنت تتجزع وتستوعب ما يجري وما عليك وما لا عليك فعله وأنت ترقب الجسم يقترب شيئا فشيئا، لا يمكن الصياح بجزع لأن صياحك لن يعني شيئا وأنت لا تدري متى سيحدث ما تخشاه، لكنك بذات الوقت تراه يقترب فتفكر عشرات المرات بحكم الغريزة ان تتوقاه بذراعيك لكنك تنزلهما عن وجهك بسرعة وانت تئن أنيناً كالصياح المكبوت، تتخبط ذراعيك بين نزول وهبوط والكارثة لا زالت بالطريق، حتى تفقد الخيط الأخير من الاتزان وتبدأ بضرب ودفع الأرض بقدميك ذعراً وأنت جالس، وتقبض على شعرك هنيهات بقوة تنزع في كل مرة خصل منه، والأنين الحاد يتردد ويزداد حدة وبعداً عن طبيعتك كإنسان، حتى أخيراً ترفع ذراعيك أمام وجهك وتطلق صيحتك. ذلك هو القلق الذي لا يتوقف حتى تعرف النتيجة، هل سيرتطم بك حقاً ذاك الجسم العملاق الحقيقي الماثل أمامك؛ قل قطار مقبل عليك بمركبتك وكأنما بتمهل، لكنه بالواقع يسير بسرعة مميتة، كما تترقب القدَر وصفحته التالية عند الأزمات القوية في الحياة، أم أن القطار بالواقع ما كان ليصيبك، مهما بدا عليه الأمر، كالقدَر الذي لم يكن ليخطئك لولا المشيئة الإلهية؟
وكل هذا، بعدما تتجاوز الكارثة بأعجوبة، تعرف حتماً ان كل ما يمكنك فعله هو انتظار الكارثة التي تليها...

لقد بت أرى مستقبلي بوضوح، إن أموراً حولي تغيرت لكني أرى نفسي بلا تغيير اكثر من التدهور الحتمي للبشر، لكن ما يشعرني بالوحشة واليأس هو أني أتدهور بلا عون، لوحدي، ومحيطي يتوسع ويرق قوامه شيئا فشيئاً، لا غاية له سوى الاضمحلال في النهاية. إني لا أرجو نصيحة من أحد مع ذلك.


لطالما استمديت قيمتي من الآخرين، ليس رضاهم، لكن تحمّل همُّهم، معاونتهم على هموم الحياة والصحة، ذلك ما اشغل بالي. إني أشعر بالإرهاق، والرهبة والخوف من اللا معلوم، أشعر بأني انتظر في مركبة مع بشر كثيرين الوصول إلى وجهة ما، لكن حينما نصل إلى ما بدا أنه وجهتي لن ينزل غيري، وتمضي المركبة، وانا وحيد في خلاء موحش لا أدري ما أصنع، لن أموت جوعاً وعطشاً وإن عشت جائعاً وظمئاناً ما بقي من عمر هناك، لكن لعل هذا اكثر ما يرعبني، ألّا أدري متى سأموت وأنا على هذا الحال."



"... ذهبنا إلى الطوارئ، ورغم أني أرى مكان لأوراق منسوبي الجامعة وذويهم إلا أنهم ظلوا ينكرون، حتى مل مني ممرض فلبيني ووضع ورقة أمي فيه. في النهاية تم إدخالنا إلى غرفة في الطوارئ، وسط معاناة أمي، التي لم تسكت متألمة طوال المدة. وما المدة؟، تركونا لسبع ساعات كاملة. وكنت حينما أسأل يقال لي بأن الأطباء بالطريق، ثم باتت ممرضة هندية ملعونة تسخر مني وتجيب بكراهية لأني سألت أكثر من مرة، شرحت لها بأن الأمر يتعلق بأمي، وهي تتألم طوال الوقت. بل إنهم لم يحضروا لنا الماء حتى، وقد خشيت أن أخرج فلا يُسمح لي بالعودة، حتى تعاون معي طبيب سوداني ووعدني بأنه سيفتح لي الباب لأعود بالماء، وقد بلغ منا العطش مبلغه.

كنت أخرج لأتكلم مع فتاة سعودية تجلس أمام كمبيوتر، وتنسق الأمور والطلبات، وهي في كل مرة تقول لي بأن الأطباء بالطريق. شارفتُ على البكاء ألماً وتعباً وإحباطاً. فقررت الخروج بأمي على مسؤوليتي. حينما طلبت هذا، عمت الصدمة والصمت مركز الطوارئ كله، وتوقف الكل عن العمل، وكأن لديهم إحساس أو حتى مهنية. كان رئيسهم طبيب مسن أجنبي، سوري، وكان أكثرهم صدمة، ولا زلت لا أدري لمَ الصدمة؟، بالتأكيد لسنا أول من ييأس منهم. وكانت الممرضة الهندية الملعونة تنظر بقلق وهي مصدومة بوضوح، مع أنها أكثر من اطلع على حالنا بمرورها بلا مبالاة لتعبر إلى الجهة الأخرى. فوجئت بأكثر من فرد يحاول أن يقنعني بالبقاء، وقالت الفتاة السعودية بأنها آسفة، إنها غلطتها، لقد ظنت بأنها استدعت لنا الأطباء ولكنها لم تفعل، بل إنها لم تدري بالمريض المعني، وهي أمي، وهي تجيبني في كل مرة مطمئنة إياي بقدومهم الوشيك. لسبب ما كنت أنا مصدوم كذلك، وكأني مُروع أريد الهرب، وكلما زادوا بالإصرار ضاق صدري وزدت توتراً وقلقاً وتسارع وتقوى نبض قلبي، كنت أريد أن أخرج في أسرع وقت، وكانت دموعي تغرق عيناي، وأنا لا أدري لماذا استبقيت أمي طوال هذا الوقت، وزادني ما علمته من غفلتهم وعدم مبالاتهم رغم ترددي عليهم ألم على ألمي على أمي، إنهم حتى لم يدروا بوجودنا، لم يرونا، لم يهتموا برؤيتي لهذا العدد من الساعات أتردد. لم أشعر بالغضب لسبب ما، ولا أدري ما هو، كان ضيق صدر مطبق وضاغط وحزن شديد. رددت كل محاولات وأنا غارق بقلق أو هلع، سمه ما شئت. كان الطبيب السوري المسن ينظر بذهول ويتلفت وينظر بوجوه فريقه، وكانت طبيبة سعودية تقف عندي تحاول أن تقنعني بالبقاء بإلحاح، وكأنما تسعى للوصول إلى تفاهم واتفاق، والفتاة التي لا أدري ما وظيفتها تعتذر بهدوء ولكن باهتمام وصدق وهي تقول بأنه خطأها، ولكنها ترجو فقط بأن نبقى قليلاً ليطمئنوا على أمي، وأن الأطباء قد تم الاتصال بهم بالفعل وإخبارهم وهم بالطريق مسرعين، رفضت كل المحاولات ولم أناقش ولم أفكر حتى وأنا احاول أن اخرج بأمي على الكرسي المتحرك، وقد شعرت بحلقي ينسد وكأني سأختنق، كانوا يؤخرونني فقط وكأنما يسحبونني وأنا أريد الهروب، ويبدو أن ما ظهر على وجهي وجسدي من توتر قد أشغلهم، هل ظنوا بأني سأصعّد؟ أو سأقدم شكوى؟، لم يكن لدي وقت، ولم أعد اتمتع بطول النفس كما كنت أصلاً. كنت أوقع الورقة اللازمة بسرعة حتى أخرج، وهم يتحدثون، أكثر من فرد، بلا انقطاع إلي، ولا أدري ما جرى على المرضى خلافنا في تلك اللحظات الثقيلة الكريهة الصعبة المؤلمة، اقترح الطبيب بسرعة أن أراجع العيادة على الأقل، فهببن الطبيبات يقنعنني بهذا الإقتراح بمساحرة ومداهنة، قائلات؛ طيب خلاص، الحين بتمشي، لكن رجاء خذ التحويل وارجع للعيادة بعدين خذ موعد، عشان نتطمن على الوالدة، وكررن الكلام، وهن يلاحقنني ويؤخرن خروجي بإلحاح، لكن كما حدث من البداية، لم أفكر. لم أعلم بأن هناك من يعمل على التحويل بسرعة، فجئن به سريعاً وسألنني أن آخذه على الأقل وأذهب لاحقاً للعيادة لأخذ موعد، فرفضت، ولكنهن قطعن الطريق تماماً أمام الكرسي المتحرك واستمر إلحاحهن حتى أخذت الورقة فقط لأخرج. لم يكن لدي أي نية للعودة، مستحيل، وقد قررت بأن صلتي بالمستشفى من حيث هذه المشكلة الصحية قد انقطعت. لكني مع ذلك فوجئت بعد وقت قصير بوصول رسالة من المستشفى تحوي موعد قريب جداً في العيادة سيئة الذكر، حيث ينفرش الطبيب السوري الضخم خلافاً لسوري الطوارئ وقد بنشر قليلاً بعدما كان يتدحرج بغرور قبل سنوات، الذي لم يشخص مشكلة أمي وهي كسر بالحوض، وليس شعر مثلاً. لابد أنهم أوجسوا أني لن أذهب بنفسي، خصوصاً وأنا بتلك الحالة النفسية المزرية، فتدبروا الأمر بأنفسهم، وهي خدمة لم أحظ بها من قبل، فكل ما في هذا المستشفى من حيث المواعيد والتحويل هو تعقيدات محضة. لم أنو الذهاب وقد أغاضتني الرسالة وودت لو صحت بوجه أحدهم ولطمته حتى رضضت وجهه، أي أحد منهم."



"... تمنيت لو غضب لأجلنا أحد، فقد أعصابه وذهب بنفسه، وقال لهم كيف تعاملون أمي هكذا؟!، كيف تتركونهم بلا مبالاة، وهم يعانون. ليتنا نصل إلى هذا الحد من الأهمية، أمنية حياتي بأن أشعر بأن هناك من له حمية تجاهي، أما العون في لحظة الكرب فقد يأست منه منذ وقوع أمي الأول. لا أتذكر حمية أخذت أحد تجاهي سوى لدى صبي بالابتدائية، وقد أجج حمية الجميع تقريباً بالفصل لمواجهة صبي آخر تنمر علي حتى غير حياتي إلى اليوم. رد الله سواياه في ذره، وأفقده الطمأنينة. كان الصبي الذي تحمى لي أكثر من سواه اسمه خالد فرحان الصغير، وكان ذو شعبية وأهمية بالفصل."



"أما المستشفى، فلم يعد يربطنا به إلا عيادة واحدة، لا نستغني عن طبيبنا فيها، ولا تأتي أمي معي إلا للخضوع للأشعة والتحاليل، وليس إلى العيادة، رغم طلب الطبيب رؤيتها حباً، وليس احتياجاً لفحصها.

مع ذلك، أتعرض في هذه العيادة لمواقف، وإن كانت أخف من سواها. أحياناً بمقابلتي لمرضى مُحبطين يثيرون قهري وقرفي، مثل واحد اصطحب والدته المسنة وأخته، ويبدو أن الرجل في بداية خمسيناته، أما أخته فلا بد أنها اخته الصغرى وهي من كانت تعتني بوالدتهم بوضوح، وبوضوح جلي كان هذا الرجل لا يأتي إلى المستشفى مع والدته أبداً، فكان لا يعرف كيف تسير الأمور. أشفقت كثيراً على أخته، إذ بدت عليها البساطة والوجل، بينما كانت الأم عجوزاً طاعنة بالسن، ولعلها أكبر من أمي، لكنها كانت نشيطة الذهن ما شاء الله، وأي نعمة هذه؟ إنها أعظم النعم على الأبناء، وأنا أتذكر والدي رحمه الله. تذمر الرجل من قلة حياء من يطرقون الباب على العيادة، رغم وجود لوحة تنهى عن ذلك، وكان يشتم بصوت واضح ومرتفع، بينما لا يوجد سواي وسواه باللحظة، بعدما غادر طارق الباب دون أن يُفتح له. لم تمض دقائق حتى قال لأخته آمراً بجلافة أطرقي الباب!، إذ نفد صبره، من الواضح بأنه لم يتعود القيام بأي شيء. لكن أخته أجابت بنوع من الخوف: لا. فأُحبط بشدة وذهب إلى الباب وطرقه، ثم عاد إلى والدته، التي نظرت إليه بالعصفور وقالت كنت تقول بأنه لا يجب أن يطرق الباب، لماذا طرقته؟، فرد ونبرته وعلو صوته يزداد حتى ارتفع بتوبيخ: صبر صبر صبر!!، رغم أنها لم تستعجله، وظلت تنظر إليه نظرة خالية من التعبير، كالعصفور، وكنت أرى وجهها الشائخ خلف غلالة الغطاء الخفيف. لو قلت بأني تمنيت لو أصفعه لما عبرت عن كل ما أكنّه قلبي له من كره وقرف وغضب واحتقار، ولو هممت بصفعه لما استطعت إلا أن أن ألطمه بذراعي كلها، من كوعي إلى إلى آخر اناملي، لطول وجهه القميء.

أشفقت أيما إشفاق على أخته، إني لا زلت أتألم رغم مرور فترة طويلة."



"تدهور تنفس أمي على نحو متسارع فأخذناها إلى طوارئ مستشفى أهلي كبير، مستشفى الحبيب. لم أعد أتحمل فكرة الذهاب إلى طوارئ المستشفى الجامعي بعد ما فعلوه بنا. أخبرونا بالطوارئ بأنه التهاب بالصدر ومياه، وأنها مسألة مضادات وشفط، واستبعدوا ما خشوه من مشكلة بالقلب وخلافه. أخذوها إلى التنويم ولحسن الحظ كانت الخادمة قد رافقتنا جاهزة، إذ تعلمت حينما اضطررنا لتنويم أمي ذات مرة دون تخطيط. في الصباح تناولت أمي الفطور ثم نامت كالعادة، سوى أنها لم تستجب لإيقاض الأطباء لها. إنها بالواقع لا تستجيب بسهولة في المنزل بسبب الدواء المسكن حتى وقت لاحق، لكنها تستجيب مع ذلك. قرروا نقلها إلى العناية المركزة، وكانت الخادمة تبكي خائفة. أخبرتها بأنه بالواقع احتراز، فهم لا يدرون عن وضع أمي، وما نقوم به حالياً. أتيت إلى المستشفى، ودخلت إلى الطوارئ، فوجدت شقيقتي تبكي وقد جاءت من القصيم، ومعها الطبيب يسألها، ثم التفت إلي وسألني. لم أكن خائفاً وأخبرته بأنها بالواقع تستجيب في هذا الوقت. فقال كلمها إذا. حينما كلمت أمي ردت مباشرة وتجاوبت معي. فذهل الدكتور وقال لماذا لا تجيب أختك إذاً؟ قلت بأنها لا تعطيها وجه بالعادة.

أصروا على بقائها مع ذلك. والمشكلة هي أن وعيها فعلاً استمر بالانخفاض على نحو غريب، فأوقفوا كل المسكنات، فكانت لما تفيق تشتكي آلامها القوية. لكنهم رفضوا إعادة الدواء ففي رأيهم أنه سبب انخفاض الوعي. قد يكون مساهماً، لكن مسكن قبل هذا أوقفه الطبيب هو ما بدأ المشكلة كلها، بالوعي وبالبلع وضعف الكح. المشكلة الأخرى أنها لا تستجيب لأي أحد. فيمكن لأحد ما أن يكلمها ولا تجيبه، ثم أكلمها فتجيبني، وربما من وقت إلى آخر أجابت إخوتي، لكنها من بعد الطوارئ لا تتفاعل مع الأطباء مهما كان. وكان الأمر يحبطني، لأني أعلم بأنها تسمع، حيث حالما يخرج الطبيب تجيبني. سألتها مرة: يمه انتِ تلعبين على الدكتور؟ فرأيت طرف ابتسامة، ولعلها تضحك على الفكرة. أخبرني الطبيب بأنه يريدها ان تتفاعل معه هو، لما حاولت إقناعه بأنها تتفاعل معي. أجروا فحوصات ليتوصلوا إلى سبب انخفاض الوعي، وكان أمر عجيب، لأن كل فحوصاتها من أشعة وتخطيط ولله الحمد سليمة لا يشوبها شيء، ولم يجدوا مبرراً سوا الدواء، ورغم إيقافهم له استمر الوعي بالنزول. كانت حركة يديها قد صارت أضعف أيضاً، لكن الجيد أنها بدأت تفتح عينيها وهي قلما فعلت منذ الدواء سيء الذكر. المشكلة الأخرى هي أن طبيبها الذي صرف الدواء الأخير، والذي أثق به، كان في إجازة، ولا يمكنني استدعائه لأخذ رأيه.

كانت ساعات وجودي معها عزاء لي على صعوبتها، كنت أريدها ألا تخاف إذ تعلم بأني موجود، حتى مع انخفاض وعيها، طالما سُمح بالزيارة، أو لي بالدخول. كانت في الغرفة قبالنا امرأة عجوز، فوجئت بابنتها تصيح حينما أخبروها بأنها توفيت. لم أتحمل، كان بكاء يقطع نياط القلب، ولم أدري ما اصنع، جلست على الأرض وبكيت. فوجئت بالأخصائية الاجتماعية تأتي إلي مسرعة، ولسبب ما كانت تعرفني بإسمي. ربما لأن المرأة رحمها الله كانت في الغرفة المقابلة، قلقوا من تأثير الفاجعة. سألتني عن حالي ولم تأت على ذكر المرأة. أخبرتها بأني بخير.

لا زلت أتساءل، إذ حينما أخذني أخي إلى الطوارئ قبل فترة وأنا في غاية الألم، وقد بدأت بالاستفراغ حالما أخذوني بالعربة لأدخل الغرفة، ولما تركوني على السرير ووضعوا انبوب المسكن في يدي، بدأت أهدأ، ثم سمعت فتيات يبكين بعجز، لقد توفي شخص عزيز عليهن هناك. انصتُّ وقد سيطر ما يجري على ذهني، ما يجري هناك، وما يجري داخلي، لكني لم أبك، ولم تأخذني العاطفة الجارفة كما يحدث دائماً. هل لأني كنت مشغول بألم جسمي رغم أنه بدأ يخف بالمسكن؟. ظللت أتساءل لفترة طويلة ولا زلت، ماذا أصابني؟ لأنصت فقط؟. هل هو نوع من الأنانية، الانشغال بالذات رغم حضور معاناة أكبر في نفس المكان."



"رغم كل شيء يحدث في المستشفى لأمي، كنت متفائلاً، وكنت أفهم أمي جيداً وأفهم بأن المسألة تحتاج إلى وقت، ومنهجية، وفهم مستمر. إن من يعاشر الشخص المحتاج إلى رعاية يستوعب أن العافية كما نقول شوي شوي، ورغم أن الكل يعرف هذا التعبير إلا أن لا أحد يستوعبه إلا ما قل. لقد رأيت بفتح عينيها علامة إيجابية، وسعدت بنتائج الفحوص، فالإحتمالات السيئة تُستبعد وكل ما أُستبعد هو علامة جيدة وتطور بالفهم.

إن ظروفي الصحية نوعاً ما أفضل مما سبق، ولهذا تأثير على التعاطي مع ظروف أمي وطواريها.


 كان دائماً ما يحبطني في هذه الأزمة هو قلة الصبر من المحيطين بي، لأنها تؤثر على قدراتي بتنظيم الأمور، تؤثر على ترتيباتي وعلى ثقتي بما أعرف وما أخطط له، إن الحفاظ على التركيز هو الأهم. فوجئت باتصال من أختي وقد ذهبت مع أختي الثانية إلى المستشفى دون إيقاظي، وهي تبكي وتقول بأن حالة أمي أسوأ من أمس، وأنها لا تدري ماذا حدث، رأس أمي مائل ولا تستجيب. لمتها على الذهاب دون إبلاغي رغم الاتفاق. وقفزت لا أرى دربي أطوي الشوارع طوياً بسيارتي حتى وصلت إلى المستشفى، فتحوا لي باب العناية المركزة لما رأوا وجهي رغم المنع، وجريت بالممر مخيفاً الجميع ودخلت على أمي، وكلمتها فأجابت!. لما التفت وجدت خلفي ممرضات مذعورات وحارس أمن يخبرني بلطف بأني أخفت الجميع. قبلت أمي وخرجت وأنا أعتذر من كل من أرى بطريقي، وكنت أشعر بنوع من الضعف في جسمي. كان يفترض أني لما اطمئنيت أن أستعيد اتزاني، لكن ما حدث هو أني حالما خرجت ورأيت أختي تسرع تجاهي والأخرى خلفها حتى فقدت ساقاي قوتها وفقدت تركيزي وبدأت بالتهاوي. كنت ما بين الغائب والموجود. جاء طبيب وأوقفوني من الكرسي بالخارج وأدخلوني إلى مجلس صغير بالعناية المركزة. وكلمني الطبيب مطمئناً بأنها بخير (أدري) وعلاماتها الحيوية طبيعية. لم أكن أستعيد اتزاني بعدما غادر بقدر ما كان الغضب يحل محل عدمه. بدأت بلوم أخواتي وهن يبكين على الذهاب بدوني، وتضخيم الأمور. قالت أختي بأنها رأت أن رأس أمي مرفوع إلى الجانب، فقلت بنفاد صبر بأن هذا حتى لا تشرق!. خرجنا وكلمنا الطبيب، وسألته أختي فقال نفس كلامي فخبأت وجهي بيداي إحباطاً من الموقف."



"... فقال أخي الكبير، والده، لا تغير زاوية الكاميرا، فهو لا يعرف إن غيرتها، أي أني شتته هكذا وأخلفت كل ما يعرف، رغم أنها نفس اللعبة، فقط المنظور تغير. أعدنا الكاميرا كما كانت فنجح بتجاوز المكان.

أنا هكذا، في هذه الأحوال الدقيقة؛ لا تغير زاوية الكاميرا، لا تفقدني التركيز.

كانت نية أخواتي حسنة طبعاً؛ كن يعتقدن بأنه سيتم إخراج أمي إلى الجناح من العناية المركزة وكن سيفاجئنني بالبشارة. كانت النتيجة عكسية. وفي يوم لاحق، استلمت رسالة بالوتساب، عن الصبر عند المصائب. كانت بحسن نية أيضاً، إنها عن اهتمام، وهمّ بوضعي ونفسيتي، وهي في موضعها بالنسبة لشخص بطبيعة مختلفة عني، لكن بالنسبة لي؛ حرَّكت الكاميرا رغم أني لم أفتحها، أي لم أفتح محتوى الرسالة. لكن لعلها خيرة، لأني قمت بعدها بالصلاة والدعاء والإلحاح والتضرع لله والبكاء، بينما كنت لاهياً قبلها بعد إرهاق البقاء بالمستشفى ككل يوم.

في اليوم التالي، خرجت أمي من العناية المركزة، وقد فرحت فرحاً كبيراً بها، وكانت قد فتحت عييناتها الجميلتين تنظر، رغم أنها لم تعد ترى تقريباً. لم تتكلم كثيراً، وغالباً كانت لا تجيب الآخرين، ولا يمكن أن تجيب طبيب أو طبيبة. زارنا خالي وزوجته العزيزة وابنهم، ورغم محاولات التفاعل إلا أنها لم تستجب. كان وجه خالي المسكين يقول ما لا يقوله لسانه. حالما خرجوا سألت أمي عن حالها، فقالت الحمد لله. كنت متأكداً بأنها ستجيب حالما يخرجون. لم أدري أأضحك أم أبكي.

لكنها مكثت يومين وأعادوها إلى العناية المركزة مرة أخرى بحال سيء. في العناية المركزة كان طبيبنا البطل موجود، وهو طبيب سعودي جيد. وقد ترون بأني أُكثر من ذكر الأطباء السعوديين الجيدين بينما انتقص من شأن المجموعة بشكل عام طوال الوقت على نحو متناقض. ولكن يحدث هذا الأمر لأنه غالباً لا أجد جدوى من جهد ضاع في وصف المتردية والنطيحة، وهم الأغلبية، ويزداد المجال فقراً حينما يُذكر الدكاترة الأكاديميين السعوديين ويُحكى في شأنهم وقصصهم. أقول بأن دكتورنا البطل كان موجوداً، وهو من تصدى لحالة أمي وطمئننا، في حين كانت طبيبة مخبولة تقترح بتوكيد وبلا مجال للنقاش في دخول أمي الأول للعناية المركزة أنهم سيفتحون فتحة في حلق أمي لتوصل بجهاز التنفس الاصطناعي. لحسن الحظ، وقبل اتخاذ أي موقف، كان أحد الأنساب يتابع وضع أمي هناك، إذ أن له عيادة بالمستشفى، وقد صدم من كلام الطبيبة وأخبرها بأن لا تفعل هذا ولا تستعجل. وكان رد فعل طبيبنا موافق لهذا الرأي وبتوكيد كبير، لم يكن هناك حاجة لهذا، وكان يريد أن يقوم بكل ما يمكن قبل اتخاذ أي خطوة عنيفة، إن جاز القول، على هذا النحو. لأني أخذت رصيد إجازاتي كاملاً، كنت أتواجد كثيراً هناك، وهذا بطبيعة الحال يزعج الأطباء حينما يعطف علي حارس الأمن ويدخلني لأرى أمي، إلا طبيبنا هذا، فهو يقول بأنه يفرح حينما يرى قبعتي الحمراء. وقد لا يكون صادقاً، إلا أنه كان يرحم. كان معاونه المصري يتضايق من وجودي وإن بدا جامد التعبير، حتى في أوقات الزيارة إذ أتابع حالة أمي وأسأل عن المستجدات والأرقام والأدوية، لكني لم أبالي. لم أكن أناقشه، كنت أريد أن أعرف ماذا صنع هذا الدواء أو ذاك القرار وكيف أصبحت الأرقام.

في بداية وجود أمي بالعناية، كانت تحت مسؤولية طبيب سوري طيب وعملي، ويبدو أنه إلى جانب طبيبنا السعودي كان يتربع في قمة الهرم، ولعل طبيبنا الذي انتقلنا إليه أعلى منصباً في المستشفى وفي مستشفيات ومؤسسات أخرى. كان السوري لطيف جداً معي كذلك، وكنت أعجب لحفظه إسمي. ربما كان اسمي موجود في ملف أمي، في الملفات الورقية القديمة في المستشفى الجامعي أعتقد أن اسمي كان موجوداً، كما تواجدت كنية أمي. لكني لاحقاً شككت بأن لفضيحة دوختي دور بالأمر. كان الطبيب الذي خرج لمساعدتي في ذلك اليوم الصعب هو طبيب سعودي تبين لاحقاً بأنه سطحي حقاً، يتعامل مع أهالي المرضى وكأنه يتعامل مع طلاب بالمتوسطة، ويكذب، وكنت أتشائم إذا عرفته يسير أمامي بردفه الذي يشبه حوض المغسلة. جاء إلى أخي وأختي وتحدث بأمري بطريقة ضايقتهما، ثم علق بصفاقة وجهل على تعاملنا مع حالة أمي، لكن أخي ألقمه حجراً إذ قال بأن أدويتها موصوفة من أطباء أعلم منه بمجالاتهم. كان كل هذا مع أنه لا شأن له بحالة أمي. لم أكن موجوداً، ولكني لا أدري ما كنت سأقول لو كنت موجوداً، ربما كان هذا أفضل لألّا أفقد التركيز.

كان التهاب أمي يرتفع وينخفض، لكن وعيها كان ينخفض، وللإلتهابات الشديدة مثل هذا التأثير. كان الغريب وما لم يفهمه أحد مع ذلك هو سبب هذا التدهور الجذري، رغم إعادة الفحوصات من أنواع أشعة وتخطيط للتأكد من عدم وجود مشكلة بالدماغ، وكان دماغها سليم تماماً ولله الحمد.


إن وجود أمي في العناية المركزة لم يعن لي أن أمرها قد قُضي، كما كان يبدو على البعض، أو ما يوحون به، وكان حضور كثير من أحباب أمي وذريتها لا يوحي لي إلا بأسوأ الظنون بالله وانعدام الأمل، وبدا بأن هناك من لا يفهم لماذا كنت أعامل الأمر بأمل واعتقاد بأن الشفاء ممكن. بطبيعة الحال، كنت في جهاد صامت، جهاد لا يشعر به إلا أنا، في مواجهة هذه المشاعر الخارجية المحيطة بي، وكنت واعٍ أشد الوعي بأن لا أسمح بتأثيرها على اتزاني، أنا أعي وجودها لكن يجب أن لا تفقدني اتزاني وتركيزي، فإن لم أركز أنا، فمن سيركز؟، من يعرف أمي أكثر؟ من يعرف طبيعتها النفسية، تفاعلها مع كل شيء، أدويتها؟ تاريخها الطبي؟ معاني التغييرات التي قد لا يلحظها أحد؟ أجرؤ بلا مواربة ولا تردد ولا شك فأقول؛ من يحب أمي أكثر مني. وأنا هنا لا أسأل، أنا أؤكد."




سعد الحوشان